ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لهذا نعارض حزب الله… فلماذا يواليه الآخرون؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

معارضتنا نبعت من رغبتنا في العيش داخل مجتمع متسامح. وكان المجتمع الشيعي اللبناني أكثر تسامحاً قبل هيمنة “حزب الله” على أبسط تفاصيله، وقبل أن يصبح التعبير عن المشاعر الطبيعية أمراً معيباً، يُصنَّف خيانةً ومدعاةً للتخوين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بُعيد ندوة في مجلس الشيوخ الفرنسي ناقشت الشأن اللبناني، نهاية عام 2024، سألتني شابة لبنانية مسيحية: “لماذا تعارضين حزب الله إن كان قد جلب النفوذ والامتيازات للطائفة الشيعية؟”. وقبل أن أكمل، أوضح أنني أشير هنا إلى طائفتها من منطلق الواقع اللبناني الذي لا يمكن تجاوزه، إذ ينطلق سؤال الشابة أصلاً من نظرة الجماعات الطائفية في لبنان إلى بعضها بعضاً، وقد وُجّه إليّ انطلاقاً من تصنيفي ضمن هذه الجماعات؛ تصنيف لا يلتفت إلى أفكار الأفراد إلا عبر انتماءاتهم الأولية، ويفترض أن يحدّد هذا التصنيف أفكار الفرد وانتماءه السياسي، لا سيما في الحالة الشيعية، بحيث يصبح مستغرباً ألّا يحدث ذلك.

أجبتها ببساطة بأنني لا أرى أصلاً أن حزب الله جلب امتيازات للطائفة الشيعية في لبنان، بل رأيت كيف عسكر المجتمع الشيعي، وحوّل أفراده إلى مشاريع مقاتلين وشهداء يُقتلون في أي بقعة من العالم، ورأيت أنه يسير بنا نحو النكبة.

وإذا أردت أن أُكمل الإجابة هنا، فأقول إن معارضتي لهذا التنظيم، الذي انطلق باسم “الثورة الإسلامية في لبنان”، لم تبدأ من إدراك لدوره الإقليمي، بل بدأت من أضيق الأمكنة: من الذات. من استهدافه لي ولحقوقي كفتاة يريد أن يفرض عليها دوراً في المجتمع عبر ذكور عائلتها، وأن يسحق كيانها. ثم اتّسعت هذه المعارضة مع تصنيف الحزب الأفراد داخل المجتمع الواحد إلى درجات، تختلف حقوقهم بقدر قربهم منه وولائهم له.

كان على الجميع معارضة زعماء طوائفهم

عارضتُ “حزب الله” وحركة “أمل”، أنا وغيري ممّن كانوا ضدّ النظام الطائفي في لبنان وضدّ الفساد، لأنهما شكّلا الفاصل بيننا وبين الدولة التي نطمح إليها، وكنّا نأمل بأن يفعل مثلنا كلّ اللبنانيين، وينتفضوا على زعماء طوائفهم لنبلغ الدولة، إذ إن زعماء الطوائف لا يحقّقون لأفرادها ما يمكن أن تحقّقه دولة عادلة جامعة، عدا أنهم كانوا شركاء الحزب.

أتذكّر سؤال الشابة، التي كان أول ما تراه في طروحاتي انتمائي إلى عائلة شيعية، فيما لا يجد الحزب وأبواقه ما يُكملون به محاولة سلخنا عن مجتمعنا الذي نشأنا فيه، سوى التخوين واتهامنا بالحقد وكره الذات، لمجرد أننا نعارض مشروعه واسترخاصه الذات الشيعية.

وللأسف، بات هذا الخطاب يتكرر أيضاً لدى كثيرين ممّن وقفنا معهم في مواجهة الحزب وهيمنته، وصاروا يتناسون هم أيضاً من أين انطلقت معارضتهم لـ”حزب الله”.

نسي هؤلاء أن معارضتنا للحزب العقائدي نشأت من مبادئ حقوقية، ونبعت من حرقة على مجتمع يُقنَع فيه الطفل، منذ نعومة أظافره، بأن مستقبله الشهادة، وتُقنع فيه الطفلة بأن مستقبلها إنجاب الشهداء.

معارضتنا نبعت من رغبتنا في العيش داخل مجتمع متسامح. وكان المجتمع الشيعي اللبناني أكثر تسامحاً قبل هيمنة “حزب الله” على أبسط تفاصيله، وقبل أن يصبح التعبير عن المشاعر الطبيعية أمراً معيباً، يُصنَّف خيانةً ومدعاةً للتخوين.

وظيفة خبيثة

واستذكار هذا السؤال، أي “لماذا تعارضين حزب الله”، مناسبة للردّ على من يطرح هذا السؤال أيضاً من أبناء الطائفة المؤيّدين للحزب، الذين يفترضون أيضاً أنه ما كان علينا سوى أن نسير في ركب الجماعة، وإن كان الطريق يقود إلى التهلكة، بل وكأنه يصبح واجباً علينا السير إلى التهلكة في ظلّ حرب إسرائيلية تمسح قرانا، وتهدّد بسحق المجتمع.

كنت أرى في عسكرة المجتمع الشيعي مغامرة بمصيره، وأنه لا يمكن هزم استعمار أو احتلال بأحزاب عقائدية غذّاها الاستعمار ذاته، وهو ما أصبحت أكثر اقتناعاً به اليوم مع مآلات الحرب، وبعد إصرار “حزب الله” على دخولها إسناداً لإيران و”ثأراً لخامنئي”، المرشد الأعلى في إيران، بعد مآلات حرب “إسناد غزّة” التي رسمت لنا تصوّراً عمّا سنصل إليه في حال أعاد “حزب الله” خوض الحرب، وحذّرتنا من أن الحرب التي ستليها ستكون أكثر وحشية.

وفي ظلّ الحرب الثانية خلال أقلّ من عامين، يأتي التشكيك في نوايانا ومشاعرنا الصادقة الخائفة على مجتمع يُسحَق، والداعية للحدّ من الخسائر، ليؤدّي وظيفة خبيثة، فهو تشكيك منظّم لا ينبع من تساؤل حقيقي إنما له وظيفة قمعية، تهدف إلى وضع كلّ من يطرح أسئلة ومخاوف طبيعية في موضع الشكّ. 

وظيفة منع ضحايا سياسات “حزب الله”، التي تبدو وكأنها تسرّع مشاريع إسرائيل وتخدم سرديتها، من السؤال والمساءلة، هي إبقاؤهم وقوداً أخرس. وظيفة تطبيع الموت والدمار والخسارات، وتطبيع النفور من كل ما هو نبض طبيعي وحقيقي، بهدف ترسيخ سيطرة “حزب الله” فيما ترتفع صرخات متضرّرين يتجرّأون على الكلام، ثم يُقمَعون. 

ثورة على رمنسة الانتحار

لقد عارضتُ “حزب الله” كي لا نصل إلى لحظة نرى فيها قرانا تُباد ودمنا يُسفَك كما هي الحال اليوم، عارضته في محاولة يائسة كي لا نصل إلى اللحظة الماثلة أمامنا، وسأعارضه جهاراً، مع أصدقاء لا يختلّ ميزانهم في اللحظات الصعبة ولا مبادئهم، في محاولات أتمنّى أن تنجح في كبح الأسوأ، كي نحيا في مجتمع يبحث عن الحياة، أطفاله لا يتشرّبون أفكاراً عن الشهادة قبل أن يدركوا أيّ معنى للحياة.

عارضتُ “حزب الله” كي أتحرّر من رمنسة الانتحار والمآسي والنكبات، بل حتى إدمانها، عارضته سعياً الى مجتمع يحتضنني ويحتضن التنوّع. قادته يُقيمون وزناً لأرواح الناس، فلا تكون نقطة قوّتهم الوحيدة في أيّ معركة عسكرية هي استرخاص أرواحهم وأملاكهم، والتضحية بها لقاء اللاشيء.

واليوم ليس على أحد أن يسألنا: لما نعارض “حزب الله”؟ بل بات حقّنا أن نسأل كثراً لماذا يوالون من ثبت أنه استجلب النكبة، من يُمعن في رمي ناسه في التهلكة، من بات سلاحه عبئاً، كلما رمى صاروخاً هزيلاً على إسرائيل أصاب أهله بمقتلة؟

دورنا نحكي

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
12.05.2026
زمن القراءة: 4 minutes

معارضتنا نبعت من رغبتنا في العيش داخل مجتمع متسامح. وكان المجتمع الشيعي اللبناني أكثر تسامحاً قبل هيمنة “حزب الله” على أبسط تفاصيله، وقبل أن يصبح التعبير عن المشاعر الطبيعية أمراً معيباً، يُصنَّف خيانةً ومدعاةً للتخوين.

بُعيد ندوة في مجلس الشيوخ الفرنسي ناقشت الشأن اللبناني، نهاية عام 2024، سألتني شابة لبنانية مسيحية: “لماذا تعارضين حزب الله إن كان قد جلب النفوذ والامتيازات للطائفة الشيعية؟”. وقبل أن أكمل، أوضح أنني أشير هنا إلى طائفتها من منطلق الواقع اللبناني الذي لا يمكن تجاوزه، إذ ينطلق سؤال الشابة أصلاً من نظرة الجماعات الطائفية في لبنان إلى بعضها بعضاً، وقد وُجّه إليّ انطلاقاً من تصنيفي ضمن هذه الجماعات؛ تصنيف لا يلتفت إلى أفكار الأفراد إلا عبر انتماءاتهم الأولية، ويفترض أن يحدّد هذا التصنيف أفكار الفرد وانتماءه السياسي، لا سيما في الحالة الشيعية، بحيث يصبح مستغرباً ألّا يحدث ذلك.

أجبتها ببساطة بأنني لا أرى أصلاً أن حزب الله جلب امتيازات للطائفة الشيعية في لبنان، بل رأيت كيف عسكر المجتمع الشيعي، وحوّل أفراده إلى مشاريع مقاتلين وشهداء يُقتلون في أي بقعة من العالم، ورأيت أنه يسير بنا نحو النكبة.

وإذا أردت أن أُكمل الإجابة هنا، فأقول إن معارضتي لهذا التنظيم، الذي انطلق باسم “الثورة الإسلامية في لبنان”، لم تبدأ من إدراك لدوره الإقليمي، بل بدأت من أضيق الأمكنة: من الذات. من استهدافه لي ولحقوقي كفتاة يريد أن يفرض عليها دوراً في المجتمع عبر ذكور عائلتها، وأن يسحق كيانها. ثم اتّسعت هذه المعارضة مع تصنيف الحزب الأفراد داخل المجتمع الواحد إلى درجات، تختلف حقوقهم بقدر قربهم منه وولائهم له.

كان على الجميع معارضة زعماء طوائفهم

عارضتُ “حزب الله” وحركة “أمل”، أنا وغيري ممّن كانوا ضدّ النظام الطائفي في لبنان وضدّ الفساد، لأنهما شكّلا الفاصل بيننا وبين الدولة التي نطمح إليها، وكنّا نأمل بأن يفعل مثلنا كلّ اللبنانيين، وينتفضوا على زعماء طوائفهم لنبلغ الدولة، إذ إن زعماء الطوائف لا يحقّقون لأفرادها ما يمكن أن تحقّقه دولة عادلة جامعة، عدا أنهم كانوا شركاء الحزب.

أتذكّر سؤال الشابة، التي كان أول ما تراه في طروحاتي انتمائي إلى عائلة شيعية، فيما لا يجد الحزب وأبواقه ما يُكملون به محاولة سلخنا عن مجتمعنا الذي نشأنا فيه، سوى التخوين واتهامنا بالحقد وكره الذات، لمجرد أننا نعارض مشروعه واسترخاصه الذات الشيعية.

وللأسف، بات هذا الخطاب يتكرر أيضاً لدى كثيرين ممّن وقفنا معهم في مواجهة الحزب وهيمنته، وصاروا يتناسون هم أيضاً من أين انطلقت معارضتهم لـ”حزب الله”.

نسي هؤلاء أن معارضتنا للحزب العقائدي نشأت من مبادئ حقوقية، ونبعت من حرقة على مجتمع يُقنَع فيه الطفل، منذ نعومة أظافره، بأن مستقبله الشهادة، وتُقنع فيه الطفلة بأن مستقبلها إنجاب الشهداء.

معارضتنا نبعت من رغبتنا في العيش داخل مجتمع متسامح. وكان المجتمع الشيعي اللبناني أكثر تسامحاً قبل هيمنة “حزب الله” على أبسط تفاصيله، وقبل أن يصبح التعبير عن المشاعر الطبيعية أمراً معيباً، يُصنَّف خيانةً ومدعاةً للتخوين.

وظيفة خبيثة

واستذكار هذا السؤال، أي “لماذا تعارضين حزب الله”، مناسبة للردّ على من يطرح هذا السؤال أيضاً من أبناء الطائفة المؤيّدين للحزب، الذين يفترضون أيضاً أنه ما كان علينا سوى أن نسير في ركب الجماعة، وإن كان الطريق يقود إلى التهلكة، بل وكأنه يصبح واجباً علينا السير إلى التهلكة في ظلّ حرب إسرائيلية تمسح قرانا، وتهدّد بسحق المجتمع.

كنت أرى في عسكرة المجتمع الشيعي مغامرة بمصيره، وأنه لا يمكن هزم استعمار أو احتلال بأحزاب عقائدية غذّاها الاستعمار ذاته، وهو ما أصبحت أكثر اقتناعاً به اليوم مع مآلات الحرب، وبعد إصرار “حزب الله” على دخولها إسناداً لإيران و”ثأراً لخامنئي”، المرشد الأعلى في إيران، بعد مآلات حرب “إسناد غزّة” التي رسمت لنا تصوّراً عمّا سنصل إليه في حال أعاد “حزب الله” خوض الحرب، وحذّرتنا من أن الحرب التي ستليها ستكون أكثر وحشية.

وفي ظلّ الحرب الثانية خلال أقلّ من عامين، يأتي التشكيك في نوايانا ومشاعرنا الصادقة الخائفة على مجتمع يُسحَق، والداعية للحدّ من الخسائر، ليؤدّي وظيفة خبيثة، فهو تشكيك منظّم لا ينبع من تساؤل حقيقي إنما له وظيفة قمعية، تهدف إلى وضع كلّ من يطرح أسئلة ومخاوف طبيعية في موضع الشكّ. 

وظيفة منع ضحايا سياسات “حزب الله”، التي تبدو وكأنها تسرّع مشاريع إسرائيل وتخدم سرديتها، من السؤال والمساءلة، هي إبقاؤهم وقوداً أخرس. وظيفة تطبيع الموت والدمار والخسارات، وتطبيع النفور من كل ما هو نبض طبيعي وحقيقي، بهدف ترسيخ سيطرة “حزب الله” فيما ترتفع صرخات متضرّرين يتجرّأون على الكلام، ثم يُقمَعون. 

ثورة على رمنسة الانتحار

لقد عارضتُ “حزب الله” كي لا نصل إلى لحظة نرى فيها قرانا تُباد ودمنا يُسفَك كما هي الحال اليوم، عارضته في محاولة يائسة كي لا نصل إلى اللحظة الماثلة أمامنا، وسأعارضه جهاراً، مع أصدقاء لا يختلّ ميزانهم في اللحظات الصعبة ولا مبادئهم، في محاولات أتمنّى أن تنجح في كبح الأسوأ، كي نحيا في مجتمع يبحث عن الحياة، أطفاله لا يتشرّبون أفكاراً عن الشهادة قبل أن يدركوا أيّ معنى للحياة.

عارضتُ “حزب الله” كي أتحرّر من رمنسة الانتحار والمآسي والنكبات، بل حتى إدمانها، عارضته سعياً الى مجتمع يحتضنني ويحتضن التنوّع. قادته يُقيمون وزناً لأرواح الناس، فلا تكون نقطة قوّتهم الوحيدة في أيّ معركة عسكرية هي استرخاص أرواحهم وأملاكهم، والتضحية بها لقاء اللاشيء.

واليوم ليس على أحد أن يسألنا: لما نعارض “حزب الله”؟ بل بات حقّنا أن نسأل كثراً لماذا يوالون من ثبت أنه استجلب النكبة، من يُمعن في رمي ناسه في التهلكة، من بات سلاحه عبئاً، كلما رمى صاروخاً هزيلاً على إسرائيل أصاب أهله بمقتلة؟

دورنا نحكي