ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لماذا تبتعد طبيبات نينوى عن اختصاصات الجراحة الدقيقة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يكشف هذا التحقيق عن أن انخفاض تمثيل الطبيبات في الاختصاصات الجراحية الدقيقة ليس حصيلة “نظرة مجتمعية” وحدها، بل تقاطعٌ بين أعرافٍ اجتماعية، ونظامٍ مؤسسي لا يراعي ظروف الطبيبات، وبيئةٍ تشريعية تُضعفهنّ.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ كانت طفلة في المرحلة الابتدائية، عرفت لبنى وجهتها. لم يكن الأمر نزوة عابرة، بل حلمًا وُلد من وجعٍ حقيقي، معلمتها التي أحبّتها بدأت يداها ترتجفان أمام التلاميذ، ثم أخذ مرض باركنسون يسلبها حركتها شيئًا فشيئًا، حتى غيّبها الموت. تلك الرعشة التي عجز الجميع عن إيقافها حفرت في الطفلة سؤالًا لم يفارقها: ماذا لو كان بالإمكان أن يفعل أحدٌ شيئًا؟

من ذلك السؤال وُلد القرار. قرّرت لبنى أن تصبح جرّاحة أعصاب، لا لأن الاختصاص مرموق، بل لأنها رأت فيه طريقًا لمساعدة مرضى يمرّون بالمعاناة نفسها التي رأتها تأكل معلمتها ببطء. حملت هذا الحلم سنوات طويلة، حتى دخلت كلية الطب وهي تعرف تمامًا إلى أين تريد أن تصل، وأيّ مشرطٍ تريد أن تمسك.

لكن لبنى اليوم لا تمسك مشرط جراحة الأعصاب. في مكانٍ ما على الطريق، بين قاعات كلية الطب وأبواب غرف العمليات، أخذ الحلم الذي كبر معها منذ الطفولة يذبل ببطء — تمامًا كما ذبلت يدا معلمتها أمام عينيها ذات يوم. لم تخذلها قدرتها، ولم يردّها امتحان؛ لكن شيئًا أثقل من التعب وأقسى من السهر كان بانتظارها على ذلك الطريق، شيئًا لا يُكتب في الأنظمة ولا يُعلَّق على الجدران.

تقول لبنى إنها لم تجد في المؤسسات الحكومية بيئة تشجّع الطبيبات على دخول الاختصاصات الجراحية، بل على العكس: “بصراحة، في البداية كنت أفكر أن أخوض التجربة وأنافس على الاختصاص، لكن كلما اقتربت من هذا الطريق بدأت أرى واقعًا مختلفًا. شعرت بأن هناك ضغوطًا كبيرة جدًا داخل البيئة الطبية، وخصوصًا على الطبيبات. أحيانًا لا تكون المنافسة علمية فقط، وإنما يوجد بعض الأطباء الذكور يحاولون أن يجعلوا الطبيبة تشعر بأن هذا المكان ليس لها، أو يقللون من ثقتها بنفسها، وأحيانًا يحاولون عرقلة فرصها في التدريب أو إثبات نفسها. بصراحة، لم أشعر بوجود جهة داخل المؤسسة تقف إلى جانب الطبيبة أو توفر لها بيئة عادلة، ولذلك بدأت أفقد الحماسة لحلمي”.

وإذا كانت لبنى قد تراجعت عن حلمها قبل أن تدخل غرفة العمليات، فإن الدكتورة رشا عبد الحافظ اليوزبكي، اختصاص جراحة الجملة العصبية، دخلت تلك الغرفة وتميّزت فيها على رغم كل الصعوبات والتحديات، إلا أنها في النهاية قررت أن تترك كل ما جنته ووصلت إليه بعد سنوات من العمل في التخصص، لتجسّد قصتها الوجه الآخر الذي أخاف لبنى وأبعدها عن حلمها ووعدها وهي طفلة.

رشا، الطبيبة التي تزعم أنها سجّلت أعلى عدد عمليات في المستشفيات الحكومية بفرعها — أداءٌ نال تقدير الجهات الصحية في الموصل، إذ منحها مستشفى ابن سينا كتاب شكر عن إجرائها (38) عملية في حزيران/ يونيو 2020، وسبق أن كرّمها في آذار/ مارس للسبب نفسه — قرّرت أن تدير ظهرها لغرف العمليات نهائيًا، وأن تنتظر تحويلها إلى تدريسية جامعية. تقول بحسم: “أنا مقرّرة، من اتحول  إلى التعليم فلن أعود إلى المستشفى، لأن مشاكل المستشفى كثيرة”. 

هكذا تستعد جراحة الأعصاب في نينوى لخسارة واحدة من أكثر جرّاحاتها إنتاجًا — لا لأن يدها خذلت المشرط، بل لأن المؤسسة التي كان يُفترض أن تسندها جعلت البقاء أثقل من الرحيل.

ما وصفته لبنى من مخاوف، تجسد في رحلة رشا، التي تعبر عنها هذه القصة الصغيرة، والدالّة، حين علّقت على عيادتها لافتة تذكر حصولها على المركز الأول في البورد العربي لعام 2022، اشتكى زملاء إلى النقابة، فطُلب منها إنزال اللافتة، ففعلت — على رغم أنها، كما تقول، “لم اكتب شيئًا كذبًا، ولديّ كتاب رسمي يثبت أنني الأولى”.

يكشف هذا التحقيق المدفوع بالبيانات أن لبنى ورشا ليستا حالة فريدة من نوعها، لكنهما نتاج تمييز سلبي منهجي ضد الطبيبات الراغبات في دخول تخصص الجراحة في محافظة نينوى، من خلال تحليل لعينة من الأطباء المسجلين بالعيادات الخاصة في المحافظة، واستطلاع آراء 136 طبيبة حول ظاهرة عزوف الطبيبات عن التخصصات الجراحية، ومقابلات مع طبيبات وأطباء متخصصين، وتصريحات مسؤولين في نقابة أطباء نينوى تقر بالواقع و تتنصل من مسؤوليتها تجاهه.

لا تشمل البيانات الأطباء والطبيبات الذين يعملون داخل المستشفيات فقط أو في عيادات غير رسمية، كما جُمعت بعض الاختصاصات الجراحية الفرعية ضمن اختصاصات عامة لفهم أفضل للنتائج، واستُبعد الأطباء الذين يعملون في أكثر من منطقة أو يمتلكون أكثر من عيادة لتجنّب تكرار احتسابهم، بخاصة على مستوى الفجوة العددية بين الأطباء الذكور والإناث.

لم نكتفِ في هذا التحقيق بالأرقام والاستبيان، بل عدنا إلى دراسات إقليمية، ووثائق منهاج البورد، وقرارات وكتب رسمية، وتقارير حقوقية، ونصوص قانونية، وإلى شهادة طبيبات رغبن في التخصص في الجراحة، إلا أن رغباتهن تحولت إلى عبء في ظل التحديات التي تبدأ من المجتمع وتتجسّد ضمن نظام التدريب وبيئة النظام الصحي نفسه.

أرقام تكشف الفجوة

تكشف البيانات المرصودة من تطبيق “طبيب” في نينوى، الذي طوّره فريق طبي تابع للنادي الوطني لطلبة الطب، والمسجّلة خلاله كل العيادات الخاصة الرسمية في المحافظة بحسب تأكيدات من مسؤولين في نقابة الأطباء لمعدة التحقيق، عن فجوة واضحة في تمثيل النساء داخل الاختصاصات الجراحية الدقيقة.

992 طبيبًا وطبيبة يملكون عيادات خاصة مسجلة رسميًا لدى نقابة الأطباء، وهو رقم لا يشمل الأطباء الذين يعملون فقط في المستشفيات أو في أي منشأة طبية غير مسجلة رسميًا لدى النقابة.

من هذه العينة، بلغ عدد الأطباء الذكور 692 طبيبًا بنسبة 69.67%، مقابل 300 طبيبة بنسبة 30.24%. أي إن مقابل كل طبيبة تقريبًا يوجد طبيبان من الذكور. وتصبح هذه الفجوة واضحة عند النظر إلى الاختصاصات الجراحية دون سواها.

ففي اختصاصات جراحية متنوعة، مثل الجراحة العامة، وجراحة الأطفال، وجراحة الجملة العصبية (جراحات المخ والأعصاب)، وجراحة القلب، وجراحة العظام، بلغ عدد الأطباء الذكور 382 طبيبًا مقابل 32 طبيبة فقط. وبذلك يستحوذ الرجال على 92.27% من العاملين في هذه الاختصاصات، مقابل 7.73% للطبيبات. أي إن كل طبيبة تعمل في هذه الاختصاصات يقابلها تقريبًا 12 طبيبًا من الذكور.

ويمكننا القول بثقة إن الفجوة التي لاحظناها في الأرقام العامة تعود بشكل كبير إلى هذه التخصصات؛ فالتخصصات غير الجراحية — كعيادات التغذية، أطفال، طب أسنان وطب الأسرة — يبدو التوزيع الجندري فيها أقرب إلى المساواة، ما يطرح سؤالًا عن سبب صعوبة طريق “مشرط الجراحة” على النساء في المحافظة دون الرجال.

فقد بلغ عدد الطبيبات في التخصصات غير الجراحية 268 طبيبة مقابل 310 طبيبًا، وتتنوع هذه الاختصاصات من طب الأسرة، والنسائية والتوليد، وطب الأطفال، إلى تخصصات الطب الباطني، وعلاج الأورام، وعلم وظائف الأعضاء، بل وأظهرت البيانات المرصودة لسنوات عدة في اختصاصات كطب الأسرة مثلاً، أن نسبة الإناث بلغت 60.87%، مقابل 39.13% للذكور، وأن النساء غالبات في هذا التخصص. 

هذا التقارب خارج الجراحة يعزّز افتراض أن المشكلة لا تتعلق بدخول النساء إلى الطب عمومًا، إلا أن هذا التحليل لا يخبرنا بشكل واضح لماذا توجد هذه الفجوة بهذه النسبة الكبيرة في التخصصات الجراحية لا في غيرها، لكن كلمات لبنى قد ترسم وضعاً عاماً يشرح الكثير، والذي، كما ذكرنا على لسانها سابقاً، يبدأ بالبيئة غير المشجّعة، ويصل إلى غياب الحماية للجراحين بشكل عام في المؤسسات الطبية ضد دعاوى الأخطاء الطبية، الأمر الذي ينعكس على النساء بشكل أكبر، في ظل مواجهتهن أفكاراً تربط بين جنسهن وانعدام الكفاءة، كما تخبرنا لبنى وطبيبات كثيرات تحدثن الى معدة التحقيق.

تقول لبنى: “إذا توفي المريض، يعتدي في بعض الأحيان ذوو المريض على الطبيب أو يهددونه أو يسيئون إليه، وفي الواقع لا أرى وجود إجراءات صارمة تحمي الكادر الطبي. فالمؤسسة الحكومية أحيانًا تنسحب من القضية وتترك الطبيب يواجه المشكلة وحده، وهذا يولّد شعورًا بالخوف وانعدام الأمان. بالنسبة إلي، كان هذا سببًا إضافيًا دفعني إلى الابتعاد عن الاختصاصات الجراحية، لأن المسؤولية كبيرة، لكن الحماية والدعم من المؤسسة ضعيفان”.

للفجوة الجندرية في التخصصات الجراحية أبعاد عالمية، إذ وثّقت دراسة نُشرت في مجلة European Journal of Surgery، شملت دولًا مرتفعة الدخل كالولايات المتحدة والنمسا وسويسرا وفرنسا وإسبانيا، أن زيادة أعداد خريجات كليات الطب لم تنعكس بشكل متناسب على الاختصاصات الجراحية؛ إذ لا تزال المرأة ممثَّلة بنسب منخفضة في غرف العمليات مقارنة بالرجال، ما يجعل التساؤل أهمّ في البلدان الأقل دخلًا كالعراق.

وتتقاطع هذه الصورة مع أقرب دراسة إقليمية إلى واقعنا. ففي لبنان، وهو بلد يتقدّم على العراق في مؤشرات المساواة، أظهرت دراسة نُشرت عام 2022 وشملت بيانات 15,429 طبيبًا، أن النساء يشكّلن 21.8% من مجموع الأطباء، لكن نصيبهنّ من الجرّاحين لا يتجاوز 2.3% (65 جرّاحة فقط) — وهو أدنى تمثيل نسائي في المجالات الطبية كافة.

وحين ننتقل من لبنان إلى العراق تزداد الصورة قتامة. فبحسب تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2021، وهي السنة الأخيرة التي تمت فيها الإشارة إلى العراق، بسبب نقص البيانات الرسمية المحدثة والمنظمة المطلوبة لتغطية المحاور الأربعة للمؤشر، جاء العراق في المرتبة 154 من أصل 156 دولة، خلف سوريا (152) وقبل اليمن (155)، في حين كانت الإمارات الدولة العربية الوحيدة في النصف الأعلى (المرتبة 72). فجوة الجراحة في نينوى، إذاً، ليست شذوذًا محليًا، بل امتداد لبنية إقليمية تتقاطع فيها الأعراف مع هشاشة المؤسسات.

تلك الهشاشة لم تكن في قصة رشا وحدها، فـ”زهراء”، اسم مستعار لطبيبة تبلغ 35 عامًا وتعمل في مستشفى ابن سينا في الموصل ضمن التخدير والعناية المركزة، كانت تحلم بالجراحة العامة منذ سنوات الدراسة. تقول إنها أحبّت الجراحة منذ دراستها لموادها في كلية الطب، وكانت تحصل فيها على درجات عالية، ولم تجد صعوبة في فهمها.

بعد تخرجها، بدأت الصعوبات تظهر من مكان لم تتوقعه. تروي أن بعض المرضى كانوا يرفضون أن تُجري لهم الفحص لأنها طبيبة، ويطلبون طبيبًا رجلًا حصرًا، لا سيما في الحالات التي تتطلب فحصًا مباشرًا أو التعامل مع مناطق حساسة. ولم يقتصر الأمر على رفض بعض المرضى، بل امتد إلى ضغوط وانتقادات من المحيط المهني والاجتماعي، انعكست على حالتها النفسية.

وتؤكد أن النظرة الرافضة لوجود الطبيبات في الجراحة العامة تتجاهل طبيعة العمل الطبي، موضحةً: «كما يحتاج المرضى الرجال إلى طبيب لفحصهم، تحتاج المريضات أيضًا إلى طبيبة تفحصهن. ولو كان هناك اختصاص في الجراحة العامة مخصص للنساء فقط وآخر مخصص للرجال فقط، لكان ذلك منطقيًا، لكن هذا التقسيم غير موجود في الواقع».

تعمل زهراء اليوم في التخدير والعناية المركزة، وهو اختصاص لا يقلّ صعوبة وحساسية عن الجراحة العامة ويرتبط بالعمليات والطوارئ، لكنه لا يضعها في مواجهة مباشرة مع مرضى قد يرفضون أن تفحصهم، أو زملاء غير متقبّلين لعملها.

تقول إنها «قبل توزيع الاختصاصات بحثت وسألت الزملاء والزميلات وأهل الاختصاص»، وتضيف: «أكثر من 90% رفضوا أن أتخصص في الجراحة». لم يكن السبب ضعف قدراتها، بل لأن المجتمع — كما قيل لها — لا يتقبّل بسهولة وجود طبيبة في هذا النوع من الاختصاصات، خصوصًا عند فحص الرجال أو التعامل مع حالات حساسة.

وحين سألناها: لو عاد بكِ الزمن، هل كنتِ ستختارين الجراحة؟ أجابت بوضوح: «في العراق لا، لكن في بلد آخر ربما».

فجوة في الأعداد.. وفي التوزّع الجغرافي

لا يقتصر التفاوت على الاختصاصات، بل يظهر أيضًا في التوزيع الجغرافي للعيادات الطبية داخل محافظة نينوى. فقد أظهر الرصد أن أحياء محددة تستقطب العدد الأكبر من الأطباء والطبيبات، مع بقاء الفجوة العددية واضحة عبر الأحياء.

في مقدمة الأحياء حي المصارف بـ168 طبيبًا، نحو خُمسهم فقط من الطبيبات، يليه حي المثنى بـ155 طبيبًا ونحو الربع منهم إناث. وفي المقابل بدت بعض الأحياء أكثر تقاربًا بين الجنسين، مثل حي الزهور الذي سجّل 35 طبيبًا نصفهم تقريباً إناث، وحي السكر الذي سجّل 20 طبيبًا، وهو من بين الأحياء القليلة التي فاق فيها عدد الطبيبات عدد الأطباء.

وتشترك المناطق الأكثر كثافة بالعيادات في أن غالبية سكانها من ذوي الدخول المرتفعة، مقارنة بالمناطق الأقل كثافة. والمثير أن التمكين الاقتصادي — الذي يتيح عادةً للنساء فرصًا أكبر لمهام تتطلب ساعات طويلة خارج المنزل — لم ينعكس على الفجوة بين عيادات الأطباء والطبيبات في تلك المناطق، ما يشير إلى وجود أسباب أخرى حاسمة في خلق هذه الفجوات.

وعلى مستوى الاختصاصات الجراحية، يتركّز العدد الأكبر من الجرّاحين في حي المصارف، يليه المثنى، ثم البريد، والبعث، والموصل الجديدة. ما يعكس أن الفجوة لا ترتبط بالجنس فقط، بل أيضًا بتوزيع الخدمات الطبية المتخصصة داخل مناطق المحافظة.

ما وراء قرار الابتعاد

أسباب كل من لبنى وزهراء للابتعاد عن التخصصات الجراحية تشرح جزءاً من صورة عامة نستطيع رؤية انعكاسها في قصة رشا، ولكن أيضاً على مستوى استجابات 136 طبيبة لاستبيان إلكتروني وُزّع على طبيبات من مختلف الاختصاصات في نينوى في مجموعات تواصل عدة تجمعهنّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

تضمّن الاستبيان أسئلة عن الخصائص الديموغرافية، والاختصاص الحالي، والاهتمام السابق بالجراحة، والعوامل المؤثرة في اختيار الاختصاص، والتحديات التي قد تحدّ من توجّه الطبيبات نحو الاختصاصات الجراحية.

أظهرت النتائج أن 39% من المستجيبات فكرن سابقًا باختيار اختصاص جراحي، وعند السؤال عن الاختصاص الذي اخترنه فعليًا وجدنا أن 4.41 % فقط من كامل العينة اخترن أحد الاختصاصات الجراحية، أي 6 طبيبات من أصل 136.

أما الباقيات فتنوّعت تخصصاتهنّ بين مجالات غير جراحية، في مقدمها طب الأسرة بـ56%، تلاه طب الأطفال والنسائية والتوليد بواقع 6.15% لكل منهما، ثم الصيدلة بـ5.38%، فيما توزّعت البقية على الأشعة والتخدير والجلدية وطب المجتمع والطب النفسي وطب الأسنان وغيرها. وتتوافق هذه النتائج مع تحليلنا بيانات تطبيق «طبيب» وبعض الأرقام المتفرقة التي استطعنا الحصول عليها من خلال النقابة لتوزيع الأطباء بحسب الجنس في تخصصات الجراحات الصدرية وجراحات الأعصاب.

عند سؤال الطبيبات عن أسباب عدم اختيار الاختصاصات الجراحية، جاءت صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة في المقدمة بـ33.8%، تلتها عدم الرغبة الشخصية بـ21.5%، ثم أسباب تتعلق بطبيعة العمل والتدريب كالمسؤولية العالية وطول ساعات العمل (15.38% لكل منهما)، وضغوط المناوبات والخفارات بنحو 8.46%.

وعند السؤال عن أكبر عائق، اعتبرت 48.46% الالتزامات العائلية العائق الأكبر، بينما رأت 44.62% أن طبيعة العمل هي العائق الأكبر.

تكشف هذه الأرقام أن القرار لا يرتبط غالبًا بسبب واحد. فالطبيبة لا تبتعد عن الجراحة لأنها لا تستطيع بالضرورة، بل لأنها تجد نفسها أمام معادلة صعبة: اختصاص مرهق، مناوبات طويلة، مسؤولية عالية، وأسرة تحتاج إلى حضورها. للوهلة الأولى، قد نجد في هذه الإجابات عوائق تقليدية تراها النساء في بلدان عدة عند التخصص في مهنة دقيقة كالجراحة.

وعلى مستوى القوانين وصياغتها، لا نجد ما يشير إلى وجود تمييز سلبي ممنهج ضد النساء الراغبات في سلوك هذا الطريق، إلا أن المستجيبات للاستبيان يظهرن وجهاً آخر للمعادلة في إجابتهن عن الأسئلة المرتبطة بطبيعة برنامج التدريب للتخصص.

فعند سؤال 130 طبيبة لم يخترن تخصص الجراحة عمّا إذا كانت الفرص متساوية بين الأطباء والطبيبات في الالتحاق والتقدّم داخل الاختصاصات الجراحية، أجابت 43.85% بـ«لا»، ورأت 40.77% أنها متساوية «إلى حد ما»، مقابل 14.62% فقط اعتبرن الفرص متساوية (استُبعدت إجابات 6 طبيبات من ذوات الاختصاص الجراحي، واقتصر التحليل على 130 مشاركة).

عند سؤال المستجيبات اللواتي رأين انعداماً في المساواة، سواء بشكل كامل أو جزئي، أجابت 44 طبيبة فقط بأنه لا سببَ فعليّ وراء اعتقادهن بوجود عدم مساواة بين الرجال والنساء في البرنامج، من بين 130 طبيبة لم يخترن الاختصاصات الجراحية. وجاءت النظرة المجتمعية السائدة وتفضيل الجرّاحين الذكور على الجرّاحات في المرتبة الأولى بنسبة 53.49%، تلتها الالتزامات العائلية والحياتية بنسبة 13.95%، ثم ضعف الدعم المقدَّم للطبيبات بنسبة 11.63%، وأخيراً ضغط العمل والمسؤولية بنسبة 9.30%. أي إن السبب الأول وراء شعورهن بانعدام المساواة مرتبط بالبيئة المحيطة بالعمل، لا بالعمل نفسه. 

هنا تظهر المفارقة: تمنح القوانين العراقية الخاصة بالتسجيل في البرنامج المساواة بين الجنسين، لكن الواقع اليومي يكشف غياب العدالة وتكافؤ الفرص الحقيقي. فالطبيبة تخوض الامتحان نفسه، وتقضي ساعات التدريب نفسها، لكنها غالبًا ما تحمل خارج المستشفى أعباءً إضافية لا يحملها الطبيب الرجل، فتُخرجها، رغمًا عنها، من سباق الوصول إلى مشرط الجراحة. 

خارج غرفة العمليات

تتضح المفارقة أكثر عند النظر إلى الطرف الآخر من الطيف. فبحسب تصريح الدكتورة ولاء فتحي الجبوري، ممثلة جمعية أطباء الأسرة العراقية  في نينوى، تكاد النسبة تنقلب رأسًا على عقب في طب الأسرة، إذ تشكّل النساء الغالبية الساحقة حسب اعتقادها  — نحو 93% مقابل 7% من الرجال.

والسبب، كما توضح، “عوائق اجتماعية بالدرجة الأولى”؛ فالطبيبة تفكّر — قبل الزواج وبعده — في أن التخصصات الجراحية تعني ارتباطًا أطول بالمستشفى وخفارات ليلية تُربك حياة الأسرة، في ظل غياب الحضانات المسائية والليلية، وهي واحدة من حقوق العاملات المتفق على أهميتها في قوانين العمل في دول مختلفة. فإن لم تجد عائلة تسندها في رعاية أطفالها، «تضطر لترك حلمها والذهاب إلى فرع كطب الأسرة، لأنه لا خفارات فيه، والدوام صباحي فقط».

وتضيف بصراحة لافتة الى أن ما يُقدَّم أحيانًا من «تسهيل» — كوضع الطبيبات في الدوام الصباحي — ليس مراعاةً لظروفهنّ، بل لمصلحة الأطباء الرجال الذين يفضّلون العمل المسائي لانشغالهم نهارًا بأعمال أخرى. «المشكلة في مؤسساتنا، حكومية كانت أو أهلية، أنها لا تمنح الطبيبة أي استثناء عدا إجازة الأمومة»، تقول، وتضيف: «لو وُجدت تسهيلات مركزية لكان وضع المستشفيات أفضل».

وتلخّص الدكتورة ولاء المفارقة بعبارة واحدة حين سُئلت عمّا إذا كان الأطباء والطبيبات متساوين في ساعات التدريب وتوزيع الاختصاصات، قائلة: «متساوون تمامًا… توجد مساواة، ولكن لا توجد عدالة». فالطبيبة، كما تقول، تُعامل «حالها من حال الطبيب» من دون أي مراعاة لظروفها؛ لا تُرفع عنها خفارة ولا يُخفَّف عنها دوام، وإذا طلبت الخروج لأن ابنها مريض «الجميع يقف ضدها… وتبقى دائمًا متهمة حتى يثبت العكس»، كما تتهم بأنها تختلق الأعذار للحصول على إجازة. حتى ساعة الرضاعة، التي كانت تتيح للطبيبة العودة إلى بيتها لإرضاع طفلها ثم الرجوع إلى عملها، لم تعد متأكدة إن كان لا يزال معمولًا بها اليوم.

وتصف واقع المستشفيات بأنها في غالبيتها تعمل في مواقع بديلة، و«دار الطبيبات متهالك جدًا وصغير لا يكفي لأعدادهنّ»، من دون حضانة تضع فيها الطبيبة أطفالها، ولا أي مرافق تعينها على التخصص في الاختصاصات الجراحية.

ثقة المرضى.. العائق الخفي

على الرغم من إنكار الدكتورة ولاء عامل ثقة المرضى بالطبيبات الإناث بوصفه أحد العوامل التي تمنع النساء من التخصص في هذا المجال، إلا أن من أبرز ما أظهره الاستبيان أن ثقة المرضى ما زالت تمثل عاملًا مؤثرًا في تصوّر الطبيبات مستقبلهن داخل الجراحة، في تشابه كبير مع المعضلة التي واجهت زهراء.

فعند سؤال المشاركات الـ130 اللواتي لم يخترن تخصصًا جراحيًا عمّا إذا كنّ يعتقدن أن ثقة المرضى بالأطباء الذكور أعلى من ثقتهم بالطبيبات، أجابت 56.15% (73 طبيبة) بـ«نعم»، ورأت 33.08% أن ذلك يحدث «إلى حد ما»، مقابل 10.77% فقط أجبن بـ«لا».

وعندما طلبنا منهن تفسير اختيارهن، تمحورت معظم الإجابات حول نظرة المجتمع إلى المرأة؛ فبعض المرضى، كما ترى المشاركات، ينظرون إلى الطبيبة على أنها أقل قدرة أو جرأة من الطبيب، بخاصة في الجراحة. وترتبط الثقة بالرجل، في نظر البعض، بتصورات تقليدية عن القوة البدنية والقدرة على التحمل والتفرّغ، إضافة إلى وجود الكثير من أسماء الجرّاحين المعروفين من الرجال.

هذا الحاجز لا يظهر في التعليمات الرسمية، لكنه يظهر في غرفة الفحص، وفي الممرات، وفي كلام المرضى وذويهم، وفي المقارنات اليومية التي قد تلاحق الطبيبة منذ بداية تدريبها. أسباب لم تحُل بين زهراء وحلمها فحسب، بل حالت أيضًا بين عشرات الطبيبات وأحلامهن.

وهو الحاجز نفسه الذي اصطدم بحلم لبنى منذ البداية. فجراحة الأعصاب، في نظر المجتمع من حولها، ظلّت ملعبًا يُقال إنه أنسب للرجال؛ وكانت تدرك أن كثيرًا من المرضى، لو خُيّروا بينها وبين طبيب، لاختاروا الطبيب، لا لأنها أقل كفاءة، بل لأن الثقة، في المخيّلة السائدة، تُمنح للرجل. ولا يقتصر انعدام الثقة على المرضى فقط، بحسب شهادات الطبيبات لمعدة التحقيق، بل يصل إلى النظام نفسه، الذي يتبرع بتأكيد الأمر للطبيبات بصور مختلفة.

التميّز في المجال الجراحي لا يكفي

إن كانت قصة إسراء تحكي عن حلم أُجهض قبل أن يبدأ، فإن قصة الدكتورة رشا، اختصاصية جراحة الجملة العصبية، تكشف ما ينتظر الطبيبة حين تُصرّ على المضي حتى النهاية.

حصلت الدكتورة رشا عبد الحافظ اليوزبكي على المركز الأول في امتحان البورد العربي، وأصبحت اختصاصية في أواخر عام 2022. وبحسب إحصاءاتها الرسمية، سجّلت أعلى عدد من العمليات في المستشفيات الحكومية في فرعها: 286 عملية عام 2023، وارتفع العدد إلى نحو 300 عملية عام 2025. لكن هذا التفوّق، بدلًا من أن يُكافأ، تحوّل إلى مشكلة؛ فبعدما تصدّرت الأرقام، تقول إن رئاسة القسم أصدرت كتابًا رسميًا يمنع الاختصاصي من إجراء أكثر من خمس عمليات جراحية في اليوم، «بعدما كنت أُدخل تسعة أو عشرة مرضى ضمن الدوام الرسمي».

ولا تتوقف روايتها عند الأرقام. فحين دخلت في خلاف مهني مع كادر التمريض داخل صالة العمليات، وصل إلى تقديمها شكوى رسمية، تقول إن الإدارة اصطفّت ضدها لا معها، وإن «مطالعاتها» كانت تُسحب أو تُلغى. بل تروي أنها تلقّت، على خلفية شكواها، تلويحًا بنقلها إلى مستشفى فرعي جديد بلا أجهزة ولا طوارئ، في ما اعتبرته محاولة لتعطيل عملها. وحتى قرار نقلها إلى ملاك التعليم، الموافق عليه، بحسب قولها، من وزارتي التعليم العالي والصحة، بقي معلّقًا نحو عامين بذريعة عدم إقرار الموازنة.

ولا يقف الانحياز عند صالات العمليات، بل يمتد، بحسب روايتها، إلى فرص التدريب نفسها. فالدورات التدريبية المهمة التي توفد الوزارة الأطباء إليها على نفقتها، وبعضها إلى أوروبا، لا يُبلَّغ بها الجميع: «لو كانت هناك أمور مفيدة ومتاحة للجميع، لتم الإعلان عنها بوضوح. لكننا لا نسمع عنها إلا عندما نرى أحد الأطباء قد أُوفد إلى دورة تدريبية على نفقة الوزارة»، بينما لا يُعلَن للكل إلا عن الدورات التي تصفها بأنها «تافهة لا نحتاجها أصلًا»، أو تلك التي يخرج إليها الأطباء على نفقتهم الخاصة.

وتروي واقعة أخرى دالّة على الانحياز ذاته: حين أصرّت وكيلة مدير الصحة آنذاك على أن تضم اللجنة الاستشارية للفرع طبيبة، وفي جراحة الأعصاب أربع أو خمس اختصاصيات، ضُمّت الدكتورة رشا إليها فعلًا، فما كان من الأطباء إلا أن اشتكوا إلى الدائرة حتى أُخرجت من اللجنة.

هذه ليست شهادة عن «نظرة مجتمعية» فحسب، بل عن قرارات وكتب رسمية وإجراءات إدارية توثّق كيف يمكن للمؤسسة نفسها أن تتحوّل إلى عائق أمام الطبيبة الأكثر إنتاجًا في فرعها.

وتتردّد الرواية نفسها على لسان طبيبات أصغر سنًا. تقول زهراء إنها، بعدما شاركت في معالجة حالة طارئة مستقرة على أكمل وجه، سمعت أحد الأطباء يصفها أمام الزملاء بأنها «مترددة ولا تُحسن التعامل مع الحالات الجراحية»، وإن الحالات المهمة كانت تُمنح للطبيب الرجل «حتى يتعلم أكثر»، بينما تُترك للطبيبات الأعمال البسيطة، وإن زملاءها كانوا يعيدون فحص مرضاها للتأكد. «جعلني ذلك أدرك أن المشكلة ليست في قدرتي»، تقول، «بل كوني طبيبة تريد دخول مجال يعتبره البعض للرجال فقط».

طبيب رجل يشهد على الفجوة وأسبابها

الدكتور إسماعيل داؤد إسماعيل، الذي عمل رئيسًا لقسم الطب الباطني في جامعة الموصل بين عامي 2016 و2020، يشير إلى أن الفجوة كانت واضحة منذ سنوات في عدد من الاختصاصات.

بحسب شهادته، كان قسم الطب الباطني في فترة سابقة يضم 36 طبيبًا مقابل طبيبة واحدة في المفاصل، فيما كانت الأمراض النفسية تضم طبيبتين بلا أطباء ذكور، والأمراض الجلدية طبيبتين وطبيبًا واحدًا. وفي الجراحة، بحسب معلوماته، كان عدد الطبيبات يتراوح بين واحدة واثنتين فقط، مقابل نحو 40 طبيبًا أو أكثر.

ويرى الدكتور إسماعيل أن التحديات التي تحدّ من دخول الطبيبات إلى الاختصاصات الجراحية ليست عاملًا واحدًا، بل مجموعة عوامل متداخلة، في مقدمها الالتزامات العائلية ورعاية الأطفال وأعمال البيت، إضافة إلى صعوبة الاختصاصات الجراحية وما تتطلبه من قوة نفسية وبدنية. كما يشير إلى أن بعض النساء يفضّلن اختصاصات أقل احتكاكًا بمشكلات المرضى وذويهم، أو أقل مسؤولية مباشرة من الجراحة.

نقابة أطباء نينوى: لا منع رسمي… لكن التدريب شاق

في المقابل، تقدّم تصريحات نقابة أطباء نينوى زاوية أخرى للصورة. فبحسب الطبيبين محمد سليمان الحوري وإبراهيم حافظ المعاضيدي، لا يوجد سبب رسمي يمنع الطبيبات من دخول أقسام الجراحة، ولا معوقات قانونية تحول دون تقدّمهنّ لهذه الاختصاصات؛ فاختيار الاختصاص، من وجهة نظر النقابة، يعود بالأساس إلى رغبة كل طبيب أو طبيبة.

لكن النقابة تُقرّ في الوقت نفسه بأن طبيعة التدريب والدوام في هذه الاختصاصات متعبة، بخاصة مع ساعات العمل الطويلة والعمليات التي قد تستغرق أكثر من خمس ساعات أحيانًا. وتؤكد أن متطلبات البورد العراقي أو العربي واحدة للجنسين، إذ يجب إكمال ساعات التدريب وجداولها وفق المنهاج، واجتياز الامتحانات، من دون فرق رسمي بين الذكور والإناث.

وتؤكد وثائق المجلس العراقي للاختصاصات الطبية أن التدريب الجراحي يمثّل تحديًا، بخاصة مع عدم وجود بنية تحتية تساعد الطبيبات على أداء واجباتهن الاجتماعية، كالحضانات، أو بيئة داعمة، كزملاء متعاونين أو مرضى يرفضون التعامل معهن.

منهاج البورد في الجراحة العامة (2024–2025) هو برنامج إقامة يمتد خمس سنوات، موزّعة على مقررات متتابعة تشمل العلوم الجراحية الأساسية، والرضوض والجراحة الطارئة والعناية المركزة، وجراحة العظام والأوعية والصدر والمسالك والتجميل، وصولًا إلى جراحة الجهاز الهضمي والكبد والثدي، مع خفارات مكثّفة وامتحانات موحّدة. التحدي نفسه يواجهه الطبيب الرجل؛ الفارق ليس في المنهاج، بل في ما يحيط به من ظروف تجعل كلفة السنوات الخمس على الطبيبة أثقل.

هذا الموقف يفتح سؤالًا في صلب التحقيق: هل تكفي المساواة القانونية لتحقيق العدالة الفعلية؟

تدعم نتائج الاستبيان هذا الاستنتاج. فعند تقييم نظام العمل الحالي، قالت 58.46% من أصل 130 طبيبة أجبن عن الأسئلة المرتبطة بطبيعة العمل في الجراحة، إنه يقوم على المساواة بين الأطباء والطبيبات من دون مراعاة الظروف الخاصة، كالأمومة والالتزامات العائلية، ورأت 36.15% أنه غير عادل للطبيبات، مقابل 5.38% فقط اعتبرنه عادلًا. وعند السؤال عن ساعات العمل والخفارات، أجابت 83.08% بأن النظام الحالي لا يراعي ظروف الطبيبات، مقابل 13.85% قلن إنه يراعيها إلى حد ما، و2.31% فقط أجبن بـ«نعم».

كما أظهرت النتائج أن الالتزامات العائلية، كالأمومة ورعاية الأطفال، تؤثر بشكل كبير في اختيار الاختصاص؛ إذ أجابت 81.54% بأنها تؤثر بشكل كبير، ورأت 18.46% أنها تؤثر إلى حد ما. وهذه النتائج تضع ما أوضحته الدكتورة آلاء حول عدم وجود الحضانات في صلب أكبر جوانب التمييز الممنهج الذي تعاني منه الطبيبات ويمنعهن من الاختصاص في الجراحة.

بيئة تشريعية لا تُنصف الطبيبة

رسمت شهادات الطبيبات والبيانات لمعدة التحقيق صورة البيئة الاجتماعية والمؤسسية التي تعيش فيها الطبيبة العراقية التي ترغب في التخصص في إحدى مجالات الجراحة، إلا أن الوثائق القانونية تكشف طبقة أعمق نادرًا ما يُلتفت إليها. فالمنظومة القانونية العراقية تتضمّن نصوصًا تُضعف موقف الطبيبة المهني والاجتماعي بشكل مباشر أو غير مباشر.

فقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 يمنح في المادة (41) ما يسمى «حق التأديب» للزوج تجاه زوجته، وهو نصّ يكرّس التبعية ويحدّ من استقلالية الطبيبة في قرارات مثل الخفارات الليلية أو السفر للتدريب الجراحي المكثّف. كما أن المادة (409) من القانون نفسه، بمنحها أعذارًا مخفّفة في ما يُعرف بجرائم الشرف، تُنشئ بيئة غير آمنة للطبيبات في مجتمعات محافظة، حيث قد يتعرّضن للوصم أو التهديد لمجرّد طبيعة عمل تتطلب الاختلاط أو الدوام المتأخر. [1]

وفي المقابل، يمثّل قانون حماية الأطباء رقم 26 لسنة 2013 خطوة إيجابية بتجريمه المطالبات العشائرية في المادتين (1) و(5)، لكن الواقع العملي يكشف فجوة واسعة في التطبيق. فالطبيبات الجرّاحات يعانين من غياب الحماية الفعلية أمام «الفصل العشائري»؛ إذ تجد الطبيبة نفسها وحيدة في مواجهة تهديدات عشائرية عند حدوث أي مضاعفة طبية، ما قد يدفعها إلى ترك الاختصاص أو دفع تسويات مالية خارج إطار القانون. [2]

أما نظام الخفارات الجديد الذي أقرّته وزارة الصحة عام 2025، والقائم على ثلاث نوبات عمل، فلم يراعِ الخصوصية الأمنية والاجتماعية للطبيبات في نينوى؛ فغياب السكن الآمن داخل المستشفيات وصعوبة التنقل ليلًا في مناطق معينة يجعلان منه عبئًا إضافيًا بدلًا من أن يكون أداة عدالة في توزيع العمل. وهو الأمر الذي أشارت إليه الطبيبة آلاء في شهادتها لمعدة التحقيق حول حالة «دار الطبيبات».

هنا تكتمل الصورة التي بدأتها الأرقام: الفجوة ليست حصيلة «نظرة مجتمعية» مجرّدة، بل تقاطعٌ بين أعرافٍ اجتماعية، ومؤسسةٍ لا تُراعي، وقانونٍ يُضعف موقف الطبيبة حين لا يحميها.

الفجوة ليست قدرًا

هذه البنية ليست حتمية. ففي دول الخليج، التي تتشابه مع العراق في طبيعة مجتمعاتها المحافظة وهيكلها المتأثر بعناصر مثل القبلية، تتراجع الفجوة بوضوح: إذ بلغت نسبة النساء بين أطباء الإقامة في الجراحة 63% في عُمان، و39% في البحرين، و27% في السعودية، فيما أسّست الكويت عام 2018 أول تجمّع نسائي جراحي في المنطقة باسم «رابطة جرّاحات الكويت». والتحسّن، حيثما وُجد، رافقه فعلٌ مؤسسي، وهو ما تعكسه إجابات الطبيبات على الاستبيان الذي وزّعته معدّة التحقيق، بخاصة في الأسئلة المتعلقة بشكل التشجيع المطلوب لزيادة أعداد الجرّاحات في المحافظة.

عند سؤال الطبيبات (130 طبيبة لم يخترن تخصصًا جراحيًا، من أصل 136 طبيبة استجبن للاستبيان) عن العوامل التي قد تشجّعهنّ على الالتحاق بالاختصاصات الجراحية، جاءت الحوافز المالية في المقدمة بنسبة 34.62%، تلتها بيئة العمل الأفضل بنسبة 26.92%، ثم ساعات العمل الأكثر مرونة بنسبة 17.69%، والدعم المؤسسي الأكبر بنسبة 16.15%، إضافة إلى إجابات متفرقة كالرغبة ومساعدة المريضات.

وعند سؤالهنّ عن مقترحات لتحسين بيئة العمل، كان المقترح الأوضح في إجابات المشاركات هو توفير حضانة أو مركز لرعاية الأطفال داخل المستشفى يعمل على مدار 24 ساعة، بما يساعد الطبيبات — بخاصة أثناء المناوبات والخفارات الليلية — على التوفيق بين مسؤولياتهنّ المهنية والأسرية.

وتتقاطع هذه المقترحات مع ما طرحه الدكتور إسماعيل من حلول، مثل تشجيع الطبيبات على دخول الاختصاصات الدقيقة، وتوسيع فرص التدريب — خصوصًا في الجراحة الناظورية — ودعم مشاركتهنّ في المؤتمرات والندوات، وتطبيق القوانين التي تحميهنّ من التجاوزات، ورفع وعي المجتمع بدور المرأة في الاختصاصات الجراحية.

وتضيف الوثائق القانونية بُعدًا آخر: أي إصلاح فعلي يمرّ أيضًا بمراجعة النصوص التي تُضعف موقف الطبيبة، وتفعيل الحماية أمام «الفصل العشائري»، وتصميم نظام خفارات يراعي أمنها وسكنها وتنقلها.

وتلتقي هذه الحلول مع ما تطرحه الدكتورة ولاء الجبوري، التي ترى أن أي تغيير حقيقي يبدأ من جعل التسهيلات «مركزية» لا اجتهادات فردية: حضانات مسائية وليلية داخل المستشفيات، وسكن لائق للطبيبات يتسع لأعدادهنّ، ومراعاة فعلية لظروف الطبيبة في توزيع الخفارات — فالمساواة الشكلية في التعليمات، كما تقول، لا تصنع عدالة.

عودة إلى حلم لبنى غير المكتمل

في نهاية هذا التحقيق، نعود إلى حيث بدأنا: إلى لبنى، الطفلة التي رأت يدَي معلمتها ترتجفان فقرّرت أن تصبح جرّاحة أعصاب. حين تستعيد اليوم ما رأته وسمعته في الطريق إلى الحلم، تروي بلهجتها، من دون تجميل، كيف انطفأت الحماسة شيئًا فشيئًا.

تقول لبنى إن القوانين قد تكون متساوية في القبول والامتحان، لكن غياب المرونة ومراعاة ظروف الطبيبات يجعل المنافسة أصعب. لم تكن المشكلة يومًا في قدراتها، بل في البيئة المحيطة: نظرة المجتمع، وضغط الوقت، وطبيعة العمل، وقلة المراعاة للمسؤوليات العائلية.

اليوم تمارس لبنى طب الأسنان، بينما بقيت جراحة الأعصاب حلمًا مؤجلًا — واحدًا من أحلامٍ كثيرة أُجّلت في نينوى، ووراء كلٍّ منها طبيبة لم تصل إلى غرفة العمليات التي رأت نفسها فيها.

ما تكشفه البيانات والشهادات والتصريحات والوثائق هو أن عزوف الطبيبات عن الاختصاصات الجراحية الدقيقة لا يمكن تفسيره بالرغبة الشخصية وحدها. فهناك طبيبات أحببن الجراحة، وتفوّقن في موادها، وبعضهنّ كنّ قريبات جدًا من هذا الطريق — بل بلغته إحداهنّ وتصدّرت أرقامه — لكنهنّ تراجعن، أو حوصرن، أمام واقع أكثر تعقيدًا من قرار فردي.

الطبيب الرجل يواجه صعوبة الاختصاص، أما الطبيبة فتواجه صعوبة الاختصاص مضافًا إليها أسئلة أخرى: هل سيقبل المرضى بها؟ هل ستوفّق بين الخفارات والأسرة؟ هل ستجد دعمًا داخل بيئة التدريب؟ هل سيتقبّل الزوج أو الأهل طبيعة العمل؟ وهل ستمنحها المؤسسة الصحية فرصة عادلة، لا على الورق فقط، بل في الواقع؟

لذلك، فإن ضعف حضور الطبيبات في الجراحة لا يعكس نقصًا في الكفاءة بقدر ما يكشف عن بيئة تحتاج إلى مراجعة. فالمساواة في شروط القبول والتدريب لا تكفي إذا لم ترافقها سياسات أكثر إنصافًا، تراعي المسؤوليات الاجتماعية والعائلية، وتحمي الطبيبة قانونيًا ومؤسسيًا.

في النهاية، لا تحتاج غرف العمليات إلى رجال أكثر بقدر ما تحتاج إلى كفاءات أكثر. والطبيبات اللواتي تركن حلم الجراحة لم يتركنه دائمًا لأنهنّ لا يردنه، بل لأن الطريق إليه لم يكن متاحًا بما يكفي.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
20.08.2026
زمن القراءة: 21 minutes

يكشف هذا التحقيق عن أن انخفاض تمثيل الطبيبات في الاختصاصات الجراحية الدقيقة ليس حصيلة “نظرة مجتمعية” وحدها، بل تقاطعٌ بين أعرافٍ اجتماعية، ونظامٍ مؤسسي لا يراعي ظروف الطبيبات، وبيئةٍ تشريعية تُضعفهنّ.

منذ كانت طفلة في المرحلة الابتدائية، عرفت لبنى وجهتها. لم يكن الأمر نزوة عابرة، بل حلمًا وُلد من وجعٍ حقيقي، معلمتها التي أحبّتها بدأت يداها ترتجفان أمام التلاميذ، ثم أخذ مرض باركنسون يسلبها حركتها شيئًا فشيئًا، حتى غيّبها الموت. تلك الرعشة التي عجز الجميع عن إيقافها حفرت في الطفلة سؤالًا لم يفارقها: ماذا لو كان بالإمكان أن يفعل أحدٌ شيئًا؟

من ذلك السؤال وُلد القرار. قرّرت لبنى أن تصبح جرّاحة أعصاب، لا لأن الاختصاص مرموق، بل لأنها رأت فيه طريقًا لمساعدة مرضى يمرّون بالمعاناة نفسها التي رأتها تأكل معلمتها ببطء. حملت هذا الحلم سنوات طويلة، حتى دخلت كلية الطب وهي تعرف تمامًا إلى أين تريد أن تصل، وأيّ مشرطٍ تريد أن تمسك.

لكن لبنى اليوم لا تمسك مشرط جراحة الأعصاب. في مكانٍ ما على الطريق، بين قاعات كلية الطب وأبواب غرف العمليات، أخذ الحلم الذي كبر معها منذ الطفولة يذبل ببطء — تمامًا كما ذبلت يدا معلمتها أمام عينيها ذات يوم. لم تخذلها قدرتها، ولم يردّها امتحان؛ لكن شيئًا أثقل من التعب وأقسى من السهر كان بانتظارها على ذلك الطريق، شيئًا لا يُكتب في الأنظمة ولا يُعلَّق على الجدران.

تقول لبنى إنها لم تجد في المؤسسات الحكومية بيئة تشجّع الطبيبات على دخول الاختصاصات الجراحية، بل على العكس: “بصراحة، في البداية كنت أفكر أن أخوض التجربة وأنافس على الاختصاص، لكن كلما اقتربت من هذا الطريق بدأت أرى واقعًا مختلفًا. شعرت بأن هناك ضغوطًا كبيرة جدًا داخل البيئة الطبية، وخصوصًا على الطبيبات. أحيانًا لا تكون المنافسة علمية فقط، وإنما يوجد بعض الأطباء الذكور يحاولون أن يجعلوا الطبيبة تشعر بأن هذا المكان ليس لها، أو يقللون من ثقتها بنفسها، وأحيانًا يحاولون عرقلة فرصها في التدريب أو إثبات نفسها. بصراحة، لم أشعر بوجود جهة داخل المؤسسة تقف إلى جانب الطبيبة أو توفر لها بيئة عادلة، ولذلك بدأت أفقد الحماسة لحلمي”.

وإذا كانت لبنى قد تراجعت عن حلمها قبل أن تدخل غرفة العمليات، فإن الدكتورة رشا عبد الحافظ اليوزبكي، اختصاص جراحة الجملة العصبية، دخلت تلك الغرفة وتميّزت فيها على رغم كل الصعوبات والتحديات، إلا أنها في النهاية قررت أن تترك كل ما جنته ووصلت إليه بعد سنوات من العمل في التخصص، لتجسّد قصتها الوجه الآخر الذي أخاف لبنى وأبعدها عن حلمها ووعدها وهي طفلة.

رشا، الطبيبة التي تزعم أنها سجّلت أعلى عدد عمليات في المستشفيات الحكومية بفرعها — أداءٌ نال تقدير الجهات الصحية في الموصل، إذ منحها مستشفى ابن سينا كتاب شكر عن إجرائها (38) عملية في حزيران/ يونيو 2020، وسبق أن كرّمها في آذار/ مارس للسبب نفسه — قرّرت أن تدير ظهرها لغرف العمليات نهائيًا، وأن تنتظر تحويلها إلى تدريسية جامعية. تقول بحسم: “أنا مقرّرة، من اتحول  إلى التعليم فلن أعود إلى المستشفى، لأن مشاكل المستشفى كثيرة”. 

هكذا تستعد جراحة الأعصاب في نينوى لخسارة واحدة من أكثر جرّاحاتها إنتاجًا — لا لأن يدها خذلت المشرط، بل لأن المؤسسة التي كان يُفترض أن تسندها جعلت البقاء أثقل من الرحيل.

ما وصفته لبنى من مخاوف، تجسد في رحلة رشا، التي تعبر عنها هذه القصة الصغيرة، والدالّة، حين علّقت على عيادتها لافتة تذكر حصولها على المركز الأول في البورد العربي لعام 2022، اشتكى زملاء إلى النقابة، فطُلب منها إنزال اللافتة، ففعلت — على رغم أنها، كما تقول، “لم اكتب شيئًا كذبًا، ولديّ كتاب رسمي يثبت أنني الأولى”.

يكشف هذا التحقيق المدفوع بالبيانات أن لبنى ورشا ليستا حالة فريدة من نوعها، لكنهما نتاج تمييز سلبي منهجي ضد الطبيبات الراغبات في دخول تخصص الجراحة في محافظة نينوى، من خلال تحليل لعينة من الأطباء المسجلين بالعيادات الخاصة في المحافظة، واستطلاع آراء 136 طبيبة حول ظاهرة عزوف الطبيبات عن التخصصات الجراحية، ومقابلات مع طبيبات وأطباء متخصصين، وتصريحات مسؤولين في نقابة أطباء نينوى تقر بالواقع و تتنصل من مسؤوليتها تجاهه.

لا تشمل البيانات الأطباء والطبيبات الذين يعملون داخل المستشفيات فقط أو في عيادات غير رسمية، كما جُمعت بعض الاختصاصات الجراحية الفرعية ضمن اختصاصات عامة لفهم أفضل للنتائج، واستُبعد الأطباء الذين يعملون في أكثر من منطقة أو يمتلكون أكثر من عيادة لتجنّب تكرار احتسابهم، بخاصة على مستوى الفجوة العددية بين الأطباء الذكور والإناث.

لم نكتفِ في هذا التحقيق بالأرقام والاستبيان، بل عدنا إلى دراسات إقليمية، ووثائق منهاج البورد، وقرارات وكتب رسمية، وتقارير حقوقية، ونصوص قانونية، وإلى شهادة طبيبات رغبن في التخصص في الجراحة، إلا أن رغباتهن تحولت إلى عبء في ظل التحديات التي تبدأ من المجتمع وتتجسّد ضمن نظام التدريب وبيئة النظام الصحي نفسه.

أرقام تكشف الفجوة

تكشف البيانات المرصودة من تطبيق “طبيب” في نينوى، الذي طوّره فريق طبي تابع للنادي الوطني لطلبة الطب، والمسجّلة خلاله كل العيادات الخاصة الرسمية في المحافظة بحسب تأكيدات من مسؤولين في نقابة الأطباء لمعدة التحقيق، عن فجوة واضحة في تمثيل النساء داخل الاختصاصات الجراحية الدقيقة.

992 طبيبًا وطبيبة يملكون عيادات خاصة مسجلة رسميًا لدى نقابة الأطباء، وهو رقم لا يشمل الأطباء الذين يعملون فقط في المستشفيات أو في أي منشأة طبية غير مسجلة رسميًا لدى النقابة.

من هذه العينة، بلغ عدد الأطباء الذكور 692 طبيبًا بنسبة 69.67%، مقابل 300 طبيبة بنسبة 30.24%. أي إن مقابل كل طبيبة تقريبًا يوجد طبيبان من الذكور. وتصبح هذه الفجوة واضحة عند النظر إلى الاختصاصات الجراحية دون سواها.

ففي اختصاصات جراحية متنوعة، مثل الجراحة العامة، وجراحة الأطفال، وجراحة الجملة العصبية (جراحات المخ والأعصاب)، وجراحة القلب، وجراحة العظام، بلغ عدد الأطباء الذكور 382 طبيبًا مقابل 32 طبيبة فقط. وبذلك يستحوذ الرجال على 92.27% من العاملين في هذه الاختصاصات، مقابل 7.73% للطبيبات. أي إن كل طبيبة تعمل في هذه الاختصاصات يقابلها تقريبًا 12 طبيبًا من الذكور.

ويمكننا القول بثقة إن الفجوة التي لاحظناها في الأرقام العامة تعود بشكل كبير إلى هذه التخصصات؛ فالتخصصات غير الجراحية — كعيادات التغذية، أطفال، طب أسنان وطب الأسرة — يبدو التوزيع الجندري فيها أقرب إلى المساواة، ما يطرح سؤالًا عن سبب صعوبة طريق “مشرط الجراحة” على النساء في المحافظة دون الرجال.

فقد بلغ عدد الطبيبات في التخصصات غير الجراحية 268 طبيبة مقابل 310 طبيبًا، وتتنوع هذه الاختصاصات من طب الأسرة، والنسائية والتوليد، وطب الأطفال، إلى تخصصات الطب الباطني، وعلاج الأورام، وعلم وظائف الأعضاء، بل وأظهرت البيانات المرصودة لسنوات عدة في اختصاصات كطب الأسرة مثلاً، أن نسبة الإناث بلغت 60.87%، مقابل 39.13% للذكور، وأن النساء غالبات في هذا التخصص. 

هذا التقارب خارج الجراحة يعزّز افتراض أن المشكلة لا تتعلق بدخول النساء إلى الطب عمومًا، إلا أن هذا التحليل لا يخبرنا بشكل واضح لماذا توجد هذه الفجوة بهذه النسبة الكبيرة في التخصصات الجراحية لا في غيرها، لكن كلمات لبنى قد ترسم وضعاً عاماً يشرح الكثير، والذي، كما ذكرنا على لسانها سابقاً، يبدأ بالبيئة غير المشجّعة، ويصل إلى غياب الحماية للجراحين بشكل عام في المؤسسات الطبية ضد دعاوى الأخطاء الطبية، الأمر الذي ينعكس على النساء بشكل أكبر، في ظل مواجهتهن أفكاراً تربط بين جنسهن وانعدام الكفاءة، كما تخبرنا لبنى وطبيبات كثيرات تحدثن الى معدة التحقيق.

تقول لبنى: “إذا توفي المريض، يعتدي في بعض الأحيان ذوو المريض على الطبيب أو يهددونه أو يسيئون إليه، وفي الواقع لا أرى وجود إجراءات صارمة تحمي الكادر الطبي. فالمؤسسة الحكومية أحيانًا تنسحب من القضية وتترك الطبيب يواجه المشكلة وحده، وهذا يولّد شعورًا بالخوف وانعدام الأمان. بالنسبة إلي، كان هذا سببًا إضافيًا دفعني إلى الابتعاد عن الاختصاصات الجراحية، لأن المسؤولية كبيرة، لكن الحماية والدعم من المؤسسة ضعيفان”.

للفجوة الجندرية في التخصصات الجراحية أبعاد عالمية، إذ وثّقت دراسة نُشرت في مجلة European Journal of Surgery، شملت دولًا مرتفعة الدخل كالولايات المتحدة والنمسا وسويسرا وفرنسا وإسبانيا، أن زيادة أعداد خريجات كليات الطب لم تنعكس بشكل متناسب على الاختصاصات الجراحية؛ إذ لا تزال المرأة ممثَّلة بنسب منخفضة في غرف العمليات مقارنة بالرجال، ما يجعل التساؤل أهمّ في البلدان الأقل دخلًا كالعراق.

وتتقاطع هذه الصورة مع أقرب دراسة إقليمية إلى واقعنا. ففي لبنان، وهو بلد يتقدّم على العراق في مؤشرات المساواة، أظهرت دراسة نُشرت عام 2022 وشملت بيانات 15,429 طبيبًا، أن النساء يشكّلن 21.8% من مجموع الأطباء، لكن نصيبهنّ من الجرّاحين لا يتجاوز 2.3% (65 جرّاحة فقط) — وهو أدنى تمثيل نسائي في المجالات الطبية كافة.

وحين ننتقل من لبنان إلى العراق تزداد الصورة قتامة. فبحسب تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2021، وهي السنة الأخيرة التي تمت فيها الإشارة إلى العراق، بسبب نقص البيانات الرسمية المحدثة والمنظمة المطلوبة لتغطية المحاور الأربعة للمؤشر، جاء العراق في المرتبة 154 من أصل 156 دولة، خلف سوريا (152) وقبل اليمن (155)، في حين كانت الإمارات الدولة العربية الوحيدة في النصف الأعلى (المرتبة 72). فجوة الجراحة في نينوى، إذاً، ليست شذوذًا محليًا، بل امتداد لبنية إقليمية تتقاطع فيها الأعراف مع هشاشة المؤسسات.

تلك الهشاشة لم تكن في قصة رشا وحدها، فـ”زهراء”، اسم مستعار لطبيبة تبلغ 35 عامًا وتعمل في مستشفى ابن سينا في الموصل ضمن التخدير والعناية المركزة، كانت تحلم بالجراحة العامة منذ سنوات الدراسة. تقول إنها أحبّت الجراحة منذ دراستها لموادها في كلية الطب، وكانت تحصل فيها على درجات عالية، ولم تجد صعوبة في فهمها.

بعد تخرجها، بدأت الصعوبات تظهر من مكان لم تتوقعه. تروي أن بعض المرضى كانوا يرفضون أن تُجري لهم الفحص لأنها طبيبة، ويطلبون طبيبًا رجلًا حصرًا، لا سيما في الحالات التي تتطلب فحصًا مباشرًا أو التعامل مع مناطق حساسة. ولم يقتصر الأمر على رفض بعض المرضى، بل امتد إلى ضغوط وانتقادات من المحيط المهني والاجتماعي، انعكست على حالتها النفسية.

وتؤكد أن النظرة الرافضة لوجود الطبيبات في الجراحة العامة تتجاهل طبيعة العمل الطبي، موضحةً: «كما يحتاج المرضى الرجال إلى طبيب لفحصهم، تحتاج المريضات أيضًا إلى طبيبة تفحصهن. ولو كان هناك اختصاص في الجراحة العامة مخصص للنساء فقط وآخر مخصص للرجال فقط، لكان ذلك منطقيًا، لكن هذا التقسيم غير موجود في الواقع».

تعمل زهراء اليوم في التخدير والعناية المركزة، وهو اختصاص لا يقلّ صعوبة وحساسية عن الجراحة العامة ويرتبط بالعمليات والطوارئ، لكنه لا يضعها في مواجهة مباشرة مع مرضى قد يرفضون أن تفحصهم، أو زملاء غير متقبّلين لعملها.

تقول إنها «قبل توزيع الاختصاصات بحثت وسألت الزملاء والزميلات وأهل الاختصاص»، وتضيف: «أكثر من 90% رفضوا أن أتخصص في الجراحة». لم يكن السبب ضعف قدراتها، بل لأن المجتمع — كما قيل لها — لا يتقبّل بسهولة وجود طبيبة في هذا النوع من الاختصاصات، خصوصًا عند فحص الرجال أو التعامل مع حالات حساسة.

وحين سألناها: لو عاد بكِ الزمن، هل كنتِ ستختارين الجراحة؟ أجابت بوضوح: «في العراق لا، لكن في بلد آخر ربما».

فجوة في الأعداد.. وفي التوزّع الجغرافي

لا يقتصر التفاوت على الاختصاصات، بل يظهر أيضًا في التوزيع الجغرافي للعيادات الطبية داخل محافظة نينوى. فقد أظهر الرصد أن أحياء محددة تستقطب العدد الأكبر من الأطباء والطبيبات، مع بقاء الفجوة العددية واضحة عبر الأحياء.

في مقدمة الأحياء حي المصارف بـ168 طبيبًا، نحو خُمسهم فقط من الطبيبات، يليه حي المثنى بـ155 طبيبًا ونحو الربع منهم إناث. وفي المقابل بدت بعض الأحياء أكثر تقاربًا بين الجنسين، مثل حي الزهور الذي سجّل 35 طبيبًا نصفهم تقريباً إناث، وحي السكر الذي سجّل 20 طبيبًا، وهو من بين الأحياء القليلة التي فاق فيها عدد الطبيبات عدد الأطباء.

وتشترك المناطق الأكثر كثافة بالعيادات في أن غالبية سكانها من ذوي الدخول المرتفعة، مقارنة بالمناطق الأقل كثافة. والمثير أن التمكين الاقتصادي — الذي يتيح عادةً للنساء فرصًا أكبر لمهام تتطلب ساعات طويلة خارج المنزل — لم ينعكس على الفجوة بين عيادات الأطباء والطبيبات في تلك المناطق، ما يشير إلى وجود أسباب أخرى حاسمة في خلق هذه الفجوات.

وعلى مستوى الاختصاصات الجراحية، يتركّز العدد الأكبر من الجرّاحين في حي المصارف، يليه المثنى، ثم البريد، والبعث، والموصل الجديدة. ما يعكس أن الفجوة لا ترتبط بالجنس فقط، بل أيضًا بتوزيع الخدمات الطبية المتخصصة داخل مناطق المحافظة.

ما وراء قرار الابتعاد

أسباب كل من لبنى وزهراء للابتعاد عن التخصصات الجراحية تشرح جزءاً من صورة عامة نستطيع رؤية انعكاسها في قصة رشا، ولكن أيضاً على مستوى استجابات 136 طبيبة لاستبيان إلكتروني وُزّع على طبيبات من مختلف الاختصاصات في نينوى في مجموعات تواصل عدة تجمعهنّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

تضمّن الاستبيان أسئلة عن الخصائص الديموغرافية، والاختصاص الحالي، والاهتمام السابق بالجراحة، والعوامل المؤثرة في اختيار الاختصاص، والتحديات التي قد تحدّ من توجّه الطبيبات نحو الاختصاصات الجراحية.

أظهرت النتائج أن 39% من المستجيبات فكرن سابقًا باختيار اختصاص جراحي، وعند السؤال عن الاختصاص الذي اخترنه فعليًا وجدنا أن 4.41 % فقط من كامل العينة اخترن أحد الاختصاصات الجراحية، أي 6 طبيبات من أصل 136.

أما الباقيات فتنوّعت تخصصاتهنّ بين مجالات غير جراحية، في مقدمها طب الأسرة بـ56%، تلاه طب الأطفال والنسائية والتوليد بواقع 6.15% لكل منهما، ثم الصيدلة بـ5.38%، فيما توزّعت البقية على الأشعة والتخدير والجلدية وطب المجتمع والطب النفسي وطب الأسنان وغيرها. وتتوافق هذه النتائج مع تحليلنا بيانات تطبيق «طبيب» وبعض الأرقام المتفرقة التي استطعنا الحصول عليها من خلال النقابة لتوزيع الأطباء بحسب الجنس في تخصصات الجراحات الصدرية وجراحات الأعصاب.

عند سؤال الطبيبات عن أسباب عدم اختيار الاختصاصات الجراحية، جاءت صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة في المقدمة بـ33.8%، تلتها عدم الرغبة الشخصية بـ21.5%، ثم أسباب تتعلق بطبيعة العمل والتدريب كالمسؤولية العالية وطول ساعات العمل (15.38% لكل منهما)، وضغوط المناوبات والخفارات بنحو 8.46%.

وعند السؤال عن أكبر عائق، اعتبرت 48.46% الالتزامات العائلية العائق الأكبر، بينما رأت 44.62% أن طبيعة العمل هي العائق الأكبر.

تكشف هذه الأرقام أن القرار لا يرتبط غالبًا بسبب واحد. فالطبيبة لا تبتعد عن الجراحة لأنها لا تستطيع بالضرورة، بل لأنها تجد نفسها أمام معادلة صعبة: اختصاص مرهق، مناوبات طويلة، مسؤولية عالية، وأسرة تحتاج إلى حضورها. للوهلة الأولى، قد نجد في هذه الإجابات عوائق تقليدية تراها النساء في بلدان عدة عند التخصص في مهنة دقيقة كالجراحة.

وعلى مستوى القوانين وصياغتها، لا نجد ما يشير إلى وجود تمييز سلبي ممنهج ضد النساء الراغبات في سلوك هذا الطريق، إلا أن المستجيبات للاستبيان يظهرن وجهاً آخر للمعادلة في إجابتهن عن الأسئلة المرتبطة بطبيعة برنامج التدريب للتخصص.

فعند سؤال 130 طبيبة لم يخترن تخصص الجراحة عمّا إذا كانت الفرص متساوية بين الأطباء والطبيبات في الالتحاق والتقدّم داخل الاختصاصات الجراحية، أجابت 43.85% بـ«لا»، ورأت 40.77% أنها متساوية «إلى حد ما»، مقابل 14.62% فقط اعتبرن الفرص متساوية (استُبعدت إجابات 6 طبيبات من ذوات الاختصاص الجراحي، واقتصر التحليل على 130 مشاركة).

عند سؤال المستجيبات اللواتي رأين انعداماً في المساواة، سواء بشكل كامل أو جزئي، أجابت 44 طبيبة فقط بأنه لا سببَ فعليّ وراء اعتقادهن بوجود عدم مساواة بين الرجال والنساء في البرنامج، من بين 130 طبيبة لم يخترن الاختصاصات الجراحية. وجاءت النظرة المجتمعية السائدة وتفضيل الجرّاحين الذكور على الجرّاحات في المرتبة الأولى بنسبة 53.49%، تلتها الالتزامات العائلية والحياتية بنسبة 13.95%، ثم ضعف الدعم المقدَّم للطبيبات بنسبة 11.63%، وأخيراً ضغط العمل والمسؤولية بنسبة 9.30%. أي إن السبب الأول وراء شعورهن بانعدام المساواة مرتبط بالبيئة المحيطة بالعمل، لا بالعمل نفسه. 

هنا تظهر المفارقة: تمنح القوانين العراقية الخاصة بالتسجيل في البرنامج المساواة بين الجنسين، لكن الواقع اليومي يكشف غياب العدالة وتكافؤ الفرص الحقيقي. فالطبيبة تخوض الامتحان نفسه، وتقضي ساعات التدريب نفسها، لكنها غالبًا ما تحمل خارج المستشفى أعباءً إضافية لا يحملها الطبيب الرجل، فتُخرجها، رغمًا عنها، من سباق الوصول إلى مشرط الجراحة. 

خارج غرفة العمليات

تتضح المفارقة أكثر عند النظر إلى الطرف الآخر من الطيف. فبحسب تصريح الدكتورة ولاء فتحي الجبوري، ممثلة جمعية أطباء الأسرة العراقية  في نينوى، تكاد النسبة تنقلب رأسًا على عقب في طب الأسرة، إذ تشكّل النساء الغالبية الساحقة حسب اعتقادها  — نحو 93% مقابل 7% من الرجال.

والسبب، كما توضح، “عوائق اجتماعية بالدرجة الأولى”؛ فالطبيبة تفكّر — قبل الزواج وبعده — في أن التخصصات الجراحية تعني ارتباطًا أطول بالمستشفى وخفارات ليلية تُربك حياة الأسرة، في ظل غياب الحضانات المسائية والليلية، وهي واحدة من حقوق العاملات المتفق على أهميتها في قوانين العمل في دول مختلفة. فإن لم تجد عائلة تسندها في رعاية أطفالها، «تضطر لترك حلمها والذهاب إلى فرع كطب الأسرة، لأنه لا خفارات فيه، والدوام صباحي فقط».

وتضيف بصراحة لافتة الى أن ما يُقدَّم أحيانًا من «تسهيل» — كوضع الطبيبات في الدوام الصباحي — ليس مراعاةً لظروفهنّ، بل لمصلحة الأطباء الرجال الذين يفضّلون العمل المسائي لانشغالهم نهارًا بأعمال أخرى. «المشكلة في مؤسساتنا، حكومية كانت أو أهلية، أنها لا تمنح الطبيبة أي استثناء عدا إجازة الأمومة»، تقول، وتضيف: «لو وُجدت تسهيلات مركزية لكان وضع المستشفيات أفضل».

وتلخّص الدكتورة ولاء المفارقة بعبارة واحدة حين سُئلت عمّا إذا كان الأطباء والطبيبات متساوين في ساعات التدريب وتوزيع الاختصاصات، قائلة: «متساوون تمامًا… توجد مساواة، ولكن لا توجد عدالة». فالطبيبة، كما تقول، تُعامل «حالها من حال الطبيب» من دون أي مراعاة لظروفها؛ لا تُرفع عنها خفارة ولا يُخفَّف عنها دوام، وإذا طلبت الخروج لأن ابنها مريض «الجميع يقف ضدها… وتبقى دائمًا متهمة حتى يثبت العكس»، كما تتهم بأنها تختلق الأعذار للحصول على إجازة. حتى ساعة الرضاعة، التي كانت تتيح للطبيبة العودة إلى بيتها لإرضاع طفلها ثم الرجوع إلى عملها، لم تعد متأكدة إن كان لا يزال معمولًا بها اليوم.

وتصف واقع المستشفيات بأنها في غالبيتها تعمل في مواقع بديلة، و«دار الطبيبات متهالك جدًا وصغير لا يكفي لأعدادهنّ»، من دون حضانة تضع فيها الطبيبة أطفالها، ولا أي مرافق تعينها على التخصص في الاختصاصات الجراحية.

ثقة المرضى.. العائق الخفي

على الرغم من إنكار الدكتورة ولاء عامل ثقة المرضى بالطبيبات الإناث بوصفه أحد العوامل التي تمنع النساء من التخصص في هذا المجال، إلا أن من أبرز ما أظهره الاستبيان أن ثقة المرضى ما زالت تمثل عاملًا مؤثرًا في تصوّر الطبيبات مستقبلهن داخل الجراحة، في تشابه كبير مع المعضلة التي واجهت زهراء.

فعند سؤال المشاركات الـ130 اللواتي لم يخترن تخصصًا جراحيًا عمّا إذا كنّ يعتقدن أن ثقة المرضى بالأطباء الذكور أعلى من ثقتهم بالطبيبات، أجابت 56.15% (73 طبيبة) بـ«نعم»، ورأت 33.08% أن ذلك يحدث «إلى حد ما»، مقابل 10.77% فقط أجبن بـ«لا».

وعندما طلبنا منهن تفسير اختيارهن، تمحورت معظم الإجابات حول نظرة المجتمع إلى المرأة؛ فبعض المرضى، كما ترى المشاركات، ينظرون إلى الطبيبة على أنها أقل قدرة أو جرأة من الطبيب، بخاصة في الجراحة. وترتبط الثقة بالرجل، في نظر البعض، بتصورات تقليدية عن القوة البدنية والقدرة على التحمل والتفرّغ، إضافة إلى وجود الكثير من أسماء الجرّاحين المعروفين من الرجال.

هذا الحاجز لا يظهر في التعليمات الرسمية، لكنه يظهر في غرفة الفحص، وفي الممرات، وفي كلام المرضى وذويهم، وفي المقارنات اليومية التي قد تلاحق الطبيبة منذ بداية تدريبها. أسباب لم تحُل بين زهراء وحلمها فحسب، بل حالت أيضًا بين عشرات الطبيبات وأحلامهن.

وهو الحاجز نفسه الذي اصطدم بحلم لبنى منذ البداية. فجراحة الأعصاب، في نظر المجتمع من حولها، ظلّت ملعبًا يُقال إنه أنسب للرجال؛ وكانت تدرك أن كثيرًا من المرضى، لو خُيّروا بينها وبين طبيب، لاختاروا الطبيب، لا لأنها أقل كفاءة، بل لأن الثقة، في المخيّلة السائدة، تُمنح للرجل. ولا يقتصر انعدام الثقة على المرضى فقط، بحسب شهادات الطبيبات لمعدة التحقيق، بل يصل إلى النظام نفسه، الذي يتبرع بتأكيد الأمر للطبيبات بصور مختلفة.

التميّز في المجال الجراحي لا يكفي

إن كانت قصة إسراء تحكي عن حلم أُجهض قبل أن يبدأ، فإن قصة الدكتورة رشا، اختصاصية جراحة الجملة العصبية، تكشف ما ينتظر الطبيبة حين تُصرّ على المضي حتى النهاية.

حصلت الدكتورة رشا عبد الحافظ اليوزبكي على المركز الأول في امتحان البورد العربي، وأصبحت اختصاصية في أواخر عام 2022. وبحسب إحصاءاتها الرسمية، سجّلت أعلى عدد من العمليات في المستشفيات الحكومية في فرعها: 286 عملية عام 2023، وارتفع العدد إلى نحو 300 عملية عام 2025. لكن هذا التفوّق، بدلًا من أن يُكافأ، تحوّل إلى مشكلة؛ فبعدما تصدّرت الأرقام، تقول إن رئاسة القسم أصدرت كتابًا رسميًا يمنع الاختصاصي من إجراء أكثر من خمس عمليات جراحية في اليوم، «بعدما كنت أُدخل تسعة أو عشرة مرضى ضمن الدوام الرسمي».

ولا تتوقف روايتها عند الأرقام. فحين دخلت في خلاف مهني مع كادر التمريض داخل صالة العمليات، وصل إلى تقديمها شكوى رسمية، تقول إن الإدارة اصطفّت ضدها لا معها، وإن «مطالعاتها» كانت تُسحب أو تُلغى. بل تروي أنها تلقّت، على خلفية شكواها، تلويحًا بنقلها إلى مستشفى فرعي جديد بلا أجهزة ولا طوارئ، في ما اعتبرته محاولة لتعطيل عملها. وحتى قرار نقلها إلى ملاك التعليم، الموافق عليه، بحسب قولها، من وزارتي التعليم العالي والصحة، بقي معلّقًا نحو عامين بذريعة عدم إقرار الموازنة.

ولا يقف الانحياز عند صالات العمليات، بل يمتد، بحسب روايتها، إلى فرص التدريب نفسها. فالدورات التدريبية المهمة التي توفد الوزارة الأطباء إليها على نفقتها، وبعضها إلى أوروبا، لا يُبلَّغ بها الجميع: «لو كانت هناك أمور مفيدة ومتاحة للجميع، لتم الإعلان عنها بوضوح. لكننا لا نسمع عنها إلا عندما نرى أحد الأطباء قد أُوفد إلى دورة تدريبية على نفقة الوزارة»، بينما لا يُعلَن للكل إلا عن الدورات التي تصفها بأنها «تافهة لا نحتاجها أصلًا»، أو تلك التي يخرج إليها الأطباء على نفقتهم الخاصة.

وتروي واقعة أخرى دالّة على الانحياز ذاته: حين أصرّت وكيلة مدير الصحة آنذاك على أن تضم اللجنة الاستشارية للفرع طبيبة، وفي جراحة الأعصاب أربع أو خمس اختصاصيات، ضُمّت الدكتورة رشا إليها فعلًا، فما كان من الأطباء إلا أن اشتكوا إلى الدائرة حتى أُخرجت من اللجنة.

هذه ليست شهادة عن «نظرة مجتمعية» فحسب، بل عن قرارات وكتب رسمية وإجراءات إدارية توثّق كيف يمكن للمؤسسة نفسها أن تتحوّل إلى عائق أمام الطبيبة الأكثر إنتاجًا في فرعها.

وتتردّد الرواية نفسها على لسان طبيبات أصغر سنًا. تقول زهراء إنها، بعدما شاركت في معالجة حالة طارئة مستقرة على أكمل وجه، سمعت أحد الأطباء يصفها أمام الزملاء بأنها «مترددة ولا تُحسن التعامل مع الحالات الجراحية»، وإن الحالات المهمة كانت تُمنح للطبيب الرجل «حتى يتعلم أكثر»، بينما تُترك للطبيبات الأعمال البسيطة، وإن زملاءها كانوا يعيدون فحص مرضاها للتأكد. «جعلني ذلك أدرك أن المشكلة ليست في قدرتي»، تقول، «بل كوني طبيبة تريد دخول مجال يعتبره البعض للرجال فقط».

طبيب رجل يشهد على الفجوة وأسبابها

الدكتور إسماعيل داؤد إسماعيل، الذي عمل رئيسًا لقسم الطب الباطني في جامعة الموصل بين عامي 2016 و2020، يشير إلى أن الفجوة كانت واضحة منذ سنوات في عدد من الاختصاصات.

بحسب شهادته، كان قسم الطب الباطني في فترة سابقة يضم 36 طبيبًا مقابل طبيبة واحدة في المفاصل، فيما كانت الأمراض النفسية تضم طبيبتين بلا أطباء ذكور، والأمراض الجلدية طبيبتين وطبيبًا واحدًا. وفي الجراحة، بحسب معلوماته، كان عدد الطبيبات يتراوح بين واحدة واثنتين فقط، مقابل نحو 40 طبيبًا أو أكثر.

ويرى الدكتور إسماعيل أن التحديات التي تحدّ من دخول الطبيبات إلى الاختصاصات الجراحية ليست عاملًا واحدًا، بل مجموعة عوامل متداخلة، في مقدمها الالتزامات العائلية ورعاية الأطفال وأعمال البيت، إضافة إلى صعوبة الاختصاصات الجراحية وما تتطلبه من قوة نفسية وبدنية. كما يشير إلى أن بعض النساء يفضّلن اختصاصات أقل احتكاكًا بمشكلات المرضى وذويهم، أو أقل مسؤولية مباشرة من الجراحة.

نقابة أطباء نينوى: لا منع رسمي… لكن التدريب شاق

في المقابل، تقدّم تصريحات نقابة أطباء نينوى زاوية أخرى للصورة. فبحسب الطبيبين محمد سليمان الحوري وإبراهيم حافظ المعاضيدي، لا يوجد سبب رسمي يمنع الطبيبات من دخول أقسام الجراحة، ولا معوقات قانونية تحول دون تقدّمهنّ لهذه الاختصاصات؛ فاختيار الاختصاص، من وجهة نظر النقابة، يعود بالأساس إلى رغبة كل طبيب أو طبيبة.

لكن النقابة تُقرّ في الوقت نفسه بأن طبيعة التدريب والدوام في هذه الاختصاصات متعبة، بخاصة مع ساعات العمل الطويلة والعمليات التي قد تستغرق أكثر من خمس ساعات أحيانًا. وتؤكد أن متطلبات البورد العراقي أو العربي واحدة للجنسين، إذ يجب إكمال ساعات التدريب وجداولها وفق المنهاج، واجتياز الامتحانات، من دون فرق رسمي بين الذكور والإناث.

وتؤكد وثائق المجلس العراقي للاختصاصات الطبية أن التدريب الجراحي يمثّل تحديًا، بخاصة مع عدم وجود بنية تحتية تساعد الطبيبات على أداء واجباتهن الاجتماعية، كالحضانات، أو بيئة داعمة، كزملاء متعاونين أو مرضى يرفضون التعامل معهن.

منهاج البورد في الجراحة العامة (2024–2025) هو برنامج إقامة يمتد خمس سنوات، موزّعة على مقررات متتابعة تشمل العلوم الجراحية الأساسية، والرضوض والجراحة الطارئة والعناية المركزة، وجراحة العظام والأوعية والصدر والمسالك والتجميل، وصولًا إلى جراحة الجهاز الهضمي والكبد والثدي، مع خفارات مكثّفة وامتحانات موحّدة. التحدي نفسه يواجهه الطبيب الرجل؛ الفارق ليس في المنهاج، بل في ما يحيط به من ظروف تجعل كلفة السنوات الخمس على الطبيبة أثقل.

هذا الموقف يفتح سؤالًا في صلب التحقيق: هل تكفي المساواة القانونية لتحقيق العدالة الفعلية؟

تدعم نتائج الاستبيان هذا الاستنتاج. فعند تقييم نظام العمل الحالي، قالت 58.46% من أصل 130 طبيبة أجبن عن الأسئلة المرتبطة بطبيعة العمل في الجراحة، إنه يقوم على المساواة بين الأطباء والطبيبات من دون مراعاة الظروف الخاصة، كالأمومة والالتزامات العائلية، ورأت 36.15% أنه غير عادل للطبيبات، مقابل 5.38% فقط اعتبرنه عادلًا. وعند السؤال عن ساعات العمل والخفارات، أجابت 83.08% بأن النظام الحالي لا يراعي ظروف الطبيبات، مقابل 13.85% قلن إنه يراعيها إلى حد ما، و2.31% فقط أجبن بـ«نعم».

كما أظهرت النتائج أن الالتزامات العائلية، كالأمومة ورعاية الأطفال، تؤثر بشكل كبير في اختيار الاختصاص؛ إذ أجابت 81.54% بأنها تؤثر بشكل كبير، ورأت 18.46% أنها تؤثر إلى حد ما. وهذه النتائج تضع ما أوضحته الدكتورة آلاء حول عدم وجود الحضانات في صلب أكبر جوانب التمييز الممنهج الذي تعاني منه الطبيبات ويمنعهن من الاختصاص في الجراحة.

بيئة تشريعية لا تُنصف الطبيبة

رسمت شهادات الطبيبات والبيانات لمعدة التحقيق صورة البيئة الاجتماعية والمؤسسية التي تعيش فيها الطبيبة العراقية التي ترغب في التخصص في إحدى مجالات الجراحة، إلا أن الوثائق القانونية تكشف طبقة أعمق نادرًا ما يُلتفت إليها. فالمنظومة القانونية العراقية تتضمّن نصوصًا تُضعف موقف الطبيبة المهني والاجتماعي بشكل مباشر أو غير مباشر.

فقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 يمنح في المادة (41) ما يسمى «حق التأديب» للزوج تجاه زوجته، وهو نصّ يكرّس التبعية ويحدّ من استقلالية الطبيبة في قرارات مثل الخفارات الليلية أو السفر للتدريب الجراحي المكثّف. كما أن المادة (409) من القانون نفسه، بمنحها أعذارًا مخفّفة في ما يُعرف بجرائم الشرف، تُنشئ بيئة غير آمنة للطبيبات في مجتمعات محافظة، حيث قد يتعرّضن للوصم أو التهديد لمجرّد طبيعة عمل تتطلب الاختلاط أو الدوام المتأخر. [1]

وفي المقابل، يمثّل قانون حماية الأطباء رقم 26 لسنة 2013 خطوة إيجابية بتجريمه المطالبات العشائرية في المادتين (1) و(5)، لكن الواقع العملي يكشف فجوة واسعة في التطبيق. فالطبيبات الجرّاحات يعانين من غياب الحماية الفعلية أمام «الفصل العشائري»؛ إذ تجد الطبيبة نفسها وحيدة في مواجهة تهديدات عشائرية عند حدوث أي مضاعفة طبية، ما قد يدفعها إلى ترك الاختصاص أو دفع تسويات مالية خارج إطار القانون. [2]

أما نظام الخفارات الجديد الذي أقرّته وزارة الصحة عام 2025، والقائم على ثلاث نوبات عمل، فلم يراعِ الخصوصية الأمنية والاجتماعية للطبيبات في نينوى؛ فغياب السكن الآمن داخل المستشفيات وصعوبة التنقل ليلًا في مناطق معينة يجعلان منه عبئًا إضافيًا بدلًا من أن يكون أداة عدالة في توزيع العمل. وهو الأمر الذي أشارت إليه الطبيبة آلاء في شهادتها لمعدة التحقيق حول حالة «دار الطبيبات».

هنا تكتمل الصورة التي بدأتها الأرقام: الفجوة ليست حصيلة «نظرة مجتمعية» مجرّدة، بل تقاطعٌ بين أعرافٍ اجتماعية، ومؤسسةٍ لا تُراعي، وقانونٍ يُضعف موقف الطبيبة حين لا يحميها.

الفجوة ليست قدرًا

هذه البنية ليست حتمية. ففي دول الخليج، التي تتشابه مع العراق في طبيعة مجتمعاتها المحافظة وهيكلها المتأثر بعناصر مثل القبلية، تتراجع الفجوة بوضوح: إذ بلغت نسبة النساء بين أطباء الإقامة في الجراحة 63% في عُمان، و39% في البحرين، و27% في السعودية، فيما أسّست الكويت عام 2018 أول تجمّع نسائي جراحي في المنطقة باسم «رابطة جرّاحات الكويت». والتحسّن، حيثما وُجد، رافقه فعلٌ مؤسسي، وهو ما تعكسه إجابات الطبيبات على الاستبيان الذي وزّعته معدّة التحقيق، بخاصة في الأسئلة المتعلقة بشكل التشجيع المطلوب لزيادة أعداد الجرّاحات في المحافظة.

عند سؤال الطبيبات (130 طبيبة لم يخترن تخصصًا جراحيًا، من أصل 136 طبيبة استجبن للاستبيان) عن العوامل التي قد تشجّعهنّ على الالتحاق بالاختصاصات الجراحية، جاءت الحوافز المالية في المقدمة بنسبة 34.62%، تلتها بيئة العمل الأفضل بنسبة 26.92%، ثم ساعات العمل الأكثر مرونة بنسبة 17.69%، والدعم المؤسسي الأكبر بنسبة 16.15%، إضافة إلى إجابات متفرقة كالرغبة ومساعدة المريضات.

وعند سؤالهنّ عن مقترحات لتحسين بيئة العمل، كان المقترح الأوضح في إجابات المشاركات هو توفير حضانة أو مركز لرعاية الأطفال داخل المستشفى يعمل على مدار 24 ساعة، بما يساعد الطبيبات — بخاصة أثناء المناوبات والخفارات الليلية — على التوفيق بين مسؤولياتهنّ المهنية والأسرية.

وتتقاطع هذه المقترحات مع ما طرحه الدكتور إسماعيل من حلول، مثل تشجيع الطبيبات على دخول الاختصاصات الدقيقة، وتوسيع فرص التدريب — خصوصًا في الجراحة الناظورية — ودعم مشاركتهنّ في المؤتمرات والندوات، وتطبيق القوانين التي تحميهنّ من التجاوزات، ورفع وعي المجتمع بدور المرأة في الاختصاصات الجراحية.

وتضيف الوثائق القانونية بُعدًا آخر: أي إصلاح فعلي يمرّ أيضًا بمراجعة النصوص التي تُضعف موقف الطبيبة، وتفعيل الحماية أمام «الفصل العشائري»، وتصميم نظام خفارات يراعي أمنها وسكنها وتنقلها.

وتلتقي هذه الحلول مع ما تطرحه الدكتورة ولاء الجبوري، التي ترى أن أي تغيير حقيقي يبدأ من جعل التسهيلات «مركزية» لا اجتهادات فردية: حضانات مسائية وليلية داخل المستشفيات، وسكن لائق للطبيبات يتسع لأعدادهنّ، ومراعاة فعلية لظروف الطبيبة في توزيع الخفارات — فالمساواة الشكلية في التعليمات، كما تقول، لا تصنع عدالة.

عودة إلى حلم لبنى غير المكتمل

في نهاية هذا التحقيق، نعود إلى حيث بدأنا: إلى لبنى، الطفلة التي رأت يدَي معلمتها ترتجفان فقرّرت أن تصبح جرّاحة أعصاب. حين تستعيد اليوم ما رأته وسمعته في الطريق إلى الحلم، تروي بلهجتها، من دون تجميل، كيف انطفأت الحماسة شيئًا فشيئًا.

تقول لبنى إن القوانين قد تكون متساوية في القبول والامتحان، لكن غياب المرونة ومراعاة ظروف الطبيبات يجعل المنافسة أصعب. لم تكن المشكلة يومًا في قدراتها، بل في البيئة المحيطة: نظرة المجتمع، وضغط الوقت، وطبيعة العمل، وقلة المراعاة للمسؤوليات العائلية.

اليوم تمارس لبنى طب الأسنان، بينما بقيت جراحة الأعصاب حلمًا مؤجلًا — واحدًا من أحلامٍ كثيرة أُجّلت في نينوى، ووراء كلٍّ منها طبيبة لم تصل إلى غرفة العمليات التي رأت نفسها فيها.

ما تكشفه البيانات والشهادات والتصريحات والوثائق هو أن عزوف الطبيبات عن الاختصاصات الجراحية الدقيقة لا يمكن تفسيره بالرغبة الشخصية وحدها. فهناك طبيبات أحببن الجراحة، وتفوّقن في موادها، وبعضهنّ كنّ قريبات جدًا من هذا الطريق — بل بلغته إحداهنّ وتصدّرت أرقامه — لكنهنّ تراجعن، أو حوصرن، أمام واقع أكثر تعقيدًا من قرار فردي.

الطبيب الرجل يواجه صعوبة الاختصاص، أما الطبيبة فتواجه صعوبة الاختصاص مضافًا إليها أسئلة أخرى: هل سيقبل المرضى بها؟ هل ستوفّق بين الخفارات والأسرة؟ هل ستجد دعمًا داخل بيئة التدريب؟ هل سيتقبّل الزوج أو الأهل طبيعة العمل؟ وهل ستمنحها المؤسسة الصحية فرصة عادلة، لا على الورق فقط، بل في الواقع؟

لذلك، فإن ضعف حضور الطبيبات في الجراحة لا يعكس نقصًا في الكفاءة بقدر ما يكشف عن بيئة تحتاج إلى مراجعة. فالمساواة في شروط القبول والتدريب لا تكفي إذا لم ترافقها سياسات أكثر إنصافًا، تراعي المسؤوليات الاجتماعية والعائلية، وتحمي الطبيبة قانونيًا ومؤسسيًا.

في النهاية، لا تحتاج غرف العمليات إلى رجال أكثر بقدر ما تحتاج إلى كفاءات أكثر. والطبيبات اللواتي تركن حلم الجراحة لم يتركنه دائمًا لأنهنّ لا يردنه، بل لأن الطريق إليه لم يكن متاحًا بما يكفي.