ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لماذا اختفى إنسان نياندرتال؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بحث علماء الآثار والأنثروبولوجيا وعلماء المناخ عن أسباب أخرى للانقراض، ولكن دون يقين علمي. لذلك، يمكن الحديث عن أن العصر الجليدي الأخير أدّى إلى صراع حادّ على الموارد الغذائية. وفي مثل تلك الأوضاع الناجمة عن قلّة الغذاء والصراع عليه، كانت اليد الطولى للإنسان المعاصر، حيث كانت الغلبة السكّانية وامتلاك الأسلحة الحديثة تخدمه في مواجهة نياندرتال. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مع تصاعد الظواهر المناخية المتطرّفة الناتجة عن الاحترار العالمي، يحذّر العلماء من سيناريوهات كارثية قد تهدّد البشرية والنظم البيئية، من بينها انهيار البنى التحتية، الأمر الذي يهدّد بانهيار الحضارة الإنسانية على نطاق واسع. وتكشف أحداث غير مسبوقة، مثل الفيضانات العارمة في جنوب شرق آسيا والجفاف المتزايد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عن مخاطر حقيقية تطال الأمن الغذائي والطاقة والاستقرار المجتمعي.

وتشير معدّلات فقدان الأنواع المتسارعة إلى ضغوط بيئية كبيرة على الخدمات التي تقدّمها النظم البيئية، ما يدفع العلماء إلى التساؤل حول احتمالات الانقراض الجماعي، ونقاط ضعف المجتمعات أمام تتابع الأزمات المناخية. ويُتوقّع أن يؤدّي ارتفاع حرارة الأرض درجتين مئويتين بحلول العام 2100 إلى تعرّض 37٪ من سكّان العالم لموجات حرّ شديدة، مع خسارة أكثر من 40 في المئة من الأنواع الحيّة.

وقد أظهر انقراض نياندرتال قبل أكثر من 30 ألف سنة، أن التغيّرات المناخية السريعة والعنيفة، شكّلت ضغوطاً كبيرة على مصادر الغذاء. على الرغم من التقدّم العلمي والتكنولوجي الهائل، ما يواجهه الإنسان المعاصر من المخاطر الناجمة عن تغيّر المناخ قد يكون، في جوهره، اختباراً مشابهاً على نطاق كوكبي. هنا عودة إلى قصة انقراض نياندرتال إذ يقف وراءها المناخ بشكل مباشر وغير مباشر.

كانت الأرض، عبر ملايين السنين من التحوّلات، تبدّل وتغيّر أصل أنواعها مرّة بعد أخرى، بما في ذلك أنواع البشر من الإنسان الواقف على قدميه قبل نحو مليوني سنة إلى صنّاع الذكاء الصناعي اليوم. لقد ظنّ الإنسان المعاصر لآلاف السنين أنه الوريث الوحيد للجنس البشري، بل ذهب أكثر من ذلك واختار لنفسه لقب الإنسان العاقل Homo Sapiens. لكن قبل الهجرة الكبيرة من القارة الأفريقية قبل 70 ألف سنة، والانتشار الواسع للإنسان المعاصر في جميع أنحاء العالم، كان يعيش على هذه الأرض نوع آخر، نوع قريب منّا لدرجة تجعل حدود القرابة بيننا وبينه لا تقتصر على الشكل والبنية الجسدية، بل تصل إلى جيناتنا. نكاد نرى ملامحهم في نصفي وجوهنا التي ورثت منهم الحمض النووي المسؤول عن وظائف الجسم وصفاته المميّزة. 

إنه نياندرتال، الكائن الذي عاش قبلنا نحن البشر المعاصرين، بل عاشرنا زمناً طويلاً استغرق 30 ألف سنة، ثم انسحب فجأة، وترك وراءه وادياً من الصمت يفوق ذلك الوادي الذي عُثر فيه للمرّة الأولى على بقايا عظامه. لا نعرف كيف كانت ملامح أوّل لقاء بيننا وبينه قبل 70 ألف سنة، ولكن الأبحاث الحديثة تخبرنا أن بُناهم الجسدية كانت أقوى، ووجوههم أعرض، وجباههم أكثر انحناءً. عاشوا في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، في كهوف تحمل فيها الأحجار آثار النار التي تعلّموها قبل عشرات الآلاف من السنين. عاش نياندرتال ضمن مجموعات صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة عشر فرداً، لكن روابطها الداخلية كانت متينة، تحكمها روح التعاون والبقاء المشترك. وفي تلك الكهوف الظلماء التي احتضنتهم لأعمار طويلة، اشتمّوا روائح شواء اللحوم والأخطار معاً، تكيّفوا مع برد لا يرحم، وأشعلوا النار لتضيء لياليهم الطويلة، ومنهم بدأ تدجين بعض من عناصر الطبيعة، بما في ذلك النار.

على الرغم من دقّة الكربون 14 والتكنولوجيا الحديثة في إعادة بناء سرد حياة نياندرتال، تحمل القصّة قدراً كبيراً من الخيال. إن الأدبيات قبـل تاريخية المستندة إلى عظام وبقايا متناثرة في كهوف في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، تعيد رواية سلفنا المنقرض بشكل يفوق الخيال في تحديده الدقيق للأشياء والأحداث، بما في ذلك تحديد نسبة الحمض النووي التي ورثناها عنه. 

ما أوصلني إلى نياندرتال في الحقيقة، هو البحث عن مناخ الأرض القديم أي المناخ قبل التاريخ Paleoclimate، وحقيقة انقراض الأنواع والانهيارات. وبما أن الأنواع على الأرض ظهرت وتطوّرت وانهارت وفق الظروف المناخية المتغيّرة؛ تمركزت قصّة اختفاء نياندرتال في هذا السرد الذي يستند إلى أن الكائنات على الكوكب هي كائنات مناخية بامتياز. والأكثر إثارة للانتباه في هذه القصّة هو هجرة مناخية من أفريقيا الى أوروبا عبر الإنسان المعاصر. أي أن أجدادنا لم يجلبوا ثقافتهم ومعارفهم وأسلحتهم المتقدّمة من أفريقيا الى أوروبا والعالم فحسب، بل جلبوا المناخ الأفريقي أيضاً، وذلك عبر بناهم الجسدية والوراثية والشروط الصحّية، بما فيها أنواع الأمراض التي يحملونها معهم.

جمع فريق بحث أثري من Duke University في ولاية كارولاينا الشمالية وجامعةWitwatersrand  في جنوب أفريقيا بيانات عن 13 نياندرتال و233 إنساناً معاصراً من عصور ما قبل التاريخ، بالإضافة إلى 83 إنساناً حديثاً. ومن خلال هذه الإحصاءات، ركّزوا على قياسات الجمجمة القياسية كعنصر تحكّم لدراسة حجم وشكل مكوّنات الوجه الرئيسية. وقد مكّنت هذه العناصر التحكّمية الفريق من تحديد ما إذا كان من المحتمل أن يكون الإنسان المعاصر، قد تزاوج مع نياندرتال. كما استخدم الباحثون الاختلافات البيئية (مثل المناخ) المرتبطة بتغيّرات المظهر البشري لتحديد ما إذا كانت العلاقة بين نياندرتال وبيننا ناتجة عن التكاثر أم عن عوامل أخرى مثل المناخ.

تشير النتائج إلى أن سمات الوجه لم تتأثّر بشدّة بالمناخ، مما يزيد من احتمال وجود تأثيرات جينية على النتائج الإنجابية. كما تبيّن للباحثين أن شكل الوجه كان متغيّراً وأكثر فائدة لتتبّع الآثار الإنجابية بين نياندرتال والبشر الجدد. بشكل عامّ، كان نياندرتال أكبر حجماً من البشر فقط، ومع مرور الوقت، تقلّص حجم وجوههم. في الواقع، احتفظت بعض ملامح الوجه بآثار اختلاط وتزاوج مع نياندرتال. 

على الرغم من أن نياندرتال عاش في أوروبا والشرق الأوسط، فقد ترك حمضه النووي في آسيا أكثر من أيّ مكان آخر، ممّا يشير إلى اختلاطه بالإنسان المعاصر ويبدو أنه تزاوج مع نسائهم. وقد حدث هذا بعد أن غادر البشر الجدد أفريقيا ووصلوا إلى أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأدنى، أي قبل انتشارهم في آسيا.

يُثبت معهد “ماكس بلانك” للأنثروبولوجيا التطوّرية في ألمانيا، عبر فحص الحمض النووي لأحد عشر شخصاً في كهفين في سيبيريا، أن نياندرتال عاش في أوروبا وغرب آسيا لفترة 430 ألف عام، وانقرض قبل 40 ألف عام. قبل انقراضه بثلاثين ألف سنة، وصل الإنسان المعاصر إلى أوروبا وآسيا قادماً من أفريقيا. يشير هذا الاستنتاج، الذي يعتمد على فحص الكربون 14 للبقايا الأحفورية، إلى أن غزو الإنسان المعاصر لأوروبا يعود إلى 70 ألف عام. تُظهر الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية أن نياندرتال والإنسان المعاصر يمتلكان 99.7% من العنصر الجيني نفسه. ولأن نياندرتال هو أقرب الأنواع البشرية إلينا، فقد ترك ما بين 1% و4% من جيناته في سكّان أوروبا وآسيا.

على الأغلب، كانت القلّة السكّانية وندرة مصادر الغذاء مانعاً قوّياً أمام تكيّف وبقاء نياندرتال مع التغيّرات المناخية السريعة والعنيفة. وبحسب الدراسات والاكتشافات كانت أعدادهم قليلة ولم تبلغ عشرات آلاف شخص، ما أدّى إلى حصول انخفاض في التكاثر والبقاء على قيد الحياة، بينما كان الإنسان الحديث يغلب عليهم سكّانياً، إذ كانت مجموعاتهم تتكوّن من 150 شخصاً.

لا شكّ في أن النار دخلت حياتهم من خلال أحداث طبيعية كالبرق، لكنّها أصبحت عنصراً مهمّاً في حياتهم. يعود علماء الآثار إلى بقايا كهف أوليفيرا في وسط البرتغال، وهو أحد أهمّ المواقع الأوروبية في العصر الحجري الأوسط، لإثبات هذه الحقيقة. وقد خضع الكهف لعمليّات تنقيب منهجية بين العامين 1989 و2012.

يقع الكهف فوق مجرى مائي كبير وأصبح مستوطنة لنياندرتال في عصور ما قبل التاريخ المختلفة. بناءً على دراسة الطبقات الداخلية، يعود تاريخ الكهف إلى نحو 120,000 عام، بينما يعود تاريخ الطبقة الأخيرة إلى نحو 40,000 عام. ويُعتقد أن نياندرتال قد استقرّ هنا بين 100,000 و70,000 عام قبل الآن.

كانت بقايا مواقد النار وبقايا الطعام في الكهف من الآثار المهمّة التي لفتت انتباه علماء الآثار. في منطقة تمتدّ على مساحة 30 متراً وبعمق 6 أمتار، عثر علماء الآثار على قرابة 10 مواقد للنار في طبقات مختلفة، ما يشير الى أن سكّان كانوا يطبخون الطعام. ومن الأدلة المؤكّدة على هذا الاعتقاد هو وجود عظام وخشب محترق ورماد صخري، وكذلك صخور تحت المواقد ذاتها، تحوّل لونها الى الأحمر بفعل الحرارة، ما يؤكّد أن النار كانت جزءاً من حياة نياندرتال وساعدتهم على الاستقرار، بالإضافة إلى تطوّرهم الاجتماعي واعتبار الكهوف موطناً لهم.

في الكهف ذاته، تمّ العثور على عظام محترقة تعود للماعز والغزلان والخيول ووحيد القرن، بالإضافة إلى آثار سلاحف على ما يبدو تمّ وضعها على أحجار ساخنة عبر درعها السميك من أجل الشواء. ويُدرج اللحم ضمن قائمة مصادر غذاء نياندرتال في كهف أوليفيرا.

في كهوف على البحر الأبيض المتوسط ​​غرياً بالقرب من إسبانيا، كشفت حفريات أخرى عن بقايا أسماك ومأكولات بحرية. وتمّ العثور بين بقايا تلك المأكولات حتى على صنوبر محمّص. إن وجود هذه الموارد في حياة نياندرتال مؤشّر قويّ على تنوّع نظامه الغذائي، ناهيك بتنوّع المصادر في المناطق التي اختاروها للإقامة والبقاء. باختصار، يقدّم العلماء جميع الأدلّة على استخدام سلفنا المنقرض للنار في إعداد الطعام. ومع ذلك، لم يُفهم بعد سرّ كيفية اكتشاف النار ونقلها إلى الكهوف.

تالياً، أن أبناء عمومتنا لم يكونوا أقلّ ذكاء منّا، وتُشير بقاياهم في شبه الجزيرة الأيبيرية (البرتغال وإسبانيا)، بخاصة في الكهوف البرتغالية، إلى أنهم عرفوا إشعال النار وطهي الطعام، وهو ما يُظهر حكمتهم. وفقاً لعالم الآثار دييغو أنجيلوتشي من جامعة ترينتو. كان نياندرتال يتمتّع بالقدرة على التفكير الرمزي، وصنع أشياء فنّية وتزيين أجسادهم بها، وكان لديه أنظمة غذائية متنوّعة، حيث كانوا يتناولون الطعام المطبوخ بانتظام، ما يشير الى أنهم كانوا يتمتّعون بكفاءة البشر المعاصرين.كما تشير الحفريات الى وجود رموز روحية واجتماعية بين مجموعات نياندرتال. ويمكن العودة في هذا السياق بقايا كهف شانَدَر في إقليم كوردستان العراق. فقد عُثر على نوع من الزهور في قبر شانَدَر -4 البشري، ما يرجّح وجود معاملة روحية مع جثث الموتى.

من المرجّح أن نياندرتال، كما في العصر الحجري الحديث، تعرّف على النار عن طريق خدش أو سحب حجر على آخر ووضع بطانيات بينهما. ومع ذلك، فإن فحص الطبقات الداخلية في كهف أوليفيرا، الذي أتاح لعلماء الآثار فرصة جيّدة لمقارنته بكهوف أخرى في المنطقة ذاتها قبل 30 ألف عام. تُثبت الروايات العلمية في هذه المنطقة وجود أناس أذكياء، وتُلقي الضوء على حقيقة مفادها أن بشر ما قبل التاريخ عاشوا في الكهوف بطريقة مماثلة لأسلافنا المعاصرين وكانوا أذكياء. يمكن القول إن نياندرتال كان مجرّد نوع آخر مختلف عن البشر المعاصرين.

نياندرتال نباتياً

تشير الحفريات إلى أن نياندرتال من شبه الجزيرة الأيبيرية كان يأكل نباتات أكثر، بينما يبدو أنه كان لاحماً في أماكن أخرى. تشير نتائج تحليل أسنان نياندرتال في منطقة غاباسا في إسبانيا إلى أن نظامهم الغذائي كان يعتمد بشكل أساسي على اللحوم، وذلك عبر النظر في الجزء الأقوى والأكثر تمعدناً في جسم الإنسان وهو مينا الأسنان، إذ يحمل كميّات من أنواع الزنك. أظهرت الدراسات الكيميائية أن نياندرتال لم يكن يتغذّى على دم الحيوانات التي كان يصطادها، بل كان يتغذّى على نخاع عظامها، ممّا يتيح للباحثين إمكانية التميّز بين آكلي اللحوم وأولئك الذين اعتمدوا على اللحوم والنباتات معاً. يعتقد دومينغو كارلوس سالازار الباحث في معهد “ماكس بلانك”، أن النتائج الجديدة حول النظام الغذائي والاعتماد على اللحوم ستُحيي الجدل حول النظام الغذائي لنياندرتال.

حتى اليوم، رجّحت معظم الأبحاث أن النظام الغذائي لنياندرتال كان يعتمد على اللحوم، إنما كشفت أبحاث أثرية جديدة عن جانب خفيّ من حياة الإنسان في العصر الحجري، وهو استهلاك النباتات والحبوب. وتُظهر بقايا تعود إلى 70 ألف عام في كَهفَي شانَدَر في كوردستان وفرانشتي في اليونان، أن نياندرتال كان يتّبع نظاماً غذائياً معقّداً، حيث استخدم بعض الزهور والنباتات والحبوب في صنع التوابل والزيوت، وكان يؤكل مباشرةً. كان نبات الخردل (الخَرتَله باللغة الكوردية) أحد الأطعمة التي تناولها نياندرتال بطرق مختلفة. 

يوضح هذا الاكتشاف أنه تميّز بذكاء في نظامه الغذائي إذ كان يختار نباتات ذات قيمة غذائية عالية. وكما نعلم جميعاً، للخردل فوائد عديدة: يُؤكل أخضر، أو مطبوخاً، أو مقلياً بالزيت، وتُصنع منه الزيوت والتوابل. يتمّ تناوله كمحلول سميك مع العديد من الأطعمة في جميع أنحاء العالم.

مجتمع نياندرتال

عند تتبّع علماء الآثار والأنثروبولوجيا لأبناء عمومتنا المنقرضين، توصّلوا عبر الفحص الدقيق ودراسة عظامهم ومقابرهم، إلى معلومات عن أفكارهم وحياتهم وعلاقاتهم مع الإنسان المعاصر. بالإضافة إلى ذلك، توصّلوا إلى استنتاجات يمكن تفسيرها على أنها سبب انقراضهم.

غالباً ما يشير ذكر نياندرتال في تفكيرنا وثقافتنا إلى القسوة وقلّة الإحساس والقتل، في حين أننا لا نعرف الكثير عنهم. في الأدبيات الكردية على سبيل المثال، تمّ تحديد معرفتنا وفهمنا لنياندرتال عبر كهف شانَدَر حيث عاشوا فيه وتركوا وراءهم آثاراً تدلّ على نمط حياتهم. نحن نفخر فقط بوجود أناس قدماء في كوردستان، لكنّ معلوماتنا عنهم قليلة ولا نعرف حتى أنه كان نوعاً آخر من الإنسان على الأرض، وذلك على رغم من أنه عاش معنا 30 ألف سنة، وترك فينا حمضه النووي. لم نسأل لماذا جاء هذا الإنسان إلى هذه المنطقة التي عاش فيها وانقرض؟ هل كان السبب هو المناخ، أم هربوا من الإبادة الجماعية على أيدي الإنسان المعاصر، أم أنهم استقرّوا هنا بلا هدف وكانوا يبحثون عن مصادر الغذاء فقط؟

حتى اليوم تُرجع علوم الآثار والإنسان أسباب الانقراض إلى ثلاث نظريات أساسية، وهي: تعرّضهم لمذابح على أيدي الإنسان المعاصر، انتشار أوبئة فتّاكة جلبها الإنسان المعاصر أيضاً، أو جرّاء تغيير كبير في المناخ. ولكن لم تُحسم أيّ من هذه النظريات، لأن الفترة الزمنية الواقعة بين الانقراض ووصول الإنسان المعاصر من أفريقيا تتجاوز 30 ألف عام. أيّ أن الانقراض استغرق عشرات الآلاف من السنين ولم يحدث فجأة. 

من أين جاء اسم نياندرتال؟

في عام 1825، اكتُشف أوّل قبر لنياندرتال في بلجيكا، وكان يحتوي على عظام طفل. وبما أن البقايا كانت مشوّهة للغاية، لم تُسفر عن نتائج تُذكر. بعد خمسة وعشرين عاماً، وتحديداً في عام 1856، عثر عمال على غطاء جمجمة وبعض العظام أثناء تنظيف كهف صغير في وادي نياندَر قرب دوسلدورف بألمانيا. للوهلة الأولى ظنّوا أنهم عثروا على بقايا دبّ، لكن بعد سنوات، تبيّن أن العظام تعود لسلف لآخر لإنسان المعاصر.

أثارت بقايا وادي نياندر دهشة علماء الآثار، لا سيّما وأنها جاءت قبل ثلاث سنوات من نشر كتاب تشارلز داروين الشهير “أصل الأنواع”، الذي تناول تطوّر الأحياء على الأرض. حتى ذلك الحين، كانت المصادر المتاحة حول الأنواع ونظرية التطوّر شحيحة. وقد شكّل العثور على تلك البقايا بداية عمل دؤوب ومتواصل على آثار أبناء وبنات عمومتنا المنقرضين. وفتح العثور على بقايا مماثلة في مناطق أخرى في أوروبا، شهيّة علماء الآثار والأنثروبولوجيا لمعرفة حياة نياندرتال. 

باستثناء العظام وآثار متحجّرة، لم يترك أسلافنا اسماً ولا آثاراً واضحة تدلّ على أنماط حياتهم وثقافتهم، ولكن من أين جاء اسم نياندرتال؟ يُشتق الاسم من وادي نياندر الذي عُثر فيه على الجماجم للمرّة الأولى. وفي الأصل، يرتبط اسم الوادي بكاهن مسيحي عاش في القرن السابع عشر، وأصبح عن غير قصد، اسماً لجنس بشري آخر عاش على الأرض قبل الإنسان المعاصر. لو لم تُكتشف بقايا من عظام نياندرتال في الوادي المذكور قرب دوسلدورف في عام ١٨٥٦، لاختفى حتى اسم الكاهن المسيحي (يواكيم نياندر) وهو كاهن كالفيني ألماني، كان أجداده كهنة لستة أجيال. كان يواكيم نياندر يرتاد الوادي بانتظام ويُقيم فيه، يتنزّه، يستمتع بالطبيعة، ويكتب نصوصاً أدبية ودينية.

كان نياندر مراهقاً متمرّداً، متأثّراً بشدّة بأصدقائه، بعيداً كلّ البعد عن أن يصبح كاهناً كأجداده. في إحدى الأمسيات، في العشرينيات من عمره، حضر مع أصدقائه قدّاساً في الكنيسة للسخرية من كاهن جديد. على عكس ما ذهب إليه، كان للكلمات الدينية التي سمعها في تلك الليلة تأثيراً عميقاً عليه. بقي في الكنيسة بعد الصلاة وآمن إيماناً كاملاً بالمسيح والمسيحية على الكاهن الذي أراد يسخر منه.

قبل أن يصبح كاهناً، عمل نياندر مُدرّساً في دوسلدورف، التي كانت آنذاك بلدة صغيرة. في الوقت نفسه، كان يزور وادياً قرب نهر دوسلدورف (دوسل)، وهو مكان جميل ومُلهم انعكس في الكثير من كتاباته. يُقال إنه كان يُقيم اجتماعات وشعائر دينية في الوادي نفسه، وكان شغفه بالعمل معروفاً. في أوائل القرن التاسع عشر، أُطلق على الوادي اسم (نياندرتال) أي وادي نياندر. و(تال) هنا تعني الوادي، وبما أن البقايا الأولى لأبناء عمومتنا المنقرضين اُكتشفت في كهف في ذلك الوادي في عام 1856، فقد أطلق العلماء على سلفنا المنقرض اسم نياندرتال.

قبل35,000 إلى 30,000 عام وأكثر، انقرض نياندرتال تماماً، ولم يترك وراءه سوى بقايا أحفورية وعظام في كهوف أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. لم يكن أحد منّا، نحن المعروفين باسم الإنسان العاقل، يعلم بأن نوعاً آخر شبيهاً لنا عاش على هذه الأرض، حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر (بعد العام 1850).

استناداً إلى نتائج علوم الآثار والأنثروبولوجيا والمناخ في عصور ما قبل التاريخ، تسعى الاستنتاجات المبنية على دراسة الأحافير البشرية والمعروفة باسم أدبيات ما قبل التاريخ، إلى إعادة بناء رواية المناخ قبل عصر الهولوسين، ولكن قصّة نياندرتال الذي لم يتبقَّ منه سوى قدر ضئيل من ذرّيته في جيناتنا، تبدو وكأنها عمود الرواية الرئيسي. 

نعود هنا لنسأل، هل قضت عليهم تغيرات المناخ العنيفة، خاصة أنهم عاشوا في العصر الجليدي الأخير (110,000 إلى 10,000 عام قبل الآن)؟ أو أبادهم الإنسان المعاصر؟ أو انصهرت ذرّيتهم في مجتمع الإنسان المعاصر؟ لا يزال الانقراض مثيراً للجدل، لكنّ النظرية الجديدة لمعهد “ماكس بلانك” تعتقد أن أسباب انقراض أبناء عمومتنا تعود إلى مواجهتنا لهم. ففي الوقت الذي يسمح اختبار الحمض النووي بفهم أفضل لجوانب تطوّر نياندرتال ووظائف أعضائه، فإن فهم تنظيمه الاجتماعي وعلاقاته لا يزال معقداً حتى يومنا هذا.

وكان معهد “ماكس بلانك” قد أجرى بحوثاً عن العلاقات الاجتماعية لأحد عشر شخصاً عُثر على عظامهم في كهف تشاجيركا في روسيا، بالإضافة إلى عظام شخصين آخرين في كهف أوكلانديكوف في البلد نفسه. يقع كلا الكهفين في جبال ألتاي جنوب سيبيريا. يعود تاريخ نياندرتال في كهف تشاجيركا إلى ما بين 59,000 و51,000 عام، بينما يعود تاريخ بقايا كهف أوكلانديكوف إلى 44,000 عام. 

من بين من عاشوا في كهف تشاجيركا، تشير الأدلّة إلى أن بعضهم كانوا قريبين جدّاً من بعضهم بعضاً وعاشوا في العصر نفسه. ما تمّ الكشف عنه من خلال تلك المجموعة من نياندرتال هو أن تنوّع عنصر الكروموسوم( Y ) الذي ينتقل من الأب إلى الطفل، أقلّ بكثير من تنوّع عنصر الكروموسوم( Y ) الذي ينتقل من الأمّ إلى الطفل، وهذا مؤشّر قوي على أن النساء كن في حالة هجرة مستمرّة بين مجموعات وأماكن مختلفة.

خلص العلماء ضمن المجموعة إلى أن وجود نمطين متطابقين لعنصر معيّن من الوالد، وهو ما يسمّى بـ (متماثل الجينات) مرتفع لدى نياندرتال كما هو الحال في عائلة غوريلا الجبال. هذه الظاهرة مؤشّر واضح على وجود مجموعة اجتماعية لنياندرتال مكوّنة من 20 شخصاً. تشير التقديرات إلى أن نحو 6٪ من النساء في هذه المجموعات جئن من مجموعات أخرى وانضممن إلى عائلات جديدة، بينما استقرّ الرجال ضمن مجموعاتهم وأماكنهم الخاصّة.

يدعم هذا الاستنتاج أبحاثاً سابقة استندت إلى آثار الحفريات وتفسير المواقع، والتي توضح ملامح مجتمع نياندرتال الصغير. وعبر مقارنة أحماضهم النووية بتسلسل أحماض نووية سابقة، تمكّن الباحثون من تحديد اندراج تلك المجموعات ضمن الصورة العامّة لنياندرتال في أوراسيا. المثير للاهتمام هنا، هو أن أصل الأشخاص الثلاثة عشر في كهف تشاجيركا أقرب إلى نياندرتال في كهف فينديجا في كرواتيا عاشوا قبل 50 ألف عام، منه إلى نياندرتال كهف دينوسوفا في جبال ألتاي، الذي يعود تاريخه إلى ما بين 130 ألف و91 ألف عام.

على الرغم من أن المجموعات في كهفي تشاجيركا و أوكلانديكوف فريدة وراثياً، تبدو مرتبطة بنياندرتال أوروبا وكانت جزءاً من السكان الأوائل. تكمن أهمّية هذه الدراسة في أنها تكشف للمرّة الأولى عن صلة القرابة بين أفراد عائلة نياندرتال، بمن فيهم أبوان وابنتان. مع ذلك، لا يُعدّ هذا استنتاجاً كاملاً، إذ إنه مجرّد تجلٍّ لمجموعة صغيرة مقارنةً بحجم سكان نياندرتال في أوراسيا. عموماً، يثير هذا الاكتشاف تساؤلاً حول ما إذا كانت الخصائص السكّانية لجبال ألتاي مرتبطة بمواقع جغرافية معزولة في أقصى الشرق، خاصّة وأن حجم سكّان كهف فينديا في كرواتيا يُقدَّر بأنه أكثر أهمّية.

كيف اختفى؟

كيف انقرض جنس بشري عاش في أوراسيا لمئات الآلاف من السنين في غضون 30 عاماً؟ من البديهي أن الانقراض مرتبط بهجرة البشر الجدد من أفريقيا إلى أوروبا وانتشارهم حول العالم. طوال القرن العشرين، وخاصةً منذ خمسينيات القرن الماضي، شغلت بقايا نياندرتال علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا، ولا تزال الصورة سلبية. ما خلّفه نياندرتال هو أحجار حادّة وأدوات صيد وبعض الرموز الروحية كدفن موتاهم. حتى إن بعض العلماء يعتقدون أنهم صنعوا السوار، لكنّهم ما زالوا يعملون على أسباب انقراضه ونظام حياته العامّ.

الآن أصبحنا نعرف عن شكل وشخصيّة ونمط حياة نياندرتال وعن تنظيمه الاجتماعي نوعاً، لكنّ التفاصيل في الصورة العامّة لم تُكشف بعد. وتأتي الاكتشافات بفضل الدراسات الآثارية والأنثروبولوجية عن بقاياهم في الكهوف، بالإضافة إلى عظام الحيوانات التي كانت مصدر غذائهم. وقد قادت هذه البقايا المتروكة من نياندرتال العلماء إلى استنتاجات مهمّة حولهم، وحول أحماضهم النووية في الإنسان المعاصر.

السؤال الدائم هو: كيف انتشر نياندرتال، ومن بعده الإنسان المعاصر، في أوراسيا والشرق الأوسط؟ تعتمد الإجابة عن هذا السؤال على الظروف البيئية. وصولاً إلى العصر الجليدي الأخير (قبل 115,000 إلى 11,700عام)، عندما لم تكن الأنهار الجليدية باقية ولم تبدأ بالذوبان جرّاء ارتفاع درجات الحرارة، كان مستوى سطح البحر أقلّ بمقدار 120 متراً ممّا هو عليه الآن اليوم. ولعلّ استقرار الظروف المناخية هو من أقوى العوامل وراء انتشار نياندرتال والبشر المعاصرين.

بناءً عليه، يعزو العلماء السبب الأوّل لانقراض نياندرتال إلى تأثيرات المناخ خلال العصر الجليدي الأخير، عندما كانت التغيّرات سريعة، من الحرّ إلى البرد القارس، والعكس صحيح. وقد فرض ذلك ضغطاً كبيراً على مصادر غذائهم، كالنباتات والحيوانات. كان نياندرتال مجبراً على التكيّف بسرعة مع المناخ، وغالباً ما كان يعجز عن مواكبة التغيّرات المناخية العنيفة.

ترجّح الأبحاث أن يكون السبب الثاني هو القلّة السكانية التي لم يتجاوز عددها عشرات الآلاف، وكانت مجموعاتهم الموزّعة على مغارات في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط تتكوّن من 15 فرداً. وقد أدّى ذلك إلى تراجع معدّلات التكاثر والبقاء، في حين ازداد عدد البشر المعاصرين بسبب الغلبة السكّانية، حيث تجاوزت أعداد كلّ مجموعة منهم 150 فرداً. 

ارتباطاً بهذه النقطة الثانية، يُعتقد بإن هجرة الإنسان المعاصر الكبيرة من أفريقيا الى أوروبا قد تكون السبب الثالث، ذاك أن الهجرة جلبت أمراضاً فتّاكة لم يستطع نياندرتال تحمّلها.

السبب الرابع هو عدم مقاومة نياندرتال في صراعه مع الطبيعة، خاصّة في ظلّ افتقاره للأدوات والأسلحة الحديثة للصيد ومقاومة المتنافسين على المستوطنات والغذاء، بينما كانت مجموعات الإنسان المعاصر تتكاثر وتمتلك أدوات متطوّرة في السيطرة على الطبيعة بشكل أكبر. ولا يُنسى في جميع الأحوال تعرّضهم للمذابح على أيدي البشر المعاصرين تفوّقوا سكّانياً على سلفهم، ناهيك بامتلاكهم الأسلحة المتطوّرة. 

يمكننا هنا العودة إلى كهف شاندر في كوردستان، الذي يُظهر أوضح مثال على لقاء مجموعة من نياندرتال. حتى الآن، عُثر في الكهف المذكور على هياكل عظمية لأحد عشر نياندرتال، يعود تاريخها إلى ما بين 50,000 و75,000 عام. من بين الهياكل الأحد عشر، كان هناك طفل في الثامنة من عمره ونساء وكبار في السنّ. يُظهر هيكل عظمي لامرأة أنها جُرحت في الخارج وذهبت إلى الكهف وماتت هناك، لكنّ جرحها شُفي.

جريمة ما قبل التاريخ

تمّ اكتشاف الهياكل العظمية لنياندرتال في كهف شاندر للمرّة الأولى في خمسينيات القرن الماضي. وفي عام 2018، اكتشف فريق أثري من جامعتي ليفربول وكامبريدج كهف شاندر-Z. وقد اشتهر الكهف بقصّة مثيرة تسمّى في الأدبيات الحفرياتية بشاندر3 وهي رواية قب-تاريخية تُلقي الضوء على العلاقات الاجتماعية والرعاية الاجتماعية بين مجموعات نياندرتال، التي كانت تصارع الطبيعة في بحثها المستمرّ عن مصادر الغذاء والمكان الآمن للإيواء من جانب، وصراعها مع الإنسان المعاصر الذي كان يشكّل تهديداً لها من جانب آخر. 

تعود رواية شاندر3، لامرأة نياندرتالية جُرحت في الخارج وعادت إلى الكهف مصابة بجرح في صدرها. بناءً على إعادة بناء رواية جرحها، شُفيت بعد أن عادت إلى الكهف، لكنّها ماتت ودُفنت في المكان ذاته. يصف علماء الآثار والأنثروبولوجيا قصّة مقتل شاندر3 بأنها من أعظم جرائم البشر في عصور ما قبل التاريخ، لأن المرأة طُعنت في صدرها بسلاح متطوّر. والمثير للاهتمام في هذه القصّة هو حرص أفراد نياندرتال على بعضهم بعضاً ومعالجة الجرحى. يعزو علماء الآثار نجاة امرأة شاندر من محاولة القتل والوصول إلى الكهف على الرغم من الجرح العميق، إلى الرابطة القويّة بين أفراد المجموعة.

تشير الأبحاث التي أُجريت على تلك الجريمة إلى أنها حصلت خارج الكهف. وقد عادت المرأة المصابة إلى الكهف والتأم جرحها قبل أن تموت داخل الكهف. تمّ العثور على الهيكل العظمي لتلك المرأة في عام 1956 للمرّة الأولى، وكان الاعتقاد الغالب في تلك الفترة هو أن الإصابة حصلت جرّاء حادث صيد أو حقد أحد أفراد المجموعة عليها. وسُمّيت المرأة المقتولة بشانَدَر-3، لأنها كان الشخص الثالث من بين الهياكل العظمية التي تمّ العثور عليها من قِبل فريق البحث. 

شكّك ستيفن تشرشل أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة دوك في نورث كارولينا، بالتفسيرات القديمة لتلك الجريمة، ورسم سيناريو آخر لحيثيات القصّة، معتقداً أن القاتل ربما كان أحد أسلافنا المألوفين، أي الإنسان المعاصر. لتسليط المزيد من الضوء على لغز تلك الجريمة، استخدم فريق ستيفن تشرشل تقنيات الطبّ الشرعي الأكثر تعقيداً.

قام هو وأفراد فريقه ببناء قوس ونشاب خاصّ، وتمّ اختبار المقذوفات على الخنازير. أظهر هذا التحليل أن الجرح المميت في صدر المرأة نتج عن سلاح مثل الرمح أو السهم، بينما كانت أدوات نياندرتال الذي عاش في الغابات وبالقرب من الكهوف في تلك الحقبة، لم تشتمل سوى على الأسلحة المدببة والحراب. 

وكان الإنسان المعاصر هو الوحيد الذي كان يمتلك تقنيات رمي ​​متقدّمة حقبتئذ، وقد ساعدتهم عقبات السهول الأفريقية على ابتكار وسائل متقدّمة للصيد. من الواضح الآن أن السلاح المستخدم ضدّ شانَدَر-3 تسبّب في جرح بزاوية 45 درجة للأسفل، ما يسمح مقارنته بجرح ضربة الرمح وفق ستيفن تشرشل، بافتراض أن الضحيّة (طولها نحو 1.67 متراً) كانت واقفة. وبما أن الضحيّة لم تمت بعد الإصابة وبقيت في الكهف، عاد فريق البحث إلى سجلات الجرحى أثناء الحروب الأهلية عندما لم تكن المضادات الحيوية متوفّرة بعد، وذلك لتحديد الفترة الواقعة بين الإصابة والتئام الجرح.

بناءً على ذلك، يعتقد هذا التيّار أن الإنسان الحديث هو الذي قضى على نياندرتال. ولكن كيف لذلك الإنسان الذي اتّسم ببنية جسدية قويّة، وعاش في أوروبا وآسيا ما يزيد عن مائتي ألف سنة وتحمّل العصور الجليدية، الاختفاء بعد ظهور الإنسان المعاصر من إفريقيا بهذه السهولة؟

لم يغب هذا السؤال عن غالبية الأبحاث العلمية المناخية والأثرية والأنثروبولوجية، ولكن لم يلقَ جواباً مقنعاً، ذلك أن الهياكل العظمية التي تمّ العثور عليها في أوروبا، وعلى الرغم من وجود آثار جروح على بعض منها، لم تقدّم أحداثاً مشابهة لقصّة كهف شانَدَر. 

إضافة إلى ذلك، وجد الحمض النووي لنياندرتال في الإنسان المعاصر في أوروبا وآسيا، ما يدلّ على اختلاطهما والتزاوج بينهما. وقد أوصل هذا الاكتشاف العلماء إلى الاعتقاد بأن نياندرتال هو أقرب الأنواع من هومو- سابينز، آخذين في الاعتبار الاختلافات في الوجوه والرؤوس بنظر الاعتبار.

وعاش الأوّل في أوروبا والشرق الأدنى، ويعود ظهورهم إلى 400 ألف عام. كان ذكياً وشجاعاً ونُسب إليه العديد من الاختراعات، مثل صنع أدوات الصيد والعيش معاً ونقل النار الى معاقلهم في الكهوف وأكل النباتات ورعاية بعضهم بعضاً داخل المجموعات. وتشير التقديرات إلى أنهم دفنوا القتلى وعالجوا الجرحى. ويُعدّ كهف شانَدَر في كردستان أفضل مثال على ذلك، حيث وجدوا فيها هياكل لأطفال يبلغون من العمر ثماني سنوات ونساء وكبار السنّ. 

بحث علماء الآثار والأنثروبولوجيا وعلماء المناخ عن أسباب أخرى للانقراض، ولكن دون يقين علمي. لذلك، يمكن الحديث عن أن العصر الجليدي الأخير أدّى إلى صراع حادّ على الموارد الغذائية. وفي مثل تلك الأوضاع الناجمة عن قلّة الغذاء والصراع عليه، كانت اليد الطولى للإنسان المعاصر، حيث كانت الغلبة السكّانية وامتلاك الأسلحة الحديثة تخدمه في مواجهة نياندرتال. 

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.

بحث علماء الآثار والأنثروبولوجيا وعلماء المناخ عن أسباب أخرى للانقراض، ولكن دون يقين علمي. لذلك، يمكن الحديث عن أن العصر الجليدي الأخير أدّى إلى صراع حادّ على الموارد الغذائية. وفي مثل تلك الأوضاع الناجمة عن قلّة الغذاء والصراع عليه، كانت اليد الطولى للإنسان المعاصر، حيث كانت الغلبة السكّانية وامتلاك الأسلحة الحديثة تخدمه في مواجهة نياندرتال. 

مع تصاعد الظواهر المناخية المتطرّفة الناتجة عن الاحترار العالمي، يحذّر العلماء من سيناريوهات كارثية قد تهدّد البشرية والنظم البيئية، من بينها انهيار البنى التحتية، الأمر الذي يهدّد بانهيار الحضارة الإنسانية على نطاق واسع. وتكشف أحداث غير مسبوقة، مثل الفيضانات العارمة في جنوب شرق آسيا والجفاف المتزايد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عن مخاطر حقيقية تطال الأمن الغذائي والطاقة والاستقرار المجتمعي.

وتشير معدّلات فقدان الأنواع المتسارعة إلى ضغوط بيئية كبيرة على الخدمات التي تقدّمها النظم البيئية، ما يدفع العلماء إلى التساؤل حول احتمالات الانقراض الجماعي، ونقاط ضعف المجتمعات أمام تتابع الأزمات المناخية. ويُتوقّع أن يؤدّي ارتفاع حرارة الأرض درجتين مئويتين بحلول العام 2100 إلى تعرّض 37٪ من سكّان العالم لموجات حرّ شديدة، مع خسارة أكثر من 40 في المئة من الأنواع الحيّة.

وقد أظهر انقراض نياندرتال قبل أكثر من 30 ألف سنة، أن التغيّرات المناخية السريعة والعنيفة، شكّلت ضغوطاً كبيرة على مصادر الغذاء. على الرغم من التقدّم العلمي والتكنولوجي الهائل، ما يواجهه الإنسان المعاصر من المخاطر الناجمة عن تغيّر المناخ قد يكون، في جوهره، اختباراً مشابهاً على نطاق كوكبي. هنا عودة إلى قصة انقراض نياندرتال إذ يقف وراءها المناخ بشكل مباشر وغير مباشر.

كانت الأرض، عبر ملايين السنين من التحوّلات، تبدّل وتغيّر أصل أنواعها مرّة بعد أخرى، بما في ذلك أنواع البشر من الإنسان الواقف على قدميه قبل نحو مليوني سنة إلى صنّاع الذكاء الصناعي اليوم. لقد ظنّ الإنسان المعاصر لآلاف السنين أنه الوريث الوحيد للجنس البشري، بل ذهب أكثر من ذلك واختار لنفسه لقب الإنسان العاقل Homo Sapiens. لكن قبل الهجرة الكبيرة من القارة الأفريقية قبل 70 ألف سنة، والانتشار الواسع للإنسان المعاصر في جميع أنحاء العالم، كان يعيش على هذه الأرض نوع آخر، نوع قريب منّا لدرجة تجعل حدود القرابة بيننا وبينه لا تقتصر على الشكل والبنية الجسدية، بل تصل إلى جيناتنا. نكاد نرى ملامحهم في نصفي وجوهنا التي ورثت منهم الحمض النووي المسؤول عن وظائف الجسم وصفاته المميّزة. 

إنه نياندرتال، الكائن الذي عاش قبلنا نحن البشر المعاصرين، بل عاشرنا زمناً طويلاً استغرق 30 ألف سنة، ثم انسحب فجأة، وترك وراءه وادياً من الصمت يفوق ذلك الوادي الذي عُثر فيه للمرّة الأولى على بقايا عظامه. لا نعرف كيف كانت ملامح أوّل لقاء بيننا وبينه قبل 70 ألف سنة، ولكن الأبحاث الحديثة تخبرنا أن بُناهم الجسدية كانت أقوى، ووجوههم أعرض، وجباههم أكثر انحناءً. عاشوا في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، في كهوف تحمل فيها الأحجار آثار النار التي تعلّموها قبل عشرات الآلاف من السنين. عاش نياندرتال ضمن مجموعات صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة عشر فرداً، لكن روابطها الداخلية كانت متينة، تحكمها روح التعاون والبقاء المشترك. وفي تلك الكهوف الظلماء التي احتضنتهم لأعمار طويلة، اشتمّوا روائح شواء اللحوم والأخطار معاً، تكيّفوا مع برد لا يرحم، وأشعلوا النار لتضيء لياليهم الطويلة، ومنهم بدأ تدجين بعض من عناصر الطبيعة، بما في ذلك النار.

على الرغم من دقّة الكربون 14 والتكنولوجيا الحديثة في إعادة بناء سرد حياة نياندرتال، تحمل القصّة قدراً كبيراً من الخيال. إن الأدبيات قبـل تاريخية المستندة إلى عظام وبقايا متناثرة في كهوف في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، تعيد رواية سلفنا المنقرض بشكل يفوق الخيال في تحديده الدقيق للأشياء والأحداث، بما في ذلك تحديد نسبة الحمض النووي التي ورثناها عنه. 

ما أوصلني إلى نياندرتال في الحقيقة، هو البحث عن مناخ الأرض القديم أي المناخ قبل التاريخ Paleoclimate، وحقيقة انقراض الأنواع والانهيارات. وبما أن الأنواع على الأرض ظهرت وتطوّرت وانهارت وفق الظروف المناخية المتغيّرة؛ تمركزت قصّة اختفاء نياندرتال في هذا السرد الذي يستند إلى أن الكائنات على الكوكب هي كائنات مناخية بامتياز. والأكثر إثارة للانتباه في هذه القصّة هو هجرة مناخية من أفريقيا الى أوروبا عبر الإنسان المعاصر. أي أن أجدادنا لم يجلبوا ثقافتهم ومعارفهم وأسلحتهم المتقدّمة من أفريقيا الى أوروبا والعالم فحسب، بل جلبوا المناخ الأفريقي أيضاً، وذلك عبر بناهم الجسدية والوراثية والشروط الصحّية، بما فيها أنواع الأمراض التي يحملونها معهم.

جمع فريق بحث أثري من Duke University في ولاية كارولاينا الشمالية وجامعةWitwatersrand  في جنوب أفريقيا بيانات عن 13 نياندرتال و233 إنساناً معاصراً من عصور ما قبل التاريخ، بالإضافة إلى 83 إنساناً حديثاً. ومن خلال هذه الإحصاءات، ركّزوا على قياسات الجمجمة القياسية كعنصر تحكّم لدراسة حجم وشكل مكوّنات الوجه الرئيسية. وقد مكّنت هذه العناصر التحكّمية الفريق من تحديد ما إذا كان من المحتمل أن يكون الإنسان المعاصر، قد تزاوج مع نياندرتال. كما استخدم الباحثون الاختلافات البيئية (مثل المناخ) المرتبطة بتغيّرات المظهر البشري لتحديد ما إذا كانت العلاقة بين نياندرتال وبيننا ناتجة عن التكاثر أم عن عوامل أخرى مثل المناخ.

تشير النتائج إلى أن سمات الوجه لم تتأثّر بشدّة بالمناخ، مما يزيد من احتمال وجود تأثيرات جينية على النتائج الإنجابية. كما تبيّن للباحثين أن شكل الوجه كان متغيّراً وأكثر فائدة لتتبّع الآثار الإنجابية بين نياندرتال والبشر الجدد. بشكل عامّ، كان نياندرتال أكبر حجماً من البشر فقط، ومع مرور الوقت، تقلّص حجم وجوههم. في الواقع، احتفظت بعض ملامح الوجه بآثار اختلاط وتزاوج مع نياندرتال. 

على الرغم من أن نياندرتال عاش في أوروبا والشرق الأوسط، فقد ترك حمضه النووي في آسيا أكثر من أيّ مكان آخر، ممّا يشير إلى اختلاطه بالإنسان المعاصر ويبدو أنه تزاوج مع نسائهم. وقد حدث هذا بعد أن غادر البشر الجدد أفريقيا ووصلوا إلى أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأدنى، أي قبل انتشارهم في آسيا.

يُثبت معهد “ماكس بلانك” للأنثروبولوجيا التطوّرية في ألمانيا، عبر فحص الحمض النووي لأحد عشر شخصاً في كهفين في سيبيريا، أن نياندرتال عاش في أوروبا وغرب آسيا لفترة 430 ألف عام، وانقرض قبل 40 ألف عام. قبل انقراضه بثلاثين ألف سنة، وصل الإنسان المعاصر إلى أوروبا وآسيا قادماً من أفريقيا. يشير هذا الاستنتاج، الذي يعتمد على فحص الكربون 14 للبقايا الأحفورية، إلى أن غزو الإنسان المعاصر لأوروبا يعود إلى 70 ألف عام. تُظهر الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية أن نياندرتال والإنسان المعاصر يمتلكان 99.7% من العنصر الجيني نفسه. ولأن نياندرتال هو أقرب الأنواع البشرية إلينا، فقد ترك ما بين 1% و4% من جيناته في سكّان أوروبا وآسيا.

على الأغلب، كانت القلّة السكّانية وندرة مصادر الغذاء مانعاً قوّياً أمام تكيّف وبقاء نياندرتال مع التغيّرات المناخية السريعة والعنيفة. وبحسب الدراسات والاكتشافات كانت أعدادهم قليلة ولم تبلغ عشرات آلاف شخص، ما أدّى إلى حصول انخفاض في التكاثر والبقاء على قيد الحياة، بينما كان الإنسان الحديث يغلب عليهم سكّانياً، إذ كانت مجموعاتهم تتكوّن من 150 شخصاً.

لا شكّ في أن النار دخلت حياتهم من خلال أحداث طبيعية كالبرق، لكنّها أصبحت عنصراً مهمّاً في حياتهم. يعود علماء الآثار إلى بقايا كهف أوليفيرا في وسط البرتغال، وهو أحد أهمّ المواقع الأوروبية في العصر الحجري الأوسط، لإثبات هذه الحقيقة. وقد خضع الكهف لعمليّات تنقيب منهجية بين العامين 1989 و2012.

يقع الكهف فوق مجرى مائي كبير وأصبح مستوطنة لنياندرتال في عصور ما قبل التاريخ المختلفة. بناءً على دراسة الطبقات الداخلية، يعود تاريخ الكهف إلى نحو 120,000 عام، بينما يعود تاريخ الطبقة الأخيرة إلى نحو 40,000 عام. ويُعتقد أن نياندرتال قد استقرّ هنا بين 100,000 و70,000 عام قبل الآن.

كانت بقايا مواقد النار وبقايا الطعام في الكهف من الآثار المهمّة التي لفتت انتباه علماء الآثار. في منطقة تمتدّ على مساحة 30 متراً وبعمق 6 أمتار، عثر علماء الآثار على قرابة 10 مواقد للنار في طبقات مختلفة، ما يشير الى أن سكّان كانوا يطبخون الطعام. ومن الأدلة المؤكّدة على هذا الاعتقاد هو وجود عظام وخشب محترق ورماد صخري، وكذلك صخور تحت المواقد ذاتها، تحوّل لونها الى الأحمر بفعل الحرارة، ما يؤكّد أن النار كانت جزءاً من حياة نياندرتال وساعدتهم على الاستقرار، بالإضافة إلى تطوّرهم الاجتماعي واعتبار الكهوف موطناً لهم.

في الكهف ذاته، تمّ العثور على عظام محترقة تعود للماعز والغزلان والخيول ووحيد القرن، بالإضافة إلى آثار سلاحف على ما يبدو تمّ وضعها على أحجار ساخنة عبر درعها السميك من أجل الشواء. ويُدرج اللحم ضمن قائمة مصادر غذاء نياندرتال في كهف أوليفيرا.

في كهوف على البحر الأبيض المتوسط ​​غرياً بالقرب من إسبانيا، كشفت حفريات أخرى عن بقايا أسماك ومأكولات بحرية. وتمّ العثور بين بقايا تلك المأكولات حتى على صنوبر محمّص. إن وجود هذه الموارد في حياة نياندرتال مؤشّر قويّ على تنوّع نظامه الغذائي، ناهيك بتنوّع المصادر في المناطق التي اختاروها للإقامة والبقاء. باختصار، يقدّم العلماء جميع الأدلّة على استخدام سلفنا المنقرض للنار في إعداد الطعام. ومع ذلك، لم يُفهم بعد سرّ كيفية اكتشاف النار ونقلها إلى الكهوف.

تالياً، أن أبناء عمومتنا لم يكونوا أقلّ ذكاء منّا، وتُشير بقاياهم في شبه الجزيرة الأيبيرية (البرتغال وإسبانيا)، بخاصة في الكهوف البرتغالية، إلى أنهم عرفوا إشعال النار وطهي الطعام، وهو ما يُظهر حكمتهم. وفقاً لعالم الآثار دييغو أنجيلوتشي من جامعة ترينتو. كان نياندرتال يتمتّع بالقدرة على التفكير الرمزي، وصنع أشياء فنّية وتزيين أجسادهم بها، وكان لديه أنظمة غذائية متنوّعة، حيث كانوا يتناولون الطعام المطبوخ بانتظام، ما يشير الى أنهم كانوا يتمتّعون بكفاءة البشر المعاصرين.كما تشير الحفريات الى وجود رموز روحية واجتماعية بين مجموعات نياندرتال. ويمكن العودة في هذا السياق بقايا كهف شانَدَر في إقليم كوردستان العراق. فقد عُثر على نوع من الزهور في قبر شانَدَر -4 البشري، ما يرجّح وجود معاملة روحية مع جثث الموتى.

من المرجّح أن نياندرتال، كما في العصر الحجري الحديث، تعرّف على النار عن طريق خدش أو سحب حجر على آخر ووضع بطانيات بينهما. ومع ذلك، فإن فحص الطبقات الداخلية في كهف أوليفيرا، الذي أتاح لعلماء الآثار فرصة جيّدة لمقارنته بكهوف أخرى في المنطقة ذاتها قبل 30 ألف عام. تُثبت الروايات العلمية في هذه المنطقة وجود أناس أذكياء، وتُلقي الضوء على حقيقة مفادها أن بشر ما قبل التاريخ عاشوا في الكهوف بطريقة مماثلة لأسلافنا المعاصرين وكانوا أذكياء. يمكن القول إن نياندرتال كان مجرّد نوع آخر مختلف عن البشر المعاصرين.

نياندرتال نباتياً

تشير الحفريات إلى أن نياندرتال من شبه الجزيرة الأيبيرية كان يأكل نباتات أكثر، بينما يبدو أنه كان لاحماً في أماكن أخرى. تشير نتائج تحليل أسنان نياندرتال في منطقة غاباسا في إسبانيا إلى أن نظامهم الغذائي كان يعتمد بشكل أساسي على اللحوم، وذلك عبر النظر في الجزء الأقوى والأكثر تمعدناً في جسم الإنسان وهو مينا الأسنان، إذ يحمل كميّات من أنواع الزنك. أظهرت الدراسات الكيميائية أن نياندرتال لم يكن يتغذّى على دم الحيوانات التي كان يصطادها، بل كان يتغذّى على نخاع عظامها، ممّا يتيح للباحثين إمكانية التميّز بين آكلي اللحوم وأولئك الذين اعتمدوا على اللحوم والنباتات معاً. يعتقد دومينغو كارلوس سالازار الباحث في معهد “ماكس بلانك”، أن النتائج الجديدة حول النظام الغذائي والاعتماد على اللحوم ستُحيي الجدل حول النظام الغذائي لنياندرتال.

حتى اليوم، رجّحت معظم الأبحاث أن النظام الغذائي لنياندرتال كان يعتمد على اللحوم، إنما كشفت أبحاث أثرية جديدة عن جانب خفيّ من حياة الإنسان في العصر الحجري، وهو استهلاك النباتات والحبوب. وتُظهر بقايا تعود إلى 70 ألف عام في كَهفَي شانَدَر في كوردستان وفرانشتي في اليونان، أن نياندرتال كان يتّبع نظاماً غذائياً معقّداً، حيث استخدم بعض الزهور والنباتات والحبوب في صنع التوابل والزيوت، وكان يؤكل مباشرةً. كان نبات الخردل (الخَرتَله باللغة الكوردية) أحد الأطعمة التي تناولها نياندرتال بطرق مختلفة. 

يوضح هذا الاكتشاف أنه تميّز بذكاء في نظامه الغذائي إذ كان يختار نباتات ذات قيمة غذائية عالية. وكما نعلم جميعاً، للخردل فوائد عديدة: يُؤكل أخضر، أو مطبوخاً، أو مقلياً بالزيت، وتُصنع منه الزيوت والتوابل. يتمّ تناوله كمحلول سميك مع العديد من الأطعمة في جميع أنحاء العالم.

مجتمع نياندرتال

عند تتبّع علماء الآثار والأنثروبولوجيا لأبناء عمومتنا المنقرضين، توصّلوا عبر الفحص الدقيق ودراسة عظامهم ومقابرهم، إلى معلومات عن أفكارهم وحياتهم وعلاقاتهم مع الإنسان المعاصر. بالإضافة إلى ذلك، توصّلوا إلى استنتاجات يمكن تفسيرها على أنها سبب انقراضهم.

غالباً ما يشير ذكر نياندرتال في تفكيرنا وثقافتنا إلى القسوة وقلّة الإحساس والقتل، في حين أننا لا نعرف الكثير عنهم. في الأدبيات الكردية على سبيل المثال، تمّ تحديد معرفتنا وفهمنا لنياندرتال عبر كهف شانَدَر حيث عاشوا فيه وتركوا وراءهم آثاراً تدلّ على نمط حياتهم. نحن نفخر فقط بوجود أناس قدماء في كوردستان، لكنّ معلوماتنا عنهم قليلة ولا نعرف حتى أنه كان نوعاً آخر من الإنسان على الأرض، وذلك على رغم من أنه عاش معنا 30 ألف سنة، وترك فينا حمضه النووي. لم نسأل لماذا جاء هذا الإنسان إلى هذه المنطقة التي عاش فيها وانقرض؟ هل كان السبب هو المناخ، أم هربوا من الإبادة الجماعية على أيدي الإنسان المعاصر، أم أنهم استقرّوا هنا بلا هدف وكانوا يبحثون عن مصادر الغذاء فقط؟

حتى اليوم تُرجع علوم الآثار والإنسان أسباب الانقراض إلى ثلاث نظريات أساسية، وهي: تعرّضهم لمذابح على أيدي الإنسان المعاصر، انتشار أوبئة فتّاكة جلبها الإنسان المعاصر أيضاً، أو جرّاء تغيير كبير في المناخ. ولكن لم تُحسم أيّ من هذه النظريات، لأن الفترة الزمنية الواقعة بين الانقراض ووصول الإنسان المعاصر من أفريقيا تتجاوز 30 ألف عام. أيّ أن الانقراض استغرق عشرات الآلاف من السنين ولم يحدث فجأة. 

من أين جاء اسم نياندرتال؟

في عام 1825، اكتُشف أوّل قبر لنياندرتال في بلجيكا، وكان يحتوي على عظام طفل. وبما أن البقايا كانت مشوّهة للغاية، لم تُسفر عن نتائج تُذكر. بعد خمسة وعشرين عاماً، وتحديداً في عام 1856، عثر عمال على غطاء جمجمة وبعض العظام أثناء تنظيف كهف صغير في وادي نياندَر قرب دوسلدورف بألمانيا. للوهلة الأولى ظنّوا أنهم عثروا على بقايا دبّ، لكن بعد سنوات، تبيّن أن العظام تعود لسلف لآخر لإنسان المعاصر.

أثارت بقايا وادي نياندر دهشة علماء الآثار، لا سيّما وأنها جاءت قبل ثلاث سنوات من نشر كتاب تشارلز داروين الشهير “أصل الأنواع”، الذي تناول تطوّر الأحياء على الأرض. حتى ذلك الحين، كانت المصادر المتاحة حول الأنواع ونظرية التطوّر شحيحة. وقد شكّل العثور على تلك البقايا بداية عمل دؤوب ومتواصل على آثار أبناء وبنات عمومتنا المنقرضين. وفتح العثور على بقايا مماثلة في مناطق أخرى في أوروبا، شهيّة علماء الآثار والأنثروبولوجيا لمعرفة حياة نياندرتال. 

باستثناء العظام وآثار متحجّرة، لم يترك أسلافنا اسماً ولا آثاراً واضحة تدلّ على أنماط حياتهم وثقافتهم، ولكن من أين جاء اسم نياندرتال؟ يُشتق الاسم من وادي نياندر الذي عُثر فيه على الجماجم للمرّة الأولى. وفي الأصل، يرتبط اسم الوادي بكاهن مسيحي عاش في القرن السابع عشر، وأصبح عن غير قصد، اسماً لجنس بشري آخر عاش على الأرض قبل الإنسان المعاصر. لو لم تُكتشف بقايا من عظام نياندرتال في الوادي المذكور قرب دوسلدورف في عام ١٨٥٦، لاختفى حتى اسم الكاهن المسيحي (يواكيم نياندر) وهو كاهن كالفيني ألماني، كان أجداده كهنة لستة أجيال. كان يواكيم نياندر يرتاد الوادي بانتظام ويُقيم فيه، يتنزّه، يستمتع بالطبيعة، ويكتب نصوصاً أدبية ودينية.

كان نياندر مراهقاً متمرّداً، متأثّراً بشدّة بأصدقائه، بعيداً كلّ البعد عن أن يصبح كاهناً كأجداده. في إحدى الأمسيات، في العشرينيات من عمره، حضر مع أصدقائه قدّاساً في الكنيسة للسخرية من كاهن جديد. على عكس ما ذهب إليه، كان للكلمات الدينية التي سمعها في تلك الليلة تأثيراً عميقاً عليه. بقي في الكنيسة بعد الصلاة وآمن إيماناً كاملاً بالمسيح والمسيحية على الكاهن الذي أراد يسخر منه.

قبل أن يصبح كاهناً، عمل نياندر مُدرّساً في دوسلدورف، التي كانت آنذاك بلدة صغيرة. في الوقت نفسه، كان يزور وادياً قرب نهر دوسلدورف (دوسل)، وهو مكان جميل ومُلهم انعكس في الكثير من كتاباته. يُقال إنه كان يُقيم اجتماعات وشعائر دينية في الوادي نفسه، وكان شغفه بالعمل معروفاً. في أوائل القرن التاسع عشر، أُطلق على الوادي اسم (نياندرتال) أي وادي نياندر. و(تال) هنا تعني الوادي، وبما أن البقايا الأولى لأبناء عمومتنا المنقرضين اُكتشفت في كهف في ذلك الوادي في عام 1856، فقد أطلق العلماء على سلفنا المنقرض اسم نياندرتال.

قبل35,000 إلى 30,000 عام وأكثر، انقرض نياندرتال تماماً، ولم يترك وراءه سوى بقايا أحفورية وعظام في كهوف أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. لم يكن أحد منّا، نحن المعروفين باسم الإنسان العاقل، يعلم بأن نوعاً آخر شبيهاً لنا عاش على هذه الأرض، حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر (بعد العام 1850).

استناداً إلى نتائج علوم الآثار والأنثروبولوجيا والمناخ في عصور ما قبل التاريخ، تسعى الاستنتاجات المبنية على دراسة الأحافير البشرية والمعروفة باسم أدبيات ما قبل التاريخ، إلى إعادة بناء رواية المناخ قبل عصر الهولوسين، ولكن قصّة نياندرتال الذي لم يتبقَّ منه سوى قدر ضئيل من ذرّيته في جيناتنا، تبدو وكأنها عمود الرواية الرئيسي. 

نعود هنا لنسأل، هل قضت عليهم تغيرات المناخ العنيفة، خاصة أنهم عاشوا في العصر الجليدي الأخير (110,000 إلى 10,000 عام قبل الآن)؟ أو أبادهم الإنسان المعاصر؟ أو انصهرت ذرّيتهم في مجتمع الإنسان المعاصر؟ لا يزال الانقراض مثيراً للجدل، لكنّ النظرية الجديدة لمعهد “ماكس بلانك” تعتقد أن أسباب انقراض أبناء عمومتنا تعود إلى مواجهتنا لهم. ففي الوقت الذي يسمح اختبار الحمض النووي بفهم أفضل لجوانب تطوّر نياندرتال ووظائف أعضائه، فإن فهم تنظيمه الاجتماعي وعلاقاته لا يزال معقداً حتى يومنا هذا.

وكان معهد “ماكس بلانك” قد أجرى بحوثاً عن العلاقات الاجتماعية لأحد عشر شخصاً عُثر على عظامهم في كهف تشاجيركا في روسيا، بالإضافة إلى عظام شخصين آخرين في كهف أوكلانديكوف في البلد نفسه. يقع كلا الكهفين في جبال ألتاي جنوب سيبيريا. يعود تاريخ نياندرتال في كهف تشاجيركا إلى ما بين 59,000 و51,000 عام، بينما يعود تاريخ بقايا كهف أوكلانديكوف إلى 44,000 عام. 

من بين من عاشوا في كهف تشاجيركا، تشير الأدلّة إلى أن بعضهم كانوا قريبين جدّاً من بعضهم بعضاً وعاشوا في العصر نفسه. ما تمّ الكشف عنه من خلال تلك المجموعة من نياندرتال هو أن تنوّع عنصر الكروموسوم( Y ) الذي ينتقل من الأب إلى الطفل، أقلّ بكثير من تنوّع عنصر الكروموسوم( Y ) الذي ينتقل من الأمّ إلى الطفل، وهذا مؤشّر قوي على أن النساء كن في حالة هجرة مستمرّة بين مجموعات وأماكن مختلفة.

خلص العلماء ضمن المجموعة إلى أن وجود نمطين متطابقين لعنصر معيّن من الوالد، وهو ما يسمّى بـ (متماثل الجينات) مرتفع لدى نياندرتال كما هو الحال في عائلة غوريلا الجبال. هذه الظاهرة مؤشّر واضح على وجود مجموعة اجتماعية لنياندرتال مكوّنة من 20 شخصاً. تشير التقديرات إلى أن نحو 6٪ من النساء في هذه المجموعات جئن من مجموعات أخرى وانضممن إلى عائلات جديدة، بينما استقرّ الرجال ضمن مجموعاتهم وأماكنهم الخاصّة.

يدعم هذا الاستنتاج أبحاثاً سابقة استندت إلى آثار الحفريات وتفسير المواقع، والتي توضح ملامح مجتمع نياندرتال الصغير. وعبر مقارنة أحماضهم النووية بتسلسل أحماض نووية سابقة، تمكّن الباحثون من تحديد اندراج تلك المجموعات ضمن الصورة العامّة لنياندرتال في أوراسيا. المثير للاهتمام هنا، هو أن أصل الأشخاص الثلاثة عشر في كهف تشاجيركا أقرب إلى نياندرتال في كهف فينديجا في كرواتيا عاشوا قبل 50 ألف عام، منه إلى نياندرتال كهف دينوسوفا في جبال ألتاي، الذي يعود تاريخه إلى ما بين 130 ألف و91 ألف عام.

على الرغم من أن المجموعات في كهفي تشاجيركا و أوكلانديكوف فريدة وراثياً، تبدو مرتبطة بنياندرتال أوروبا وكانت جزءاً من السكان الأوائل. تكمن أهمّية هذه الدراسة في أنها تكشف للمرّة الأولى عن صلة القرابة بين أفراد عائلة نياندرتال، بمن فيهم أبوان وابنتان. مع ذلك، لا يُعدّ هذا استنتاجاً كاملاً، إذ إنه مجرّد تجلٍّ لمجموعة صغيرة مقارنةً بحجم سكان نياندرتال في أوراسيا. عموماً، يثير هذا الاكتشاف تساؤلاً حول ما إذا كانت الخصائص السكّانية لجبال ألتاي مرتبطة بمواقع جغرافية معزولة في أقصى الشرق، خاصّة وأن حجم سكّان كهف فينديا في كرواتيا يُقدَّر بأنه أكثر أهمّية.

كيف اختفى؟

كيف انقرض جنس بشري عاش في أوراسيا لمئات الآلاف من السنين في غضون 30 عاماً؟ من البديهي أن الانقراض مرتبط بهجرة البشر الجدد من أفريقيا إلى أوروبا وانتشارهم حول العالم. طوال القرن العشرين، وخاصةً منذ خمسينيات القرن الماضي، شغلت بقايا نياندرتال علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا، ولا تزال الصورة سلبية. ما خلّفه نياندرتال هو أحجار حادّة وأدوات صيد وبعض الرموز الروحية كدفن موتاهم. حتى إن بعض العلماء يعتقدون أنهم صنعوا السوار، لكنّهم ما زالوا يعملون على أسباب انقراضه ونظام حياته العامّ.

الآن أصبحنا نعرف عن شكل وشخصيّة ونمط حياة نياندرتال وعن تنظيمه الاجتماعي نوعاً، لكنّ التفاصيل في الصورة العامّة لم تُكشف بعد. وتأتي الاكتشافات بفضل الدراسات الآثارية والأنثروبولوجية عن بقاياهم في الكهوف، بالإضافة إلى عظام الحيوانات التي كانت مصدر غذائهم. وقد قادت هذه البقايا المتروكة من نياندرتال العلماء إلى استنتاجات مهمّة حولهم، وحول أحماضهم النووية في الإنسان المعاصر.

السؤال الدائم هو: كيف انتشر نياندرتال، ومن بعده الإنسان المعاصر، في أوراسيا والشرق الأوسط؟ تعتمد الإجابة عن هذا السؤال على الظروف البيئية. وصولاً إلى العصر الجليدي الأخير (قبل 115,000 إلى 11,700عام)، عندما لم تكن الأنهار الجليدية باقية ولم تبدأ بالذوبان جرّاء ارتفاع درجات الحرارة، كان مستوى سطح البحر أقلّ بمقدار 120 متراً ممّا هو عليه الآن اليوم. ولعلّ استقرار الظروف المناخية هو من أقوى العوامل وراء انتشار نياندرتال والبشر المعاصرين.

بناءً عليه، يعزو العلماء السبب الأوّل لانقراض نياندرتال إلى تأثيرات المناخ خلال العصر الجليدي الأخير، عندما كانت التغيّرات سريعة، من الحرّ إلى البرد القارس، والعكس صحيح. وقد فرض ذلك ضغطاً كبيراً على مصادر غذائهم، كالنباتات والحيوانات. كان نياندرتال مجبراً على التكيّف بسرعة مع المناخ، وغالباً ما كان يعجز عن مواكبة التغيّرات المناخية العنيفة.

ترجّح الأبحاث أن يكون السبب الثاني هو القلّة السكانية التي لم يتجاوز عددها عشرات الآلاف، وكانت مجموعاتهم الموزّعة على مغارات في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط تتكوّن من 15 فرداً. وقد أدّى ذلك إلى تراجع معدّلات التكاثر والبقاء، في حين ازداد عدد البشر المعاصرين بسبب الغلبة السكّانية، حيث تجاوزت أعداد كلّ مجموعة منهم 150 فرداً. 

ارتباطاً بهذه النقطة الثانية، يُعتقد بإن هجرة الإنسان المعاصر الكبيرة من أفريقيا الى أوروبا قد تكون السبب الثالث، ذاك أن الهجرة جلبت أمراضاً فتّاكة لم يستطع نياندرتال تحمّلها.

السبب الرابع هو عدم مقاومة نياندرتال في صراعه مع الطبيعة، خاصّة في ظلّ افتقاره للأدوات والأسلحة الحديثة للصيد ومقاومة المتنافسين على المستوطنات والغذاء، بينما كانت مجموعات الإنسان المعاصر تتكاثر وتمتلك أدوات متطوّرة في السيطرة على الطبيعة بشكل أكبر. ولا يُنسى في جميع الأحوال تعرّضهم للمذابح على أيدي البشر المعاصرين تفوّقوا سكّانياً على سلفهم، ناهيك بامتلاكهم الأسلحة المتطوّرة. 

يمكننا هنا العودة إلى كهف شاندر في كوردستان، الذي يُظهر أوضح مثال على لقاء مجموعة من نياندرتال. حتى الآن، عُثر في الكهف المذكور على هياكل عظمية لأحد عشر نياندرتال، يعود تاريخها إلى ما بين 50,000 و75,000 عام. من بين الهياكل الأحد عشر، كان هناك طفل في الثامنة من عمره ونساء وكبار في السنّ. يُظهر هيكل عظمي لامرأة أنها جُرحت في الخارج وذهبت إلى الكهف وماتت هناك، لكنّ جرحها شُفي.

جريمة ما قبل التاريخ

تمّ اكتشاف الهياكل العظمية لنياندرتال في كهف شاندر للمرّة الأولى في خمسينيات القرن الماضي. وفي عام 2018، اكتشف فريق أثري من جامعتي ليفربول وكامبريدج كهف شاندر-Z. وقد اشتهر الكهف بقصّة مثيرة تسمّى في الأدبيات الحفرياتية بشاندر3 وهي رواية قب-تاريخية تُلقي الضوء على العلاقات الاجتماعية والرعاية الاجتماعية بين مجموعات نياندرتال، التي كانت تصارع الطبيعة في بحثها المستمرّ عن مصادر الغذاء والمكان الآمن للإيواء من جانب، وصراعها مع الإنسان المعاصر الذي كان يشكّل تهديداً لها من جانب آخر. 

تعود رواية شاندر3، لامرأة نياندرتالية جُرحت في الخارج وعادت إلى الكهف مصابة بجرح في صدرها. بناءً على إعادة بناء رواية جرحها، شُفيت بعد أن عادت إلى الكهف، لكنّها ماتت ودُفنت في المكان ذاته. يصف علماء الآثار والأنثروبولوجيا قصّة مقتل شاندر3 بأنها من أعظم جرائم البشر في عصور ما قبل التاريخ، لأن المرأة طُعنت في صدرها بسلاح متطوّر. والمثير للاهتمام في هذه القصّة هو حرص أفراد نياندرتال على بعضهم بعضاً ومعالجة الجرحى. يعزو علماء الآثار نجاة امرأة شاندر من محاولة القتل والوصول إلى الكهف على الرغم من الجرح العميق، إلى الرابطة القويّة بين أفراد المجموعة.

تشير الأبحاث التي أُجريت على تلك الجريمة إلى أنها حصلت خارج الكهف. وقد عادت المرأة المصابة إلى الكهف والتأم جرحها قبل أن تموت داخل الكهف. تمّ العثور على الهيكل العظمي لتلك المرأة في عام 1956 للمرّة الأولى، وكان الاعتقاد الغالب في تلك الفترة هو أن الإصابة حصلت جرّاء حادث صيد أو حقد أحد أفراد المجموعة عليها. وسُمّيت المرأة المقتولة بشانَدَر-3، لأنها كان الشخص الثالث من بين الهياكل العظمية التي تمّ العثور عليها من قِبل فريق البحث. 

شكّك ستيفن تشرشل أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة دوك في نورث كارولينا، بالتفسيرات القديمة لتلك الجريمة، ورسم سيناريو آخر لحيثيات القصّة، معتقداً أن القاتل ربما كان أحد أسلافنا المألوفين، أي الإنسان المعاصر. لتسليط المزيد من الضوء على لغز تلك الجريمة، استخدم فريق ستيفن تشرشل تقنيات الطبّ الشرعي الأكثر تعقيداً.

قام هو وأفراد فريقه ببناء قوس ونشاب خاصّ، وتمّ اختبار المقذوفات على الخنازير. أظهر هذا التحليل أن الجرح المميت في صدر المرأة نتج عن سلاح مثل الرمح أو السهم، بينما كانت أدوات نياندرتال الذي عاش في الغابات وبالقرب من الكهوف في تلك الحقبة، لم تشتمل سوى على الأسلحة المدببة والحراب. 

وكان الإنسان المعاصر هو الوحيد الذي كان يمتلك تقنيات رمي ​​متقدّمة حقبتئذ، وقد ساعدتهم عقبات السهول الأفريقية على ابتكار وسائل متقدّمة للصيد. من الواضح الآن أن السلاح المستخدم ضدّ شانَدَر-3 تسبّب في جرح بزاوية 45 درجة للأسفل، ما يسمح مقارنته بجرح ضربة الرمح وفق ستيفن تشرشل، بافتراض أن الضحيّة (طولها نحو 1.67 متراً) كانت واقفة. وبما أن الضحيّة لم تمت بعد الإصابة وبقيت في الكهف، عاد فريق البحث إلى سجلات الجرحى أثناء الحروب الأهلية عندما لم تكن المضادات الحيوية متوفّرة بعد، وذلك لتحديد الفترة الواقعة بين الإصابة والتئام الجرح.

بناءً على ذلك، يعتقد هذا التيّار أن الإنسان الحديث هو الذي قضى على نياندرتال. ولكن كيف لذلك الإنسان الذي اتّسم ببنية جسدية قويّة، وعاش في أوروبا وآسيا ما يزيد عن مائتي ألف سنة وتحمّل العصور الجليدية، الاختفاء بعد ظهور الإنسان المعاصر من إفريقيا بهذه السهولة؟

لم يغب هذا السؤال عن غالبية الأبحاث العلمية المناخية والأثرية والأنثروبولوجية، ولكن لم يلقَ جواباً مقنعاً، ذلك أن الهياكل العظمية التي تمّ العثور عليها في أوروبا، وعلى الرغم من وجود آثار جروح على بعض منها، لم تقدّم أحداثاً مشابهة لقصّة كهف شانَدَر. 

إضافة إلى ذلك، وجد الحمض النووي لنياندرتال في الإنسان المعاصر في أوروبا وآسيا، ما يدلّ على اختلاطهما والتزاوج بينهما. وقد أوصل هذا الاكتشاف العلماء إلى الاعتقاد بأن نياندرتال هو أقرب الأنواع من هومو- سابينز، آخذين في الاعتبار الاختلافات في الوجوه والرؤوس بنظر الاعتبار.

وعاش الأوّل في أوروبا والشرق الأدنى، ويعود ظهورهم إلى 400 ألف عام. كان ذكياً وشجاعاً ونُسب إليه العديد من الاختراعات، مثل صنع أدوات الصيد والعيش معاً ونقل النار الى معاقلهم في الكهوف وأكل النباتات ورعاية بعضهم بعضاً داخل المجموعات. وتشير التقديرات إلى أنهم دفنوا القتلى وعالجوا الجرحى. ويُعدّ كهف شانَدَر في كردستان أفضل مثال على ذلك، حيث وجدوا فيها هياكل لأطفال يبلغون من العمر ثماني سنوات ونساء وكبار السنّ. 

بحث علماء الآثار والأنثروبولوجيا وعلماء المناخ عن أسباب أخرى للانقراض، ولكن دون يقين علمي. لذلك، يمكن الحديث عن أن العصر الجليدي الأخير أدّى إلى صراع حادّ على الموارد الغذائية. وفي مثل تلك الأوضاع الناجمة عن قلّة الغذاء والصراع عليه، كانت اليد الطولى للإنسان المعاصر، حيث كانت الغلبة السكّانية وامتلاك الأسلحة الحديثة تخدمه في مواجهة نياندرتال.