ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لننهزم قليلاً… لعلّ في الهزيمة نجاة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قد ننهزم في الدولة، وهو ما لا يمكن إغفاله ولا إنكاره، خصوصاً وأن لا ضمانات بين أيدينا. لكنّ الهزيمة بالدولة، وبأقلّ قدر ممكن من الدماء، هي اليوم أفضل بكثير من لا دولة يتكثّف غيابها في دماء تسيل على الأرصفة، أو تجفّ تحت حطام الأبنية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هذا الاندهاش الدائم من إجرام عدو نعلم جيّداً، وعلى مدى عقود، حجم الإجرام ومخزونه لديه. عدو لا يتوانى عن استهداف كل أشكال الحياة، ولن يرحم. يرتكب الجريمة تلو الجريمة، يراكمها فوق بعضها علّه يبني قلعة شرّ عصيّة. عدو وقّع بحبر دم الكثير من الأبرياء على جريمته حين أمعن في قصف مستشفيات ومدارس ومناطق مكتظّة بالمدنيين. هذا درس غزّة واضح، هذا درس كل الجرائم العابرة للعقود، الذي لم ينل الزمن من ذاكرتنا فيما يخصّه حتى الساعة.

عدو مدجّج بكل أنواع التكنولوجيا، ومن شرّه إراقة الدماء. هل سينكفئ أم سيتورّع عن استهداف مناطق سكنية مكتظّة بمجموعات لا حصر لها من الأبرياء الذين لا علاقة لهم بأي قتال؟ هل سيتورّع عن تكثيف الجريمة فوق الجريمة ليثبت للجميع أنه الشرّ حين يكمن في شكل أفراد أو مؤسّسة؟ بالطبع لا. فهل نكتفي بالتسطّح في توصيف الإجرام؟ ماذا ننجز بذلك؟ هل بتكرار الكلام نفسه نقترب من أي إمكانيّة للحلول؟

كلنا نعرف هذا الإجرام ونحفظه عن ظهر قلب. ولأننا نعرفه جيّداً، ونعرف صلافته، ونعرف مدى طمعه وشرهه، ومدى القدرة التدميرية لديه، ولأننا نعرف كميّة اختراقاته، لا بدّ من مقاربته بشكل مغاير، يُعيد ترتيب الآليّات التي قد تسمح بنخره، لا بدّ من محاولة تجريده مما يتفوّق به علينا.

كيف ذلك؟ هذا هو السؤال الأهمّ اليوم. سؤال السياسة، الإمكان، المشروعية. السؤال المتمحور حول اكتشاف وفتح ما تبقّى من ثغرات ممكنة علّها تقينا من الموت والدمار. فالواقعية تقتضي، في بديهياتها، إدراك الكارثة التي تحلّ بنا. بعيداً عن أي منحى رومانسي لصاروخ يرتفع صوته إلى مستويات لا تقترب منها قدرته التدميرية. هذا كله ليس إلا بعض محاولات تجميل “انتصار” خلّبي من هنا أو من هناك.

لكن المشكلة ليست هنا فقط. أما وأن هذا الخطاب مرفوض، ويُعدّ انهزاماً، فلا بأس. خطاب الهزيمة هو خطاب المهزومين. نحن مهزومون، إن لم يكن بالفعل فبالقوّة. إن لم يكن اليوم ففي الغد. فعدم الاعتراف بالهزيمة ليس إلا محاولة لتأبيدها، تقوقع فيها عن سابق تصوّر وتصميم.

نحن مهزومون داخلياً قبل أن نكون خارجياً: حين نقاتل عن غيرنا، وحين نرتبط أيديولوجياً بمن يمكث خلف الحدود ويسعى لتحقيق مصالحه على حساب مصالحنا.
ومهزومون أيضاً حين نرتضي بالغيب أداة للتفكير، وحين سقطنا في مشروع بناء دولة تدافع عن ناسها. وطبعاً، وأبداً، حين لم نعمل على الإطاحة بالمتاريس المرفوعة بين الناس.

 مهزومون حين نرتضي بالتكاذب الوطني الجامع، وحين نقاتل من أجل كل قضايا الكون إلا قضايانا، بدل أن نقف أمام صدق الانقسام والاهتراء. مهزومون حين قرّرنا، وبكل بساطة، أن نستبدل الأساتذة أصحاب الخبرات بمجموعة مصفّقين، حين ارتضينا تدمير المجتمع من داخله قبل أن يأتي أي آخر لاستغلال هذا الحطام.

اليوم لا بدّ من إعادة طرح كل أنواع الأسئلة وأشكالها، فالأجوبة لا صدى لها سوى الإمعان في مشاهدة القتل والدمار. الأجوبة السهلة ليست إلا إنكاراً، خصوصاً تلك التي نستدعيها من ثلاجات المواقف الباهتة، ونتعامل معها وكأن الزمن ما زال متوقفاً عند لحظة تخزينها. هذا كله ليس إلا مراوحة، ليس إلا محاولة إحصاء للصواريخ المتساقطة على وعد تلوين الدماء السائلة.

إن كان لا بدّ من الاعتراف، فلنعترف بالهزيمة. لنرتضِ أن نرى الواقع بعيون الواقع، بعيون الانكسار والبؤس، وأن ما نحلم به ونطمح إليه لا مجال حتى لذكره. لنرتضِ بما خالف ويخالف قناعاتنا علّنا ننقذ بعض الأرواح. لننهزم قليلاً اليوم بصدق، بدل أن نخطّ انتصارات زائفة بحبر دماء المدنيين الآمنين.

كيف يمكن ذلك؟ هناك الكثير من الاحتمالات التي لا تعني الاستسلام المباشر بالضرورة، ولا تعني الوقوف في وجه آلة القتل التي تشرّع صدورنا أمام كل محاولات السقوط. الانهزام أمام دولة لبنانية لا هي بالدولة التي نطمح إليها، ولا هي بالمؤسّسة التي نتمناها بالتعريف. الانهزام قليلاً اليوم أمام واقع يحاصر كل أيديولوجيا، ليس حبّاً به، بل محاولة لفتح كوّة في جدار التعامل معه.

فالدولة لم تكن يوماً مؤسّسة نتمناها على مستوى الانتظام الاجتماعي، خصوصاً وأنها ليست إلا بقايا جهاز لطالما رفضناه كونه أداة طيّعة في أيدي من يمسك زمام المبادرة، أو بالأحرى من يمسك السلطة في الداخل وفي الخارج. لكن هذه الدولة، بكل عجزها، هي اليوم أقلّ الشرور. الدولة العرجاء، الخرساء، الدولة المنبطحة، الدولة الحطام، أو لنقل الحطام الذي على هيئة دولة لا نريدها، هي ما يفترض أن نريده اليوم. ليس لشيء إلا لأنها صلة الوصل الوحيدة بيننا وبين أي إمكان.

قد ننهزم في الدولة، وهو ما لا يمكن إغفاله ولا إنكاره، خصوصاً وأن لا ضمانات بين أيدينا. لكنّ الهزيمة بالدولة، وبأقلّ قدر ممكن من الدماء، هي اليوم أفضل بكثير من لا دولة يتكثّف غيابها في دماء تسيل على الأرصفة، أو تجفّ تحت حطام الأبنية. هذا الانكسار التكتيكي هو كل ما نملك اليوم. الانكسار المؤقّت، الانكسار الموضعي أمام ما لا نتمنّاه أفضل من الانكسار أمام ما يتمنّاه غيرنا.

هل يمكن تحقيق ذلك بالتحلّي بالقليل من الجرأة؟ هل يمكن العضّ على الجرح لكي نتفادى الإصابة في مقتل؟ هل لدينا رفاهية الانتقاء من تعريفات الدول ونحن أعجز من أن نؤمّن المهجّرين قسراً في الأزقّة والمدارس؟ هل لنا فرصة الاختيار بين طبيعة الدول، لكي يكون لنا رفاهية تحبيذ هذه عن تلك، كون الدولة بكل علّاتها الإمكان الوحيد لتأمين ما نحتاج إليه بالحدّ الأدنى؟

كل ذلك رفاهية أمام رائحة الدم وتكدّس الجثث. فالحاجة اليوم هي لوقف القتل والدمار، الأولوية اليوم لبقاء الناس في أرضهم، الأولوية اليوم للتضحية بكل المفاهيم والعناوين العريضة أمام البقاء والاستمرار. لعلّ ذلك يُكسبنا بعض الاستطاعة في تلقّف ما قد يأتي لاحقاً، إن كان لهذا اللاحق أن يأتي.

Bassel Saleh
لبنان
23.03.2026
زمن القراءة: 4 minutes

قد ننهزم في الدولة، وهو ما لا يمكن إغفاله ولا إنكاره، خصوصاً وأن لا ضمانات بين أيدينا. لكنّ الهزيمة بالدولة، وبأقلّ قدر ممكن من الدماء، هي اليوم أفضل بكثير من لا دولة يتكثّف غيابها في دماء تسيل على الأرصفة، أو تجفّ تحت حطام الأبنية.

هذا الاندهاش الدائم من إجرام عدو نعلم جيّداً، وعلى مدى عقود، حجم الإجرام ومخزونه لديه. عدو لا يتوانى عن استهداف كل أشكال الحياة، ولن يرحم. يرتكب الجريمة تلو الجريمة، يراكمها فوق بعضها علّه يبني قلعة شرّ عصيّة. عدو وقّع بحبر دم الكثير من الأبرياء على جريمته حين أمعن في قصف مستشفيات ومدارس ومناطق مكتظّة بالمدنيين. هذا درس غزّة واضح، هذا درس كل الجرائم العابرة للعقود، الذي لم ينل الزمن من ذاكرتنا فيما يخصّه حتى الساعة.

عدو مدجّج بكل أنواع التكنولوجيا، ومن شرّه إراقة الدماء. هل سينكفئ أم سيتورّع عن استهداف مناطق سكنية مكتظّة بمجموعات لا حصر لها من الأبرياء الذين لا علاقة لهم بأي قتال؟ هل سيتورّع عن تكثيف الجريمة فوق الجريمة ليثبت للجميع أنه الشرّ حين يكمن في شكل أفراد أو مؤسّسة؟ بالطبع لا. فهل نكتفي بالتسطّح في توصيف الإجرام؟ ماذا ننجز بذلك؟ هل بتكرار الكلام نفسه نقترب من أي إمكانيّة للحلول؟

كلنا نعرف هذا الإجرام ونحفظه عن ظهر قلب. ولأننا نعرفه جيّداً، ونعرف صلافته، ونعرف مدى طمعه وشرهه، ومدى القدرة التدميرية لديه، ولأننا نعرف كميّة اختراقاته، لا بدّ من مقاربته بشكل مغاير، يُعيد ترتيب الآليّات التي قد تسمح بنخره، لا بدّ من محاولة تجريده مما يتفوّق به علينا.

كيف ذلك؟ هذا هو السؤال الأهمّ اليوم. سؤال السياسة، الإمكان، المشروعية. السؤال المتمحور حول اكتشاف وفتح ما تبقّى من ثغرات ممكنة علّها تقينا من الموت والدمار. فالواقعية تقتضي، في بديهياتها، إدراك الكارثة التي تحلّ بنا. بعيداً عن أي منحى رومانسي لصاروخ يرتفع صوته إلى مستويات لا تقترب منها قدرته التدميرية. هذا كله ليس إلا بعض محاولات تجميل “انتصار” خلّبي من هنا أو من هناك.

لكن المشكلة ليست هنا فقط. أما وأن هذا الخطاب مرفوض، ويُعدّ انهزاماً، فلا بأس. خطاب الهزيمة هو خطاب المهزومين. نحن مهزومون، إن لم يكن بالفعل فبالقوّة. إن لم يكن اليوم ففي الغد. فعدم الاعتراف بالهزيمة ليس إلا محاولة لتأبيدها، تقوقع فيها عن سابق تصوّر وتصميم.

نحن مهزومون داخلياً قبل أن نكون خارجياً: حين نقاتل عن غيرنا، وحين نرتبط أيديولوجياً بمن يمكث خلف الحدود ويسعى لتحقيق مصالحه على حساب مصالحنا.
ومهزومون أيضاً حين نرتضي بالغيب أداة للتفكير، وحين سقطنا في مشروع بناء دولة تدافع عن ناسها. وطبعاً، وأبداً، حين لم نعمل على الإطاحة بالمتاريس المرفوعة بين الناس.

 مهزومون حين نرتضي بالتكاذب الوطني الجامع، وحين نقاتل من أجل كل قضايا الكون إلا قضايانا، بدل أن نقف أمام صدق الانقسام والاهتراء. مهزومون حين قرّرنا، وبكل بساطة، أن نستبدل الأساتذة أصحاب الخبرات بمجموعة مصفّقين، حين ارتضينا تدمير المجتمع من داخله قبل أن يأتي أي آخر لاستغلال هذا الحطام.

اليوم لا بدّ من إعادة طرح كل أنواع الأسئلة وأشكالها، فالأجوبة لا صدى لها سوى الإمعان في مشاهدة القتل والدمار. الأجوبة السهلة ليست إلا إنكاراً، خصوصاً تلك التي نستدعيها من ثلاجات المواقف الباهتة، ونتعامل معها وكأن الزمن ما زال متوقفاً عند لحظة تخزينها. هذا كله ليس إلا مراوحة، ليس إلا محاولة إحصاء للصواريخ المتساقطة على وعد تلوين الدماء السائلة.

إن كان لا بدّ من الاعتراف، فلنعترف بالهزيمة. لنرتضِ أن نرى الواقع بعيون الواقع، بعيون الانكسار والبؤس، وأن ما نحلم به ونطمح إليه لا مجال حتى لذكره. لنرتضِ بما خالف ويخالف قناعاتنا علّنا ننقذ بعض الأرواح. لننهزم قليلاً اليوم بصدق، بدل أن نخطّ انتصارات زائفة بحبر دماء المدنيين الآمنين.

كيف يمكن ذلك؟ هناك الكثير من الاحتمالات التي لا تعني الاستسلام المباشر بالضرورة، ولا تعني الوقوف في وجه آلة القتل التي تشرّع صدورنا أمام كل محاولات السقوط. الانهزام أمام دولة لبنانية لا هي بالدولة التي نطمح إليها، ولا هي بالمؤسّسة التي نتمناها بالتعريف. الانهزام قليلاً اليوم أمام واقع يحاصر كل أيديولوجيا، ليس حبّاً به، بل محاولة لفتح كوّة في جدار التعامل معه.

فالدولة لم تكن يوماً مؤسّسة نتمناها على مستوى الانتظام الاجتماعي، خصوصاً وأنها ليست إلا بقايا جهاز لطالما رفضناه كونه أداة طيّعة في أيدي من يمسك زمام المبادرة، أو بالأحرى من يمسك السلطة في الداخل وفي الخارج. لكن هذه الدولة، بكل عجزها، هي اليوم أقلّ الشرور. الدولة العرجاء، الخرساء، الدولة المنبطحة، الدولة الحطام، أو لنقل الحطام الذي على هيئة دولة لا نريدها، هي ما يفترض أن نريده اليوم. ليس لشيء إلا لأنها صلة الوصل الوحيدة بيننا وبين أي إمكان.

قد ننهزم في الدولة، وهو ما لا يمكن إغفاله ولا إنكاره، خصوصاً وأن لا ضمانات بين أيدينا. لكنّ الهزيمة بالدولة، وبأقلّ قدر ممكن من الدماء، هي اليوم أفضل بكثير من لا دولة يتكثّف غيابها في دماء تسيل على الأرصفة، أو تجفّ تحت حطام الأبنية. هذا الانكسار التكتيكي هو كل ما نملك اليوم. الانكسار المؤقّت، الانكسار الموضعي أمام ما لا نتمنّاه أفضل من الانكسار أمام ما يتمنّاه غيرنا.

هل يمكن تحقيق ذلك بالتحلّي بالقليل من الجرأة؟ هل يمكن العضّ على الجرح لكي نتفادى الإصابة في مقتل؟ هل لدينا رفاهية الانتقاء من تعريفات الدول ونحن أعجز من أن نؤمّن المهجّرين قسراً في الأزقّة والمدارس؟ هل لنا فرصة الاختيار بين طبيعة الدول، لكي يكون لنا رفاهية تحبيذ هذه عن تلك، كون الدولة بكل علّاتها الإمكان الوحيد لتأمين ما نحتاج إليه بالحدّ الأدنى؟

كل ذلك رفاهية أمام رائحة الدم وتكدّس الجثث. فالحاجة اليوم هي لوقف القتل والدمار، الأولوية اليوم لبقاء الناس في أرضهم، الأولوية اليوم للتضحية بكل المفاهيم والعناوين العريضة أمام البقاء والاستمرار. لعلّ ذلك يُكسبنا بعض الاستطاعة في تلقّف ما قد يأتي لاحقاً، إن كان لهذا اللاحق أن يأتي.