“يلا بريك أسبوعين”، يختصر هذا التعليق رؤية الأردنيين لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل، واستقبالهم الخبر بالنكات والفكاهات عن “استراحة ما بين الشوطين”.
وحين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن “تدمير الحضارة الإيرانية”، قام أحد المقاهي في محافظة إربد شمالي الأردن، بتقديم عرض على “الأرجيلة”، تحت إعلان “مشاهدة نهاية العالم مع نَفس أرجيلة”، وخلال أيّام الحرب تداول الأردنيون نكات حول “كلاسيكو الصواريخ”، بين إيران وإسرائيل فوق سماء الأردن.
في بداية شهر آذار/ مارس هدّدت إيران بضرب السفارة الأميركية في الأردن، فأعلنت السفارة إخلاء مبناها الضخم، ووجّه الأمن العامّ تحذيرات للأهالي المقيمين حول السفارة، إلا أن العديد من السكّان والصحافيين تجمّعوا حول السفارة بانتظار استهدافها.
فيما وثّق أحد المواطنين في منطقة القسطل في عمّان، سقوط صاروخ، وبدأ يتحدّث عن سعره في السوق وبكم يجب أن يبيعه، وفي مكان آخر ووسط تحذيرات الأمن العامّ من الاقتراب من أيّ جسم غريب، التقط أحد المواطنين مقطع فيديو وهو يتفقّد صاروخاً سقط في السلط.
وفي مشهد متكرّر تجمهر الناس حول بقايا صاروخ في منطقة الزرقاء، وهو مشهد يمكن رؤيته في مختلف محافظات المملكة التي تسقط فيها الشظايا، فبينما تدوّي صفّارات الإنذار معلنةً بدء الخطر يتّجه الناس إلى النوافذ وأسطح المنازل، والبعض تصل به الحال للتوجّه إلى المطلّات بحثاً عن الصواريخ والشظايا، ومراقبتها بفرح خالٍ من الخوف.
هذا ما دفعنا إلى التساؤل عن سبب هذه الحالة من الفرح؟ هل هي مرتبطة بتوجّه الصواريخ إلى إسرائيل؟ أم أنها تُعنى بعدم استهدافها المباشر لعمّان؟ أو لأن الناس يرغبون في رؤية مشهد لم يعتادوه؟ أو لأسباب أُخرى؟
لماذا يسعدون بمشاهدة الصواريخ؟
في ظلّ التصعيد الأمني المتكرّر، يعيش سكّان الأردن يومياتهم وسط أصوات صفّارات الإنذار؛ إذ تتباين ردود الفعل بين الخوف والقلق من جهة، والتأقلم أو التوكّل على الحماية الإلهية من جهة أخرى، فبعض المواطنين يواصلون أعمالهم وتنقّلاتهم اليومية رغم المخاطر، بينما يرى آخرون في متابعة المشاهد الميدانية للصواريخ وسيلة للتعبير عن مشاعرهم ومواقفهم حيال الأحداث.
تتّجه حياة معتوق يومياً من منزلها الواقع قرب السفارة الأميركية إلى منطقة دابوق، لتمشي بحثاً عن وسيلة مواصلات، خلال عودتها إلى المنزل الذي يصادف في مرّات كثيرة دويّ صفّارات الإنذار، عبّرت عن موقفها إزاء خروجها للعمل والتنزّه دون قلق من الصواريخ، بقولها إن الإنسان “لا يموت قبل أوانه”، وإن “الحماية الإلهية تظلّ حاضرة في مختلف الظروف”، وأضافت “حتى في حال وقوع الموت، فإن ذلك يُنظر إليه بوصفه شهادة”، مشيرة إلى أن “تكرار الأحداث القاسية والمشاهد اليومية الصعبة أسهم في تآكل المشاعر”، بحيث لم تعد تشعر بـ”الخوف أو حتى بالحماسة والحبّ كما في السابق”، مؤكّدة أنها تمضي في حياتها مستعينة بإيمانها.
فيما يقول عبدالله خالد إن “مشاهدة الصواريخ تُثير لدى البعض شعوراً بالارتياح، خصوصاً عندما تُوجّه ضدّ إسرائيل”، معتبراً أنه شخصياً يتابع هذه المشاهد “لما تثيره من شعور بالفرح لدرجة معيّنة”، ويقول إنه عند تنقّله من عجلون إلى عمّان كان ينوي “التوجّه إلى موقع محدّد لمتابعة القصف”.
ورغم إدراكه المخاطر، يؤكّد أنه يشعر بـ”الخوف من احتمال سقوط صاروخ”، لكنّه يربط ذلك بالقضاء والقدر، مؤمناً أن “ما كتب الله لنا فقط هو ما سيصيبنا”، مشيراً إلى ثقته العالية بـ”القوّات المسلّحة، خاصّة سلاح الجو وجاهزيته”، معتبراً أن “ذلك يمنح المواطنين شعوراً بالأمان، وأن أغلب الناس لا يشعرون بالخوف أثناء متابعة الصواريخ، لأنهم مطمئنّون إلى وجود قوّات كاملة تعمل على صدّ الصواريخ، وحماية المدنيين وضمان استمرار حياتهم بأمان”.
ولعلّ الواقع المشحون لعب دوراً في عدم خوف الناس الذين اعتادوا على العيش في منطقة مأزومة وممتلئة بالأحداث والنزاعات، خاصّة وأنهم عاشوا وجرّبوا أصوات الصفّارات أثناء جائحة كورونا؛ لذا ربما هو نوع من الاعتياد.
من جانبها توضح هديل سمير أن “عدم خوف الناس الظاهر من صفّارات الإنذار لا يعني الاستهتار، بل هو نتيجة تراكم تجارب وضغط نفسي طويل وطرق تكيّف مع واقع متوتّر، تبدأ قصّتها مع جائحة كورونا، عندما كانت أصوات الصفّارات صادمة ومخيفة، لكنّ مع التكرار أصبحت مألوفة إلى حدّ ما، ما ساعد الناس على إدارة خوفهم بدل الاستسلام له”.
وتشير إلى أن هذا التكيّف “يظهر في التفاصيل اليومية؛ استمرار حركة الناس في الشوارع، والعمل، والمقاهي، رغم الصفارات، ليس لغياب الخوف، بل بسبب غياب توجيه واضح حول كيفية التصرّف، ورغبة ضمنية بالحفاظ على شكل الحياة الطبيعي”.
وترى أن “بعض الناس يخفّفون إدراكهم الخطر لتستمرّ حياتهم اليومية، في حين أن تراكم المشاهد المؤلمة في السياق الإقليمي، كما حدث في غزّة، يخلق مشاعر معقّدة، منها شعور بالارتياح اللحظي عند إطلاق الصواريخ باتجّاه إسرائيل أو اعتراضها”، مؤكّدة أن “الإيمان والتسليم بما كتب الله يساهم في تجاوز القلق، لكنّه أحياناً يقلّل من الالتزام بالإجراءات الوقائية”.
الفكاهة كحماية
وتعّد الفكاهة نوعاً من الدفاع عن النفس، واستراتيجية تكيفية تساعد على تخفيف التوتّر والتعامل مع المواقف الصعبة أثناء الحوادث المتوتّرة مثل الأوبئة أو الأزمات العامّة، كما أنها تُستخدم كآليّة لإدارة القلق والضغط النفسي، وكوسيلة للتعبير عن المقاومة أو لتخفيف التوتّر الجماعي. ويمكن للفكاهة أن تزيل الحواجز وتجعل كلّ طرف أقلّ دفاعية، وفي حالات النزاع فإن إدخال الفكاهة في الموقف يمكن أن يكسر التوتّر، ويمنح كلّ طرف فرصة لاكتساب منظور أفضل.
وتُشير الدكتورة لورا مارتن أستاذة السياسة والعلاقات الدولية في جامعة نوتنغهام، إلى أن “فهم سلوك الأفراد في أوقات النزاع لا يقتصر على الخوف والقلق، بل يتجاوز ذلك ليشمل أنماطاً معقّدة من التكيّف النفسي والاجتماعي”.
وتوضح، استناداً إلى أبحاثها، أن “حضور الفكاهة والضحك في سياقات العنف ليس أمراً طارئاً، بل يعكس تداخل الحياة اليومية مع ظروف النزاع، حيث يستمرّ الناس في ممارسة حياتهم رغم التوتّر، ويطوّرون وسائلهم الخاصّة للتعامل مع الواقع المضطرب”.
وتبيّن مارتن أن “الفكاهة تلعب دوراً مهمّاً في تخفيف التوتّر، وإتاحة مساحة للحديث عن التجارب الصعبة بهدوء، كما تُستخدم النكات لاستحضار الأحداث العنيفة ضمن سياق يومي، بما يعكس نوعاً من التكيّف أو التصالح مع الخوف”، لافتة إلى أن هذه الممارسات “لا تعني غياب القلق، بل تشير إلى إعادة تشكيله وإدارته؛ إذ يمزج الأفراد بين مشاعر الخطر واستمرار الحياة”.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم سلوك بعض الناس في الأردن، الذين يتعاملون مع الصواريخ أو صفّارات الإنذار بنوع من المزاح أو اللامبالاة الظاهرة، بوصفه تعبيراً عن آليّة نفسية للتكيّف، وليس بالضرورة استهانةً بالمخاطر.
فيما يجادل الباحث شارلس شاو بأنه بدلاً من اعتبار الفكاهة مجرّد وسيلة للهروب من الجوانب الجادّة للحرب، فإن “الضحك لغة تعبيرية عميقة لمعالجة مشاعر الخطر والعنف والفقدان؛ وإن كانت محفوفةً بالمخاطر ، يجب توجيهها نحو العدو واستثمارها”.
ومن خلال أمثلة من التجربة السوفييتية، يوضح الباحث كيف استُخدم الضحك للتعبير عن فكرة “الحرب العادلة” بين الخير والشرّ، وكأداة لدمج جماعات مختلفة، وتعزيز الوحدة الوطنية وروح الانتماء، كما يبيّن كيف لجأ المدنيون والجنود إلى الفكاهة كوسيلة للتكيّف والمقاومة وفهم واقع الاحتلال والعنف.
ورغم أن التحليل ينطلق من السياق السوفييتي، يُظهر كيف تجاوز الضحك الحدود والجبهات، مقترحاً اعتباره مدخلاً جديداً لقراءة تاريخ عالمي للحرب يجمع بين سياقات وجغرافيات غالباً ما تُدرس بشكل منفصل.
وفي مقال لصوفيا ماكلينن أستاذة الشؤون الدولية والأدب المقارن في جامعة ولاية بنسلفانيا، وسرديا بوبوفيتش مؤسّس “مركز العمل اللاعنفي والاستراتيجيات” (CANVAS)، يشيران إلى أن ما يُعرف بـ”الضحك النضالي” يشكّل “أحد أشكال المقاومة غير التقليدية”، حيث تتحوّل الفكاهة إلى أداة فعّالة لتقويض هيبة السلطة وكشف تناقضاتها.
الفكاهة في الأردن
وبالعودة إلى الأردن فإن الضحك لا يختلف عن كونه أداة للتكيّف مع الظروف المحيطة، وواحداً من أكثر الطرق فعّالية للتعامل مع الظروف.
وتُفسّر الدكتورة شروق أبو حمّور الخبيرة الاجتماعية ومستشارة تطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية، جانباً من سلوك الأردنيين في التعامل مع مشاهد الصواريخ وصفّارات الإنذار، من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة نفسياً واجتماعياً، مشيرة إلى أن “مستوى الثقة المرتفع لدى المواطنين بالمؤسّسات العسكرية والقيادة يلعب دوراً أساسياً في تقليل الشعور بالخطر، إلى جانب ارتباطهم بمنظومة تربوية تُعلي من قيم الشجاعة وعدم إظهار الخوف، حيث يتحوّل هذا السلوك، في بعض الأحيان، إلى شكل رمزي من الردّ على التهديدات”.
وفي السياق ذاته، تُظهر النكات والمزاح واستعراض الجرأة بوصفها آليّات نفسية تُستخدم للتخفيف من القلق والتوتّر، وليس دلالة على غياب الخوف بقدر ما هي محاولة لإدارته، وتلفت أبو حمّور إلى أن “إدراك الخطر يرتبط أيضاً بطبيعة ما يراه الناس على أرض الواقع؛ فالجمهور يميل إلى التأثّر بالمشاهد المرئية أكثر من التحذيرات النظرية، ومع غياب صور متكرّرة لأضرار بشرية واسعة، يبقى الإحساس بالتهديد محدوداً نسبياً”.
وتقول إن “ظواهر مثل جمع مخلّفات الصواريخ وبيعها، بما فيها الألمنيوم، تحمل دلالات مزدوجة؛ فهي من جهة رسالة رمزية تعكس قدرة الناس على تحويل أدوات الضرر إلى منفعة، ومن جهة أخرى تعبير عن الحاجة الاقتصادية ومحاولة استثمار الفرص، حيث يرى البعض في هذه الممارسات شكلاً من الحيلة والقدرة على تحقيق دخل من واقع استثنائي”.
وتختلف ردود الفعل بين شعب وآخر، لكن ممّا لا شكّ فيه هو أن الفكاهة وسيلة دفاعية في وجه عالم مأزوم وممتلئ بالتناقضات والقسوة، غير أن النجاة تتطلّب طرقاً مختلفة لاستمرارية العيش فيه والتكيّف معه.
وكان الناطق باسم مديرية الأمن العامّ عامر السرطاوي، أعلن أن المديرية تعاملت مع 585 بلاغاً لحوادث سقوط بقايا صواريخ وشظايا في مختلف محافظات المملكة، وأسفرت عن 28 إصابة، وُصفت معظمها بالطفيفة، فيما غادر جميع المصابين المستشفيات، وتسببت أيضاً بأضرار مادّية شملت 59 منزلاً و31 مركبة، إلى جانب 16 حادثاً طال ممتلكات عامّة.










