ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لماذا غاب البابا تواضروس الثاني عن جنازة بابا الفاتيكان؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على رغم الجدل الذي أثاره غياب البابا تواضروس الثاني بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، عن تشييع جثمان البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، هناك أسئلة مشروعة طُرحت، وأهمها كواليس الصراعات الحامية داخل الكنيسة القبطية المصرية، وما يشوب التقارب الحقيقي بين الشنوديين والبابا تواضروس الثاني، إلى جانب التقارب الحذر بين الكنيسة القبطية والكنيسة الكاثوليكية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ففي الوقت الذي سافر فيه الشيخ أسامة الأزهري وزير الأوقاف المصري، لتوديع جثمان البابا فرانسيس، كان البابا تواضروس الثاني يقوم بزيارة رعوية في وسط أوروبا، وكأنه أشاح بوجهه عن البابا فرانسيس الذي بادر بالصداقة والميل إلى التوفيق بين كنيستين اختلفتا لقرون، حيث قال البابا فرانسيس في زيارة جمعتهما في عام 2023: “الصديق والأخ العزيز تواضروس، أشكرك بصدق على التزامك بالصداقة المتنامية بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية”.

ومنذ تولّي البابا فرانسيس البابوية الكاثوليكية، وهو يحاول أن يكون ثورياً، طاوياً مساحات العزلة والشقاق التاريخي. ففي عظة الأربعاء منذ عامين، فوجئت الكنيسة الكاثوليكية بحضور البابا تواضروس الثاني ومشاركته في العظة، وقال إنه يحاول التوفيق بين الكنيستين، وعلى الطرفين أن يتشاركا في حوار حقيقي، بعد مقتل 65 مسيحياً مصرياً في تفجيرات الكنائس المصرية في عام 2017، وبعد ذبح 21 مسيحياً مصرياً في ليبيا على يد تنظيم “ولاية طرابلس” التابع لـ”تنظيم الدولة الإسلامية”.

حتى الآن، ورغم عدم خفوت الجدل، تسنح الفرصة والضرورة للتساؤل: هل غاب البابا تواضروس الثاني عن تشييع الجثمان، كي يتجنّب الهجوم القائم بالفعل ضدّه من تيّار الشنوديين الأصوليين داخل الكنيسة الأرثوذكسية، أو من وُصفوا بـ”حرّاس الكنيسة”؟

الكنيسة القبطية المصرية غارقة في العزلة

تُوصف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأنها الكنيسة الأكثر محافظة على التقاليد والتعاليم، ورغم أن هذا الثبات نابع في الأصل من منطلق عقائدي، فقد وضع الكنيسة داخل إطار أيقوني وعزلها عن الزمن والتطوّر والمشكلات الاجتماعية، التي أصبحت تُواجه المسيحيين الأرثوذكس المشرقيين، وبالأخصّ المصريين.

كان البابا شنودة يرفض أي تجديدات أو تعديلات في العقيدة أو الطقوس الكنسية، معتبراً ذلك تهديداً لوحدة الإيمان. وقد واجه بشدّة ما وصفه بـ”البدع الحديثة”، مثل بعض التفسيرات اللاهوتية الجديدة، أو الممارسات المدنية غير التقليدية، مستخدماً تعبيرات مثل: “نحن نحارب فكراً ولا نحارب شخصاً”.

نجح البابا شنودة الثالث طيلة أربعين عاماً، في أن يترك خلفه “ألتراس” من المتشدّدين المسيحيين القادرين على تهديد العلمانيين والأساقفة المجدّدين، بل وتهديد البابا الحالي نفسه، والوقوف في وجه قراراته، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الحشد ضدّه، في حالة لم تشهدها الكنيسة الأرثوذكسية المعروفة سابقاً بانغلاقها على أسرارها وصراعاتها.

وضع البابا شنودة الثالث الهوّية والإيمان المسيحي في كفّة، والتجديد والتطوير في كفّة أخرى، والكفّة الأخرى بالطبع جرى وصفها بكفّة “المهرطقين”، بحسب ما نُقل عنه. وضاقت حياة المسيحيين الأسرية، وزادت معاناتهم وحجم الجرائم الزوجية، وهروب الزوجات وتغيير الديانة، بعدما رفض طلاق المسيحيات إلا لعلّة “الزنا” وتغيير الديانة، مما سهّل التشدّد في قضايا الأحوال الشخصية.

لم تشهد مصر توافقاً في تيّارات التشدّد بين رمزين لديانتين، مثلما شهدت في فترة السبعينيات والثمانينيات.  في تلك الفترة، دروس الشيخ المعروف حينها محمد متولي الشعراوي كانت في أوجها، بالتزامن مع عظات البابا شنودة. 

اعتادت جموع مسلمة من مرتادي المساجد والمستمعين للخطب المُذاعة، أن يتلقّوا تعاليم دينهم من الشيخ الشعراوي، وينشأ أطفالهم على تفسيراته التي عزلتهم وعزلت أجيالاً بعدهم عن الحياة، وعن حقوقهم المدنية والتطوّر بسبب فتاواه المتزمّتة. في المقابل تشكّل البيت المسيحي بأجياله المتعاقبة منذ السبعينيات، على عظات البابا شنودة، لتوصد الأبواب على الخوف والتشدّد، بزعم حماية هوّية طرف من مخاطر الطرف الثاني، والطرف الثاني يحمي هوّيته من الطرف الأول.

ولم يتعاظم الخوف من الانسلاخ عن الهوّية على أصحاب الديانتين فقط، بل زاد الخوف والتشدّد ضدّ الطوائف داخل الديانة الواحدة. فمصر قبل الشعراوي لم تشتهر بهذا الخوف والعداء ضدّ أهل المذهب الشيعي، والتحذير من أهل مذهب التقيّة. وعلى خطّ متوازٍ أشبه بالمفارقة العجائبية، بدأ البابا شنودة يحذّر من العلاقات المسكونية والانفتاح على الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية، وشدّد على الحذر من الفروق العقائدية الخطيرة بين الكنائس.

عزلة الكنيسة القبطية وضعت المسيحيين في ورطة، مثل العزلة التي سببها الأزهر للمسلمين. فتأكيد البابا شنودة على أن التقشّف والانخراط في الرهبنة هما النموذج الأمثل للقداسة، ساهم في تجميد الزمن وتحنيط الحقوق ومناهضة التفكير والتطوير والهروب من التحدّيات المعاصرة، تماماً مثلما حمّس الشعراوي المسلمين على أن الصفقة الرابحة هي أن “تزهد عن الدنيا لتربح الآخرة”.

“أبناء البابا شنودة” في مواجهة محبّي “البابا تواضروس الثاني”

لم تكن مهمّة البابا تواضروس الثاني سهلة، وهو القادم بعد إرث أصولي تراكم على مدار أربعين عاماً، وأصبحت له جذوره القوّية والمتشابكة. ومهمّة الانفتاح على الكنائس الأخرى، وإعادة النظر في لوائح الأحوال الشخصيّة للمسيحيين، باتت أشبه بإحداث ثقوب في الرداء الأسود للشنوديين، وسلب ما أقنعوا الناس به على أنه أمور مسلّمة. وفي المقابل، طالب الشنوديون بمنح البابا الراحل شنودة الثالث لقب “قدّيس”، حتى تصبح كلّ عظاته في مستوى قدسية صاحبها، وأي مراجعة لها ستصبح حينها شبه مستحيلة.

وعلى الجانب الآخر، نرى صفحات “أبناء البابا شنودة” في مقابل صفحات “محبّي البابا تواضروس”.

هذا الشقاق خبرته بنفسي، وإن كان يحدث من دون ضجيج واضح. ففي العام 2011 في عظة البابا شنودة بعدما قتل الجيش المصري أقباطاً دهساً بالدبابات إثر مظاهرة احتجاجية أمام مبنى ماسبيرو، كنتُ في تغطية صحافية، والجميع كان ينتظر رداً حاسماً من البابا شنودة على المجزرة التي ارتُكبت على الهواء مباشرة.

 لكنّه لم يطالب بمحاكمات، لم يُشر إلى القاتل المعلوم، قال فقط: “نحن نعلم أن الله يعلم كلّ شيء، وأنه سيعمل حسب مشيئته”، وأنهى تعليقه على المجزرة بعظة دينية مجرّدة تماماً من أي موقف.

وقتها كنتُ لا أزال محجبة، وسمعتُ الاعتراضات بنفسي بين الحضور. شباب رفض الاستسلام الكنسي بإحداث بعض البلبلة، والبابا شنودة يغضب لإسكات الهاتفين، كأن المجزرة قدر بيد الرب، وليس من شأن البشر أن يتدخّلوا فيها. كانت هذه أوّل لفتة مهمّة أرصدها، أن هناك -أخيراً- من سيعترض وسط كلّ المستلبين، وهؤلاء المستلبون لم يعترضوا وقتها على البابا شنودة، بل اعترضوا بغضب مخيف على وجودي في العظة بحجابي، وكأن المسلمين هم من ارتكبوا المجزرة.

في المقابل، عزّز البابا شنودة مقاربة أن “إيمان المسيحيين بأن الحقّ يأتي من السماء، ولو في شكل معجزات”، لتصبح المعجزات التي يوثّقها المسيحيون لا تسعها مجلّدات، ولتكون بمثابة مسكّنات وعزل عن الواقع.

أزمة الشنوديين مع البابا فرانسيس جعلت خطوات تواضروس في خطر

رغم اختلاف الطائفة، إلا أن أعين الشنوديين كانت راصدة لكلّ خطوات البابا فرانسيس الكاثوليكي وقراراته. وبعد كلّ صدمة، كان البابا فرانسيس يأخذ قرارات تتجاوز الشنوديين، فقد أعلن منح البركة للأزواج المثليين، وقال: “لا يجوز أن يُحرم أحد من البركة“.

وشجّع البابا فرانسيس على حضور نسائي أكبر في الكنيسة في الأدوار القيادية، وليس فقط في الخدمة، لكنّ هذا سبّب ذعراً للشنوديين، حيث لا توجد لديهم كهنوتية نسائية، كما أن مشاركة المرأة في لجان الكنيسة أو في المجمّع المقدّس شبه معدومة، رغم نشاط المسيحيات الكبير في الخدمة.

ولم يكن للبابا تواضروس رأي مختلف عن رأي الشنوديين، فقد رفض هو أيضاً بشكل قطعي رسامة المرأة لتكون قسّيسة، ورأى أن دورها حصراً في الخدمة والكورال والتدريس.

ورغم ذلك، يعتقد الشنوديون أن التقارب الذي حدث بين البابا تواضروس والبابا فرانسيس، وزياراته الكنائس الأخرى في العالم، تجعل قيم الكنيسة الأرثوذكسية في خطر. فقد تعرّض البابا تواضروس لهجوم عاصف بعد صلاته مع أسقف امرأة في الكنيسة اللوثرية في السويد. لذا، قد يقبل الشنوديون برقية عزاء بروتوكولية على ورق، لكن هل كانوا يقبلون حضور البابا تواضروس بنفسه لتشييع جثمان البابا فرانسيس؟

الطرد من الطابور… إلى محاولة إصلاح منظومة كنسية عتيقة

يروي البابا تواضروس الثاني أنه كان لا يزال تلميذاً صغيراً في الصفّ الثالث أو الرابع الابتدائي، عندما كانت أسرته غريبة في مدينة دمنهور. ذات أحد، اصطحبته والدته إلى قدّاس ترأسه البابا كيرلس السادس، وكان ذلك يوم رسامة شمامسة. اصطفَّ الصبية في طابور طويل، وكان من بينهم الطفل تواضروس، لكنّ كبير الشمامسة أخرجه من الصف بحدّة، فقط لأنه “غريب”. رجعت والدته باكية إلى المنزل، بينما لم يُدرك الصبي بعدُ ما الذي جرى، أو ما الذي كُسر في قلب أمه. وعندما حضر الوالد من عمله، وحاول تطييب خاطر زوجته، قال بنبرةٍ مشجّعة: “بُكرة يرسموه أسقف”.

لكن “الطرد من الطابور” لم يكن مجرّد لحظة عابرة، بل صار رمزاً نفسياً يرافق البابا تواضروس حتى بعد جلوسه على كرسي مارمرقس، رأساً للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وأحد أبرز رجال الدين في إفريقيا.

 ومع ذلك، لا يزال هناك سؤال محوري يطرح نفسه: هل سينجح البابا تواضروس في معالجة ملفّات اجتماعية معقّدة، طالما تهرّبت الكنيسة من الخوض فيها إلا عبر المنبر والموعظة؟

ملفّات شائكة كالعنف الأسري، والإدمان، والزواج المدني، وحتى حقوق النساء المطلّقات والمنفصلات، ما زالت تُدار في الكنيسة بمنطق روحي/وعظي، لا عبر آليات واضحة ومنصفة تليق بدولة حديثة ومجتمع يتغيّر. هل سيسمح البابا تواضروس، بالفعل، بتناول شؤون المطلّقات؟ وهل يقرّ لهن بالزواج الكنسي الثاني؟ وهل تستجيب الكنيسة يوماً لتوصيات المجتمع المدني، بعدما قدّمت جهات حقوقية مثل “المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، و”المبادرة المصرية للحقوق الشخصيّة”، مقترحات جادّة لتطوير القوانين الكنسية الخاصّة بالأحوال الشخصية؟

الكنيسة لم تُبدِ حتى الآن استعداداً حقيقياً لتبنّي هذه المقترحات، خشية فقدان السيطرة على هذا الملفّ الحسّاس. لكن، في ظلّ تحوّلات عميقة يشهدها المجتمع القبطي، واشتداد الضغوط من الداخل والخارج، قد لا يكون التغيير خياراً، بل ضرورة تاريخية.

15.05.2025
زمن القراءة: 6 minutes

على رغم الجدل الذي أثاره غياب البابا تواضروس الثاني بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، عن تشييع جثمان البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، هناك أسئلة مشروعة طُرحت، وأهمها كواليس الصراعات الحامية داخل الكنيسة القبطية المصرية، وما يشوب التقارب الحقيقي بين الشنوديين والبابا تواضروس الثاني، إلى جانب التقارب الحذر بين الكنيسة القبطية والكنيسة الكاثوليكية.

ففي الوقت الذي سافر فيه الشيخ أسامة الأزهري وزير الأوقاف المصري، لتوديع جثمان البابا فرانسيس، كان البابا تواضروس الثاني يقوم بزيارة رعوية في وسط أوروبا، وكأنه أشاح بوجهه عن البابا فرانسيس الذي بادر بالصداقة والميل إلى التوفيق بين كنيستين اختلفتا لقرون، حيث قال البابا فرانسيس في زيارة جمعتهما في عام 2023: “الصديق والأخ العزيز تواضروس، أشكرك بصدق على التزامك بالصداقة المتنامية بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية”.

ومنذ تولّي البابا فرانسيس البابوية الكاثوليكية، وهو يحاول أن يكون ثورياً، طاوياً مساحات العزلة والشقاق التاريخي. ففي عظة الأربعاء منذ عامين، فوجئت الكنيسة الكاثوليكية بحضور البابا تواضروس الثاني ومشاركته في العظة، وقال إنه يحاول التوفيق بين الكنيستين، وعلى الطرفين أن يتشاركا في حوار حقيقي، بعد مقتل 65 مسيحياً مصرياً في تفجيرات الكنائس المصرية في عام 2017، وبعد ذبح 21 مسيحياً مصرياً في ليبيا على يد تنظيم “ولاية طرابلس” التابع لـ”تنظيم الدولة الإسلامية”.

حتى الآن، ورغم عدم خفوت الجدل، تسنح الفرصة والضرورة للتساؤل: هل غاب البابا تواضروس الثاني عن تشييع الجثمان، كي يتجنّب الهجوم القائم بالفعل ضدّه من تيّار الشنوديين الأصوليين داخل الكنيسة الأرثوذكسية، أو من وُصفوا بـ”حرّاس الكنيسة”؟

الكنيسة القبطية المصرية غارقة في العزلة

تُوصف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأنها الكنيسة الأكثر محافظة على التقاليد والتعاليم، ورغم أن هذا الثبات نابع في الأصل من منطلق عقائدي، فقد وضع الكنيسة داخل إطار أيقوني وعزلها عن الزمن والتطوّر والمشكلات الاجتماعية، التي أصبحت تُواجه المسيحيين الأرثوذكس المشرقيين، وبالأخصّ المصريين.

كان البابا شنودة يرفض أي تجديدات أو تعديلات في العقيدة أو الطقوس الكنسية، معتبراً ذلك تهديداً لوحدة الإيمان. وقد واجه بشدّة ما وصفه بـ”البدع الحديثة”، مثل بعض التفسيرات اللاهوتية الجديدة، أو الممارسات المدنية غير التقليدية، مستخدماً تعبيرات مثل: “نحن نحارب فكراً ولا نحارب شخصاً”.

نجح البابا شنودة الثالث طيلة أربعين عاماً، في أن يترك خلفه “ألتراس” من المتشدّدين المسيحيين القادرين على تهديد العلمانيين والأساقفة المجدّدين، بل وتهديد البابا الحالي نفسه، والوقوف في وجه قراراته، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الحشد ضدّه، في حالة لم تشهدها الكنيسة الأرثوذكسية المعروفة سابقاً بانغلاقها على أسرارها وصراعاتها.

وضع البابا شنودة الثالث الهوّية والإيمان المسيحي في كفّة، والتجديد والتطوير في كفّة أخرى، والكفّة الأخرى بالطبع جرى وصفها بكفّة “المهرطقين”، بحسب ما نُقل عنه. وضاقت حياة المسيحيين الأسرية، وزادت معاناتهم وحجم الجرائم الزوجية، وهروب الزوجات وتغيير الديانة، بعدما رفض طلاق المسيحيات إلا لعلّة “الزنا” وتغيير الديانة، مما سهّل التشدّد في قضايا الأحوال الشخصية.

لم تشهد مصر توافقاً في تيّارات التشدّد بين رمزين لديانتين، مثلما شهدت في فترة السبعينيات والثمانينيات.  في تلك الفترة، دروس الشيخ المعروف حينها محمد متولي الشعراوي كانت في أوجها، بالتزامن مع عظات البابا شنودة. 

اعتادت جموع مسلمة من مرتادي المساجد والمستمعين للخطب المُذاعة، أن يتلقّوا تعاليم دينهم من الشيخ الشعراوي، وينشأ أطفالهم على تفسيراته التي عزلتهم وعزلت أجيالاً بعدهم عن الحياة، وعن حقوقهم المدنية والتطوّر بسبب فتاواه المتزمّتة. في المقابل تشكّل البيت المسيحي بأجياله المتعاقبة منذ السبعينيات، على عظات البابا شنودة، لتوصد الأبواب على الخوف والتشدّد، بزعم حماية هوّية طرف من مخاطر الطرف الثاني، والطرف الثاني يحمي هوّيته من الطرف الأول.

ولم يتعاظم الخوف من الانسلاخ عن الهوّية على أصحاب الديانتين فقط، بل زاد الخوف والتشدّد ضدّ الطوائف داخل الديانة الواحدة. فمصر قبل الشعراوي لم تشتهر بهذا الخوف والعداء ضدّ أهل المذهب الشيعي، والتحذير من أهل مذهب التقيّة. وعلى خطّ متوازٍ أشبه بالمفارقة العجائبية، بدأ البابا شنودة يحذّر من العلاقات المسكونية والانفتاح على الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية، وشدّد على الحذر من الفروق العقائدية الخطيرة بين الكنائس.

عزلة الكنيسة القبطية وضعت المسيحيين في ورطة، مثل العزلة التي سببها الأزهر للمسلمين. فتأكيد البابا شنودة على أن التقشّف والانخراط في الرهبنة هما النموذج الأمثل للقداسة، ساهم في تجميد الزمن وتحنيط الحقوق ومناهضة التفكير والتطوير والهروب من التحدّيات المعاصرة، تماماً مثلما حمّس الشعراوي المسلمين على أن الصفقة الرابحة هي أن “تزهد عن الدنيا لتربح الآخرة”.

“أبناء البابا شنودة” في مواجهة محبّي “البابا تواضروس الثاني”

لم تكن مهمّة البابا تواضروس الثاني سهلة، وهو القادم بعد إرث أصولي تراكم على مدار أربعين عاماً، وأصبحت له جذوره القوّية والمتشابكة. ومهمّة الانفتاح على الكنائس الأخرى، وإعادة النظر في لوائح الأحوال الشخصيّة للمسيحيين، باتت أشبه بإحداث ثقوب في الرداء الأسود للشنوديين، وسلب ما أقنعوا الناس به على أنه أمور مسلّمة. وفي المقابل، طالب الشنوديون بمنح البابا الراحل شنودة الثالث لقب “قدّيس”، حتى تصبح كلّ عظاته في مستوى قدسية صاحبها، وأي مراجعة لها ستصبح حينها شبه مستحيلة.

وعلى الجانب الآخر، نرى صفحات “أبناء البابا شنودة” في مقابل صفحات “محبّي البابا تواضروس”.

هذا الشقاق خبرته بنفسي، وإن كان يحدث من دون ضجيج واضح. ففي العام 2011 في عظة البابا شنودة بعدما قتل الجيش المصري أقباطاً دهساً بالدبابات إثر مظاهرة احتجاجية أمام مبنى ماسبيرو، كنتُ في تغطية صحافية، والجميع كان ينتظر رداً حاسماً من البابا شنودة على المجزرة التي ارتُكبت على الهواء مباشرة.

 لكنّه لم يطالب بمحاكمات، لم يُشر إلى القاتل المعلوم، قال فقط: “نحن نعلم أن الله يعلم كلّ شيء، وأنه سيعمل حسب مشيئته”، وأنهى تعليقه على المجزرة بعظة دينية مجرّدة تماماً من أي موقف.

وقتها كنتُ لا أزال محجبة، وسمعتُ الاعتراضات بنفسي بين الحضور. شباب رفض الاستسلام الكنسي بإحداث بعض البلبلة، والبابا شنودة يغضب لإسكات الهاتفين، كأن المجزرة قدر بيد الرب، وليس من شأن البشر أن يتدخّلوا فيها. كانت هذه أوّل لفتة مهمّة أرصدها، أن هناك -أخيراً- من سيعترض وسط كلّ المستلبين، وهؤلاء المستلبون لم يعترضوا وقتها على البابا شنودة، بل اعترضوا بغضب مخيف على وجودي في العظة بحجابي، وكأن المسلمين هم من ارتكبوا المجزرة.

في المقابل، عزّز البابا شنودة مقاربة أن “إيمان المسيحيين بأن الحقّ يأتي من السماء، ولو في شكل معجزات”، لتصبح المعجزات التي يوثّقها المسيحيون لا تسعها مجلّدات، ولتكون بمثابة مسكّنات وعزل عن الواقع.

أزمة الشنوديين مع البابا فرانسيس جعلت خطوات تواضروس في خطر

رغم اختلاف الطائفة، إلا أن أعين الشنوديين كانت راصدة لكلّ خطوات البابا فرانسيس الكاثوليكي وقراراته. وبعد كلّ صدمة، كان البابا فرانسيس يأخذ قرارات تتجاوز الشنوديين، فقد أعلن منح البركة للأزواج المثليين، وقال: “لا يجوز أن يُحرم أحد من البركة“.

وشجّع البابا فرانسيس على حضور نسائي أكبر في الكنيسة في الأدوار القيادية، وليس فقط في الخدمة، لكنّ هذا سبّب ذعراً للشنوديين، حيث لا توجد لديهم كهنوتية نسائية، كما أن مشاركة المرأة في لجان الكنيسة أو في المجمّع المقدّس شبه معدومة، رغم نشاط المسيحيات الكبير في الخدمة.

ولم يكن للبابا تواضروس رأي مختلف عن رأي الشنوديين، فقد رفض هو أيضاً بشكل قطعي رسامة المرأة لتكون قسّيسة، ورأى أن دورها حصراً في الخدمة والكورال والتدريس.

ورغم ذلك، يعتقد الشنوديون أن التقارب الذي حدث بين البابا تواضروس والبابا فرانسيس، وزياراته الكنائس الأخرى في العالم، تجعل قيم الكنيسة الأرثوذكسية في خطر. فقد تعرّض البابا تواضروس لهجوم عاصف بعد صلاته مع أسقف امرأة في الكنيسة اللوثرية في السويد. لذا، قد يقبل الشنوديون برقية عزاء بروتوكولية على ورق، لكن هل كانوا يقبلون حضور البابا تواضروس بنفسه لتشييع جثمان البابا فرانسيس؟

الطرد من الطابور… إلى محاولة إصلاح منظومة كنسية عتيقة

يروي البابا تواضروس الثاني أنه كان لا يزال تلميذاً صغيراً في الصفّ الثالث أو الرابع الابتدائي، عندما كانت أسرته غريبة في مدينة دمنهور. ذات أحد، اصطحبته والدته إلى قدّاس ترأسه البابا كيرلس السادس، وكان ذلك يوم رسامة شمامسة. اصطفَّ الصبية في طابور طويل، وكان من بينهم الطفل تواضروس، لكنّ كبير الشمامسة أخرجه من الصف بحدّة، فقط لأنه “غريب”. رجعت والدته باكية إلى المنزل، بينما لم يُدرك الصبي بعدُ ما الذي جرى، أو ما الذي كُسر في قلب أمه. وعندما حضر الوالد من عمله، وحاول تطييب خاطر زوجته، قال بنبرةٍ مشجّعة: “بُكرة يرسموه أسقف”.

لكن “الطرد من الطابور” لم يكن مجرّد لحظة عابرة، بل صار رمزاً نفسياً يرافق البابا تواضروس حتى بعد جلوسه على كرسي مارمرقس، رأساً للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وأحد أبرز رجال الدين في إفريقيا.

 ومع ذلك، لا يزال هناك سؤال محوري يطرح نفسه: هل سينجح البابا تواضروس في معالجة ملفّات اجتماعية معقّدة، طالما تهرّبت الكنيسة من الخوض فيها إلا عبر المنبر والموعظة؟

ملفّات شائكة كالعنف الأسري، والإدمان، والزواج المدني، وحتى حقوق النساء المطلّقات والمنفصلات، ما زالت تُدار في الكنيسة بمنطق روحي/وعظي، لا عبر آليات واضحة ومنصفة تليق بدولة حديثة ومجتمع يتغيّر. هل سيسمح البابا تواضروس، بالفعل، بتناول شؤون المطلّقات؟ وهل يقرّ لهن بالزواج الكنسي الثاني؟ وهل تستجيب الكنيسة يوماً لتوصيات المجتمع المدني، بعدما قدّمت جهات حقوقية مثل “المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، و”المبادرة المصرية للحقوق الشخصيّة”، مقترحات جادّة لتطوير القوانين الكنسية الخاصّة بالأحوال الشخصية؟

الكنيسة لم تُبدِ حتى الآن استعداداً حقيقياً لتبنّي هذه المقترحات، خشية فقدان السيطرة على هذا الملفّ الحسّاس. لكن، في ظلّ تحوّلات عميقة يشهدها المجتمع القبطي، واشتداد الضغوط من الداخل والخارج، قد لا يكون التغيير خياراً، بل ضرورة تاريخية.

15.05.2025
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية