ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لماذا قال السيسي مصر تعيش أجواء هزيمة 1967؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في المحاولة الثالثة، فقط، تمكنت من المضي في بحثي، عما عساها أن تكون الإجابات المحتملة لسؤال: لماذا قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن مصر تعيش أجواء هزيمة 1967؟.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 تعثرت بداية  للإجابة عن  سؤال لماذا قال السيسي مصر تعيش أجواء هزيمة 1967؟ حين ظننت أن الأصداء الصاخبة لكلمات الرئيس في “احتفالية اتحاد القبائل والعائلات المصرية بمناسبة ذكرى انتصار أكتوبر” قد ألجأتني إلى شتات متنافر من المراجع، فصففت كتباً تتضمن عناوينها كلمتي “الأشباه والنظائر”، إلى كتب لجاك دريدا، إلى كتب في البلاغة.

 ورحت أخمّن أن جلال الدين السيوطي سيعينني وهو يورد في سبب تأليفه “الأشباه والنظائر في النحو” ما ذكره الزركشي في تعداده لأنواع الفقه، خاصة منها: الرابع (المطارحات وهي مسائل عويصة يقصد بها تنقيح الأذهان) والخامس (المغالطات) والسادس (الممتحنات) والسابع (الألغاز) والثامن (الحيل) وتوهمت أن دريدا سيساند الإمامين، وأن أحمد الهاشمي في كتابه “جواهر البلاغة: في المعاني والبيان والبديع”، وخاصة في ما يتعلق بالبيان (التشبيه، المجاز، الكناية) سيكمل الرباعي الذي سأعتمد عليه، وكان تعثري نتيجة لمحاولة الموازنة بين ما صففته، وبين تكرار السيسي “شعب مصر تحدى التحدي نفسه، تحدى التحدي نفسه”. إذ تبدّى لي أن مسعاي هذا حذلقة غير مجدية لن تصمد في مقاربة كلام الرئيس. 

في محاولتي الثانية طرحت كل هذا جانباً، وعاودت متابعة كلام السيسي في الاحتفالية، فقط، مجرداً من أي عون، وظهر لي أن استنتاجاتي متعجلة متجنية، وأن الأسلم أن أنظر إلى ما قاله الرئيس طوال شهر تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، لعل في بعض قوله ما ينير لي ما عتم من دواعي استدعاء النكسة/ الهزيمة في معرض الاحتفال بالنصر. فكانت هذه المحاولة التي ارتكزت فيها بالأساس على بعض ما حضر بذاكرتي من كلام السيسي منذ 2010 متصلاً بموضوعنا، وأراه ضرورياً للمضي في بحثي، على أني لن أهدر جهد المحاولتين سدى، وسأحاول أن أقلل الركون إلى ما شاب كل منهما من حذلقة وتعجل.

فلاتر الكلام!

في ذروة حملته الانتخابية الأولى كشف المشير عبد الفتاح السيسي للعلن عما يعتبر سندنا الأساسي في هذا البحث؛ فقد حملت عناوين بعض الصحف المصرية يوم 12 أيار/ مايو 2014 هذا العنوان : “السيسي كلامي يمر على فلاتر “الصدق والحق والأمانة”، وفي بعض التفاصيل أشارت إلى أن “المشير عبد الفتاح السيسي، المرشح لرئاسة الجمهورية، (استقبل) وفداً من أدباء وكتّاب مصر، في إطار حرصه على التواصل مع المفكرين والمبدعين، والاستماع إلى رؤيتهم حول القضايا المختلفة التى تشغل المواطن المصري، انطلاقاً من دورهم المؤثر فى صياغة الرأي العام، وتشكيل مستوى الوعي لدى المواطنين”.

والمقطع المصور يحمل دلالة أهمية الكلمات ووقعها على مستمعيه، وهذا نص كلمات المشير: “في ناس دايماً بتقولي إنت ليه بتتأخر بالكلام، ليه بتتأخر في الكلام؟ لأن أنا الكلام عندي بيعدي على فلاتر، فلتر الصدق وفلتر الأمانة وفلتر الحق، ثم في الآخر: دا يرضي ربنا أقوله ولا ما قولوش. تصور حضرتك كل كلامي كدا، يعني أنا باتعذب قوي عشان أتكلم”.

بعض ما يمكن أن يكون قد خطر ببال عدد من ملايين المشاهدين، يمكن أن يكون من باب الحذلقة، فيتذكر أن كل الفلاتر معرضة للتلف حتماً، وأن تغييرها ضروري كل فترة، وقد ينقسم المتحذلقون إلى قسمين، كأن ينتبه من يملك منهم سيارة، أو يكون عاملاً عليها، أو متعاملاً معها، أو لديه معلومات عامة عنها، إلى أن فلتر البنزين يتعرض بالضرورة للتلف، فهو يساعد على التخلص من الرواسب والشوائب الموجودة في البنزين، ويحول دون وصولها إلى مضخة الوقود ومنها إلى المحرك، وأنه بسبب وظيفته هذه يتلف حتماً، لأنه إذ يقوم بتجميع الأوساخ والرواسب ليمنعها من النفاذ إلى المحرك، يمتلئ بها بمرور الوقت، حتى تنعدم أية مساحة لحجب المزيد.

بقاء الفلتر  على حاله هذا خطر، وتظهر علامات الخطر في: رائحة كريهة من العادم، عدم استجابة المحرك، خشونة صوت محرك السيارة، توقف المحرك عن العمل. هذا القسم من المتحذلقين قد يذهب به خياله إلى “فانتزيا” لا حدود لها، إذ يتصور أن فلاتر كلام السيسي يقع لها ما يقع لفلاتر البنزين، فيروح يبحث في كلامه عن: الرائحة، والخشونة، وعدم الاستجابة والتوقف. القسم الثاني من المتحذلقين، سيوجه نقداً موضوعياً للقسم الأول، فيذكر أن فلاتر الكلام هي فلاتر عند المخرج، وفلاتر البنزين متعلقة بالمدخل، فهي تنقّي ما يدخل إلى المحرك لتحميه، أما فلاتر الكلام فهي أشبه بفلاتر المياه، تنقّي ما يخرج منها. ثم يصطف القسمان في مسألة أن كل الفلاتر التي يعرفها الناس، محكومة حتماً بالتلف بعد فترة من الاستخدام، تتحدد بعوامل عدة، وأن استبدالها ضروري، وإلا كانت العواقب وخيمة.

أما أخف حذلقة ممكنة فتتجاوز التفصيلات الجزئية، وتعود إلى تقديم منى طلبة للجزء الذي قامت بترجمته من كتاب جاك دريدا “في علم الكتابة”، لتتذكر استشهادها ببيتين من قصيدتين مختلفتين لأبي العلاء المعري: لا تُقيّد عليّ لفظي فإِني/ مثل غيري تكلّمي بالمجاز، ويعتري النفس إِنكار ومعرفة/ وكل معنى له نفيٌ وإيجابُ.

كأن هؤلاء يريدون باستشهادهم هذا أن يقولوا: لا داعي للتوقف عند تلك المشابهات الفجة، الرجل يريد أن يقول إنه “تمام التمام” وخلاص.

بعيداً عن كل هذا، هناك معضلة لا حل لها في دعوى السيسي بامتلاكه فلاتر للكلام، وهي أنه منذ وصل إلى الرئاسة لم يعد “يتأخر” في الكلام، ولم يعد “يتعذب من أجل أن يتكلم”، بل العكس تماماً هو الملحوظ، إلى حد أن بعض المصريين (نسبتهم لا يملك أحد وسائل لتبيانها) يعتقد أن لدى الرئيس شهوة لا تنطفئ على الكلام، والمتطرفون في هذا الاعتقاد يظنون أن السيولة في الكلام هذه غير طبيعية، والساخرون منهم يتندرون عن الولع بالحديدة، والحديدة إشارة إلى الميكروفون.

والحاصل أننا لا يمكن أن نخرج سالمين من مسألة فلاتر الكلام الرباعية هذه، فإما أن نسلم عقولنا للرجل، ونسير حفاة، وإما أن نتهمه بالكذب والتضليل وننتظر الجزاء، وإما أن نتتبع كل كلمة يقولها وندخل في جدل لا نهاية له حول مطابقة ما يقوله مع: الصدق، الأمانة، الحق، وما يرضي الله وما يغضبه، وحول هذه الكلمات نفسها، وما دلالة ومعنى كل منها لكل إنسان. لكننا برغم هذا، لن نعدم فائدة من استعادة ادعاء وجود فلاتر كلام، ومحاولة اختباره بدلاً من تفنيده؟ أي فلنقم بالبحث عن الذي تم منعه من النفاذ عبر الفلاتر فقد يكشف لنا عن مدلولات الكلمات ومعانيها عند السيسي.

الرئيس والأمير والسعي في غزة

في تشرين الأول/ نوفمبر الماضي ألقى الرئيس السيسي كلمة أمام القمة الافتراضية لمجموعة العشرين، واعتبر أن هناك حالة (من) الاستقطاب والانتقائية تتفاقم في النظام الدولي، وأضاف “ولعل أسلوب تفاعل المجتمع الدولي مع الحرب الدائرة في الأراضي الفلسطينية يعد تجسيداً لهذه الانتقائية التي نتحدث عنها، فلا تزال آلة الحرب تحصد المزيد من الأرواح وتخلّف الدمار والتشريد، بالرغم من التحذيرات الدولية المتصاعدة بضرورة حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، بالإضافة إلى ضرورة حصول الشعب الفلسطيني على حقه المشروع في إقامة دولته والعيش بسلام وأمن بجانب إسرائيل”.

بجهد بسيط يمكن تخيل ما قامت الفلاتر بمنعه، لكن فلنرجئه حتى نجمع إليه الآتي، مما تعرض بدوره لفلترة: (1) ما قاله السيسي في لقائه بعدد من طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية (30 أيلول/ سبتمبر الماضي) (2) ما قاله الرئيس وهو “يشهد اصطفاف تفتيش حرب الفرقة السادسة المدرعة بقيادة الجيش الثاني الميداني” (8 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي) و(3) ما جاء في “البيان المشترك في ختام زيارة ولي العهد رئيس مجلس وزراء المملكة العربية السعودية لجمهورية مصر العربية (16 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي).

في لقائه بالطلاب العسكريين قال السيسي إن “ثوابت السياسة المصرية تقوم على التوازن والاعتدال والإيجابية لإنهاء الأزمات وليس تصعيدها، تحسباً من الانزلاق إلى مخاطر حقيقية تهدد الأمن الإقليمي بأكمله… (و) أن دول المنطقة لها مصالحها التي يجب ألا تتعارض مع بعضها… (وأنه يجب) إجراء حوار استراتيجي بينها بهدف البناء والتنمية وتعظيم الاستفادة من مقدرات شعوبها”.

في الاصطفاف قال الرئيس: “إن مصر تسعى، خلال المرحلة الحالية، إلى تحقيق ثلاثة أهداف لم تتغير منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي؛ وهي: إيقاف إطلاق النار، عودة وإطلاق سراح الرهائن، إدخال المساعدات إلى قطاع غزة”.

وجاء في البيان المشترك: “بشأن تطورات الأوضاع في فلسطين، أعرب الجانبان عن بالغ قلقهما حيال الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وما يشهده القطاع من حرب وحشية راح ضحيتها أكثر من (١٥٠) ألف من الشهداء والمصابين من المدنيين الأبرياء نتيجة للاعتداءات الشنيعة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، وشددا على ضرورة السعي إلى هدنة مستدامة ووقف دائم لإطلاق النار ورفع الحصار عن قطاع غزة، وحماية المدنيين وفقاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني”.

الآن يمكن تخيل أن فلاتر الكلام قد “نقّت” في القمة الافتراضية نسبة آلة الحرب، فكأنها مجهولة، أو هي على المشاع، فيتوهم المستمع أن الرئيس المصري لا يريد أن يبين هل يقصد أن آلة الحرب الإسرائيلية هي التي تحصد بمفردها؟ أم أن الفلسطينيين بدورهم يشاركون في الحصاد أو على الأقل يتحملون نصيبهم في المسؤولية؟ والأمر نفسه في ما يتعلق بالدمار والتشريد، وقد يتوهم المستمع أيضاً صياغات أكثر تعقيداً.

وهذه الصياغات هي الصورة التي تظهر بها ثوابت السياسة المصرية: التوازن والاعتدال والإيجابية.

في الاصطفاف يبدو غريباً أن أهداف مصر كما حددها الرئيس ظلت ثابتة طوال سنة كاملة، ولم تتطور بتطور الأحداث والوقائع، فحين كان يخاطب الجيش المصري كان قطاع غزة بالكامل قد أصبح محتلاً من قبل الجيش الإسرائيلي، الذي توجد منه نحو فرقتين عسكريتين على حدود مصر المباشرة، وإذ خلت الأهداف الثلاثة من هدف انسحاب تلك القوات، فسيعني هذا بوضوح أن الرئيس المصري لا يريد انسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة، وأنه “يتفهم” مخالفة إسرائيل لبنود المعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التي تمنع وجود هذا الحجم من القوات على الحدود.

البيان المصري السعودي كان ذا أربعة مساعٍ، فلم يتعرض للرهائن، ولم يتضمن، بدوره، سعياً إلى انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من غزة.

وسيكون حذلقة سخيفة أن يُقطع هذا السياق عن موقف رسمي لدولتين يحمل اسم كل منهما الرسمي لفظة “العربية” أن يحضر السيوطي وهو ينبه إلى أن “الفعل لا يثنّى‌” ( السيوطي، ج1، ص 282، ط. المجمع) وبذلك لا يجوز أن نقول “وشددا على ضرورة السعي إلى هدنة…”، وسيكون سخفاً زائداً أن يشار إلى أن بيان الدولتين الموصوفتين بأنهما إسلاميتان يثنّي الفعل، في حين أن أهل العربية استندوا في هذه القاعدة اللغوية إلى القرآن.

لكن لهذا السخف بعض الفوائد، إذ نبه إلى أن بلدين عربيين إسلاميين، تضمن بيان مشترك لهما، ما لا يمكن لأي عاقل إلا أن يفهم منه أن إرادتيهما (الدولتين) اجتمعتا على عدم السعي إلى انسحاب إسرائيل من غزة، على الأقل في هذه المرحلة من الحرب، ويمكن لأي إنسان أن يدّعي، ولادعائه بعض الوجاهة، أن كلاهما يحبذ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لغزة وتعميقه خلال هذه المرحلة، على الأقل. 

ويمكن مع وجاهة أقل، أن يدّعي أن مصر تفضل أن تبقى القوات الإسرائيلية على طول الحدود المشتركة بين مصر وقطاع غزة، لفترة أطول وحتى نهاية أهداف إسرائيل المستحيلة، ومنبع هذه الوجاهة الضعيفة أن مصر متجردة من أي روابط يمكن أن تربطها بغزة وسكانها، لها كل الحق في طلب أن تنسحب القوات الإسرائيلية من حدودها الدولية مع القطاع، وفقاً للمعاهدة التي تلتزم بها مصر حرفياً، في حين أن إسرائيل تخرقها بصلافة ظاهرة. والحال أن موقف الصمت، الذي يقارب الخرس، لا يمكن أن يُفهم إلا على أنه قبول ورضى وترحيب وتوافق، فالصمت عند البعض مثل الكلام له معانيه ومدلولاته، وربما فلاتره.

فلاتر: الصدق، الأمانة، الحق، وما يرضي الله وما يغضبه، اعتبرت أن السعي لانسحاب إسرائيل ضار، فلم تقاربه. وإذا جمعنا ما تفعله الفلاتر إلى ثوابت السياسة المصرية، كما صاغها السيسي: التوازن والاعتدال والإيجابية، فيمكن بسهولة فهم لماذا لا تريد مصر أن تنسحب إسرائيل من غزة، ولا من الحدود الفلسطينية المصرية.

جناحا الأمة ومعضلة يناير

بقى من حديث الاصطفاف تعرض السيسي لما جري في مصر خلال عام 2011.

وقبل أن نمضى لبحثهما لابد من الإشارة إلى العثور على فلاتر أخرى تراجع ما يخرج من فلاتر السيسي، وتنقحه، فالهيئة العامة للاستعلامات، تنقل ما بثته وكالة أنباء الشرق الأوسط التي قامت بـ “فلترة” ما قاله السيسي فحذفت أجزاءً هامة، وصاغت الكلام على هذا النحو: “وأشار(الرئيس السيسي) إلى أن القوات المسلحة المصرية واجهت اختبارا حقيقيا خلال عام 2011، الذي كان يستهدف جناحي الأمة في مصر هما: الشرطة والجيش؛ لإسقاط الدولة المصرية في اقتتال أهلي ضخم جدا يستمر ويأكل كل فرص التنمية”.

 أما المنطوق الموجود على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، الذي ننقل عنه، فيتضمن معضلة كبرى إذ قال السيسي: “بغض النظر عن إن اللي حصل في 2011 كان ترتيب، والا (أم) سوء تقدير، والا (أم) مؤامرة، لكن كان الهدف منها في الأخر إن جناحي الأمة في مصر: الشرطة والجيش تسقط، وتسقط الدولة في اقتتال أهلي ضخم جدا يستمر ويأكل كل فرص التنمية حتى لو كانت فرص تنمية متواضعة أو محدودة”.

حذف الوكالة به صنعة من أدرك أن فلاتر السيسي في هذا الموضع قد انتابها ما ينتاب فلاتر البنزين بعد طول استخدام: رائحة وخشونة وتعطل، فموضوعة يناير هي أكثر واقعة تضطرب فلاتر السيسي عند التعامل معها، وهو شديد الإصرار على معاودة التجربة، لعله يستقر، فعمد “الحرفي” الذي تعامل مع النص إلى حجب أهم ما في هذه الفقرة من الحديث. 

ربما لأن الحرفيّ فكر قليلا في أن عدم الاستقرار على وصف محكم للحدث لا يليق بالسيسي، وينم على الأقل عن عدم كفاءة، فهو الشخص الوحيد في السلطة الذي من المفترض أنه يملك نفاذية إلى المصادر الأولية للمعلومات، فقد كان مديرا للمخابرات الحربية وعضوا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة حين وقعت الواقعة، وحين حدث ذلك كان باعتبار وظيفته، وباعتبار أنه الأصغر والأحدث من بين أعضاء المجلس أكثرهم التصاقا بالحدث ومتابعة لكل تفاصيله، ثم تواصلت متابعته اللصيقة وتعمقت، وهو يصعد إلى منصف وزير الدفاع، وصولا إلى الرئاسة، فمن في مصر كلها يتوفر على معلومات من مصادرها المباشرة كتلك التي توفر عليها السيسي؟

ربما سأل المحرر في الوكالة نفسها وهو ينظر إلى النص، هذا السؤال، وربما لم يفعل، مع أنه سؤال بديهي، وتتبعه آخرى مثله: هل لا يعرف السيسي حقا ما الذي حدث بالتحديد، وتتساوى عنده الاحتمالات الثلاثة، هل يعرف، ويرى أنه من غير المناسب الجهر برأي حاسم، هل الحدث بالفعل كان مؤامرة على هذا القدر من الوضاعة، ثم أين الفلاتر، ماذا فعلت حين اقسم السيسي ثلاث مرات القسم الدستوري بعد انتخابه رئيسا، الذي يتضمن “وأن احترم الدستور والقانون”، فهل يحترم السيسي الدستور الذي يصف ما حدث في 2011 بأنه “ثورة” أم إنه لديه نفس مشاعر مرتضي منصور، الذي أثار زوبعة أثناء أداء القسم في الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب (2015)، ولكنه لا يملك مهاراته البهلوانية.

يمكن للمرء أن يمضي بعض الوقت للبحث عن التناقضات التي لا حل لها في ما قاله السيسي عن 25 يناير 2011، فيعثر على مواقف آشبه بحالات “الدكتور جيكل والسيد هايد”، ويكفي مثال: في يناير 2012 قال “ثورة 25 يناير قادها شباب مخلصون متطلعون لمستقبل أفضل“، وفي ديسمبر من العام نفسه قال: “البلد كانت هتضيع مننا.. دا كان خراب ودمار

ماذا يحدث في مصر ؟

وصلنا إلى الحدث الذي أثار كل هذا: تشبيه السيسي لما يحدث في مصر، أو ما تواجهه، الآن، بما حدث بعد 5 يونيه 1967، وقبل أن نتعرض لنص كلمات السيسي في احتفالية اتحاد القبائل والعائلات المصرية بمناسبة ذكرى انتصار أكتوبر (26 اكتوبر الماضي)، سنورد حذلقة أخيرة: فمثلما كان موقف السيسي من ثورة 25 يناير مدعاة لاعتباره نظيرا لمرتضي منصور، يمكن أيضا اعتبار العاصمة الإدارية الجديدة، حيث اقيمت الاحتفالية، أشبه بقفص زجاجي هائل، يؤدي ذات الوظائف التي يؤديها القفص الزجاجي الذي كان يجلس بداخله السيسي ومن جاء في معيته، وأن كل من يشغل موقعا في العاصمة يعاني حتما من رداءة مشابهة لتلك التي تخرج بها الصورة والصوت من القفص الزجاجي، كما يلاحظه كل مشاهد، فالفرق هائل بين صوت وصورة السيسي من الكاميرا التي خارج القفص، وتلك التي داخله، والسيسي ومن جاء في معيته في ذلك القفص الضيق ليس فقط معزولين عن “جماهيرهم”، بل هم و”جماهيرهم” معزولين عن باقي المصريين، لأنهم (السيسي ومن جاء في معيته وجماهيرهم من اتحاد القبائل والعائلات المصرية) في قفص هائل ردئ، اسمه العاصمة الإدارية الجديدة.

ولكي تكون الحذلقة تامة يجب تكون الجملة هكذا: القفص الذي يحتمي بداخله السيسي، وذلك توخيا للدقة والموضوعية والحق والأمانة والصدق وما يرضي الله.

مهد السيسي لحديث المشابهة هذا أثتاء حديثه مع طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية، حيث “اعتبر أن الأعوام العشر الماضية برهنت على وعي الشعب المصري وتماسكه في الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة”، لكن الجرعة لم تك كافية، فعاود الطرح في محفل أكبر وأعم. وبدأ بجملة دمج فيها التجهيل والحجب معا:”اللي انتوا بتشوفوه دلوقتي، ومن غير تفسير كتير، وتوضيح كتير” فلم يعرف المستمع ماذا يقصد إلا بالتخمين وبربط سلسلة من الاحالات، التي قد تستقر على “أزمة اقتصادية طاحنة، لا يلوح مخرج منها في الأفق”، وسلسلة الأسباب جاهزة: كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، الإرهاب، تأثر دخل قناة السويس بمساندة جماعة أنصار الله للمقاومة الفلسطينية في غزة، لكن السيسي وحكومته لا نصيب لها في الأزمة.

يكشف ما قاله السيسي جانبا من فاعلية الفلاتر: فهو إذا بدأ الكلام بهذا التمهيد: “ومن غير تفسير كتير، وتوضيح كتير” حجب أهم مسألة في المشابهة، لأن تشبيه ما يحدث (الآن) بما كان يحدث في مصر عام 1967، تستدعي بالضرورة إدراك تام للمشبه به، والصورة الأولى الصارخة التي عرف بها المصريون حدث الهزيمة/ النكسة، تمثلت في اعتراف بالمسئولية عنها، هكذا قال جمال عبد الناصر في خطابه الذي اشتهر بـ “خطاب التنحي”، في 9 يونيه 1967: “وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفى فى الأزمة- فإننى على استعداد لتحمل المسؤولية”، وأقل ما نخرج به من كلام عبد الناصر “استعداد”.

 أما السيسي فليس على استعداد، عبد الناصر حاول التأثير عاطفيا على المصريين، لكن السيسي لا يتكترث بمثل هذه الألعيب، وهو يقول للمصريين بصراحة بالغة: تصرفت كما يحلو لي، وحسبما أراه، وعليكم (كما قال للطلاب العسكريين): “تصمد وتستحمل معايا ..لما ظروفك الاقتصادية تبقى صعبة حستحمل”، والمشابهة يمكن أن تتطلب أيضا تذكر أن العسكرية المصرية كلها تعرضت لمستويات متعددة من المحاكمة والعقاب، لكن نكسة السيسي بلا استعداد وبلا عقاب، بل تفرض على المصريين العقاب وتطلب منهم الصمت وتحمل الصعاب، أو في مخرج فلتر الحق والأمانة والصدق: الإذعان.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
07.12.2024
زمن القراءة: 12 minutes

في المحاولة الثالثة، فقط، تمكنت من المضي في بحثي، عما عساها أن تكون الإجابات المحتملة لسؤال: لماذا قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن مصر تعيش أجواء هزيمة 1967؟.

 تعثرت بداية  للإجابة عن  سؤال لماذا قال السيسي مصر تعيش أجواء هزيمة 1967؟ حين ظننت أن الأصداء الصاخبة لكلمات الرئيس في “احتفالية اتحاد القبائل والعائلات المصرية بمناسبة ذكرى انتصار أكتوبر” قد ألجأتني إلى شتات متنافر من المراجع، فصففت كتباً تتضمن عناوينها كلمتي “الأشباه والنظائر”، إلى كتب لجاك دريدا، إلى كتب في البلاغة.

 ورحت أخمّن أن جلال الدين السيوطي سيعينني وهو يورد في سبب تأليفه “الأشباه والنظائر في النحو” ما ذكره الزركشي في تعداده لأنواع الفقه، خاصة منها: الرابع (المطارحات وهي مسائل عويصة يقصد بها تنقيح الأذهان) والخامس (المغالطات) والسادس (الممتحنات) والسابع (الألغاز) والثامن (الحيل) وتوهمت أن دريدا سيساند الإمامين، وأن أحمد الهاشمي في كتابه “جواهر البلاغة: في المعاني والبيان والبديع”، وخاصة في ما يتعلق بالبيان (التشبيه، المجاز، الكناية) سيكمل الرباعي الذي سأعتمد عليه، وكان تعثري نتيجة لمحاولة الموازنة بين ما صففته، وبين تكرار السيسي “شعب مصر تحدى التحدي نفسه، تحدى التحدي نفسه”. إذ تبدّى لي أن مسعاي هذا حذلقة غير مجدية لن تصمد في مقاربة كلام الرئيس. 

في محاولتي الثانية طرحت كل هذا جانباً، وعاودت متابعة كلام السيسي في الاحتفالية، فقط، مجرداً من أي عون، وظهر لي أن استنتاجاتي متعجلة متجنية، وأن الأسلم أن أنظر إلى ما قاله الرئيس طوال شهر تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، لعل في بعض قوله ما ينير لي ما عتم من دواعي استدعاء النكسة/ الهزيمة في معرض الاحتفال بالنصر. فكانت هذه المحاولة التي ارتكزت فيها بالأساس على بعض ما حضر بذاكرتي من كلام السيسي منذ 2010 متصلاً بموضوعنا، وأراه ضرورياً للمضي في بحثي، على أني لن أهدر جهد المحاولتين سدى، وسأحاول أن أقلل الركون إلى ما شاب كل منهما من حذلقة وتعجل.

فلاتر الكلام!

في ذروة حملته الانتخابية الأولى كشف المشير عبد الفتاح السيسي للعلن عما يعتبر سندنا الأساسي في هذا البحث؛ فقد حملت عناوين بعض الصحف المصرية يوم 12 أيار/ مايو 2014 هذا العنوان : “السيسي كلامي يمر على فلاتر “الصدق والحق والأمانة”، وفي بعض التفاصيل أشارت إلى أن “المشير عبد الفتاح السيسي، المرشح لرئاسة الجمهورية، (استقبل) وفداً من أدباء وكتّاب مصر، في إطار حرصه على التواصل مع المفكرين والمبدعين، والاستماع إلى رؤيتهم حول القضايا المختلفة التى تشغل المواطن المصري، انطلاقاً من دورهم المؤثر فى صياغة الرأي العام، وتشكيل مستوى الوعي لدى المواطنين”.

والمقطع المصور يحمل دلالة أهمية الكلمات ووقعها على مستمعيه، وهذا نص كلمات المشير: “في ناس دايماً بتقولي إنت ليه بتتأخر بالكلام، ليه بتتأخر في الكلام؟ لأن أنا الكلام عندي بيعدي على فلاتر، فلتر الصدق وفلتر الأمانة وفلتر الحق، ثم في الآخر: دا يرضي ربنا أقوله ولا ما قولوش. تصور حضرتك كل كلامي كدا، يعني أنا باتعذب قوي عشان أتكلم”.

بعض ما يمكن أن يكون قد خطر ببال عدد من ملايين المشاهدين، يمكن أن يكون من باب الحذلقة، فيتذكر أن كل الفلاتر معرضة للتلف حتماً، وأن تغييرها ضروري كل فترة، وقد ينقسم المتحذلقون إلى قسمين، كأن ينتبه من يملك منهم سيارة، أو يكون عاملاً عليها، أو متعاملاً معها، أو لديه معلومات عامة عنها، إلى أن فلتر البنزين يتعرض بالضرورة للتلف، فهو يساعد على التخلص من الرواسب والشوائب الموجودة في البنزين، ويحول دون وصولها إلى مضخة الوقود ومنها إلى المحرك، وأنه بسبب وظيفته هذه يتلف حتماً، لأنه إذ يقوم بتجميع الأوساخ والرواسب ليمنعها من النفاذ إلى المحرك، يمتلئ بها بمرور الوقت، حتى تنعدم أية مساحة لحجب المزيد.

بقاء الفلتر  على حاله هذا خطر، وتظهر علامات الخطر في: رائحة كريهة من العادم، عدم استجابة المحرك، خشونة صوت محرك السيارة، توقف المحرك عن العمل. هذا القسم من المتحذلقين قد يذهب به خياله إلى “فانتزيا” لا حدود لها، إذ يتصور أن فلاتر كلام السيسي يقع لها ما يقع لفلاتر البنزين، فيروح يبحث في كلامه عن: الرائحة، والخشونة، وعدم الاستجابة والتوقف. القسم الثاني من المتحذلقين، سيوجه نقداً موضوعياً للقسم الأول، فيذكر أن فلاتر الكلام هي فلاتر عند المخرج، وفلاتر البنزين متعلقة بالمدخل، فهي تنقّي ما يدخل إلى المحرك لتحميه، أما فلاتر الكلام فهي أشبه بفلاتر المياه، تنقّي ما يخرج منها. ثم يصطف القسمان في مسألة أن كل الفلاتر التي يعرفها الناس، محكومة حتماً بالتلف بعد فترة من الاستخدام، تتحدد بعوامل عدة، وأن استبدالها ضروري، وإلا كانت العواقب وخيمة.

أما أخف حذلقة ممكنة فتتجاوز التفصيلات الجزئية، وتعود إلى تقديم منى طلبة للجزء الذي قامت بترجمته من كتاب جاك دريدا “في علم الكتابة”، لتتذكر استشهادها ببيتين من قصيدتين مختلفتين لأبي العلاء المعري: لا تُقيّد عليّ لفظي فإِني/ مثل غيري تكلّمي بالمجاز، ويعتري النفس إِنكار ومعرفة/ وكل معنى له نفيٌ وإيجابُ.

كأن هؤلاء يريدون باستشهادهم هذا أن يقولوا: لا داعي للتوقف عند تلك المشابهات الفجة، الرجل يريد أن يقول إنه “تمام التمام” وخلاص.

بعيداً عن كل هذا، هناك معضلة لا حل لها في دعوى السيسي بامتلاكه فلاتر للكلام، وهي أنه منذ وصل إلى الرئاسة لم يعد “يتأخر” في الكلام، ولم يعد “يتعذب من أجل أن يتكلم”، بل العكس تماماً هو الملحوظ، إلى حد أن بعض المصريين (نسبتهم لا يملك أحد وسائل لتبيانها) يعتقد أن لدى الرئيس شهوة لا تنطفئ على الكلام، والمتطرفون في هذا الاعتقاد يظنون أن السيولة في الكلام هذه غير طبيعية، والساخرون منهم يتندرون عن الولع بالحديدة، والحديدة إشارة إلى الميكروفون.

والحاصل أننا لا يمكن أن نخرج سالمين من مسألة فلاتر الكلام الرباعية هذه، فإما أن نسلم عقولنا للرجل، ونسير حفاة، وإما أن نتهمه بالكذب والتضليل وننتظر الجزاء، وإما أن نتتبع كل كلمة يقولها وندخل في جدل لا نهاية له حول مطابقة ما يقوله مع: الصدق، الأمانة، الحق، وما يرضي الله وما يغضبه، وحول هذه الكلمات نفسها، وما دلالة ومعنى كل منها لكل إنسان. لكننا برغم هذا، لن نعدم فائدة من استعادة ادعاء وجود فلاتر كلام، ومحاولة اختباره بدلاً من تفنيده؟ أي فلنقم بالبحث عن الذي تم منعه من النفاذ عبر الفلاتر فقد يكشف لنا عن مدلولات الكلمات ومعانيها عند السيسي.

الرئيس والأمير والسعي في غزة

في تشرين الأول/ نوفمبر الماضي ألقى الرئيس السيسي كلمة أمام القمة الافتراضية لمجموعة العشرين، واعتبر أن هناك حالة (من) الاستقطاب والانتقائية تتفاقم في النظام الدولي، وأضاف “ولعل أسلوب تفاعل المجتمع الدولي مع الحرب الدائرة في الأراضي الفلسطينية يعد تجسيداً لهذه الانتقائية التي نتحدث عنها، فلا تزال آلة الحرب تحصد المزيد من الأرواح وتخلّف الدمار والتشريد، بالرغم من التحذيرات الدولية المتصاعدة بضرورة حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، بالإضافة إلى ضرورة حصول الشعب الفلسطيني على حقه المشروع في إقامة دولته والعيش بسلام وأمن بجانب إسرائيل”.

بجهد بسيط يمكن تخيل ما قامت الفلاتر بمنعه، لكن فلنرجئه حتى نجمع إليه الآتي، مما تعرض بدوره لفلترة: (1) ما قاله السيسي في لقائه بعدد من طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية (30 أيلول/ سبتمبر الماضي) (2) ما قاله الرئيس وهو “يشهد اصطفاف تفتيش حرب الفرقة السادسة المدرعة بقيادة الجيش الثاني الميداني” (8 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي) و(3) ما جاء في “البيان المشترك في ختام زيارة ولي العهد رئيس مجلس وزراء المملكة العربية السعودية لجمهورية مصر العربية (16 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي).

في لقائه بالطلاب العسكريين قال السيسي إن “ثوابت السياسة المصرية تقوم على التوازن والاعتدال والإيجابية لإنهاء الأزمات وليس تصعيدها، تحسباً من الانزلاق إلى مخاطر حقيقية تهدد الأمن الإقليمي بأكمله… (و) أن دول المنطقة لها مصالحها التي يجب ألا تتعارض مع بعضها… (وأنه يجب) إجراء حوار استراتيجي بينها بهدف البناء والتنمية وتعظيم الاستفادة من مقدرات شعوبها”.

في الاصطفاف قال الرئيس: “إن مصر تسعى، خلال المرحلة الحالية، إلى تحقيق ثلاثة أهداف لم تتغير منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي؛ وهي: إيقاف إطلاق النار، عودة وإطلاق سراح الرهائن، إدخال المساعدات إلى قطاع غزة”.

وجاء في البيان المشترك: “بشأن تطورات الأوضاع في فلسطين، أعرب الجانبان عن بالغ قلقهما حيال الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وما يشهده القطاع من حرب وحشية راح ضحيتها أكثر من (١٥٠) ألف من الشهداء والمصابين من المدنيين الأبرياء نتيجة للاعتداءات الشنيعة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، وشددا على ضرورة السعي إلى هدنة مستدامة ووقف دائم لإطلاق النار ورفع الحصار عن قطاع غزة، وحماية المدنيين وفقاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني”.

الآن يمكن تخيل أن فلاتر الكلام قد “نقّت” في القمة الافتراضية نسبة آلة الحرب، فكأنها مجهولة، أو هي على المشاع، فيتوهم المستمع أن الرئيس المصري لا يريد أن يبين هل يقصد أن آلة الحرب الإسرائيلية هي التي تحصد بمفردها؟ أم أن الفلسطينيين بدورهم يشاركون في الحصاد أو على الأقل يتحملون نصيبهم في المسؤولية؟ والأمر نفسه في ما يتعلق بالدمار والتشريد، وقد يتوهم المستمع أيضاً صياغات أكثر تعقيداً.

وهذه الصياغات هي الصورة التي تظهر بها ثوابت السياسة المصرية: التوازن والاعتدال والإيجابية.

في الاصطفاف يبدو غريباً أن أهداف مصر كما حددها الرئيس ظلت ثابتة طوال سنة كاملة، ولم تتطور بتطور الأحداث والوقائع، فحين كان يخاطب الجيش المصري كان قطاع غزة بالكامل قد أصبح محتلاً من قبل الجيش الإسرائيلي، الذي توجد منه نحو فرقتين عسكريتين على حدود مصر المباشرة، وإذ خلت الأهداف الثلاثة من هدف انسحاب تلك القوات، فسيعني هذا بوضوح أن الرئيس المصري لا يريد انسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة، وأنه “يتفهم” مخالفة إسرائيل لبنود المعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التي تمنع وجود هذا الحجم من القوات على الحدود.

البيان المصري السعودي كان ذا أربعة مساعٍ، فلم يتعرض للرهائن، ولم يتضمن، بدوره، سعياً إلى انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من غزة.

وسيكون حذلقة سخيفة أن يُقطع هذا السياق عن موقف رسمي لدولتين يحمل اسم كل منهما الرسمي لفظة “العربية” أن يحضر السيوطي وهو ينبه إلى أن “الفعل لا يثنّى‌” ( السيوطي، ج1، ص 282، ط. المجمع) وبذلك لا يجوز أن نقول “وشددا على ضرورة السعي إلى هدنة…”، وسيكون سخفاً زائداً أن يشار إلى أن بيان الدولتين الموصوفتين بأنهما إسلاميتان يثنّي الفعل، في حين أن أهل العربية استندوا في هذه القاعدة اللغوية إلى القرآن.

لكن لهذا السخف بعض الفوائد، إذ نبه إلى أن بلدين عربيين إسلاميين، تضمن بيان مشترك لهما، ما لا يمكن لأي عاقل إلا أن يفهم منه أن إرادتيهما (الدولتين) اجتمعتا على عدم السعي إلى انسحاب إسرائيل من غزة، على الأقل في هذه المرحلة من الحرب، ويمكن لأي إنسان أن يدّعي، ولادعائه بعض الوجاهة، أن كلاهما يحبذ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لغزة وتعميقه خلال هذه المرحلة، على الأقل. 

ويمكن مع وجاهة أقل، أن يدّعي أن مصر تفضل أن تبقى القوات الإسرائيلية على طول الحدود المشتركة بين مصر وقطاع غزة، لفترة أطول وحتى نهاية أهداف إسرائيل المستحيلة، ومنبع هذه الوجاهة الضعيفة أن مصر متجردة من أي روابط يمكن أن تربطها بغزة وسكانها، لها كل الحق في طلب أن تنسحب القوات الإسرائيلية من حدودها الدولية مع القطاع، وفقاً للمعاهدة التي تلتزم بها مصر حرفياً، في حين أن إسرائيل تخرقها بصلافة ظاهرة. والحال أن موقف الصمت، الذي يقارب الخرس، لا يمكن أن يُفهم إلا على أنه قبول ورضى وترحيب وتوافق، فالصمت عند البعض مثل الكلام له معانيه ومدلولاته، وربما فلاتره.

فلاتر: الصدق، الأمانة، الحق، وما يرضي الله وما يغضبه، اعتبرت أن السعي لانسحاب إسرائيل ضار، فلم تقاربه. وإذا جمعنا ما تفعله الفلاتر إلى ثوابت السياسة المصرية، كما صاغها السيسي: التوازن والاعتدال والإيجابية، فيمكن بسهولة فهم لماذا لا تريد مصر أن تنسحب إسرائيل من غزة، ولا من الحدود الفلسطينية المصرية.

جناحا الأمة ومعضلة يناير

بقى من حديث الاصطفاف تعرض السيسي لما جري في مصر خلال عام 2011.

وقبل أن نمضى لبحثهما لابد من الإشارة إلى العثور على فلاتر أخرى تراجع ما يخرج من فلاتر السيسي، وتنقحه، فالهيئة العامة للاستعلامات، تنقل ما بثته وكالة أنباء الشرق الأوسط التي قامت بـ “فلترة” ما قاله السيسي فحذفت أجزاءً هامة، وصاغت الكلام على هذا النحو: “وأشار(الرئيس السيسي) إلى أن القوات المسلحة المصرية واجهت اختبارا حقيقيا خلال عام 2011، الذي كان يستهدف جناحي الأمة في مصر هما: الشرطة والجيش؛ لإسقاط الدولة المصرية في اقتتال أهلي ضخم جدا يستمر ويأكل كل فرص التنمية”.

 أما المنطوق الموجود على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، الذي ننقل عنه، فيتضمن معضلة كبرى إذ قال السيسي: “بغض النظر عن إن اللي حصل في 2011 كان ترتيب، والا (أم) سوء تقدير، والا (أم) مؤامرة، لكن كان الهدف منها في الأخر إن جناحي الأمة في مصر: الشرطة والجيش تسقط، وتسقط الدولة في اقتتال أهلي ضخم جدا يستمر ويأكل كل فرص التنمية حتى لو كانت فرص تنمية متواضعة أو محدودة”.

حذف الوكالة به صنعة من أدرك أن فلاتر السيسي في هذا الموضع قد انتابها ما ينتاب فلاتر البنزين بعد طول استخدام: رائحة وخشونة وتعطل، فموضوعة يناير هي أكثر واقعة تضطرب فلاتر السيسي عند التعامل معها، وهو شديد الإصرار على معاودة التجربة، لعله يستقر، فعمد “الحرفي” الذي تعامل مع النص إلى حجب أهم ما في هذه الفقرة من الحديث. 

ربما لأن الحرفيّ فكر قليلا في أن عدم الاستقرار على وصف محكم للحدث لا يليق بالسيسي، وينم على الأقل عن عدم كفاءة، فهو الشخص الوحيد في السلطة الذي من المفترض أنه يملك نفاذية إلى المصادر الأولية للمعلومات، فقد كان مديرا للمخابرات الحربية وعضوا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة حين وقعت الواقعة، وحين حدث ذلك كان باعتبار وظيفته، وباعتبار أنه الأصغر والأحدث من بين أعضاء المجلس أكثرهم التصاقا بالحدث ومتابعة لكل تفاصيله، ثم تواصلت متابعته اللصيقة وتعمقت، وهو يصعد إلى منصف وزير الدفاع، وصولا إلى الرئاسة، فمن في مصر كلها يتوفر على معلومات من مصادرها المباشرة كتلك التي توفر عليها السيسي؟

ربما سأل المحرر في الوكالة نفسها وهو ينظر إلى النص، هذا السؤال، وربما لم يفعل، مع أنه سؤال بديهي، وتتبعه آخرى مثله: هل لا يعرف السيسي حقا ما الذي حدث بالتحديد، وتتساوى عنده الاحتمالات الثلاثة، هل يعرف، ويرى أنه من غير المناسب الجهر برأي حاسم، هل الحدث بالفعل كان مؤامرة على هذا القدر من الوضاعة، ثم أين الفلاتر، ماذا فعلت حين اقسم السيسي ثلاث مرات القسم الدستوري بعد انتخابه رئيسا، الذي يتضمن “وأن احترم الدستور والقانون”، فهل يحترم السيسي الدستور الذي يصف ما حدث في 2011 بأنه “ثورة” أم إنه لديه نفس مشاعر مرتضي منصور، الذي أثار زوبعة أثناء أداء القسم في الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب (2015)، ولكنه لا يملك مهاراته البهلوانية.

يمكن للمرء أن يمضي بعض الوقت للبحث عن التناقضات التي لا حل لها في ما قاله السيسي عن 25 يناير 2011، فيعثر على مواقف آشبه بحالات “الدكتور جيكل والسيد هايد”، ويكفي مثال: في يناير 2012 قال “ثورة 25 يناير قادها شباب مخلصون متطلعون لمستقبل أفضل“، وفي ديسمبر من العام نفسه قال: “البلد كانت هتضيع مننا.. دا كان خراب ودمار

ماذا يحدث في مصر ؟

وصلنا إلى الحدث الذي أثار كل هذا: تشبيه السيسي لما يحدث في مصر، أو ما تواجهه، الآن، بما حدث بعد 5 يونيه 1967، وقبل أن نتعرض لنص كلمات السيسي في احتفالية اتحاد القبائل والعائلات المصرية بمناسبة ذكرى انتصار أكتوبر (26 اكتوبر الماضي)، سنورد حذلقة أخيرة: فمثلما كان موقف السيسي من ثورة 25 يناير مدعاة لاعتباره نظيرا لمرتضي منصور، يمكن أيضا اعتبار العاصمة الإدارية الجديدة، حيث اقيمت الاحتفالية، أشبه بقفص زجاجي هائل، يؤدي ذات الوظائف التي يؤديها القفص الزجاجي الذي كان يجلس بداخله السيسي ومن جاء في معيته، وأن كل من يشغل موقعا في العاصمة يعاني حتما من رداءة مشابهة لتلك التي تخرج بها الصورة والصوت من القفص الزجاجي، كما يلاحظه كل مشاهد، فالفرق هائل بين صوت وصورة السيسي من الكاميرا التي خارج القفص، وتلك التي داخله، والسيسي ومن جاء في معيته في ذلك القفص الضيق ليس فقط معزولين عن “جماهيرهم”، بل هم و”جماهيرهم” معزولين عن باقي المصريين، لأنهم (السيسي ومن جاء في معيته وجماهيرهم من اتحاد القبائل والعائلات المصرية) في قفص هائل ردئ، اسمه العاصمة الإدارية الجديدة.

ولكي تكون الحذلقة تامة يجب تكون الجملة هكذا: القفص الذي يحتمي بداخله السيسي، وذلك توخيا للدقة والموضوعية والحق والأمانة والصدق وما يرضي الله.

مهد السيسي لحديث المشابهة هذا أثتاء حديثه مع طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية، حيث “اعتبر أن الأعوام العشر الماضية برهنت على وعي الشعب المصري وتماسكه في الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة”، لكن الجرعة لم تك كافية، فعاود الطرح في محفل أكبر وأعم. وبدأ بجملة دمج فيها التجهيل والحجب معا:”اللي انتوا بتشوفوه دلوقتي، ومن غير تفسير كتير، وتوضيح كتير” فلم يعرف المستمع ماذا يقصد إلا بالتخمين وبربط سلسلة من الاحالات، التي قد تستقر على “أزمة اقتصادية طاحنة، لا يلوح مخرج منها في الأفق”، وسلسلة الأسباب جاهزة: كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، الإرهاب، تأثر دخل قناة السويس بمساندة جماعة أنصار الله للمقاومة الفلسطينية في غزة، لكن السيسي وحكومته لا نصيب لها في الأزمة.

يكشف ما قاله السيسي جانبا من فاعلية الفلاتر: فهو إذا بدأ الكلام بهذا التمهيد: “ومن غير تفسير كتير، وتوضيح كتير” حجب أهم مسألة في المشابهة، لأن تشبيه ما يحدث (الآن) بما كان يحدث في مصر عام 1967، تستدعي بالضرورة إدراك تام للمشبه به، والصورة الأولى الصارخة التي عرف بها المصريون حدث الهزيمة/ النكسة، تمثلت في اعتراف بالمسئولية عنها، هكذا قال جمال عبد الناصر في خطابه الذي اشتهر بـ “خطاب التنحي”، في 9 يونيه 1967: “وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفى فى الأزمة- فإننى على استعداد لتحمل المسؤولية”، وأقل ما نخرج به من كلام عبد الناصر “استعداد”.

 أما السيسي فليس على استعداد، عبد الناصر حاول التأثير عاطفيا على المصريين، لكن السيسي لا يتكترث بمثل هذه الألعيب، وهو يقول للمصريين بصراحة بالغة: تصرفت كما يحلو لي، وحسبما أراه، وعليكم (كما قال للطلاب العسكريين): “تصمد وتستحمل معايا ..لما ظروفك الاقتصادية تبقى صعبة حستحمل”، والمشابهة يمكن أن تتطلب أيضا تذكر أن العسكرية المصرية كلها تعرضت لمستويات متعددة من المحاكمة والعقاب، لكن نكسة السيسي بلا استعداد وبلا عقاب، بل تفرض على المصريين العقاب وتطلب منهم الصمت وتحمل الصعاب، أو في مخرج فلتر الحق والأمانة والصدق: الإذعان.