“لن أغادر طالما هناك إمكانية لإسعاف مصاب”. بهذه العبارة يختصر الجرّاح إبراهيم فرج موقفه من العمل الطبي في زمن الحرب. ليست المسألة، بالنسبة إليه، بطولة شخصية ولا قرارًا مهنيًا عابرًا، بل امتحان يومي لمعنى الطب نفسه: أن تبقى حين يصبح البقاء مخاطرة، وأن تواصل العمل حين تتحوّل المستشفيات إلى امتداد آخر لساحة الحرب.
يقول فرج: “لن أغادر لأني لن أرتكب خطأ ترك ساحة العمل في الأوقات العصيبة فأغدو من الفارين”. ثم يضيف ما يشبه الخلاصة الشخصية والمهنية معًا: “أنا من محبي الحياة، فكيف لي ألا أساعد من يرغب فيها؟”.
من هنا تبدأ الحكاية: من طبيب يستطيع الرحيل ولا يفعل. يعمل إبراهيم فرج في المستشفى اللبناني-الإيطالي في صور، في قلب منطقة ظلّت خلال الحروب الإسرائيلية المتعاقبة واحدة من أكثر المناطق انكشافًا على القصف والخطر.
عائلته خارج البلاد، وجنسيته الإيطالية في جيبه، والعروض المتاحة له مغرية. ومع ذلك، بقي في الجنوب. يشرح قراره بالقول: “بقائي مرتبط بشخصيتي أولًا، وبمبادئي التي تربيت عليها، وأخيرًا بواجبي المهني. كل الظروف مهيأة لي لترك الساحة، عائلتي خارج البلاد، جنسيتي الإيطالية في جيبي، العروض مغرية، لكن خياري دائمًا هو البقاء هنا في المحن والكوارث”. ثم يضيف: “البقاء هنا هو التزام أخلاقي ومبدئي وإنساني ومهني”.
هذا البقاء ليس جديدًا على فرج. فهو يعرّف عن نفسه من خلال مسار طويل في مستشفيات الجنوب، لا من خلال اختصاصه فقط: “اسمي إبراهيم فرج، اختصاصي جراحة عامة وجراحة طوارئ، خريج جامعة جنوى في إيطاليا. مكثت في كل الحروب في مستشفيات الجنوب، منذ عامَي 1993 و1996، مرورًا بعامي 2000 و2006، ووصولًا إلى 2024 و2026”. بهذا المعنى، لا يتحدث فرج عن حرب واحدة، بل عن ذاكرة طبية متراكمة، وعن بلد يختبر أطباءه ومسعفيه مع كل جولة قصف جديدة.
في الحروب، تُروى الحكايات غالبًا من خطوط النار: من مواقع الاشتباك، ومن بيانات الجيوش، ومن حسابات السياسة. لكن هناك جبهة أخرى أقل صخبًا وأكثر قسوة: غرف الطوارئ، ممرات المستشفيات، طاولات العمليات، وسيارات الإسعاف التي تتحرك تحت الخطر. هناك، لا تُقاس الحرب فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بعدد الأجساد التي تصل في وقت واحد، وبالقرارات التي يجب اتخاذها خلال دقائق، وبالقدرة على إنقاذ من يمكن إنقاذه وسط ضغط هائل وموارد محدودة.
في لبنان، لم يعد القطاع الصحي مجرد قطاع متأثر بالحرب، بل بات جزءًا من خارطة الخطر والاستهداف. فالمشكلة لا تقتصر على أن المستشفيات تعمل في ظروف صعبة، بل على أن الطواقم الطبية والإغاثية نفسها تتحرك تحت تهديد مباشر: مسعفون يُقتلون أثناء الاستجابة، سيارات إسعاف تتعرض للضرب أو الضرر، مراكز دفاع مدني تُستهدف، مستشفيات تُصاب بأضرار أو تُغلق، وطرق حيوية تُقصف بما يعرقل وصول الجرحى إلى العلاج.
وفق منظمة الصحة العالمية، بلغت الحصيلة التراكمية منذ 2 آذار/ مارس 2026 حتى 30 نيسان/ أبريل 2586 قتيلًا و8020 جريحًا في لبنان. كما وثّقت المنظمة، عبر نظام رصد الهجمات على الرعاية الصحية، 103 قتلى و234 جريحًا في هجمات طاولت القطاع الصحي، إضافة إلى تضرر 16 مستشفى، بينها المستشفى اللبناني-الإيطالي، وإغلاق ثلاثة مستشفيات بالكامل و41 مركزًا للرعاية الصحية الأولية.
هذه الأرقام لا تعني خسائر مادية فقط. فحين يُقتل مسعف، لا يخسر لبنان فردًا فقط، بل يخسر قدرة إنقاذ. وحين تتضرر مستشفى أو يُقفل مركز صحي، لا يتوقف العلاج في تلك النقطة وحدها، بل تتعطل شبكة كاملة من الرعاية: من لحظة الإصابة، إلى وصول سيارة الإسعاف، إلى نقل الجريح، إلى غرفة العمليات، ثم إلى الرعاية اللاحقة.
وتتضح مسؤولية إسرائيل هنا من خلال نمط الضربات التي وثقتها منظمات حقوقية. فقد قالت “هيومن رايتس ووتش” إن الجيش الإسرائيلي هاجم مرارًا عاملين ومرافق طبية في لبنان، ووثّقت ثلاث هجمات وصفتها بأنها “جرائم حرب ظاهرة”، بينها ضربة على مركز للدفاع المدني في بيروت في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، وضربة على سيارة إسعاف ومستشفى في جنوب لبنان في 4 تشرين الأول، أدت إلى مقتل 14 مسعفًا. وخلصت المنظمة إلى أنها لم تجد، في الحالات التي حققت فيها، أدلة تبرر نزع الحماية القانونية عن تلك الطواقم والمرافق.
في هذا السياق، يصبح عمل فرج وزملائه أكثر من مناوبة طبية. إنهم يعملون داخل منظومة صحية مستنزفة ومهددة: طبيب ينتظر المصابين في مستشفى تضرر جزئيًا، ومسعفون يتحركون تحت احتمال الاستهداف، ومرضى قد لا يصلون أصلًا إذا قُطعت الطرق أو ضُربت فرق الإنقاذ.
إقرأوا أيضاً:
يشرح فرج كيف تُدار اللحظات الأولى بعد الضربات. هناك دائمًا ارتباك أولي، كما يقول، لكنه ارتباك محسوب ضمن خطة طوارئ: “خطة الصمود التي تضعها خلية الأزمة تكون جاهزة. لا بد أن يتخللها بعض الإرباك في الساعات الأولى، لكن يتم امتصاصه سريعًا لتعود دورة العمل إلى الانتظام”. ويضيف أن الجاهزية المسبقة كانت عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على استمرارية العمل: “لم نعانِ من نقص في الموارد الطبية لأننا كنا على جاهزية كاملة، وطالما هناك طرق مفتوحة وسالكة، فإن إعادة ما صُرف إلى المخزن تبقى ممكنة”.
لكن الجاهزية لا تلغي قسوة المشهد. فالإصابات التي تصل إلى غرف الطوارئ تحمل آثار نوعية العنف المستخدم. يصف فرج بعض الشظايا بأنها “أشبه بمسامير طويلة، يتعدى طولها أحيانًا العشرة سنتيمترات”، ويتحدث عن “أسلاك رفيعة تخرق العضل ويصعب انتزاعها”، إضافة إلى حروق بليغة ناجمة عن حرارة مرتفعة ومواد حارقة.
ولا يكفي هذا الوصف الطبي وحده لإثبات نوع السلاح المستخدم في كل حالة. لكنه يأتي في سياق أوسع من اتهامات ووقائع وثّقتها منظمات حقوقية بشأن استخدام إسرائيل ذخائر حارقة في جنوب لبنان، بينها الفوسفور الأبيض في مناطق مأهولة، وهو ما اعتبرته “هيومن رايتس ووتش” تعريضًا غير قانوني للمدنيين للخطر.
على أن الجرح الذي يتركه العمل في الحرب لا يقتصر على أجساد المصابين. هناك أثر آخر يبقى في ذاكرة الطبيب. يقول فرج: “يدور في ذهن الجراح شريط متواصل العرض عن حالات استقبلها وتأثر بها. أهل المصاب يملكون شريطهم الخاص، أما نحن ففي أدمغتنا كل الأشرطة التي تحرمنا النوم والراحة”.
تبلغ القسوة ذروتها حين يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرارات فرز بين المصابين. من يدخل غرفة العمليات أولًا؟ من ينتظر؟ من يمكن إنقاذه؟ ومن لا يسمح الوقت أو الإمكانات بإنقاذه؟ يقول فرج: “ليس سهلًا أن تعبر بين الضحايا لتحكم من ينزل إلى غرفة العمليات ومن يبقى منتظرًا دوره. كيف تبقى معافى وسليمًا من الأذى وأنت تفرّق، من غير عمد، بين أفراد عائلة مصابة؟”.
هنا يصبح الطب أكثر من مهارة تقنية. يصبح عبئًا أخلاقيًا ونفسيًا. فالأطباء، كما يصفهم فرج، لا يعملون فقط على الجروح، بل يحملون آثارها معهم. حتى الفرح اليومي يصبح موضع حذر. يقول: “الأطباء يفتقدون الابتسامة، ويخجلون من إظهار علامات الفرح، وبذلك يبعدون عنهم شبهة البهجة، تضامنًا مع المصابين والجرحى المعوقين والشهداء”.
ولا ينفصل هذا الضغط النفسي عن الإحساس الدائم بأن الحماية المفترضة للعاملين الصحيين لم تعد كافية. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية الطواقم الطبية والمرافق الصحية وسيارات الإسعاف، لكن التجربة اللبنانية خلال الحرب الأخيرة أظهرت، مرة بعد مرة، أن هذه الحماية تُنتهك أو تُترك بلا مساءلة فعلية. ولهذا لا تبدو خطورة العمل الطبي في الجنوب ناتجة فقط من القرب من القصف، بل من احتمال أن يصبح عمل الإنقاذ نفسه في مرمى النار.
حين يُسأل فرج عن مسؤولية المؤسسات الدولية في حماية المسعفين والأطباء وتأمين استمرار عملهم، لا يجيب بلغة تقنية باردة. يقول: “لقد فقد المجتمع الدولي مقومات قضاياه العادلة، من الأمان الاقتصادي والغذائي والحياتي، إلى قضايا السلام ونبذ العنف والجرائم الجماعية”. ويرى أن استعادة هذه المقومات وحدها يمكن أن “تريح غالبية المؤسسات الدولية الإغاثية على المستويات كافة”.
في ختام حديثه، قبل أن يعود إلى عمل لم يتوقف إلا ظاهريًا، يختصر فرج أمنيته بعبارة تتجاوز الطب إلى سؤال أوسع عن معنى الحروب نفسها: “أمنيتي أن يُسقط الله من العقول المتحجرة أفكار الاستيلاء والمصادرة والاستغلال وحب تراكم الثروات، على حساب جلود بني البشر”.
هكذا لا تبدو قصة إبراهيم فرج قصة طبيب واحد فقط. إنها قصة قطاع كامل يعمل على حافة الخطر، وقصة مسعفين وأطباء وممرضين يُطلب منهم أن ينقذوا الحياة فيما حياتهم نفسها مهددة. في الحرب، لا يكون البقاء حيادًا. أحيانًا يكون البقاء في المستشفى، إلى جانب المصابين، موقفًا أخلاقيًا بحد ذاته.
إقرأوا أيضاً:












