ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“لوريان لوجور” وأنطون الصحناوي: خمس حلقات عن المال والنفوذ ومحاولات إسكات التحقيق

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم يبدأ ردّ المصرفي أنطون الصحناوي على السلسلة الاستقصائية التي نشرتها صحيفة «لوريان لوجور» بتفنيد الوقائع الواردة فيها، أو تقديم رواية مضادّة مدعّمة بالوثائق، بل بمحاولة منعها من الوصول إلى القرّاء.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يبدأ ردّ المصرفي أنطون الصحناوي على السلسلة الاستقصائية التي نشرتها صحيفة «لوريان لوجور» بتفنيد الوقائع الواردة فيها، أو تقديم رواية مضادّة مدعّمة بالوثائق، بل بمحاولة منعها من الوصول إلى القرّاء.

قبل بدء النشر، رفض الصحناوي ووالده نبيل طلب الصحيفة إجراء مقابلة معهما، ثم تقدّما أمام قاضية الأمور المستعجلة في بيروت بطلب لمنع نشر التحقيق. رُفض الطلب، على أساس أن الحظر المسبق لمادّة صحافية يمسّ حرية التعبير التي يكفلها الدستور اللبناني. لكنّ المسار القضائي لم يتوقّف عند ذلك. فقد عاد الصحناوي، بعد نشر الحلقة الثالثة، إلى قضاء العجلة طالباً وقف السلسلة وسحب الحلقات المنشورة، بحجّة أنها تُلحق به الأذى وتشوّه سمعته. ويُنتظر صدور قرار القضاء في الطلب الجديد اليوم أو غداً.

بالتوازي، نشر موقع «إيسي بيروت»، الذي تضعه السلسلة ضمن شبكة الصحناوي الإعلامية، مقالاً بعنوان «مرثية جنائزية: لوريان لوجور كما عرفناها». صيغ المقال كما لو أنه نعي للصحيفة، واتّهمها باستبدال التحقيق الصحافي بالإيحاء والاستعراض وصناعة «مسلسل» من خمس حلقات. لم يقدّم المقال تفنيداً منهجياً للوقائع الأساسية التي كشفتها السلسلة، بل ركّز هجومه على الصحيفة ومهنيتها ومكانتها التاريخية.

من المعروف مهنيا وقضائياً أن من حقّ أيّ شخص تطاله مادّة صحافية أن يردّ أو يصحّح أو يلجأ إلى القضاء إذا اعتقد أن حقاً من حقوقه انتُهك. لكنّ الفارق كبير بين حقّ الردّ ومحاولة وقف النشر وسحب تحقيق بكامله، ثم استخدام منصّات إعلامية واقعة ضمن دائرة النفوذ نفسها لمهاجمة المؤسّسة التي نشرته. فحين يتحوّل النقاش من الوقائع إلى الضغط على الصحافيين، ومن تقديم الأجوبة إلى الطعن بشرعية الصحيفة، يصبح السؤال أوسع من أنطون الصحناوي: ما الذي يتبقّى من قدرة الإعلام على مساءلة أصحاب المال والنفوذ، إذا كان ثمن التحقيق في أعمالهم سلسلة من الدعاوى وحملات التشهير والاستنزاف؟

خمس حلقات لتفكيك «رجل الظلّ»

أعدّ التحقيق الصحافيان كارولين حايك وسيريل نيم، ونُشر بالفرنسية على خمس حلقات متتالية، ثم بالإنجليزية بترجمة سحر غصوب. وتقول الصحيفة إن منظّمة Forbidden Stories حصلت على الوثائق والأدلّة المتعلّقة بالسلسلة. 

انطلق التحقيق من سؤال جوهري: كيف أصبح رئيس مجلس إدارة بنك SGBL ومديره العامّ شخصيّة حاضرة خلف عدد كبير من الملفّات المصيرية في لبنان، من الأزمة المصرفية وتوزيع خسائرها، إلى الإعلام والسياسة والعلاقات مع إسرائيل، فيما لا يُعرف سوى القليل عن شبكات نفوذه وطموحاته؟

تبدأ الحلقة الأولى من داخل عائلة الصحناوي نفسها. تعود إلى مؤسّس الإمبراطورية أنطون الصحناوي الكبير، وإلى انتقال الإرث إلى ابني شقيقه موريس ونبيل، قبل أن يتحوّل التنافس بين الشقيقين إلى صراع على المصرف وموقع الوريث. يصوّر التحقيق أنطون الابن شابّاً غير مستعدّ لانتظار دوره، اصطدم بعمّه موريس بعد عودته من الولايات المتّحدة، ثم تحالف مع والده لإحداث ما يشبه «الانقلاب» داخل SGBL.

يقول موريس للصحيفة إن شقيقه «جعل حياته بائسة» خلال اجتماعات مجالس الإدارة، وعندما طالب أنطون الشابّ بمنصب يوازي طموحاته داخل المجموعة، كان ردّ عمّه: «قلت له أن يراجع قسم الموارد البشرية»، وبعد خفض «سوسيتيه جنرال» الفرنسية حصّتها في المصرف في عام 2005، نجح نبيل الصحناوي، مدعوماً بعائلة كامل، في انتزاع السيطرة وإقصاء موريس. وبحسب العبارة التي يوردها التحقيق على لسان الأخير: «كان شقيقي يريد منصبي منذ زمن، لكن لابنه».

ترصد الحلقة الثانية سنوات الصعود السريع. تولّى الصحناوي إدارة SGBL في عام 2007، وكان في الخامسة والثلاثين، ثم وسّع أعماله إلى الولايات المتّحدة وفرنسا وموناكو وسويسرا. ويقول مصدر مصرفي إن من سماته إحاطة نفسه بشخصيّات مرموقة تمنح مشاريعه الثقة، بالتوازي مع توزيع أشخاص موالين له داخل شركاته لضمان «السيطرة المطلقة».

لكنّ الصعود ارتبط أيضاً بعلاقة وثيقة مع المنظومة التي أدارها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. بعد اتّهام وزارة الخزانة الأميركية البنك اللبناني الكندي في عام 2011 بالتورّط في شبكات تبييض أموال مرتبطة بـ”حزب الله”، اختير SGBL للاستحواذ على أصوله. استعان الصحناوي بوزير العدل الأميركي السابق جون آشكروفت لمراجعة الحسابات، وأُغلق نحو مئتي حساب اعتُبرت مشبوهة. أكسبه ذلك إشادة الخزانة الأميركية وشبكة علاقات نافذة في واشنطن.

بلغت العلاقة مع منظومة سلامة ذروتها خلال «الهندسات المالية» في عام 2016. ووفق وثيقة للجنة الرقابة على المصارف اطّلعت عليها الصحيفة، حلّ SGBL ثانياً بين المصارف المستفيدة، محقّقاً أرباحاً بلغت نحو 910 ملايين دولار وفق سعر الصرف الرسمي آنذاك. كان المصرف، بحسب التحقيق، قد راهن بقوّة على النظام الذي أقامه سلامة، قبل أن يبدأ هذا النظام بالانهيار.

من أرباح الهندسات إلى أزمة المودعين

تتوسّع الحلقة الثالثة في علاقة SGBL بالانهيار. وينقل التحقيق عن خبير مالي أن المصرف كان «في طليعة» المصارف التي ضغطت، بمساعدة سلامة، لمنع الحكومة من إعادة هيكلة الدين العامّ. وفي الوقت نفسه، كانت المصارف تبيع سندات اليوروبوند لمستثمرين أجانب وتنقل جانباً من المخاطر إلى بقيّة النظام المالي.

والأكثر دلالة ما جرى في أيلول/ سبتمبر 2019، قبل أسابيع من انتفاضة 17 تشرين/ أكتوبر. فقد حصل SGBL على فكّ وديعة لدى مصرف لبنان بقيمة 254 مليار ليرة، كانت تساوي حينها نحو 169 مليون دولار، قبل 28 عاماً من موعد استحقاقها، بذريعة الحاجة إلى السيولة بالليرة. وفي الشهر نفسه، منح مصرف لبنان SGBL قرضاً قارب المليار دولار، سُدّد لاحقاً بأموال «لولار» فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها.

عندما انهار النظام، عجز المودعون عن الوصول إلى مدخّراتهم، لكنّ المعركة انتقلت سريعاً إلى تحديد من يتحمّل الخسائر: الدولة، أم مصرف لبنان، أم أصحاب المصارف ومساهموها، أم المودعون؟ قاومت جمعية المصارف ومعها SGBL، الخطط التي كانت ستضع المساهمين في مقدّمة من يتحمّلون الخسائر. وكان الصحناوي، بصفته مالكاً للحصّة الأكبر في مصرفه، من الأكثر تعرّضاً للخسارة إذا طُبقت إعادة هيكلة جدّية.

“درج”: من كشف الامتيازات المصرفية إلى مواجهة دعاوى الإسكات

في الحلقة الثالثة، المعنونة “المليارات المتبخّرة وحروب المصارف”، تستند «لوريان لوجور» إلى تحقيق سابق نشره «درج» عن التسهيلات الاستثنائية التي حصل عليها SGBL من مصرف لبنان عشيّة الانهيار. 

ففي أيلول/ سبتمبر 2019، وفي وقت كانت فيه أزمة السيولة تتفاقم، وافق رياض سلامة على فكّ وديعة للمصرف بقيمة 254 مليار ليرة، أيّ نحو 169 مليون دولار آنذاك، قبل 28 عاماً من موعد استحقاقها. كما كشف «درج» أن مصرف لبنان منح SGBL في الشهر نفسه قرضاً قارب المليار دولار، سدّده المصرف لاحقاً بـ«اللولارات»، ما جعل العمليّة مربحة له بعدما فقدت الدولارات المصرفية جزءاً كبيراً من قيمتها. 

وتستعيد الحلقة أيضاً شهادة الناشط رودي حنّا لـ«درج»، الذي قال إن رجالاً اعتدوا عليه وهدّدوه بعدما كتب شعارات تطالب بإعادة الودائع على جدار أحد فروع SGBL، محذّرين إيّاه من أن المصرف «خطّ أحمر»، ووصفهم بأنهم «بلطجية»، لا عناصر أمن نظاميين.

أمّا في الحلقة الرابعة، «شبكة أنطون الصحناوي الإعلامية والسياسية»، فتنتقل الصحيفة من الاستناد إلى ما كشفه «درج» إلى توثيق الثمن الذي دفعته المؤسّسة بسبب تحقيقاتها. وتقول إن غرفة أخبار «درج» واجهت سلسلة دعاوى قضائية، رُفع بعضها عبر أطراف ثالثة، بعد نشر تحقيقات وبروفايل نقدي عن الصحناوي. 

وتنقل عن عليا إبراهيم، الشريكة المؤسّسة في «درج»: «هذه الأساليب لا ترهبنا، لكنّ حملات التشهير المتكرّرة التي نضطرّ إلى الردّ عليها، إلى جانب الإجراءات القضائية المصمّمة لإسكاتنا، تستنزف طاقتنا ووقتنا ومواردنا. وهذا ما يجعلها فعّالة إلى هذا الحدّ»، وتشير الحلقة إلى أن «ميغافون» و«نقد» و«لوريان لوجور» واجهت أيضاً إجراءات قضائية من محامي الصحناوي.

إعلام ونوّاب وسردية موحّدة

تبحث الحلقة الرابعة في الأدوات الإعلامية والسياسية التي أحاط بها الصحناوي مصالحه. بدأت الشبكة بمجلّة Executive، ثم توسّعت بعد الانهيار مع إطلاق Ici Beyrouth وThis Is Beirut و«هنا لبنان»، إضافة إلى علاقات وثيقة مع شخصيّات ومحطّات إعلامية.

يقول أحد العاملين في القطاع الإعلامي عن الصحناوي: «إنه ذكيّ وساحر، يحبّ العمل مع الأفضل ويعرف كيف يستميلهم ومستعدّ لدفع المال»، لكنّ صحافية سابقة عملت مع «إيسي بيروت» تقول إن الرواتب كانت استثنائية، وإن بعض العاملين كانوا يغادرون عندما يدركون أنهم يعملون في «مؤسّسة دعائية».

بحسب التحقيق، دفعت المؤسّسات الواقعة في فلكه بسردية مركزية مفادها أن سلامة والمصارف تحوّلا إلى كبش فداء، وأن الدولة وحدها مسؤولة عن إعادة الودائع. 

وفي السياسة، يرصد التحقيق شبكة من النوّاب القريبين منه، بينهم جان طالوزيان وراجي السعد وإيهاب مطر، بعضهم أعضاء في لجنة المال والموازنة التي تعطّلت داخلها مراراً مشاريع إعادة هيكلة المصارف وتوزيع الخسائر.

إسرائيل وأورتاغوس

تنتقل الحلقة الخامسة إلى الخلفية الأيديولوجية للعائلة وعلاقتها بإسرائيل. ينقل التحقيق عن موريس الصحناوي أن شقيقه نبيل أصبح شديد القرب من الإسرائيليين بعد اجتياح 1982، وأن ابنه «سار على خطاه». كما ينقل عن شخص يعرف أنطون قوله إنه مفتون باليهودية، ويتحدّث بالقليل من العبرية، و«يرى في إسرائيل ما كان ينبغي أن يصبح عليه لبنان».

ويتناول التحقيق علاقة الصحناوي بالموفدة الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس، التي تحدّثت علناً عن «أجيال من الصهاينة المسيحيين اللبنانيين» في عائلته. لكنّ هذه العلاقة، وفق مصدر قريب من دوائر القرار الأميركي تحدّث إلى الصحيفة، أثارت تحفّظات في وزارة الخارجية الأميركية، بل ولم تكن مريحة لبعض الدوائر المؤيّدة لإسرائيل. 

تُختتم السلسلة بصورة الصحناوي وأورتاغوس على مائدة واحدة مع بنيامين نتنياهو وزوجته، في عشاء بواشنطن. وفيما يرى مؤيّدوه فيه رجل سلام يتحدّى المحرّمات، يراه منتقدوه مصرفياً أفلت من تحمّل كلفة الانهيار، ثم استخدم نفوذه المالي والإعلامي والسياسي لإعادة تقديم نفسه لاعباً في مستقبل لبنان.

"درج"
لبنان
03.08.2026
زمن القراءة: 7 minutes

لم يبدأ ردّ المصرفي أنطون الصحناوي على السلسلة الاستقصائية التي نشرتها صحيفة «لوريان لوجور» بتفنيد الوقائع الواردة فيها، أو تقديم رواية مضادّة مدعّمة بالوثائق، بل بمحاولة منعها من الوصول إلى القرّاء.

لم يبدأ ردّ المصرفي أنطون الصحناوي على السلسلة الاستقصائية التي نشرتها صحيفة «لوريان لوجور» بتفنيد الوقائع الواردة فيها، أو تقديم رواية مضادّة مدعّمة بالوثائق، بل بمحاولة منعها من الوصول إلى القرّاء.

قبل بدء النشر، رفض الصحناوي ووالده نبيل طلب الصحيفة إجراء مقابلة معهما، ثم تقدّما أمام قاضية الأمور المستعجلة في بيروت بطلب لمنع نشر التحقيق. رُفض الطلب، على أساس أن الحظر المسبق لمادّة صحافية يمسّ حرية التعبير التي يكفلها الدستور اللبناني. لكنّ المسار القضائي لم يتوقّف عند ذلك. فقد عاد الصحناوي، بعد نشر الحلقة الثالثة، إلى قضاء العجلة طالباً وقف السلسلة وسحب الحلقات المنشورة، بحجّة أنها تُلحق به الأذى وتشوّه سمعته. ويُنتظر صدور قرار القضاء في الطلب الجديد اليوم أو غداً.

بالتوازي، نشر موقع «إيسي بيروت»، الذي تضعه السلسلة ضمن شبكة الصحناوي الإعلامية، مقالاً بعنوان «مرثية جنائزية: لوريان لوجور كما عرفناها». صيغ المقال كما لو أنه نعي للصحيفة، واتّهمها باستبدال التحقيق الصحافي بالإيحاء والاستعراض وصناعة «مسلسل» من خمس حلقات. لم يقدّم المقال تفنيداً منهجياً للوقائع الأساسية التي كشفتها السلسلة، بل ركّز هجومه على الصحيفة ومهنيتها ومكانتها التاريخية.

من المعروف مهنيا وقضائياً أن من حقّ أيّ شخص تطاله مادّة صحافية أن يردّ أو يصحّح أو يلجأ إلى القضاء إذا اعتقد أن حقاً من حقوقه انتُهك. لكنّ الفارق كبير بين حقّ الردّ ومحاولة وقف النشر وسحب تحقيق بكامله، ثم استخدام منصّات إعلامية واقعة ضمن دائرة النفوذ نفسها لمهاجمة المؤسّسة التي نشرته. فحين يتحوّل النقاش من الوقائع إلى الضغط على الصحافيين، ومن تقديم الأجوبة إلى الطعن بشرعية الصحيفة، يصبح السؤال أوسع من أنطون الصحناوي: ما الذي يتبقّى من قدرة الإعلام على مساءلة أصحاب المال والنفوذ، إذا كان ثمن التحقيق في أعمالهم سلسلة من الدعاوى وحملات التشهير والاستنزاف؟

خمس حلقات لتفكيك «رجل الظلّ»

أعدّ التحقيق الصحافيان كارولين حايك وسيريل نيم، ونُشر بالفرنسية على خمس حلقات متتالية، ثم بالإنجليزية بترجمة سحر غصوب. وتقول الصحيفة إن منظّمة Forbidden Stories حصلت على الوثائق والأدلّة المتعلّقة بالسلسلة. 

انطلق التحقيق من سؤال جوهري: كيف أصبح رئيس مجلس إدارة بنك SGBL ومديره العامّ شخصيّة حاضرة خلف عدد كبير من الملفّات المصيرية في لبنان، من الأزمة المصرفية وتوزيع خسائرها، إلى الإعلام والسياسة والعلاقات مع إسرائيل، فيما لا يُعرف سوى القليل عن شبكات نفوذه وطموحاته؟

تبدأ الحلقة الأولى من داخل عائلة الصحناوي نفسها. تعود إلى مؤسّس الإمبراطورية أنطون الصحناوي الكبير، وإلى انتقال الإرث إلى ابني شقيقه موريس ونبيل، قبل أن يتحوّل التنافس بين الشقيقين إلى صراع على المصرف وموقع الوريث. يصوّر التحقيق أنطون الابن شابّاً غير مستعدّ لانتظار دوره، اصطدم بعمّه موريس بعد عودته من الولايات المتّحدة، ثم تحالف مع والده لإحداث ما يشبه «الانقلاب» داخل SGBL.

يقول موريس للصحيفة إن شقيقه «جعل حياته بائسة» خلال اجتماعات مجالس الإدارة، وعندما طالب أنطون الشابّ بمنصب يوازي طموحاته داخل المجموعة، كان ردّ عمّه: «قلت له أن يراجع قسم الموارد البشرية»، وبعد خفض «سوسيتيه جنرال» الفرنسية حصّتها في المصرف في عام 2005، نجح نبيل الصحناوي، مدعوماً بعائلة كامل، في انتزاع السيطرة وإقصاء موريس. وبحسب العبارة التي يوردها التحقيق على لسان الأخير: «كان شقيقي يريد منصبي منذ زمن، لكن لابنه».

ترصد الحلقة الثانية سنوات الصعود السريع. تولّى الصحناوي إدارة SGBL في عام 2007، وكان في الخامسة والثلاثين، ثم وسّع أعماله إلى الولايات المتّحدة وفرنسا وموناكو وسويسرا. ويقول مصدر مصرفي إن من سماته إحاطة نفسه بشخصيّات مرموقة تمنح مشاريعه الثقة، بالتوازي مع توزيع أشخاص موالين له داخل شركاته لضمان «السيطرة المطلقة».

لكنّ الصعود ارتبط أيضاً بعلاقة وثيقة مع المنظومة التي أدارها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. بعد اتّهام وزارة الخزانة الأميركية البنك اللبناني الكندي في عام 2011 بالتورّط في شبكات تبييض أموال مرتبطة بـ”حزب الله”، اختير SGBL للاستحواذ على أصوله. استعان الصحناوي بوزير العدل الأميركي السابق جون آشكروفت لمراجعة الحسابات، وأُغلق نحو مئتي حساب اعتُبرت مشبوهة. أكسبه ذلك إشادة الخزانة الأميركية وشبكة علاقات نافذة في واشنطن.

بلغت العلاقة مع منظومة سلامة ذروتها خلال «الهندسات المالية» في عام 2016. ووفق وثيقة للجنة الرقابة على المصارف اطّلعت عليها الصحيفة، حلّ SGBL ثانياً بين المصارف المستفيدة، محقّقاً أرباحاً بلغت نحو 910 ملايين دولار وفق سعر الصرف الرسمي آنذاك. كان المصرف، بحسب التحقيق، قد راهن بقوّة على النظام الذي أقامه سلامة، قبل أن يبدأ هذا النظام بالانهيار.

من أرباح الهندسات إلى أزمة المودعين

تتوسّع الحلقة الثالثة في علاقة SGBL بالانهيار. وينقل التحقيق عن خبير مالي أن المصرف كان «في طليعة» المصارف التي ضغطت، بمساعدة سلامة، لمنع الحكومة من إعادة هيكلة الدين العامّ. وفي الوقت نفسه، كانت المصارف تبيع سندات اليوروبوند لمستثمرين أجانب وتنقل جانباً من المخاطر إلى بقيّة النظام المالي.

والأكثر دلالة ما جرى في أيلول/ سبتمبر 2019، قبل أسابيع من انتفاضة 17 تشرين/ أكتوبر. فقد حصل SGBL على فكّ وديعة لدى مصرف لبنان بقيمة 254 مليار ليرة، كانت تساوي حينها نحو 169 مليون دولار، قبل 28 عاماً من موعد استحقاقها، بذريعة الحاجة إلى السيولة بالليرة. وفي الشهر نفسه، منح مصرف لبنان SGBL قرضاً قارب المليار دولار، سُدّد لاحقاً بأموال «لولار» فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها.

عندما انهار النظام، عجز المودعون عن الوصول إلى مدخّراتهم، لكنّ المعركة انتقلت سريعاً إلى تحديد من يتحمّل الخسائر: الدولة، أم مصرف لبنان، أم أصحاب المصارف ومساهموها، أم المودعون؟ قاومت جمعية المصارف ومعها SGBL، الخطط التي كانت ستضع المساهمين في مقدّمة من يتحمّلون الخسائر. وكان الصحناوي، بصفته مالكاً للحصّة الأكبر في مصرفه، من الأكثر تعرّضاً للخسارة إذا طُبقت إعادة هيكلة جدّية.

“درج”: من كشف الامتيازات المصرفية إلى مواجهة دعاوى الإسكات

في الحلقة الثالثة، المعنونة “المليارات المتبخّرة وحروب المصارف”، تستند «لوريان لوجور» إلى تحقيق سابق نشره «درج» عن التسهيلات الاستثنائية التي حصل عليها SGBL من مصرف لبنان عشيّة الانهيار. 

ففي أيلول/ سبتمبر 2019، وفي وقت كانت فيه أزمة السيولة تتفاقم، وافق رياض سلامة على فكّ وديعة للمصرف بقيمة 254 مليار ليرة، أيّ نحو 169 مليون دولار آنذاك، قبل 28 عاماً من موعد استحقاقها. كما كشف «درج» أن مصرف لبنان منح SGBL في الشهر نفسه قرضاً قارب المليار دولار، سدّده المصرف لاحقاً بـ«اللولارات»، ما جعل العمليّة مربحة له بعدما فقدت الدولارات المصرفية جزءاً كبيراً من قيمتها. 

وتستعيد الحلقة أيضاً شهادة الناشط رودي حنّا لـ«درج»، الذي قال إن رجالاً اعتدوا عليه وهدّدوه بعدما كتب شعارات تطالب بإعادة الودائع على جدار أحد فروع SGBL، محذّرين إيّاه من أن المصرف «خطّ أحمر»، ووصفهم بأنهم «بلطجية»، لا عناصر أمن نظاميين.

أمّا في الحلقة الرابعة، «شبكة أنطون الصحناوي الإعلامية والسياسية»، فتنتقل الصحيفة من الاستناد إلى ما كشفه «درج» إلى توثيق الثمن الذي دفعته المؤسّسة بسبب تحقيقاتها. وتقول إن غرفة أخبار «درج» واجهت سلسلة دعاوى قضائية، رُفع بعضها عبر أطراف ثالثة، بعد نشر تحقيقات وبروفايل نقدي عن الصحناوي. 

وتنقل عن عليا إبراهيم، الشريكة المؤسّسة في «درج»: «هذه الأساليب لا ترهبنا، لكنّ حملات التشهير المتكرّرة التي نضطرّ إلى الردّ عليها، إلى جانب الإجراءات القضائية المصمّمة لإسكاتنا، تستنزف طاقتنا ووقتنا ومواردنا. وهذا ما يجعلها فعّالة إلى هذا الحدّ»، وتشير الحلقة إلى أن «ميغافون» و«نقد» و«لوريان لوجور» واجهت أيضاً إجراءات قضائية من محامي الصحناوي.

إعلام ونوّاب وسردية موحّدة

تبحث الحلقة الرابعة في الأدوات الإعلامية والسياسية التي أحاط بها الصحناوي مصالحه. بدأت الشبكة بمجلّة Executive، ثم توسّعت بعد الانهيار مع إطلاق Ici Beyrouth وThis Is Beirut و«هنا لبنان»، إضافة إلى علاقات وثيقة مع شخصيّات ومحطّات إعلامية.

يقول أحد العاملين في القطاع الإعلامي عن الصحناوي: «إنه ذكيّ وساحر، يحبّ العمل مع الأفضل ويعرف كيف يستميلهم ومستعدّ لدفع المال»، لكنّ صحافية سابقة عملت مع «إيسي بيروت» تقول إن الرواتب كانت استثنائية، وإن بعض العاملين كانوا يغادرون عندما يدركون أنهم يعملون في «مؤسّسة دعائية».

بحسب التحقيق، دفعت المؤسّسات الواقعة في فلكه بسردية مركزية مفادها أن سلامة والمصارف تحوّلا إلى كبش فداء، وأن الدولة وحدها مسؤولة عن إعادة الودائع. 

وفي السياسة، يرصد التحقيق شبكة من النوّاب القريبين منه، بينهم جان طالوزيان وراجي السعد وإيهاب مطر، بعضهم أعضاء في لجنة المال والموازنة التي تعطّلت داخلها مراراً مشاريع إعادة هيكلة المصارف وتوزيع الخسائر.

إسرائيل وأورتاغوس

تنتقل الحلقة الخامسة إلى الخلفية الأيديولوجية للعائلة وعلاقتها بإسرائيل. ينقل التحقيق عن موريس الصحناوي أن شقيقه نبيل أصبح شديد القرب من الإسرائيليين بعد اجتياح 1982، وأن ابنه «سار على خطاه». كما ينقل عن شخص يعرف أنطون قوله إنه مفتون باليهودية، ويتحدّث بالقليل من العبرية، و«يرى في إسرائيل ما كان ينبغي أن يصبح عليه لبنان».

ويتناول التحقيق علاقة الصحناوي بالموفدة الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس، التي تحدّثت علناً عن «أجيال من الصهاينة المسيحيين اللبنانيين» في عائلته. لكنّ هذه العلاقة، وفق مصدر قريب من دوائر القرار الأميركي تحدّث إلى الصحيفة، أثارت تحفّظات في وزارة الخارجية الأميركية، بل ولم تكن مريحة لبعض الدوائر المؤيّدة لإسرائيل. 

تُختتم السلسلة بصورة الصحناوي وأورتاغوس على مائدة واحدة مع بنيامين نتنياهو وزوجته، في عشاء بواشنطن. وفيما يرى مؤيّدوه فيه رجل سلام يتحدّى المحرّمات، يراه منتقدوه مصرفياً أفلت من تحمّل كلفة الانهيار، ثم استخدم نفوذه المالي والإعلامي والسياسي لإعادة تقديم نفسه لاعباً في مستقبل لبنان.