لديَّ هرٌّ أسميته شكيب، تيمناً بابن ثريّا وزكريّا في مسرحية “بالنسبة لبكرا شو”.
شكيب القط البرتقالي الأرعن مشغول البال بطعامه. أشرح له أحياناً ما الذي يحدث في لبنان، لكن، ولأن البلد خارج دائرة اهتمامه، ينظر إلي بعينين تتقصدان أن أرى فيهما حزناً، علّني أغشّ وأمرر له وجبات إضافية بين تلك التي حُددت له مسبقاً.
شكيب فوجئ بشدة حين علم بصلية الصواريخ الستة. لم يقل شيئاً بالطبع، والأرجح أنه لم يفاجأ. وهذه السطور لن تجرب طرق كليلة ودمنة لتمرير رسالتها وحكمتها. شكيب مجرد هرّ كما بتنا نعلم، ولا دخل له من قريب أو بعيد بالأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، إلا إذا كان الشيخ نفسه فوجئ، معي ومع شكيب، ومع لبنان والمنطقة والشمس والقمر والمجرات القريبة، بصلية الصواريخ الستة.
أقول إن الشيخ لم يكن يعلم بأمر الصواريخ، وقد بدا عليه، في خطابه الأخير، وعنوانه “للصبر حدود”، أنه غير مقتنع بما يقوله.
والشيخ تنقصه صفات كثيرة كانت في السيد الأمين العام السابق، الطبيعية منها، كالكاريزما والمهارة في الخطابة وفنون الإقناع، والمكتسبة، كالقدرات القيادية والقدسية والخبرة السياسية والعسكرية. نقص هذه الصفات في الشيخ، كنت أظنّ، لا تقلل من قيمته، لا سمح الله، بل تجعل وجوده على رأس الحزب بنسخته المتبقية، أفضل للجميع، بخاصة أن الشيخ وصل إلى منصبه من دون أوهام كبرى، بل بقوة البقاء وحدها، وبفعل الأقدمية وانتفاء البديل.
وهو إذ يصل في سن متقدم نسبياً، وبعد الهزيمة التي مُني بها الحزب في الحرب السابقة، فقد أبدى نضوجاً ما ومرونة سياسية مقبولة، وأظهر حكمة مملّة، لكن نافعة ومُحتاجة. حكمة مضجرة تميّز شيوخ القرى حين ينكبون على حلّ المشاكل الصغيرة بين رجل وزوجته أو بين مزارعين يختلفان على الأرض، أو خلافه مما يحلم أبناء القرى العاديون أن يكون أكبر همومهم، وهي عزّ الطلب بعد حرب الإسناد الكارثية.
لكن الشيخ خلال خطاب للصبر حدود الذي عانيت حتى صمدت إلى نهايته، خيّب أملي فيه، لأسباب لا أعرف عددها لكنني سأورد تباعاً ما يأتي على ذهني منها حالياً، وفي بالي أن لصبر القارئ حدوداً أيضاً، وأنا طامع بسعة صدر القارئ وشكيب الذي يحوم حولي، معاً.
لم يقنعني الشيخ، بداية، بأن هذه الصلية يمكن اعتبارها ثأراً لرجل بحجم السيد علي خامنئي. حتى لو ادعيت أنني اقتنعت، كيف أقنع القط شكيب بأن ستة صواريخ لا نعرف ما الذي حلّ بها، وأين وقعت، وماذا دمرت، هي الانتقام العادل، ولو بالمشهدية، لاغتيال الولي الفقيه، نائب الإمام الحجة، ظله على الأرض الذي يحضر لظهوره من دون انقطاع من العام 1989. الثأر للسيد المرشد من المفترض ألا يكون أقل من إشعال سماء فلسطين بالأضواء، ولو لمرة واحدة وأخيرة، ولو كانت مفرقعات تبهج قلوب الناس وهم يهرولون بثياب النوم إلى الساحات العامة والكورنيش. على الأقل كي يشعروا أن فزعهم من النوم وهربهم من بيوتهم إلى العراء يرافقهما مهرجان مسلّ في السماء يخفف عنهم ساعات السجن الطويلة في السيارات وساعات الصيام الطويلة مع آذان الفجر وما بعده.
كما أن شكيب وأنا لم نقتنع أيضاً بأن الصلية كانت لتحذير إسرائيل من مغبة التمادي في خروقاتها المستمرة منذ 15 شهراً، وألا دخل لحركة الفجر الطائشة هذه بالحرب المفتوحة في إيران.
كما أن حجة “للصبر حدود” لا أهمية لها، مع ملاحظة أن الشيخ استخدم تعبيراً من القاموس الخالد للست أم كلثوم. إذا عدنا بالزمن قليلاً، نرى أن السيد الراحل كان مدرسة في كيفية توجيه قاعدته الشعبية والتسويق للقرارات ذات المصلحة الإيرانية البحتة. حين كان ينضم إلى حروب خارجية تماماً، مثل الحرب السورية وإسناد غزة، كان يسوق تحليلاً متماسكاً يخلط فيه الاستراتيجيا بالأخلاق بتراث الطائفة الديني ويقدم حزمة متكاملة من الحجج التي يمكن للصغير قبل الكبير في البيئة استخدامها، على الشاشات وفي الجرائد ووسائل التواصل، وبين بعضهم بعضاً ومع خصومهم. حزمة متكاملة فيها الكثير من الاحترام لعقولهم ولخساراتهم الفادحة في أرضهم ورزقهم ودمهم وأمنهم وحاضرهم ومستقبلهم. هذه التي بينما تتحول هباء منثوراً، يعودون إلى الأمل الأخير لديهم بأن “السيد قال والسيد وعد والسيد سيفعل”. لكن السيد راح كما تعلم يا شيخ. والآن، بينما السيد الأكبر يرحل في الثواني الأولى من حرب عظمى تعد لها إيران العدة منذ 47 سنة، لا يمكنك، وأنت الذي تنوب عن السيدين حالياً، أن تكتفي بضم إبهامك إلى سبابتك للدلالة على صغر حجم صلية وتقول إن الصواريخ الستة ليست ذريعة للحرب التي باشرتها إسرائيل. القط شكيب يا مولانا كان يعلم أن حجم الرد الإسرائيلي لن يكون أقل مما تفعله هذه الدولة الكريهة حالياً. حتى شكيب القط يعلم يا مولانا أن بنيامين نتانياهو حقير، بل وكلب، وجميعنا نعرف أن بين القطط والكلاب ما صنعه الحدّاد. شكيب لم يقتنع، وأنا لم أقتنع، والطائفة لم تقتنع، ولبنان يا مولانا، وحتى نتانياهو لم يقتنع بأنك، ومن أخذ القرار عنك أو معك، لم تكونوا تعلمون بأن الرد سيكون بالحجم الذي تراه ونراه حالياً.
كنتم تعلمون يا مولانا وهذا بالتحديد ما كان مطلوباً منكم بدقة، أن تصعدوا إلى أعلى نقطة وتقفزوا منها، حاملين طائفتكم وبلدكم معها، فداء لنظام سلاحه الوحيد لمواجهة أميركا حالياً هو قدرته على ابتزازها بإشعال الشرق الأوسط من لبنان إلى فلسطين إلى الخليج إلى آخره.
هذا حقّه كنظام يسعى الى الخروج من الجحيم. لن ننتظر منه غير مراعاة مصالحه، حتى لو كانت على حساب قاعدته العسكرية الدائمة في لبنان. وحزب الله وُلد على يد المرشد الأول وترعرع على يد الثاني وكبر وسمن ونفخ في بوقه لفجر مثل هذا، يقدم فيه الإبن نفسه وناسه وبلده قرباناً على مذبح الأب، ينقذه بالتضيحة بنفسه، يعطيه كي يرضى.
لدي أسباب أخرى أسوقها لتبرير عدم اقتناعي بخطابك الذي قد ينفع كندوة دراسية مثلاً، أو لبودكاست، لكن ليس لتبرير هذه الحرب التي كانت ستقع حتماً بسبب صلية الصواريخ، وبسبب عناد الحزب في عدم تسليم أمره للدولة اللبنانية وتمسكه بسلاحه حتى الاستماتة كما قلت يا مولانا، ليس ذوداً عن المقاومة، أو العقيدة، أو البلد، بل بانتظار ما سيقرره الأب في شأن هذا السلاح، وهذا الحزب، وهذه الطائفة التائهة تيه شعب موسى في صحراء سيناء.
النتيجة التي لم يصل إليها خطابك يا مولانا هو أن الأب يلتهم أبناءه ليحيا. لو أنك قلتها مباشرة لكنت وافقتك. أما مسألة أن للصبر حدوداً، فأنت محق تماماً. للصبر حدود، فعلاً يا شيخ، للصبر حدود لنا جميعاً، لشكيب ولقارئ هذي السطور وكاتبها، ولشكيب الذي يغني معي منهياً هذا المقال من الأغنية نفسها التي أجادت فيها الست: “ما تصبرنيش ما خلاص أنا فاض بييَّ ومليت”.
إقرأوا أيضاً:












