أن نحزم حقيبة صغيرة ونغادر، مرّة واحدة في السنة على الأقل، هي فرصة ذهبية لالتقاط أنفاسنا… فرصة لا أعتبرها هرباً من البلد الذي نحبّه على رغم كلّ شيء، بل بحثاً عن هواءٍ لا تخنقه أصوات نشاز، وسماءٍ لا تعبرها طائرة إلا لتذكّرنا بأننا ما زلنا أحياء. نسافر، إن سنحت لنا الظروف المادية، لا لنترك لبنان، بل لنحتمل البقاء فيه بكل ما فيه من مصائب ولعنات وصعوبات، ولنعود إليه بعيونٍ رأت أن الحياة باستطاعتها أن تكون أوسع بكثير من قلقنا اليومي وأفقنا الضيق جداً.
شخصياً، حين أسافر الى بلد ما، أشعر دائماً بوخز عميق ينغص عليّ فرحتي باكتشاف جمال معالم جديدة أراها للمرة الأولى، لسبب بسيط، وهو أن هذا البلد الصغير الذي وُلدت فيه كيف له أن يحتمل كل هذا الضجيج وهذا العنف وهذه الكراهية والحروب، على رغم صغره ووداعته وجماله الخلاب وطبيعته الآسرة التي حولتها السياسة الى أرض قاحلة خالية من “الحياة”.
في لبنان، نعيش كأننا على موعدٍ دائم مع التعب والقلق والخوف، الى درجة تصبح معها خطواتنا ثقيلة وعقولنا مشوّشة. نستيقظ على فاتورة، وننام على خبر، وبين هذا وذاك نركض خلف يومٍ لا يكفي أبداً. ننسى أن أجسادنا ليست آلات، وأن رؤوسنا المحمّلة بالقلق تحتاج، بين الحين والآخر، أن تُفرَّغ من ضجيجها. ولأننا اعتدنا أن نؤجّل كلّ الأشياء الجميلة: الفرح، الراحة، وحتى الأحلام… مفسحين في المجال فقط للهموم والمشاغل، صار السفر في أذهاننا بنداً كمالياً يأتي “بعدما تخلص الأقساط”، وبعد “في أولويات أهم” و”حرام نحط مصاري عايزين نصرفا بغير محل”…
حين يصبح التنفّس رفاهية
على الرغم من ذلك، ما الذي يحدث فينا حين لا نغادر أبداً؟ نتكلّس، تصدأ عقولنا ومشاعرنا، نتحوّل ببطء إلى أشخاص لا يعرفون سوى مساحةٍ واحدة، ولونٍ واحدٍ من الهمّ. الخوف يضيّق علينا الدنيا، فنظنّ أن العالم كلّه يشبه ضائقتنا، وأن لا مكان فيه إلا للركض والترقّب. ومع الوقت، نفقد حتى القدرة على تخيّل أن الحياة قد تكون مختلفة، أهدأ، أرحم، وأكثر راحة.
أنا لا أتحدّث هنا عن سياحة الفنادق الفخمة والمطاعم الفاخرة وتسوق الملابس الباهظة الثمن، ولا عن الصور الكثيرة التي نرصّها على حساباتنا في مواقع التواصل الاجتماعي. وإنما أتحدّث عن فعلٍ أبسط وأعمق: أن نخرج من دائرتنا الضيّقة، ولو أياماً معدودة، لنرى بأمّ العين أن ثمة بلداناً ينام أهلها من دون أن يحسبوا المسافة بينهم وبين نهاية الشهر، حيث الفواتير والأقساط والمستحقات التي لا تنتهي، ومن دون أن يكونوا على موعد مع حرب جديدة أو مستنقع يضعنا فيه سياسيونا الفاسدون.
هناك… حيث الوقت يمشي بمَهل
خلال سفراتي القصيرة خلال الأعوام الأخيرة، كنت أجلس على مقاعد خشبية في حدائق وأماكن عامة، في مدن لا تعرفني ولا أعرفها، أراقب أطفالاً يلعبون من دون أن يرفع أحدهم رأسه نحو السماء كلّما مرّ صوت، ومسنين غير آبهين بالتقاعد والشيخوخة، وشباب مفعمين بالأمل غير مثقلين بكيفية تحقيق أحلامهم وأهدافهم. كنت أرى الناس تقف في طوابير طويلة من دون ضجيج وعصبية وأجسام مثقلة بالهموم، ينتظر كل واحد منهم أن يأتي دوره بهدوء وبدون تذمّر وكأنهم يتدربون على هذا الهدوء من الصغر.
في كل مرة كان يداهمني شعورٌ قاتل بالذنب: كيف لهؤلاء أن يعيشوا هكذا، ببساطة، فيما يحفظ ولداي أصوات الطائرات الحربية أكثر من أصوات العصافير ويخافان من أصغر الأصوات؟ كنت أبكي من دون أن يشعر من مَعي بذلك، لا حزناً فقط، بل لأنني تذكّرت فجأة أنني نسيتُ شكل الطمأنينة. هناك، الوقت يمشي بمهل، لا يركض كما يركض “هنا”. وحين كنت أعود، أعود أخفّ، وكأنني تركتُ بعضاً من أثقالي على تلك المقاعد.
إقرأوا أيضاً:
السفر ليس رفاهية… بل صيانةٌ للروح
قد يقول كثيرون: “ومن أين نأتي بالمال للسفر في بلدٍ التهمت مصارفه جنى العمر؟”، وهم محقونّ، ولن أكذب وأدّعي أن الأمر سهل. لكنّ السفر ليس بالضرورة طائرةً إلى أقاصي الأرض. أحياناً يكفي أن نعبر الحدود إلى بلدٍ قريب، أن نوفّر طوال العام لأيامٍ قليلة نسرقها لأنفسنا، أن نختار تجربةً صغيرة بدل عشرة أشياء لا نحتاجها أصلاً. ما أقصده أن نعامل السفر لا كترفٍ نتباهى به، بل كصيانةٍ ضرورية لأرواحنا المتعبة ولأجسامنا المدمّرة، تماماً كما نصلح سيّارتنا قبل أن تتعطّل بنا في منتصف الطريق.
ثمّ إن في المغادرة فائدةً لا تُقدَّر بثمن: أن نرى لبنان من بعيد. من هناك تتّضح الصورة أكثر؛ نكتشف كم نحبّ هذا البلد على رغم قسوته، وكم ظلمنا أنفسنا حين صدّقنا أن لا حياة خارج دائرة الخوف. نعود نحمل أفكاراً لم تكن لتخطر لنا، وطاقةً صغيرة قد تكفي لنكمل بضعة أشهر إضافية قبل أن نتعب من جديد.
مقاومةٌ بحقيبةِ يد
الأخطر مما نظنّ ليس أن نتعب، بل أن نعتاد التعب حتى نحسبه قدَراً. حين نصدّق أن المغادرة مستحيلة، وأن الفرح ليس لنا، وأن العالم ينتهي عند حدود قلقنا، نكون قد بدأنا نُطفئ شيئاً فينا في صمت. لذلك أرى في السفر، ولو مرّة في السنة، فعل مقاومةٍ صغيراً وصامتاً: مقاومةً للخدر، وللانكفاء، ولتلك الفكرة الخبيثة بأننا لا نستحقّ أن نتنفّس الصعداء، وبأننا لا نستحق الحياة بكل ما فيها من جمال. أن نحجز تذكرةً هو أن نقول لأنفسنا إننا ما زلنا أحياء، وإننا نستحقّ، ولو لأيام، أن نكون بشراً عاديين في مكانٍ عادي.
إقرأوا أيضاً:












