لا يحظى نهر الأولي بالشهرة التاريخية التي نالها نهر الليطاني بفعل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. فالليطاني يحضر في اجتياح العام 1978 في اسم العملية التي اختارها الإسرائيليون، والتي حملت إسم النهر (عملية الليطاني). وكان هدف العملية آنذاك طرد الفدائيين الفلسطينيين إلى شمال النهر. وهو النهر نفسه الذي تجاوزته إسرائيل في اجتياحها الثاني للبنان في العام 1982، وصولاً إلى بيروت. وهو نفسه النهر الذي ارتبط جغرافياً في العام 2006 بتطبيق القرار 1701، الذي ينص على أن تكون المنطقة الواقعة جنوب النهر خالية من أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. واليوم يجري الليطاني في مجراه التاريخي، ويحضر في الحرب الحالية التي تشنّها إسرائيل على لبنان، وهدفها كما تقول دفع “حزب الله” إلى شمال النهر.
مع أن الليطاني هو الحدّ المعلن لهدف إسرائيل من حربها الحالية، والذي يفترض أنه لا يتضمن أي نية معلنة للاحتلال أو الاستيطان، إلا أن اللافت أن نهر الأولي بات يحضر في أدبيات وتصريحات وتغريدات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الذي يهدد سكان مناطق جنوبية، آخرهم أهالي مدينة صور، بترك منازلهم والابتعاد عنها إلى شمال نهر الأولي. فلماذا الأوّلي وليس الليطاني؟ ولماذا في تهديده المناطق الجنوبية، لا يطلب من السكان بصلافته المعهودة، على غرار الضاحية، الابتعاد عن المنازل خمسمئة متر، قبل نسف بنايات عن بكرة أبيها؟ بل يطلب إليهم أن يقودوا عشرات الكيلومترات من صور أو القرى الحدودية إلى شمال مدينة صيدا، بوابة الجنوب اللبناني؟
في الواقع، يمكن العثور على نهر الأولي (الذي ينبع من جبل الباروك وجبل نيحا ويصب في البحر الأبيض المتوسط بعدما يقطع نحو 45 كيلومتراً) في الكثير من النقاشات التي سبقت إقامة الدولة الإسرائيلية في العام 1948، وهو ما يجعل الحديث عنه من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي مسألة خطيرة وحسّاسة، إذا أخذ القارئ بين السطور بالاعتبار، جنون بنيامين نتانياهو وحكومته اليمينية الاستيطانية.
إقرأوا أيضاً:
في كتاب رؤوفين إرليخ، “المتاهة اللبنانية: سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان من 1918 إلى 1959″(صادر بالعبرية في العام 2000 وبترجمة عربية في العام 2017)، يكتب ضابط الاستخبارات الإسرائيلي استناداً إلى وثائق ومحفوظات إسرائيلية، عن خطة كانت تراود دايفد بن غوريون (أول رئيس وزراء لإسرائيل)، لـ”اقتطاع منطقة جنوب لبنان حتى نهر الأولي وضمّها إلى إسرائيل”. أكثر من ذلك، يكشف الكاتب أن الرئيس اللبناني في عهد الانتداب الفرنسي إميل إده، أعرب لإلياهو إيلات(الديبلوماسي الإسرائيلي وأول سفير لإسرائيل في الولايات المتحدة عام 1948)، عن استعداده للسماح بتوطين مئة ألف يهودي بين صيدا وصور، أي جنوب نهر الأولي، وكانت هناك مساعٍ لإلحاق هذه المنطقة بالدولة اليهودية المنوي إقامتها، بعد العمل على إفراغها من سكانها الشيعة ونقلهم إلى العراق.
لكن بن غوريون عاد مع اسحق بن تسفي إلى ترسيم حدود بلادهما المنشودة على نحو “عقلاني ومتّزن” كما يقول المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند في كتابه “اختراع أرض إسرائيل”. فحدود الوعد التوراتي، بحسب الرجلين، كانت واسعة جداً، وغير قابلة للتحقق بشكل واقعي. أما حدود الوصايا التلمودية فكانت في المقابل ضيقة جداً ولا تتناسب مع خصائص البلاد الطبيعية ولا تلبّي احتياجات أمة كبيرة.
لهذا استقرّ بن غوريون وبن تسفي، بحسب ساند، على اعتماد حدود، يكون البحر المتوسط فيها من الغرب، ومن الشمال نهر الليطاني بين صور وصيدا(هنا تراجع بن غوريون عن خطته لضم جنوب لبنان حتى الأولي)، في الجنوب خط العرض المتصل بخط مائل من رفح حتى خليج العقبة، وفي الشرق الصحراء السورية.
طبعاً لم تتحقق أحلام بن غوريون بالدولة التي رسّم حدودها بالتمنّيات، لكن بعض هذه الأحلام لا تزال تراود متطرفين إسرائيليين، يرون في التوسع والاستيطان سبيلاً لتحقيق الحلم القديم، وتعزيز أمن إسرائيل. ولهذا فإن حضور نهر الأولي، بعد نهر الليطاني، في اللغة الإسرائيلية العسكرية الحالية، يجب أن يرنّ في الرؤوس جرس إنذار إلى احتمالات استيقاظ مخططات قديمة يحلم اليمين المتطرف بتطبيقها طالما أن الفرصة مؤاتية وآلة الدمار الإسرائيلية تعمل، بلا رادع، على نسف مدن بكاملها وتهجير مئات الآلاف، فيما تسجّل عائلات إسرائيلية أسماءها في قوائم الاستيطان في غزة التي تطلقها حركات صهيونية متطرفة في إسرائيل!
إقرأوا أيضاً:












