ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لماذا لا ترى المحكمة الدستوريّة النور في تونس؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يبدو أن قيس سعيد يريد إنشاء المحكمة الدستورية لأنه لا يرغب في وجود هيئة قد تقوم في مرحلة لاحقة بمساءلته، أو تعترض على تصوراته للسلطات التي يريدها جميعاً بيده، أو تنتقد مشاريع القوانين التي يسنها في شكل مراسيم وتهدد الحقوق والحريات، علماً أن الشروط التي وردت في دستور 2022 تجعل من تشكيل المحكمة الدستورية أمراً يسيراً وبيد الرئيس حصراً، ولكنه لا يفعل ذلك ولا يشير إليه حتى.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا تزال المحكمة الدستورية إنجازاً بعيد المدى عن المشهد السياسي التونسي على رغم أهميتها. فبعدما فشلت سنوات “الديمقراطية” في إرسائها بسبب التجاذبات السياسية والخلاف الكبير حول اختيار المرشحين/ات لعضوية المحكمة، جاء قيس سعيد بعد انفراده بالحكم، وأجهز عليها ليضمن عدم وجود أي هيئة قد تعيق بناء نظامه الفرداني الاستبدادي، مستفيداً من وجود برلمان يثبت يومياً أنه مجرد هيكل تابع للسلطة التنفيذية، لا يرى حرجاً في إسقاط أي مبادرة وأي مشروع قانون لا يحظى برضا رئيس الدولة مهما كانت فائدتها على البلاد.

في 11 نيسان/ أبريل الماضي، قدم عشرة نواب من كتل مختلفة، من بينها “لينتصر الشعب” و”الوطنية المستقلة”، مقترح قانون أساسي لتنظيم المحكمة الدستورية، معتبرين أن تركيز هذه المحكمة من شأنه أن يعزز الثقة في القانون. لكن سرعان ما أثارت المبادرة جدلاً واسعاً، بخاصة في صفوف أتباع الرئيس قيس سعيد الذين شنوا حملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب بعض الفصول المتعلقة بإعفاء الرئيس، ودعا بعضهم الى تنظيم وقفات احتجاجية دعماً لسعيد وللضغط بهدف سحبها كونها في رأيهم محاولة لإنهاء مهامه. 

وكان مشروع القانون تضمن من الفصل 65 إلى 68 إمكانية إعفاء رئيس الجمهورية من منصبه في حالة خرق جسيم للدستور.

وفيما كان التوقعات تتجه للمضي قدماً في هذا المشروع، أُعلن عن سحب خمسة نواب من إجمالي الـ10 وهم أصحاب المبادرة، توقيعاتهم، ليؤدي ذلك آلياً الى إسقاط الاقتراح قبل عرضه على التصويت. إذ أعلن مكتب مجلس النواب التونسي، مساء 23 نيسان الماضي، عن سحب المبادرة التشريعية المتعلقة بمقترح قانون أساسي لإرساء محكمة دستورية.

وقال في بيان له، إنه “عاين سحب هذه المبادرة التشريعية المتعلقة بمقترح قانون أساسي لتنظيم المحكمة الدستورية، تبعاً لسحب خمسة إمضاءات لنواب من ضمن مجموعة العشرة نواب الذين قدموا المبادرة، وفقاً لأحكام الفقرة الثانية من الفصل 124 من النظام الداخلي”.

وبهذا يكون السجال الذي دار على نطاق شعبي تسرب إلى داخل أسوار البرلمان، وتلقّفه النواب الذين أعلن بعضهم صراحة عن مواقفهم الرافضة لهذا المشروع على غرار ياسر القوراري، رئيس لجنة التشريع العام، الذي عبر صراحة عن رفضه مناقشة المبادرة معتبراً أنها “اجتهاد خاطئ خارج عن الدستور”، ومليك كمون، مقرر لجنة التشريع العام الذي قال في تصريحات صحافية إن بعض الفصول (يقصد المتعلقة بإعفاء الرئيس) لا تنسجم مع مقتضيات دستور 2022، وأن هناك مسائل أخرى تحظى بأولوية أكبر من إرساء المحكمة الدستورية على رغم إقراره بأهميتها وبأن “المناخ السياسي الراهن هو الأمثل لإرسائها”.

ضغط على النواب

وعلى رغم محاولات البرلمان الترويج لكون أصحاب المبادرة راجعوا قرارهم من تلقاء نفسهم واكتشفوا عدم مواءمة بعض فصولها للدستور، فإن قسماً كبيراً من التونسيين وبخاصة المعارضة، يؤكدون أن النواب خضعوا لضغوط دفعتهم الى التراجع، لا سيما في ظل تأكيد مؤشرات عدة أن هذا المنجز غير مطروح لدى السلطة التنفيذية ممثلة أساساً في قيس، ولا لدى البرلمان الخاضع لهذه السلطة والمتماهي معها. إذ تبين أنه لم يُذكر تخصيص اعتمادات مالية للمحكمة الدستورية في موازنة 2024 – 2025، ما يعني أن هناك توجهاً رسمياً منذ البداية الى عدم إرساء هذه المؤسسة.

ولعل هذا ما يرجح فرضية تعرض النواب لضغوط. إذ إن إقدام بعض النواب على طرح مبادرة تتعلق بالمحكمة الدستورية داخل برلمان سبق له أن صادق على ميزانية لا ترصد أي أموال لهذه المؤسسة، يضع المجلس في حرج كبير. فهذه الخطوة تعكس عدم دراية النواب بما يُطرح داخل المجلس من مبادرات وقوانين ومقترحات، في تأكيد لما يشاع بشأن تبعية البرلمان لمؤسسة الرئاسة واختصار دوره في المصادقة على كل ما يمرر من السلطة التنفيذية من دون تعديل أو اعتراض. وسحب المبادرة هو محاولة لإنقاذ الموقف تحت عناوين عدم ملاءمة الدستور، حتى لا ينكشف للرأي العام أن نوابهم يصادقون على ميزانية لا يطلعون على فحواها لمجرد أن السلطة التنفيذية أرادت ذلك.   

من جهة أخرى، لا يبدو أن قيس سعيد يريد إنشاء المحكمة الدستورية لأنه لا يرغب في وجود هيئة قد تقوم في مرحلة لاحقة بمساءلته، أو تعترض على تصوراته للسلطات التي يريدها جميعاً بيده، أو تنتقد مشاريع القوانين التي يسنها في شكل مراسيم وتهدد الحقوق والحريات. فالمحكمة الدستورية وسيلة لمراقبة الحكم والحاكم والحد من النزعات التسلطية والاستبداد بواسطة التشريعات والقوانين، وليست أداة لبسط النفوذ أو توسيعه، ولهذا فإن إرساءها يعني بالضرورة هدم كل ما هو بصدد التأسيس له. وعليه فإن نية إرسائها غير مطروحة لدى سعيد، لا سيما وأن الشروط التي وردت في دستور 2022 تجعل من تشكيل المحكمة الدستورية أمراً يسيراً وبيد الرئيس حصراً، ولكنه لا يفعل ذلك ولا يشير إليه حتى.        

وتجدر الإشارة أن الدستور التونسي الجديد لسنة 2022، قد أوجد تصوراً جديداً لتركيبة المحكمة الدستورية من حيث عدد أعضائها وآليات تكوينها ووظائف رئيسها وسلطاتها. ففيما نص دستور 2014 على أنها تتكون من 12 عضواً من ذوي الكفاءة، يعين مجلس نواب الشعب أربعة أعضاء، والمجلس الأعلى للقضاء أربعة أعضاء، ثم رئيس الجمهورية، أربعة أعضاء، على أن يكون ثلاثة أرباعهم من المتخصصين في القانون ولا تقل خبرتهم عن عشرين سنة. ويكون التعيين لفترة واحدة مدتها تسع سنوات، فإن دستور 2022 نص في المادة 125 على أن المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتألف من تسعة أعضاء يتم تعيينهم بأمر من رئيس الجمهورية، ثلثهم الأول أقدم رؤساء الدوائر بمحكمة التعقيب، والثلث الثاني أقدم رؤساء الدوائر التعقيبية أو الاستشارية بالمحكمة الإدارية، والثلث الثالث يضم أقدم أعضاء محكمة المحاسبات. أي أن آليات تشكيلها حسب دستور 2022 يسيرة ويمكن بمقتضاها تشكيلها خلال فترة قصيرة كما يؤكد ذلك عدد من خبراء القانون.

علماً أن الشرط الأخير أثار جدلاً كبيراً داخل أساتذة القانون الذين رأوا أنه شرط ملغوم، لأن ذلك سيؤدي الى ستبدال الأعضاء في فترات زمنية قصيرة ربما لا تتجاوز بضعة أشهر، نظراً الى تقدمهم في السن واقترابهم من مرحلة التقاعد، وهذا سيفرض حالة عدم استقرار داخل المحكمة.

ما سبب التأخير؟

أستاذة القانون الدستوري سلسبيل القليبي تقول لـ”درج”، إن “المحكمة الدستورية لا تراقب المشرع في النصوص التي يصدرها من قوانين وتعديلات للدستور وموافقة على معاهدات، وكذلك السلطة التنفيذية بما فيها رئيس الجمهورية في مدى احترامه الدستور واللوائح التي يقدمها البرلمان ضده عند الخرق الفادح للدستور، وتنظر في حالة الاستثناء وفي الشغورات، وهذه الصلاحيات التي تتمتع بها المحكمة الدستورية تصعب عملية إرسائها. لعل هذا ما يجعلنا من دون هذه المؤسسة على رغم مرور ثلاث سنوات عن وضع الدستور الجديد وانتفاء الأسباب التي حالت دون تشكيلها سابقاً”.

وبهذه المستجدات يكون قيس سعيد أكمل ما بدأه الفاعلون السياسيون في تونس بعد الثورة، ولا سيما حزبي حركة النهضة ونداء تونس اللذين أهدرا فرصة إرساء هذه المؤسسة المهمة وأثبتوا أن الديمقراطية لا تعنيهم إلا بقدر استفادتهم منها وحتى إرساء هياكلها يخضع لهذه المعادلة حصراً. وكانت المحكمة الدستورية أكثر الهياكل التي خضعت لهذا المنطق، ولم تكفِ ثلاث سنوات للاتفاق على تشكيلتها وعلى صلاحياتها التي سعوا الى تقليصها قدر المستطاع. 

كان الفاعلون السياسيون لا يفكرون سوى في كيفية السيطرة على الحكم وترسيخ الهيمنة على القرار السياسي، ولهذا كان هناك دائماً خوف وتوجس من أي هيكل قادر على مراقبة الحكم بل وبإمكانه سلبهم إياه في حالات معينة. وبالتالي لم يكن من الممكن في ظل هذه الأرضية أن ترى المحكمة الدستورية النور. ولكن ما حدث هو أن هؤلاء الساسة الذين تراخوا في إرساء المحكمة الدستورية عندما كان بوسعهم فعل ذلك لتحصين التجربة الديمقراطية، وظلوا يتراخون خشية أن يؤدي إرساؤها الى سلبهم السلطة، قد أجبروا على التخلي عن الحكم بالإكراه فقط لأنهم لم يرسوا مؤسسة تكون بمثابة الحكم في حال تم خرق الدستور أو تجاوز الصلاحيات أو في قضايا الاختصاص بين مؤسسات الدولة. ولعل بعضهم اليوم يتذكر ذلك وهو يقبع في سجنه الذي دخله من دون محاكمة عادلة، ويدرك لو متأخراً كم كان إرساء المحكمة الدستورية سيجنب البلاد السيناريوهات البائسة التي تعيش على وقعها.   

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
16.05.2025
زمن القراءة: 6 minutes

لا يبدو أن قيس سعيد يريد إنشاء المحكمة الدستورية لأنه لا يرغب في وجود هيئة قد تقوم في مرحلة لاحقة بمساءلته، أو تعترض على تصوراته للسلطات التي يريدها جميعاً بيده، أو تنتقد مشاريع القوانين التي يسنها في شكل مراسيم وتهدد الحقوق والحريات، علماً أن الشروط التي وردت في دستور 2022 تجعل من تشكيل المحكمة الدستورية أمراً يسيراً وبيد الرئيس حصراً، ولكنه لا يفعل ذلك ولا يشير إليه حتى.

لا تزال المحكمة الدستورية إنجازاً بعيد المدى عن المشهد السياسي التونسي على رغم أهميتها. فبعدما فشلت سنوات “الديمقراطية” في إرسائها بسبب التجاذبات السياسية والخلاف الكبير حول اختيار المرشحين/ات لعضوية المحكمة، جاء قيس سعيد بعد انفراده بالحكم، وأجهز عليها ليضمن عدم وجود أي هيئة قد تعيق بناء نظامه الفرداني الاستبدادي، مستفيداً من وجود برلمان يثبت يومياً أنه مجرد هيكل تابع للسلطة التنفيذية، لا يرى حرجاً في إسقاط أي مبادرة وأي مشروع قانون لا يحظى برضا رئيس الدولة مهما كانت فائدتها على البلاد.

في 11 نيسان/ أبريل الماضي، قدم عشرة نواب من كتل مختلفة، من بينها “لينتصر الشعب” و”الوطنية المستقلة”، مقترح قانون أساسي لتنظيم المحكمة الدستورية، معتبرين أن تركيز هذه المحكمة من شأنه أن يعزز الثقة في القانون. لكن سرعان ما أثارت المبادرة جدلاً واسعاً، بخاصة في صفوف أتباع الرئيس قيس سعيد الذين شنوا حملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب بعض الفصول المتعلقة بإعفاء الرئيس، ودعا بعضهم الى تنظيم وقفات احتجاجية دعماً لسعيد وللضغط بهدف سحبها كونها في رأيهم محاولة لإنهاء مهامه. 

وكان مشروع القانون تضمن من الفصل 65 إلى 68 إمكانية إعفاء رئيس الجمهورية من منصبه في حالة خرق جسيم للدستور.

وفيما كان التوقعات تتجه للمضي قدماً في هذا المشروع، أُعلن عن سحب خمسة نواب من إجمالي الـ10 وهم أصحاب المبادرة، توقيعاتهم، ليؤدي ذلك آلياً الى إسقاط الاقتراح قبل عرضه على التصويت. إذ أعلن مكتب مجلس النواب التونسي، مساء 23 نيسان الماضي، عن سحب المبادرة التشريعية المتعلقة بمقترح قانون أساسي لإرساء محكمة دستورية.

وقال في بيان له، إنه “عاين سحب هذه المبادرة التشريعية المتعلقة بمقترح قانون أساسي لتنظيم المحكمة الدستورية، تبعاً لسحب خمسة إمضاءات لنواب من ضمن مجموعة العشرة نواب الذين قدموا المبادرة، وفقاً لأحكام الفقرة الثانية من الفصل 124 من النظام الداخلي”.

وبهذا يكون السجال الذي دار على نطاق شعبي تسرب إلى داخل أسوار البرلمان، وتلقّفه النواب الذين أعلن بعضهم صراحة عن مواقفهم الرافضة لهذا المشروع على غرار ياسر القوراري، رئيس لجنة التشريع العام، الذي عبر صراحة عن رفضه مناقشة المبادرة معتبراً أنها “اجتهاد خاطئ خارج عن الدستور”، ومليك كمون، مقرر لجنة التشريع العام الذي قال في تصريحات صحافية إن بعض الفصول (يقصد المتعلقة بإعفاء الرئيس) لا تنسجم مع مقتضيات دستور 2022، وأن هناك مسائل أخرى تحظى بأولوية أكبر من إرساء المحكمة الدستورية على رغم إقراره بأهميتها وبأن “المناخ السياسي الراهن هو الأمثل لإرسائها”.

ضغط على النواب

وعلى رغم محاولات البرلمان الترويج لكون أصحاب المبادرة راجعوا قرارهم من تلقاء نفسهم واكتشفوا عدم مواءمة بعض فصولها للدستور، فإن قسماً كبيراً من التونسيين وبخاصة المعارضة، يؤكدون أن النواب خضعوا لضغوط دفعتهم الى التراجع، لا سيما في ظل تأكيد مؤشرات عدة أن هذا المنجز غير مطروح لدى السلطة التنفيذية ممثلة أساساً في قيس، ولا لدى البرلمان الخاضع لهذه السلطة والمتماهي معها. إذ تبين أنه لم يُذكر تخصيص اعتمادات مالية للمحكمة الدستورية في موازنة 2024 – 2025، ما يعني أن هناك توجهاً رسمياً منذ البداية الى عدم إرساء هذه المؤسسة.

ولعل هذا ما يرجح فرضية تعرض النواب لضغوط. إذ إن إقدام بعض النواب على طرح مبادرة تتعلق بالمحكمة الدستورية داخل برلمان سبق له أن صادق على ميزانية لا ترصد أي أموال لهذه المؤسسة، يضع المجلس في حرج كبير. فهذه الخطوة تعكس عدم دراية النواب بما يُطرح داخل المجلس من مبادرات وقوانين ومقترحات، في تأكيد لما يشاع بشأن تبعية البرلمان لمؤسسة الرئاسة واختصار دوره في المصادقة على كل ما يمرر من السلطة التنفيذية من دون تعديل أو اعتراض. وسحب المبادرة هو محاولة لإنقاذ الموقف تحت عناوين عدم ملاءمة الدستور، حتى لا ينكشف للرأي العام أن نوابهم يصادقون على ميزانية لا يطلعون على فحواها لمجرد أن السلطة التنفيذية أرادت ذلك.   

من جهة أخرى، لا يبدو أن قيس سعيد يريد إنشاء المحكمة الدستورية لأنه لا يرغب في وجود هيئة قد تقوم في مرحلة لاحقة بمساءلته، أو تعترض على تصوراته للسلطات التي يريدها جميعاً بيده، أو تنتقد مشاريع القوانين التي يسنها في شكل مراسيم وتهدد الحقوق والحريات. فالمحكمة الدستورية وسيلة لمراقبة الحكم والحاكم والحد من النزعات التسلطية والاستبداد بواسطة التشريعات والقوانين، وليست أداة لبسط النفوذ أو توسيعه، ولهذا فإن إرساءها يعني بالضرورة هدم كل ما هو بصدد التأسيس له. وعليه فإن نية إرسائها غير مطروحة لدى سعيد، لا سيما وأن الشروط التي وردت في دستور 2022 تجعل من تشكيل المحكمة الدستورية أمراً يسيراً وبيد الرئيس حصراً، ولكنه لا يفعل ذلك ولا يشير إليه حتى.        

وتجدر الإشارة أن الدستور التونسي الجديد لسنة 2022، قد أوجد تصوراً جديداً لتركيبة المحكمة الدستورية من حيث عدد أعضائها وآليات تكوينها ووظائف رئيسها وسلطاتها. ففيما نص دستور 2014 على أنها تتكون من 12 عضواً من ذوي الكفاءة، يعين مجلس نواب الشعب أربعة أعضاء، والمجلس الأعلى للقضاء أربعة أعضاء، ثم رئيس الجمهورية، أربعة أعضاء، على أن يكون ثلاثة أرباعهم من المتخصصين في القانون ولا تقل خبرتهم عن عشرين سنة. ويكون التعيين لفترة واحدة مدتها تسع سنوات، فإن دستور 2022 نص في المادة 125 على أن المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتألف من تسعة أعضاء يتم تعيينهم بأمر من رئيس الجمهورية، ثلثهم الأول أقدم رؤساء الدوائر بمحكمة التعقيب، والثلث الثاني أقدم رؤساء الدوائر التعقيبية أو الاستشارية بالمحكمة الإدارية، والثلث الثالث يضم أقدم أعضاء محكمة المحاسبات. أي أن آليات تشكيلها حسب دستور 2022 يسيرة ويمكن بمقتضاها تشكيلها خلال فترة قصيرة كما يؤكد ذلك عدد من خبراء القانون.

علماً أن الشرط الأخير أثار جدلاً كبيراً داخل أساتذة القانون الذين رأوا أنه شرط ملغوم، لأن ذلك سيؤدي الى ستبدال الأعضاء في فترات زمنية قصيرة ربما لا تتجاوز بضعة أشهر، نظراً الى تقدمهم في السن واقترابهم من مرحلة التقاعد، وهذا سيفرض حالة عدم استقرار داخل المحكمة.

ما سبب التأخير؟

أستاذة القانون الدستوري سلسبيل القليبي تقول لـ”درج”، إن “المحكمة الدستورية لا تراقب المشرع في النصوص التي يصدرها من قوانين وتعديلات للدستور وموافقة على معاهدات، وكذلك السلطة التنفيذية بما فيها رئيس الجمهورية في مدى احترامه الدستور واللوائح التي يقدمها البرلمان ضده عند الخرق الفادح للدستور، وتنظر في حالة الاستثناء وفي الشغورات، وهذه الصلاحيات التي تتمتع بها المحكمة الدستورية تصعب عملية إرسائها. لعل هذا ما يجعلنا من دون هذه المؤسسة على رغم مرور ثلاث سنوات عن وضع الدستور الجديد وانتفاء الأسباب التي حالت دون تشكيلها سابقاً”.

وبهذه المستجدات يكون قيس سعيد أكمل ما بدأه الفاعلون السياسيون في تونس بعد الثورة، ولا سيما حزبي حركة النهضة ونداء تونس اللذين أهدرا فرصة إرساء هذه المؤسسة المهمة وأثبتوا أن الديمقراطية لا تعنيهم إلا بقدر استفادتهم منها وحتى إرساء هياكلها يخضع لهذه المعادلة حصراً. وكانت المحكمة الدستورية أكثر الهياكل التي خضعت لهذا المنطق، ولم تكفِ ثلاث سنوات للاتفاق على تشكيلتها وعلى صلاحياتها التي سعوا الى تقليصها قدر المستطاع. 

كان الفاعلون السياسيون لا يفكرون سوى في كيفية السيطرة على الحكم وترسيخ الهيمنة على القرار السياسي، ولهذا كان هناك دائماً خوف وتوجس من أي هيكل قادر على مراقبة الحكم بل وبإمكانه سلبهم إياه في حالات معينة. وبالتالي لم يكن من الممكن في ظل هذه الأرضية أن ترى المحكمة الدستورية النور. ولكن ما حدث هو أن هؤلاء الساسة الذين تراخوا في إرساء المحكمة الدستورية عندما كان بوسعهم فعل ذلك لتحصين التجربة الديمقراطية، وظلوا يتراخون خشية أن يؤدي إرساؤها الى سلبهم السلطة، قد أجبروا على التخلي عن الحكم بالإكراه فقط لأنهم لم يرسوا مؤسسة تكون بمثابة الحكم في حال تم خرق الدستور أو تجاوز الصلاحيات أو في قضايا الاختصاص بين مؤسسات الدولة. ولعل بعضهم اليوم يتذكر ذلك وهو يقبع في سجنه الذي دخله من دون محاكمة عادلة، ويدرك لو متأخراً كم كان إرساء المحكمة الدستورية سيجنب البلاد السيناريوهات البائسة التي تعيش على وقعها.   

16.05.2025
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية