في الأيّام التي لا مواعيد أو مهامّ محدّدة فيها، غالباً ما أجد نفسي أتجوّل في البيت دون اتّجاه. أمشي بين الغرف، أُدير وجهي نحو شمس غرفة الجلوس، أرفع صوت الموسيقى قليلاً، أداعب الهرّة، وأحاول الاسترخاء… فأشعر كمن يضغط على جلده ثم أكتشف أن جسدي لا يعرف كيف يستقرّ. كأن شيئاً ينفضه من مكانه ويجعله يدور حول نفسه بحثاً عن موقع أو مهمّة، ولو صغيرة، تبرّر وجوده في هذه اللحظة.
في تلك الساعات الفارغة يتسلّل سؤال بسيط: لماذا يبدو الفراغ أكثر إرباكاً من الانشغال؟ ولماذا أشعر أحياناً أن العمل، أيّ عمل تقريباً، يمنحني ليس فقط وظيفة، بل اتّجاهاً ومعنى وإيقاعاً؟
من السهل أن يُقال إن هذا الأمر مسألة طباع شخصية: الحرص، التنظيم، الاستعداد. لكنّني أظنّ أن الأمر أعقد من هذا، وربما مرتبط بتجربة جيلية لا أملك وحدي مفاتيحها.
كبرتُ في بلد لا يمنح يقيناً صغيراً ولا راحة تأسيسية. هناك جيل كامل عاش طبقات من الاضطراب: الحرب التي تقتحم البيت والعائلة والحيّ فتفرض حالة من الشرذمة، الاقتصاد الذي يتقلّب بين الانهيار والانتظار، ثم حيوات ومهن لاحقة تحتاج إلى يقظة دائمة. نحن جيل لم يُسمح له بترف الطفولة المطمئنة، ولا بالمراهقة البطيئة، ولا حتى بالاستقرار البالغ. كأننا بلغنا الرشد باكراً رغماً عنا.
“في مثل هذه البيئات، يتعلّم الدماغ مبكراً أن الاسترخاء ليس حيادياً. الهدوء قد يعني أن شيئاً سيّئاً يقترب. الزمن الفارغ ليس فسحة للراحة، بل لحظة يمكن أن ينفلت فيها ما لا يمكن السيطرة عليه. “
حاولت أن أجد أجوبة في علم النفس فتبيّن أن هذا يسمونه Unstructured time anxiety أو قلق “الزمن غير الموجّه”، أي الزمن الذي لا يحمل هدفاً واضحاً. بالنسبة إلى كثيرين، هذا الزمن فرصة للراحة، أما بالنسبة إلى أشخاص مثلي، فيتحوّل إلى مساحة تستدعي الانتباه والاستعداد.
ربما لهذا السبب تطوّرتُ مع السنوات إلى شخص دائم التحفّز: أصل قبل موعدي، أدخل المكتب قبل باقي الموظّفين، أستيقظ قبل الفجر، أحبّ الشمس باكراً ويوتّرني الغروب والعتمة. نهاية اليوم تثير قلقي، لذلك غالباً ما أرتّب نهاري كأن حدثاً ما يمكن أن يصل في أيّ لحظة.
ليس في هذا صرامة كما قد يبدو، بل محاولة لإضفاء اتّجاه على الزمن كي لا يظلّ بلا وظيفة. بالنسبة لي، كان الاستعداد دائماً شكلاً من أشكال الأمان، وكأن العقل يحتاج دائماً إلى إدارة حركة الزمن، لا لامتلاك السيطرة الكاملة عليه، بل لئلا يصدمه حين يبدّل مساره بلا إنذار.
ومع الوقت صار هذا الاستعداد موضوعاً صغيراً للمرح بين أصدقائي. يتهامسون ويتضاحكون كيف أصل قبل الجميع، وكيف أكون أوّل الحاضرين إلى أيّ لقاء أو عزومة أو اجتماع، وكيف يمكن الاعتماد عليّ لضبط الوقت والحضور والالتزام. وبعضهم، عن طيب خاطر، يسلّم لي مهمّة فرض الإيقاع حين تعمّ الفوضى، كأن هذه السمة تحوّلت من طبع شخصي إلى وظيفة اجتماعية غير معلنة.
أراقبهم أحياناً كما يراقبونني. في الصباح مثلاً، أستيقظ وأنا يقِظة فعلاً، لا أحتاج إلى وقت للاندماج في النهار. يمكنني أن أستكمل حديثاً بدأته الليلة الماضية بمجرّد فتح عينيّ، بينما يحتاج حازم، شريكي، وبعض أصدقائي إلى ساعتين من الصمت والقهوة قبل أن يبدأ نهارهم. قدرتهم على الاسترخاء، وحتى على الانسحاب المؤقّت من الحياة، تدهشني. أتساءل بصمت: ما هذه القدرة على تعليق الزمن؟ ولماذا أنا دائماً موجودة، حاضرة، جاهزة؟ ومن أين جاءت هذه الحاجة إلى حضور دائم، وإن كان بلا ضرورة واضحة؟
ثم تأتي المهنة لتقرّ هذا النمط وتثبّته. الصحافة ليست عملاً فحسب، بل حالة تأهّب مستمرّ، هي تدريب طويل على مراقبة الحدث، توقّعه، تفسيره، والتسابق معه، هي مهنة تكافئ الاستعداد أكثر مما تكافئ الاسترخاء، حتى حين لا نعمل، نبقى في يقظةٍ ما: فهناك خبر يمكن أن ينفجر بعد قليل، وتصريح يغيّر مزاج البلاد، وصورة أو معلومة تقلب رواية كاملة، في مثل هذه المهن، يصبح الاستعداد خطّ أساس عصبياً، لا قراراً واعياً.
لكنّ الثمن لا يظهر أثناء العمل، بل في لحظات الراحة، حين لا تكون هناك جهة نتّجه إليها، ولا مهمّة تنتظر التنفيذ، يصبح الجسد في حيرة: ماذا يفعل؟ كيف يستقرّ؟ ما معنى هذه الساعات؟
ليس الأمر أنني لا أحبّ الراحة… أحبّ الشمس والموسيقى والقهوة والأيّام البطيئة، لكنّ الراحة التي أعرفها لا تكون في “العدم”. ربما هي الحاجة إلى هدف ممتع، لا إلى توقّف كلّي، وربما هنا يكمن الفارق بين من يرتاح بالانفصال ومن يرتاح بالوصل.
أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
فهل يمكن لجيلٍ كهذا أن يجد سلامه في الراحة؟ وهل الراحة بالنسبة لنا هي توقّف، أم انحراف بسيط في الاتّجاه؟ وهل المشكلة في الفراغ نفسه، أم في ما يكشفه الفراغ عنّا وعن زمننا وعن بلد لم يمنحنا يوماً مساحة كي نهدأ فيه؟
ربما هذا هو سؤال جيلي الحقيقي، أو أنني أحاول وصم جيلي بما أعانيه وحدي؟؟؟
إقرأوا أيضاً:










