من بين بؤساء فيودور دوستويفسكي الأشد شقاء؛ وما أكثرهم، هم فلاحو روسيا القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. قارئ روايات دوستويفسكي لن ينسى بلا شك، وصفه الدقيق لحياة الفلاح الروسي المعزول تماماً والمفقر والبائس إلى أبعد الحدود، والخارج للتو من نظام القنانة في ذلك الوقت.
كان عالم ذلك الفلاح لا يتعدى السعي اليومي المضني إلى تحصيل أدنى ما يمكنه الوصول إليه للبقاء، مجرد البقاء على قيد الحياة فقط. على الرغم من هذا، نجد حياته الروحية محاطة بالأيقونات؛ أيقونات القديسين والشهداء، ورزنامته زاخرة بمواعيد أعياد أولئك القديسين والشهداء؛ شفعائه يوم ينتهي الظلم ويعود العدل ليعمّ العالم، ويرفع المستضعفين إلى المكانة التي استحقوها بصبرهم وإيمانهم. لم يُترك شيء لأولئك البؤساء حتى دَرْكِ الإٍفْقار الأدنى، شيء يجعل حياتهم تكتسب معنى ما، أي معنى، إلا ذلك الإيمان الذي لولاه لكان الموت أرحم من الحياة التي عاشوها.
لو فرضنا أن “مثقفاً” ما قفز في وجه واحد من أولئك البؤساء الورعين الوادعين الراضين بما قُسّم لهم، وقال له إن كل ما يؤمن به محض وهم؛ والحق أن “مثقفي” دوستويفسكي لا يفتقرون إطلاقا إلى الجلافة، في معظم الأوقات وفي كل الظروف، فلن يكون مستغرباً إن قتل هذا الرجل الورع المسالم ذلك “المثقف” على الفور.
“أيقونة” فلسطين
لو وضعنا المسالمة والورع والجلافة وفلاحي روسيا ومثقفيها جانباً، وأبقينا على الأيقونات، ونقلناها إلى البيئة العربية في القرن الواحد والعشرين، فلا أظنني أبالغ إن قلت إننا سنجد ما يعادل تلك الأيقونات مجتمعة في رمز واحد، أيقونة واحدة، وتمتلك التأثير السحري نفسه على “المؤمنين” جميعاً، البؤساء كفلاحي روسيا القيصرية في بلادنا، وما أكثرهم… إنها فلسطين.
هناك “تعويذة” يستخدمها “مؤمنو” المقاومة، من اليمين واليسار على حد سواء، عندما يتعلق الأمر بكارثة “7 أكتوبر” 2023، وهي أن ما حدث لم يكن بداية الحكاية بل كان مجرد واحدة من نتائجها، أما الحكاية فقد بدأت قبل هذا بكثير.
طبعاً التاريخ الذي يشير إليه الجميع، هو عشية النكبة 1948، هناك حيث تتموضع “أيقونتنا” مرتبطة بغير إمكانية لأي فكاك، بذلك “الحق” الذي سُلب منا جميعاً، وليس من الفلسطينيين وحدهم، ربما لهذا صارت فلسطين على مدار أجيال أكبر من الفلسطينيين أنفسهم.
بقيت فلسطين بـ”الحق السليب” وبمأساتها أيقونة معلقة على جدار أحزاننا، ومقارنة بأيقونة فلاحي روسيا البسطاء في القرن التاسع عشر، التي لم تفد؛ إنصافاً لمثقف دوستويفسكي لم تفد مطلقاً، إلا أنها لم تضرّ أيضاً، بينما “أيقونتنا” لم تفعل شيئاً سوى تدمير حياتنا أجيالاً بعد أجيال!
هذا التدمير بدأ مع منع أية محاولة فهم أو إدراك ولو أولية لحقيقة ما حدث في العالم كله، بعيد الخروج من كارثة الحرب العالمية الثانية، مروراً بانهيار أنظمة الحكم في دول الطوق (بالدرجة الأولى لبنان، الذي كان فعلاً فسحة أمل وتأجل انهياره إلى حرب أهلية كاملة) ووصول العسكر، فضلاً عن النخب التقليدية الحاكمة، على ظهور دباباتهم تحت شعار استعادة هذا “الحق” بالذات، وصولاً إلى ظهور جيل جديد من المناضلين / الميليشيات، الذين لا يمكنهم العيش من دون “قضية” يبيعونها لمن يدفع أكثر.
طيلة المسار الدموي الطويل، بقيت فلسطين سوطاً في يد من يمتلك القرار، بعدما انتزع القرار بالسلاح ممن سبقه وأبقاه حكراً له، ليجلد به أرواحنا، ويُبقينا كما فلاحي روسيا البؤساء، لا حول لنا ولا قوة، إلا ذلك “الإيمان” الذي لا يتزعزع بتلك الأيقونة/ السوط.
هناك “تعويذة” يستخدمها “مؤمنو” المقاومة، من اليمين واليسار على حد سواء، عندما يتعلق الأمر بكارثة “7 أكتوبر” 2023، وهي أن ما حدث لم يكن بداية الحكاية بل كان مجرد واحدة من نتائجها، أما الحكاية فقد بدأت قبل هذا بكثير.
لم نحاول أن نفهم أن ما حدث عشية نكبة 1948، كان نتيجة لتطور حدث في العالم كله. هناك مشكلة كبيرة، وهي القضية اليهودية، وحلّها فعلياً كان بدأ حتى قبل الحرب العالمية الثانية، منذ إعلان وعد بلفور في عام 1917.
لم يكن الحل الأمثل في نظر الغالبية الساحقة من اليهود في ذلك الوقت، ولكنه لم يلبث أن أصبح خياراً يكاد يكون وحيداً، بعد المحرقة المهولة التي تعرضوا لها في ألمانيا النازية. الحل، كان مذاك يسير باتجاه أن يكون على حسابنا، في فلسطين، وليس في كامل المنطقة.
مع ذلك، فصلت بين إعلان بلفور وتأسيس دولة إسرائيل 31 عاماً، لم يحاول خلالها الفلسطينيون، الضحايا المباشرون لحل ظالم كهذا فعلاً، أن يفهموا طبيعة الديناميكيات المحركة للفعل السياسي في العالم ما بين حربين كونيتين، أحرقتا الجميع تقريباً.
بل إن الأمر تطور لاحقاً، إلى الالتحاق بأحد المعسكرين المتحاربين في الحرب الثانية، وهو المعسكر نفسه الذي خسر الحرب، وخسرنا كل رهاناتنا معه.
من دون ذكر ما كان لذلك الخيار من أثر سيئ، ليس فقط على سمعة نضال مشروع وعادل للدفاع عن بلد بكامل سكانه، بل أيضاً على موقف كان يجب أن يكون أكثر إنسانية وعدلاً، طالما أنه كان يبتغي مخاطبة تلك الحساسيات المتعلقة بهذين المبدأين بالذات: الإنسانية والعدل، بصفتهما القوة الوحيدة، قوة الحق من دون قوسين هذه المرة، التي نمتلكها بين أيدينا.
وُضِعت حينها كل تلك القيم جانباً، لنجد مفتي القدس أمين الحسيني يزور مجرم الإبادة الجماعية الأشد هولاً في تاريخ العالم المعاصر، المجرم الذي ما زال العالم يلعنه حتى يومنا هذا، أدولف هتلر، زيارة دفع ثمنها غالياً، ثمن كان يمكن تفاديه لو قررنا أن نعيد النظر في كل سياساتنا، ذات الطابع الانفعالي، التي لا تفكر إلى أبعد من الخلاص من شر، بشرّ أشد هولاً منه.
فرصة جديدة لاحت، في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعبر مشروع التقسيم، الذي رُفض جملة وتفصيلاً. كنت في مراهقتي منتصف السبعينات، عندما سمعت أحد أصدقاء أبي يقول إننا ارتكبنا خطأ فادحاً في رفضنا هذه الفرصة الأخيرة، كنا بقينا في فلسطين، وعندما غادر، قلت لأبي كان عليك أن تطرد الرجل من البيت، لأنه خائن!
ربما، نحن أنفسنا، وبانعدام ثقتنا بأنفسنا، هذا المرض المزمن الذي لا نزال نعاني منه، حتى يومنا هذا بعد هزيمة الربيع العربي، ربما نحن من كان يريد لفلسطين أن تصبح تلك الأيقونة/ السوط، فتعاملنا مع تلك “المصيبة” بمبدأ كل شيء أو لا شيء، بينما كان من الممكن إيجاد الكثير من الحلول لها، لو امتلكنا ذرة من تلك الثقة، ونظرنا إلى العالم حولنا، وأردنا أن نتعلم ونفهم، لنعرف كيف نكمل طريقنا، كبشر وليس كضحايا.
ومن عادة البشر أن يوجدوا حلولاً وسطاً، لا يخسرون فيها كل شيء، وهم مدركون أنهم في كل الأحوال لن يكسبوا كل شيء. هذا كله من أجل حياة يجب أن تُعاش بالحد الأدنى من الضحايا، ومن دون أية ضحية، إن أمكن.
وها نحن، بعد 76 عاماً من النكبة التي لا نزال ندور في فلكها، ولم نستطع أن نخطو أية خطوة في أي اتجاه، بعيداً عن ذلك الجدار الذي علقت عليه أيقونتنا/ فلسطين. فمن هو الأكثر بؤساً بيننا، فلاحو روسيا القيصرية، أم فلسطينيو وعرب “القضية” التي تأبى أن تُحل، على رغم أنهار الدماء التي أسيلت في سبيلها؟
الاعتراف بالهزيمة
والآن، وأمام كل ما حدث، لا أظن أن لدينا سبيلاً للخروج من هذه الكارثة، إلا الاعتراف بأننا هُزمنا فعلاً، مع اعتراف يلحقه (ولو كان تحصيلاً حاصلاً في موازين قوى اليوم)، وهو أن لإسرائيل الحق بالوجود اكتسبته من قوة “النموذج” الذي استطاعت فرضه بقوة السلاح، وهو “دولة ديمقراطية يهودية”، تفاضل بين “مواطنة” حاملي جنسيتها بناء على عرقهم ودينهم.
لنمتلك الحجة في نقض نموذجهم غير العادل والعدائي، الى درجة الإبادة، تجاه محيطه المباشر، فمن باب أولى أن نبني نموذجنا نحن، الأكثر عدالة وإنسانية. وكي نصل إلى هذا، علينا أن نخرج بأنفسنا من تلك الدوامة التي لا يمكن أن تستمر إلا بالمزيد من الدماء. حيث دماؤنا نحن، تشكل النسبة الساحقة مما يُسفح، حتى هذه اللحظة.
الاعتراف الأخير، يعطينا الفرصة لنتنفس قليلاً، ولنضع خلفنا هزائمنا، كما يفعل كل المهزومين الذين يقررون أن يمضوا في حياتهم، عساهم يفلحون في جعل تلك الحياة، شيئاً جديراً بأن يعاش فعلاً.
لذلك، أجد نفسي غير راغب في العودة إلى حيفا، المكان الذي غادرته عائلتي مطرودة من فلسطين عشية النكبة. العودة غير ممكنة أصلاً، ولكن أسباب رغبتي في عدم العودة أشد بساطة من “التوازنات السياسية” في عالم لم نعثر لأنفسنا فيه على موطئ قدم بعد.
لماذا أعود ومن أجل من وماذا؟! مكاني، مدينتي، دمشق، التي حاولت تأسيس علاقتي معها بصفتي أحد أبنائها، وبعيداً عن مجرد كوني لاجئاً فيها، طيلة 52 عاماً عشتها هناك، فقدتها. حتى دمشق أخشى العودة إليها الآن، لأن الهمج الأسديين دمروها تماماً، تحت راية التحرير إياها، ولن أجد فيها أحداً أعرفه. حتى أولئك الذين عشت معهم عمراً هناك وتركتهم، أخاف أن أعود لأجدهم وقد صاروا آخرين تماماً. بينما في حيفا، لن أجد حتى تلك الخشية من شخص أو شيء كنت أعرفه وتغير… في حيفا، التي كنت أحلم بالعودة إليها دائماً، من دون أن أعرفها، لن أجد مكاناً أو أحداً أعرفه وتربطني به أية ذكريات، حتى ولو قدر لي زيارتها في يوم من الأيام، سأزورها كسائح يتعرف إلى مكان جديد، لم يعرفه من قبل.
أما الأيقونة التي كانتها تلك المدينة بصفتها جزءاً من فلسطين، فسأتركها معلقة على الجدار. في كل الأحوال، حتى الجدار نفسه تركته في دمشق، وأنا أهرب منها بحثاً عن حياة، تلك التي شاءت الظروف أن تمنحني، وتمنح كثراً منا، الفرصة لنعيشها حتى لا نبقى محاصرين بشقائنا الذي عشنا في ظله معظم سنوات أعمارنا. فرصة حتى لا نموت في ظل الشقاء نفسه لفلاح روسي بائس من القرن التاسع عشر، الذي مات من دون أن يدري بأنه لن يقابل أياً من شفعائه في يوم لن يأتي أبداً.
إقرأوا أيضاً:









