قبل ثلاثين عاماً، لعبت فرنسا دوراً أساسياً في إبرام اتفاق “تفاهم نيسان”، ذاك الاتفاق الذي طوى صفحة حرب عام 1996 في لبنان بين إسرائيل وحزب الله. آنذاك، كان الاتفاق بمثابة تكريس لعودة الدبلوماسية الفرنسية إلى العالم العربي بعد انتخاب جاك شيراك، فكانت البصمة الفرنسية حاضرة لاحقاً في حرب العام 2006، وتحديداً في القرار 1701.
لكن اليوم تغيرت معادلات كثيرة في الحرب الإسرائيلية القائمة، فقد استُبعدت باريس من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية الحالية، وهذا دلالة على انكماش هذا الإرث، ما يفسر الاستياء الفرنسي الشديد، استياء أشبه ما يكون بكرة ثلج يتضاعف حجمها كلما شهد هذا المسار خطوة إضافية، بغض النظر عن جدوى هذه الخطوات.
سفير إسرائيل في واشنطن اعتبر أن المشاركة الفرنسية في رعاية المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية “غير ضرورية” لعجزها عن “التأثير الإيجابي”. مسؤول إسرائيلي أضاف لصحيفة The Times of Israel أن الدور الفرنسي “غير مطلوب وغير مرغوب فيه”، فيما وصف مسؤول آخر الفرنسيين بـ “غير ذي شأن”. إذا أضفنا إلى هذه التصريحات الإسرائيلية زيارة رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إلى باريس في 21 نيسان/ أبريل الماضي وحديث وزير الثقافة غسان سلامة عن أهمية الدور الفرنسي “أكثر من أي وقت مضى”، لا يبقى مجال للشك في أن استبعاد فرنسا هو قرار إسرائيلي بحت.
الإعلام الفرنسي كما الباحثون الفرنسيون وضعوا على الطاولة ثلاثة احتمالات تفسر، منفردة أو مجتمعة، هذا المآل. أولها، تخبط الدبلوماسية الفرنسية وعجزها عن التحرك بمنهجية تخوّلها حجز مقعد على طاولة المحادثات ولاحقاً المفاوضات. من جهة ثانية، عزا البعض الأمر إلى التوتر في العلاقات الفرنسية – الأميركية والفرنسية – الإسرائيلية (اعتراف باريس بالدولة الفلسطينية، استبعاد الشركات الإسرائيلية من معرض باريس الجوي ومعرض يوروساتوري للأمن والدفاع، إغلاق المجال الجوي الفرنسي أمام طائرات عسكرية أميركية متجهة إلى إسرائيل…) وكأننا أمام تصفية حسابات. فيما رأى فريق ثالث أن الغاية الإسرائيلية هي قطع الطريق على مشاركة أي دولة قادرة على تعزيز الموقف اللبناني بغض النظر عن هويتها وطبيعة العلاقات الثنائية التي تربطها بها.
النائب الفرنسي آرنو لوغال بدأ حديثه إلى موقع “درج” بالإشارة إلى موقف حركة فرنسا الأبية (أبرز الأحزاب اليسارية الفرنسية) الداعم للشعب اللبناني.
برأيه، رفض إسرائيل أي مشاركة فرنسية في المحادثات المذكورة مرده إلى رفض تل أبيب التوصل إلى سلام على أساس القانون الدولي، بخلاف الدبلوماسية الفرنسية التي تتخذ منه مرجعاً لها: “غاية تل أبيب هي خوض مفاوضات اعتماداً على اختلال موازين القوى بينها وبين لبنان”.
لوغال الذي يرأس مجموعة الصداقة اللبنانية – الفرنسية في الجمعية الوطنية الفرنسية، أوضح أن حزبهم، وعلى الرغم من معارضته سياسة إيمانويل ماكرون، يتقاطع جزئياً مع الخطوات الدبلوماسية الفرنسية، بخاصة ما يتعلق برفض المسّ بحدود لبنان.
يتّفق الأستاذ في معهد العلوم السياسية في مدينة غرونوبل دانيال ميير، مع كلام لوغال قائلاً: “سبب الخشية الإسرائيلية من فرنسا، ذات الثقل داخل الاتحاد الأوروبي، هو موقفها القائم على احترام سيادة البلدان والالتزام بالقواعد التي يفرضها مبدأ السيادة”. في المقابل، رأى ميير غموضاً إسرائيلياً بخصوص الأهداف والغايات، إذ لم تعلن تل أبيب أي إطار تفاوضي تريده، كما لم تتبنَّ مبدأ “الأرض مقابل السلام”.
مايير وهو من الأكاديميين الفرنسيين المتخصصين في الشأن اللبناني وصاحب إصدارات متعددة آخرها كتاب “لبنان: من الأسطورة الفينيقية إلى التحديات المعاصرة”، أوضح أن العلاقات التاريخية اللبنانية – الفرنسية تجعل باريس “حساسة” لجهة الحفاظ على مصالح لبنان، ما قد يشكل عقبة أمام النهج الإسرائيلي القائم على “دبلوماسية مدافع الأسطول”، أي اللجوء إلى القوة العسكرية لدفع الطرف الآخر إلى التنازل.
مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية باسكال بونيفاس توقف من جهته في مقطع مصور نُشر على صفحته الخاصة، عند أوجه القصور في السياسة الخارجية الفرنسية، والتي ساهمت في انكماش النفوذ الخارجي الفرنسي.
برأيه، تفتقد العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية الى التوازن المطلوب: تشدد فرنسا بصورة دائمة على علاقات الصداقة التي تربطها بالجانب الإسرائيلي، وهو ما يتجلى في التنازل الفرنسي المستمر أمام إسرائيل حرصاً على عدم إهانة “صاحب الجلالة”.
في المقابل، لا تنظر تل أبيب الى باريس بعين الصديق: على رغم التنازلات الفرنسية المستمرة، تواصل إسرائيل فرض إجراءات عقابية بحق فرنسا، والتي تجلت أخيراً في استبعادها من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية.
لا يخفي بونيفاس توجسّه من هذه المعادلة التي تلحق ضرراً في صورة فرنسا الخارجية، ما يُفقد باريس مكانتها كمرجع لحقوق الإنسان، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة على كل الجبهات: فرنسا ليست شريكاً لإسرائيل التي لا تتوانى عن “معاقبتها” عند أصغر تباين (طالما أن تلك العقوبات لن تقابل بردة فعل فرنسية). على المقلب الآخر، تنظر إليها بريبة دولُ الجنوب العالمي، إذ تراها صديقاً لإسرائيل.
بحسب بونيفاس، عدم إصرار لبنان على المشاركة الفرنسية في المحادثات قد لا يعود حصراً إلى افتقاد بيروت أوراق القوة والضغط، من الوارد أن يكون بلد الأرز قرر وعن سابق تصور عدم خوض هذا الكباش، بعدما اتضح أن التدخل الفرنسي لم يكن بالقدر المطلوب، مذكراً في هذا السياق بالمقابلة الإذاعية لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في 9 آذار/ مارس.
خلال المقابلة المذكورة، سُئل بارو عما إذا كان يعتبر الضربات الإسرائيلية على لبنان غير متناسبة (بالنظر إلى القانون الدولي). بوضوح، تهرب بارو من الإجابة في مرحلة أولى، لكن أمام تكرار السؤال أكثر من ثلاث مرات وإصرار المذيع على انتزاع إجابة، دعا الوزير الفرنسي كلَي الطرفين إلى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار. الغرض من هذا التسويف كان تجنّب إدانة العمليات العسكرية الإسرائيلية.
إقرأوا أيضاً:
آرنو لوغال استحضر بدوره هذا الموقف لوزير الخارجية الفرنسي في معرض انتقاده الحكومة الفرنسية. وفقاً للنائب الفرنسي، على السلطة الفرنسية التوقف عن سياسة “وضع حزب الله وإسرائيل في الكفة ذاتها”. المطلوب، برأيه، ممارسة ضغوط على الجانب الإسرائيلي للدخول في مفاوضات سلام جدية، مبدياً أسفه لامتناع فرنسا عن دعم المقترح الإسباني بتعليق اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.
انطلاقاً من هذه النقطة، توسع دانيال ميير في انتقاد وزير الخارجية الفرنسي “الحريص دوماً على طمأنة إسرائيل بدل الدفاع عن سيادة البلدان”، وهو ما تجلى في استمرار مشاركة فرنسا في أعمال لجنة الميكانيزم على رغم الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، “في اللغة الدبلوماسية، يعد هذا الموقف موافقة ضمنية”.
على الرغم من كل المآخذ على منهجية عمل الدبلوماسية الفرنسية وفعاليتها المحدودة، يتفق كل من لوغال وميير على أن الأهداف الإسرائيلية لم تعد تقبل “أي إزعاج”.
أياً يكن السبب الذي أدى إلى استبعاد فرنسا، من الواضح أن غياب باريس عن طاولة المحادثات يذكر مرة جديدة بتراجع الحضور الفرنسي في الشرق الأوسط عموماً وفي لبنان بخاصة. “مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية”، أحد مجامع التفكير الفرنسية، نشرت مذكرة للباحثة لور فوشيه حملت عنوان “التحول الإقليمي لإسرائيل وتأثيره على المصالح الاستراتيجية الفرنسية”.
في المذكرة التي يعود تاريخها إلى 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، اعتبرت الباحثة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط أن القادة الإسرائيليين لا يسعون إلى حلول سياسية للصراعات، إنما الى تكريس موازين القوى الحالية من خلال “غزو الأراضي” وإضعاف الدول كسبيل للحصول على ضمانات أمنية بما يسمح بمضاعفة النفوذ الإقليمي الإسرائيلي.
برأي فوشيه، إعادة إسرائيل تشكيل المنطقة على هذا النحو يضع فرنسا أمام أربعة تحديات من شأنها تهديد مصالحها: غياب أي أفق للاستقرار، تآكل القانون الدولي، الغموض في العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية، وخطر خروج باريس من الشرق الأوسط وفقدانها دورها كلاعب مستقلّ.
لكن هل استسلمت فرنسا للواقع المستجد؟
خلال زيارة نواف سلام إلى باريس، لم يخفِ إيمانويل ماكرون استعداد بلاده للبقاء في جنوب لبنان في مرحلة “ما بعد انسحاب قوات الطوارئ الدولية”، ضمن صيغة متفق عليها مع الدولة اللبنانية. صحيح أن معالم هذه المرحلة لم تتضح بعد، لكنها تشير إلى امتلاك فرنسا أوراق ضغط يمكن استخدامها لمواصلة التأثير في مسار الملف اللبناني: “وجود قوات اليونيفيل يسمح بتوثيق الخروقات الإسرائيلية، ما يفسر محاولات إنهاء مهمتها”.
يوضح آرنو لوغال أن جهود بلاده منصبة حالياً على الحؤول دون إنهاء مهمة اليونيفيل، معبراً عن “عدم تشاؤمه” بخاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها التلويح بهذه الورقة. في المقابل، لم يخف لوغال ملاحظاته على الصلاحيات المحدودة الممنوحة لهذه القوات وتقييد حركتها، موجهاً تحية الى روحَي الجنديين الفرنسيين اللذين قُتلا أخيراً في بلدة الغندورية.
دانيال ميير اعتبر أن تمسك فرنسا بالمشاركة ضمن قوات اليونيفيل هو لهدفين اثنين: أولاً، التمسك بالقانون الدولي، وثانياً منع واشنطن وتل أبيب من إلحاق لبنان بفلكهما. وعليه ينطوي التمسك الفرنسي بالحضور الميداني في جنوب لبنان على موقف رافض للتطبيع مع نظام عالمي لا يراعي المعايير الدولية.
واستطرد لوغال متوقفاً عند الحراك السعودي الأخير تجاه لبنان: “صحيح أن لكل بلد استقلالية في العمل الدبلوماسي، لكن التنسيق الفرنسي – السعودي لا يزال قائماً من أجل إحلال السلام في المنطقة، تنسيق تجلى العام الماضي في رعايتهما مؤتمراً دولياً لتسوية القضية الفلسطينية”. وأضاف لوغال أن ما يعزز هذا التنسيق هو التحول في الموقف السعودي، الذي بات يعتبر إسرائيل التهديد الأول لاستقرار المنطقة، ما يدفع الرياض إلى إعادة ترتيب أوراقها مع شركائها.
إقرأوا أيضاً:











