بعد انتهاء كلّ حرب أو صراع، هناك سياق متكرّر يتمثّل في سؤال واحد: هل نُقدّم السلام على العدالة، أم نُلاحق العدالة ولو على حساب الاستقرار؟
يبدو هذا السؤال في سوريا جليّاً في صميم القرارات التي تُرسم اليوم لمستقبل البلاد. فمنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 وتشكيل الحكومة الانتقالية، شهد السوريون توجّهاً متصاعداً نحو التعامل مع العدالة، بوصفها تهديداً للسلم الأهلي والمصالحة. وبات الخطاب الرسمي يحذّر من فتح “جراح الماضي”، ويُلمّح إلى أن السعي للمحاسبة قد يُشعل فتيل الفوضى مجدّداً.
وكان إنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20، بتفويض ضيّق ورؤية إقصائية، آخر تجسيد مقلق لهذا المنطق. زد على ذلك، المؤتمر الصحافي الأخير بتاريخ ١٠ حزيران/ يونيو ٢٠٢٥، للسيّد حسن صوفان، المتحدّث باسم “لجنة السلم الأهلي”.
هذا الطرح ليس جديداً، فمن أميركا اللاتينية إلى إفريقيا، ومن البلقان إلى جنوب شرق آسيا، رأينا سلطات انتقالية تساوم على العدالة مقابل ما تسمّيه “الاستقرار”. ومرّة بعد أخرى، أثبت التاريخ أن هذه المقايضة قصيرة النظر، خطيرة، وذات نتائج عكسية.
لا ينبغي لسوريا أن تُعيد ارتكاب هذه الأخطاء، علينا أن نرفض هذا التضادّ الزائف بين السلام والعدالة، وأن نُدرك أن السلم الأهلي الحقيقي والدائم لا يُبنى إلا على عدالة شاملة وتشاركية، وتركّز على الضحايا.
وهم السلام من دون عدالة
حين تصف النخب السياسية العدالة بأنها عنصر مهدّد للاستقرار، فإنها تفعل ذلك غالباً باسم “الواقعية السياسية”. يقولون: ذلك سيشعل التوتّرات، علينا التفكير بالمستقبل. لكن، من يقرّر أي ماضٍ يُنسى؟ ولأي مستقبل نُخطّط إن بقيت جراح الملايين دون اعتراف؟
في سوريا، يُعاد إنتاج هذا الخطاب بهدوء. قرارات الحكومة الانتقالية تُظهر ميلاً إلى إدارة الماضي، لا إلى مواجهته. ضحايا الجماعات المسلّحة غير الحكومية والتدخّلات الأجنبية، غُيّبوا عن جدول أعمال العدالة الانتقالية. التزامات البحث عن الحقيقة مشروطة، والتعويضات ما زالت دون تعريف واضح. أما الفاعلون المتورّطون في الجرائم، والكثير منهم بات جزءاً من مؤسّسات الدولة، فيُستثنون من المساءلة.
لكنّ هذا النهج لا يصنع سلاماً، بل يُؤجل المواجهة. تاركاً جروح الضحايا نازفة، والثقة هشّة، ومعمقاً الانقسامات المجتمعية. السلام من دون عدالة هو وهم. فالعدالة، في جوهرها، لا تهدّد السلم، بل تمكّنه.
دروس من تجارب أخرى
التجارب العالمية في العدالة الانتقالية لا تقدّم لنا التحذيرات فقط، بل أيضاً بوصلات توجيه. على سبيل المثال “لجنة الحقيقة والمصالحة” في جنوب إفريقيا، ورغم الجدل الذي رافقها وعدم مثاليتها، فإنها كانت مساحةً للاعتراف، والاستماع، والمكاشفة. الكثير من مجرمي النظام العنصري لم يُحاكموا، لكنّها أرست سردية وطنية مشتركة، واعترفت بمعاناة الضحايا، وقدّمت نموذجاً للشفاء قائماً على معرفة الحقيقة.
لنقارن ذلك بغواتيمالا، حيث وُقّعت اتفاقية سلام في عام 1996 من دون محاسبة حقيقية. الاتّفاق أنهى الحرب، لكنّه فشل في تحقيق العدالة لضحايا الإبادة الجماعية ضدّ السكان الأصليين من المايا، والنتيجة؟ مجتمع منقسم، وثقافة إفلات من العقاب، وسلسلة من موجات العنف والقمع المتكرّرة.
أما في البوسنة والهرسك، فقد أنهت “اتّفاقية دايتون” الحرب لكنّها جمّدت البلاد في حالة تقسيم عرقي. المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة حاكمت بعض القادة، لكنّ غياب عدالة محلّية، تشاركية، جعل المجتمعات لا ترى العدالة تُمارس على أرضها. واليوم، لا تزال السرديات القومية المتضادّة تُغذّي التوتّر وتُعطّل المصالحة.
لكن في تونس، ورغم التحدّيات السياسية، نجحت “هيئة الحقيقة والكرامة” في إدراج صوت الضحايا في الخطاب العامّ، ووثّقت آلاف الشهادات، وقدّمت تقريراً شاملاً يربط بين العدالة والكرامة والانتماء.
هذه النماذج ليست مثالية، لكنّها تُثبت حقيقة أساسية: العدالة ليست رفاهية يمكن التغاضي عنها أو تأجيلها، بل هي حجر أساس للسلم الدائم.
السياق السوري: معقّد، لكنّه ليس استثنائياً
يحاجج البعض بأن سوريا أكثر تعقيداً من أن تتحمّل الآن تنفيذ عدالة حقيقية ومتكاملة. فهناك أطراف كثيرة، وجرائم كثيرة، وجراح لا تُحصى. لكن هذا التعقيد هو بالذات ما يجعل العدالة ضرورة وليست ترفاً.
الكثير من السوريون، بمختلف انتماءاتهم، طالبوا بالعدالة، ليس ضمن سياق الانتقام، بل الاعتراف والكرامة، وبناء الثقة العامّة. مجموعات الضحايا مثل “عائلات من أجل الحرية” و”رابطة عائلات قيصر”، وغيرهم الكثير، أطلقت النداءات لكشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر. ومنظّمات المجتمع المدني وثّقت، وأرشفت، وانخرطت مع آليات العدالة الدولية رغم التهديد والتضييق. على السلطات السورية الجديدة أن تدرك: هؤلاء ليسوا خصوماً للسلم الأهلي، بل حراسه. لقد حافظوا على ذاكرة الانتهاكات لا لإثارة النعرات الطائفية او تأجيج الصراع، بل لضمان ألّا تتكرّر.
ما هي العدالة ؟
العدالة ليست محاكم وسجوناً فقط، بل مسار شامل يُعيد الاعتبار للضحايا، ويُرمم الثقة الاجتماعية، ويُصلح المؤسّسات.
الحقيقة: للسوريين الحقّ في معرفة ما جرى، ومن المسؤول، وكيف نُفّذت الانتهاكات. الكشف العلني ليس شكلياً، بل شرط أوّلي لمصالحة وطنية حقيقية.
المحاسبة: لا بدّ من ملاحقة المتورّطين في الجرائم الكبرى، بصرف النظر عن مواقعهم السياسية أو العسكرية. يشمل ذلك مسؤولي النظام السابق والحالي، وقادة في المعارضة، وفاعلين أجانب.
جبر الضرر: يجب تعويض الضحايا، ليس فقط مالياً، بل من خلال الاعتراف، والدعم النفسي، وردّ الاعتبار القانوني والاجتماعي. جبر الضرر رسالة تقول: ما حدث لكم مهمّ، والدولة تعترف بآلامكم.
إصلاح المؤسّسات: لا يمكن لمؤسّسات الأمن والقضاء أن تقود المرحلة الجديدة دون مراجعة. لا بدّ من تدقيق، وإصلاح، ورقابة مدنية.
المشاركة: يجب أن يكون للضحايا والمجتمع المدني موقع في صياغة العدالة، في التخطيط والتنفيذ والتقييم.
هذه الرؤية للعدالة ليست مثالية أخلاقياً فقط، بل واقعية سياسياً. المجتمعات التي تُهمل العدالة تظلّ عُرضة للانهيار. أما تلك التي تواجه ماضيها، فتؤسّس لدول أكثر تماسكاً ومناعة.
خطر العدالة الجزئية
اليوم، تقف الحكومة السورية الانتقالية أمام مفترق حاسم. يمكنها استخدام العدالة كجسر لإعادة بناء مجتمع مدمّر. أو يمكنها تسييسها، وتحويلها إلى أداة لتصفية الحسابات أو ترسيخ السلطة.
الخيار الثاني مغرٍ لمن يريد السيطرة. لكنّ التاريخ يُخبرنا أن السلام المبني على الصمت هو سلام هشّ. لجنة تقتصر على جرائم نظام الأسد وتتجاهل جرائم فاعلين آخرين لا تصنع عدالة، بل تُعيد إنتاج الظلم.
ضحايا “داعش” و”هيئة تحرير الشام”، وانتهاكات المعارضة المسلّحة، وسجون الإدارة الذاتية، وضربات الطيران الروسي والأميركي والتركي، جميعهم يستحقّون الحقيقة والجبر. العدالة الانتقائية تُغذّي الغضب، وتُعمّق الشرخ، وتُكرّس منطق الإفلات من العقاب.
لنُعيد تعريف المصالحة: هي ليست الغفران بلا حساب، ولا التعايش المبنيّ على الإنكار. المصالحة الحقيقية تبدأ من الاعتراف، وتحمّل المسؤولية، ووضع آليات تمنع التكرار.
في كولومبيا، تضمّنت اتّفاقية السلام مع “فارك” مسار عدالة انتقالية صاغه الضحايا. وقدّمت المحكمة الخاصّة للسلام (JEP) نموذجاً يمزج المحاسبة بالحقيقة والعدالة التصالحية. المسار بطيء وغير مثالي، لكنه أطلق حواراً وطنياً عن المسؤولية والشفاء.
سوريا لا تستحقّ أقلّ من ذلك. لا مصالحة من دون سردية مشتركة لما جرى، وإلا تحوّل السلام إلى وهم، والمصالحة إلى شعار فارغ.
العدالة هي الأساس، لا العائق. فالانتفاضة السورية بدأت، جزئياً، بنداء للعدالة: من أجل الطفل الذي عُذّب في درعا، وعائلات المختفين، وكرامة السوريين جميعاً. التخلّي عن العدالة اليوم خيانة لتلك البداية.
السلم الأهلي ليس غياب النزاع، بل حضور الإنصاف، والشمول، والاعتراف. العدالة الانتقالية حين تُنفّذ بشكل سليم لا تُقسّم المجتمع، بل تُوحّده. تصنع أفقاً أخلاقياً مشتركاً، ومساحة يُمكن للسوريين فيها أن يلتقوا، لا بالخوف أو الكراهية، بل بالاعتراف المتبادل وبكرامة.
إلى السلطات الانتقالية: لا تخافوا من العدالة. فالمستقبل لا يُبنى على الجراح غير المُعترف بها. العدالة ليست عدوّ السلام. إنها قلبه.
إقرأوا أيضاً:









