كانت سيّدة تروي لغابور ماتي تعرّضها لاعتداء في طفولتها. وماتي هو طبيب كندي من أصل هنغاري، يهودي ناجٍ من المحرقة، أصبح، في السنوات الأخيرة، صوتاً صارخاً ضدّ الجرائم المروّعة في غزّة، التي يعتبرها القضيّة الأخلاقية الكبرى في زماننا.
سألها ماتي: “إلى من لجأتِ؟” فأجابت: “لا أحد”.
ثم سألها: “لو تعرّضت إحدى بناتك لاعتداء، ولم تخبرك، فكيف تفسّرين عدم لجوئها إليك؟”.
فأجابت: “لم تشعر بأنني شخص آمن تستطيع اللجوء إليه”.
عندها قال: “هذه هي الصدمة، أنك كنت وحدك ولم يكن لديك من تلجأين إليه ليحميك”.
وأنا أشاهد هذا المقطع، لم أتوقّف عن التفكير في أهل غزّة. فصدمتهم ليست فقط في الموت تحت القصف أو من الجوع، بل في ذلك الشعور المرير بالهجر، في النظر إلى عالم يتفرّج على موتهم ساكناً.
هذا الإحساس بالتخلّي هو الجرح الذي تحاول حركات التضامن العالمي، بمبادراتها الرمزية، أن تلمسه لا لتشفيه، إنما لتخفّف من برودته القاتلة.
حين يُبحر أسطول صغير باتّجاه غزّة، أو يُضرب ناشط عن الطعام في مدينة بعيدة، أو تتظاهر جموع في شوارع عواصم العالم، فإنهم لا يتوهّمون أن ما يفعلونه سيُنهي الحصار أو يوقف آلة القتل العمياء، لكنّهم يحاولون أن يقولوا:
“نحن نراكم، نحن معكم، أنتم لستم وحدكم.”
قد لا يفتح الأسطول ممرّاً بحرياً، وقد لا يُنهي الإضراب الجوع، لكنّ قوّتهما الحقيقية تكمن في كسر العزلة النفسية، في منح شعور بأن هناك ملاذاً أخلاقياً، حتى لو كان عاجزاً مادّياً.
هذه الحركات التضامنية لا تأتي من فراغ، فهي تولد من رحم صدمة يعيشها أولئك الذين لا يستطيعون الإشاحة بأبصارهم بعيداً عن الشاشات. إنها ردّة فعل على ما يسمّى “الصدمة الثانوية”، وهي الإحساس بالذهول والعجز الذي ينتاب من يشاهد الفاجعة ويعجز عن إيقافها.
المخيف في الشعور بالعجز هو أنه قد يتحوّل إلى تبلّد، فيبدأ الناس بإطفاء مشاعرهم المؤلمة كي يستطيعوا مواصلة حياتهم اليومية. حركات التضامن هذه هي تمرّد على هذا التبلّد، وهي محاولة لاستعادة الشعور ولو كان مؤلماً، ورفض العيش كما لو أن شيئاً لم يحدث، لأن حدثاً جللاً قد وقع.
إقرأوا أيضاً:
الفيديوهات التي نتابعها تُظهر هول الصدمة التي يعيشها بعض من اتّضحت الصورة أمامه مؤخّراً في الغرب، ممن كانوا حتى الأمس القريب يدافعون عن “حقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس”. مواطنون، طلّاب، إعلاميون، سياسيون، برلمانيون ووجوه عامّة، يتكلّمون بذهول، وبألم وغضب ظاهرين.
صدمة هؤلاء لا تقتصر على الشعور بالعجز، ولا يمكن اختزالها بالصدمة الثانوية وحدها. إنها تذهب أبعد من ذلك، إلى صميم بنائهم النفسي. فالغربي الذي تربّى على الإيمان بالديمقراطية، وبالمؤسّسات، وبمنظومة حقوق الإنسان، فوجئ بانهيار هذا الإيمان تحت وطأة صور الفظائع التي تمرّدت على الروايات الرسمية، وشقّت طريقها إلى وجدان من بحث عن معرفة غير موجّهة ولا مؤدلجة.
صدمة هؤلاء ليست فقط صدمة أخلاقية، بل صدمة وجودية. لأنها تمسّ المعنى. فالقيم التي ظنّ الغربي أنها تحميه من الفظائع، بدت واجهة هشّة انهارت بسرعة أمام جلاء وحشية ما يجري.
انهار ما يسمّيه جاك لاكان بـ”الأب الرمزي”، ذاك الكيان المنظِّم الذي يمثّل القانون والسلطة والنظام، الذي يمنح العالم معنى ويضبط الرغبات. لقد كانت تلك المرجعيات تقوم بهذا الدور في المخيال الغربي. لذا فإن انكشاف تواطئها ولّد لدى كثيرين شعوراً باليتم النفسي.
انهار “الآخر الكبير” الذي كان ينظّم الإيقاع الداخلي، ومعه تزعزعت الطمأنينة، وتكشّف مدى الهوّة بين ما يُقال وما يُفعل. إنها لحظة اضطراب نفسي جماعي، يحاول فيها كثيرون أن يتلمّسوا طريقهم وسط أنقاض سردية كانت تمنحهم الأمان، ثم سقطت فجأة وبقسوة.
ما تقدّم قد يفسّر لِمَ لا نجد مثل هذه التضامنات الرمزية في الشارع العربي؟
إذا كانت صدمة الغرب اليوم هي سقوط الأب الرمزي (القانون، المؤسّسات، العدالة) فإن هذه الصدمة قديمة في الوعي العربي، بل لعلّها لم تكن صدمة، فالمواطن في العالم العربي لم يعد يؤمن، منذ زمن، بأن هناك قانوناً دولياً أو وطنياً يحمي أحداً، أو أن هناك منظومة حقوق إنسان يمكن أن يُعوَّل عليها. لقد نشأ داخل فراغ رمزي مزمن، حيث لم يكن هناك “آخر كبير” يضمن العدالة أو يعطي المعنى.
ربما لهذا السبب لا يفاجئه صمت العالم أو حتى صمته، فهو لم يتوهّم يوماً أن الحياة عادلة.
وربما لهذا السبب بات يختبر فعل التضامن الرمزي كمجرّد لفتة عقيمة، غير قادرة على ردّ الموت أو تغيير المعادلة. وربما، بعد تراكم خيبات العقود، أصابه ما يشبه إجهاد التعاطف، ذلك الإرهاق النفسي من تكرار المآسي التي لا يتاح له التخفيف من حدّتها، فاختار التبلّد كآليّة دفاع، وانسحب إلى صمته.
وسط هذا الخدر والذهول العامّ، برزت مجموعة من المواطنين الذين تداعوا إلى كسر الصمت، عبر الانضمام الى الاضراب التتابعي عن الطعام تضامناً مع غزّة، لأنهم لا يستطيعون أن يكملوا حياتهم كأن شيئاً لم يحدث. هؤلاء يعرفون أنهم لن يستطيعوا تغيير الواقع، أو إنقاذ طفل جائع، لكنّهم ربما يحاولون إنقاذ أنفسهم من الاختناق بالعجز والدفن بالصمت المميت. التحرّك الرمزي هو أبسط أشكال التضامن الإنساني، وهو الردّ الممكن والمتاح على صدمة الهجر التي يعانيها أهل غزّة. هو محاولة صادقة لأن يوصلوا لأهل غزّة الرسالة التالية: أنتم لستم وحدكم.
مجموعة “مع غزّة with Gaza 2025 ” تنظّم إضراباً تتابعياً عن الطعام، يتناوب ناشطون مستقلّون على تنفيذه، وتدعو إلى لقاء كلّ خميس مساءً في ساحة الشهداء، شعارها “كسر الصمت # لسنا عاجزين”.
إقرأوا أيضاً:












