ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لوريان لو جور: جوهرة بيروت الفرنكوفونية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لوريان لو جور L’Orient Le Jour ليست مجرد صحيفة عريقة، بل تذكير دائم بأن الحرية، وسط الانهيار والهجمات، ما زالت تستحق المعركة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم أكبر وأنا أقرأ لوريان لو جور، فعندما بدأت مسيرتي المهنية في التسعينات (على رغم أنني درست في مدرسة فرنكوفونية)، لم تكن الصحيفة التي حلمت بالانضمام إليها. فضّلت الإنكليزية، وكنت محظوظة بأن أبدأ عملي في صحيفة الـ”ديلي ستار”. هناك، في غرفة الأخبار التي دخلتها كصحافية مبتدئة وغادرتها بعد نحو عقد كمديرة تحرير، تعلّمت كل ما شكّل شغفي المستمر بالمهنة.

“ديلي ستار” لم تكن الأغنى ولا الأكبر ولا الأكثر نفوذاً، لكنها قدّمت لي ما كان الأهم بالنسبة إلي كصحافية: الحرية. حرية أدركت لاحقاً أنني ما كان ينبغي أن آخذها كأمر بديهي. وبفضل دعمها كتبت لـ “واشنطن بوست”. ثم حين شعرت بأن اللغة الإنكليزية تضع حاجزاً مع الجمهور الذي يهمّني، انتقلت إلى قناة “العربية”، مبدّلة اللغة والوسيط. وعندما اكتشفت أن وصول التلفزيون الواسع، على رغم متعته، لا يترجم إلى المحاسبة التي أسعى إليها، شاركت في تأسيس” درج”.

ومن موقعي كمديرة مشاركة ورئيسة تنفيذية لـ” درج”، صرت ليس فقط معجبة بل أيضاً مدافعة شرسة عن “لوريان لو جور”. وهناك أسباب مهنية كثيرة لهذا الدعم، أهمها القيم المشتركة بين” درج” والصحيفة:  الالتزام بخدمة المصلحة العامة فوق أي اعتبار.

وهذا ليس شعاراً، إذ رأيت بأمّ عيني كيف غطّت لوريان لو جور أزمة الانهيار المالي منذ 2019 بشجاعة ومن دون مساومة، حتى ولو كلّفها ذلك فقدان بعض أكبر المعلنين والداعمين. لم يرمش لإدارتها جفن أمام الضغط أو الترهيب. شاهدت التضحيات والشكوك التي تبنّتها الصحيفة عن وعي، كي تحمي ما تعتبره أولويتها الأقدس: رسالتها ومصداقيتها.

في 2020، وبعد أشهر من التحقيق في قضية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، نشرنا في “درج” أولى تحقيقاتنا. وسرعان ما اكتشفنا أننا لسنا وحدنا. فقد كانت “لوريان لو جور” الوسيلة الإعلامية التقليدية الوحيدة في لبنان التي خاضت القصة – بدايةً عبر شقيقتها “لو كومرس دو لوفان”، ثم، بعدما اضطرت المجلة إلى الإغلاق إثر سحب المعلنين دعمهم، وبنبرة أكثر تحدياً عبر” لوريان لو جور” نفسها.

ما كان يمكن أن يكون منافسة صحافية، تحوّل إلى ما هو أعمق بكثير: تحالف غير رسمي، يجمعه الإيمان بجوهر الصحافة وغايتها. بالنسبة إلينا كغرفة أخبار صغيرة وُلدت لهذا الهدف، كان خياراً بديهياً. أما بالنسبة لـ” لوريان لو جور”، فالمخاطر والتكاليف كانت أكبر بكثير. ومع ذلك، لم تتراجع الصحيفة ولا صحافيوها ولا إدارتها ولا مستثمروها – حتى حين اتُّهمت بخدمة أجندات خارجية، أو كما حدث قبل أيام فقط، حين أعادت محطة تلفزيونية نشر مقال قديم متِّهمة الصحيفة بخيانة جمهورها وواصفة إياها بسخرية “إيران لو جور”.

هذا ليس جديداً. فمنذ أشهر، تتعرض “لوريان لو جور”، مثل كثير من وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني ومن ضمنها” درج”، لحملات تشويه تموّلها مصارف ومصرفيون يخشون الفضح. وسط هذه المعركة من أجل المحاسبة، ازداد احترامي وامتناني لها. لكن لحظة الإدراك الأعمق كانت الجمعة الماضية، في الاحتفال بالذكرى الـ101 للصحيفة، حين استمعت إلى قصة اندماج “لوريان مع لو جور” قبل عقود بدواعٍ مالية. عندها، لم أستطع إلا أن أفكر بمؤسستي، بعد نحو قرن، في المشهد نفسه تقريباً.

أمور كثيرة لم تعد كما كانت، لكن الكثير لم يتغيّر. الأزمة المالية التي تطحن الصحافة المستقلة ما زالت، وكذلك العنف والترهيب. وأنا أستمع إلى أسماء صحافيي “لوريان لو جور” الذين قُتلوا خلال الحرب الأهلية، غمرتني مشاعر متناقضة. تذكرت رسالة أرسلتها العام الماضي، أدعو فيها بعض الشركاء الدوليين إلى الاحتفال بالمئوية – التي تأجلت بسبب الحرب.

وهنا بعض المقاطع:

“بيروت، بالنسبة الى معظم الناس، لم تعد كما كانت. جراحها القديمة والجديدة ما زالت مفتوحة، والخوف من أخرى مقبلة حاضر. بيروت لا تملك بريق دبي، ولا غموض الرياض، ولا ثراء قطر. ليست بمجد القاهرة ولا بغنى بغداد. لكنها، لمن يحبها ويحتاجها، ما زالت كما كانت: ملجأ وملهمة لكل من يناضل من أجل حرية الكلمة والفكر – حريته وحريات الآخرين.

التحدي الحقيقي أمام روايات الطغاة اليوم يأتي من الإعلام المستقل والمجتمع المدني. كلاهما يواجه تهديدات وجودية. وحتى إن بقيا، فإن تأثيرهما يتقلّص. وستكون لذلك عواقب تتجاوز حدودنا بكثير. كل قصة – إنسانية أو سياسية أو جيوسياسية – ستكون تحت سيطرة مراكز القوة وحلفائها، بعضهم في واشنطن وبروكسل، وآخرون في بكين وموسكو وطهران…

دعوتي إلى بيروت ليست فقط للاحتفال بالمدينة. إنها دعوة لإعادة الاعتبار للحرية. لنتذكر أن مهنتنا، قبل أن تكون عملاً تجارياً – ومهما كان ذلك مهماً – هي رسالة مبنية على قيم لا تباع. ذكرى الذين أعطوا حياتهم، كي تبقى هذه المهنة عظيمة، لا في لبنان فقط، بل عبر المنطقة من دمشق إلى القاهرة، ومن بغداد إلى الرياض، تعتمد على ذلك”.

في ميدان سباق الخيل الجمعة الماضية، وبين وجوه مألوفة، شعرت بالأمان والانتماء. كان بيننا حتى وزراء أعرف أنهم، على رغم كل الصعوبات، يشاركون هذه القيم ويعملون لأجلها. في عالم تحكمه العبثية والشعبوية، قد يبدو هذا ترفاً. لكنه، لمن يؤمن به، يعني كل شيء. البقاء قد يكون الانتصار الوحيد الذي يمكن أن ندّعيه، لكنه يظل انتصاراً – يكفي أن نخبر أبناءنا أنه حتى لو خسرنا، لم يكن ذلك من دون معركة.

لقد كانت رحلة طويلة منذ أيام “ديلي ستار”، صحيفتي التي أُجبرت على الإغلاق عام 2020 لأسباب مالية. أمنيتي أن تعود يوماً، فتكون جزءاً من نهضة جديدة للصحافة اللبنانية، بعيداً عن ضيق أفق الإعلام السائد اليوم. إلى أن يحدث ذلك، تبقى “لوريان لو جور” مرجعاً يذكّر شريكةً في تأسيس غرفة أخبار صغيرة تكافح للبقاء بأن ما نفعله مهم، وأنه مهما اشتدت الصعاب، يمكننا الصمود – وإن لم نفعل، فسيكمل آخرون الطريق.

المعركة صعبة لكنها ممكنة ولـ” لوريان لو جور” في عيدها الـ101 أقول: عيد سعيد، وإلى الأمام دائماً.

لوريان لو جور L’Orient Le Jour ليست مجرد صحيفة عريقة، بل تذكير دائم بأن الحرية، وسط الانهيار والهجمات، ما زالت تستحق المعركة.

لم أكبر وأنا أقرأ لوريان لو جور، فعندما بدأت مسيرتي المهنية في التسعينات (على رغم أنني درست في مدرسة فرنكوفونية)، لم تكن الصحيفة التي حلمت بالانضمام إليها. فضّلت الإنكليزية، وكنت محظوظة بأن أبدأ عملي في صحيفة الـ”ديلي ستار”. هناك، في غرفة الأخبار التي دخلتها كصحافية مبتدئة وغادرتها بعد نحو عقد كمديرة تحرير، تعلّمت كل ما شكّل شغفي المستمر بالمهنة.

“ديلي ستار” لم تكن الأغنى ولا الأكبر ولا الأكثر نفوذاً، لكنها قدّمت لي ما كان الأهم بالنسبة إلي كصحافية: الحرية. حرية أدركت لاحقاً أنني ما كان ينبغي أن آخذها كأمر بديهي. وبفضل دعمها كتبت لـ “واشنطن بوست”. ثم حين شعرت بأن اللغة الإنكليزية تضع حاجزاً مع الجمهور الذي يهمّني، انتقلت إلى قناة “العربية”، مبدّلة اللغة والوسيط. وعندما اكتشفت أن وصول التلفزيون الواسع، على رغم متعته، لا يترجم إلى المحاسبة التي أسعى إليها، شاركت في تأسيس” درج”.

ومن موقعي كمديرة مشاركة ورئيسة تنفيذية لـ” درج”، صرت ليس فقط معجبة بل أيضاً مدافعة شرسة عن “لوريان لو جور”. وهناك أسباب مهنية كثيرة لهذا الدعم، أهمها القيم المشتركة بين” درج” والصحيفة:  الالتزام بخدمة المصلحة العامة فوق أي اعتبار.

وهذا ليس شعاراً، إذ رأيت بأمّ عيني كيف غطّت لوريان لو جور أزمة الانهيار المالي منذ 2019 بشجاعة ومن دون مساومة، حتى ولو كلّفها ذلك فقدان بعض أكبر المعلنين والداعمين. لم يرمش لإدارتها جفن أمام الضغط أو الترهيب. شاهدت التضحيات والشكوك التي تبنّتها الصحيفة عن وعي، كي تحمي ما تعتبره أولويتها الأقدس: رسالتها ومصداقيتها.

في 2020، وبعد أشهر من التحقيق في قضية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، نشرنا في “درج” أولى تحقيقاتنا. وسرعان ما اكتشفنا أننا لسنا وحدنا. فقد كانت “لوريان لو جور” الوسيلة الإعلامية التقليدية الوحيدة في لبنان التي خاضت القصة – بدايةً عبر شقيقتها “لو كومرس دو لوفان”، ثم، بعدما اضطرت المجلة إلى الإغلاق إثر سحب المعلنين دعمهم، وبنبرة أكثر تحدياً عبر” لوريان لو جور” نفسها.

ما كان يمكن أن يكون منافسة صحافية، تحوّل إلى ما هو أعمق بكثير: تحالف غير رسمي، يجمعه الإيمان بجوهر الصحافة وغايتها. بالنسبة إلينا كغرفة أخبار صغيرة وُلدت لهذا الهدف، كان خياراً بديهياً. أما بالنسبة لـ” لوريان لو جور”، فالمخاطر والتكاليف كانت أكبر بكثير. ومع ذلك، لم تتراجع الصحيفة ولا صحافيوها ولا إدارتها ولا مستثمروها – حتى حين اتُّهمت بخدمة أجندات خارجية، أو كما حدث قبل أيام فقط، حين أعادت محطة تلفزيونية نشر مقال قديم متِّهمة الصحيفة بخيانة جمهورها وواصفة إياها بسخرية “إيران لو جور”.

هذا ليس جديداً. فمنذ أشهر، تتعرض “لوريان لو جور”، مثل كثير من وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني ومن ضمنها” درج”، لحملات تشويه تموّلها مصارف ومصرفيون يخشون الفضح. وسط هذه المعركة من أجل المحاسبة، ازداد احترامي وامتناني لها. لكن لحظة الإدراك الأعمق كانت الجمعة الماضية، في الاحتفال بالذكرى الـ101 للصحيفة، حين استمعت إلى قصة اندماج “لوريان مع لو جور” قبل عقود بدواعٍ مالية. عندها، لم أستطع إلا أن أفكر بمؤسستي، بعد نحو قرن، في المشهد نفسه تقريباً.

أمور كثيرة لم تعد كما كانت، لكن الكثير لم يتغيّر. الأزمة المالية التي تطحن الصحافة المستقلة ما زالت، وكذلك العنف والترهيب. وأنا أستمع إلى أسماء صحافيي “لوريان لو جور” الذين قُتلوا خلال الحرب الأهلية، غمرتني مشاعر متناقضة. تذكرت رسالة أرسلتها العام الماضي، أدعو فيها بعض الشركاء الدوليين إلى الاحتفال بالمئوية – التي تأجلت بسبب الحرب.

وهنا بعض المقاطع:

“بيروت، بالنسبة الى معظم الناس، لم تعد كما كانت. جراحها القديمة والجديدة ما زالت مفتوحة، والخوف من أخرى مقبلة حاضر. بيروت لا تملك بريق دبي، ولا غموض الرياض، ولا ثراء قطر. ليست بمجد القاهرة ولا بغنى بغداد. لكنها، لمن يحبها ويحتاجها، ما زالت كما كانت: ملجأ وملهمة لكل من يناضل من أجل حرية الكلمة والفكر – حريته وحريات الآخرين.

التحدي الحقيقي أمام روايات الطغاة اليوم يأتي من الإعلام المستقل والمجتمع المدني. كلاهما يواجه تهديدات وجودية. وحتى إن بقيا، فإن تأثيرهما يتقلّص. وستكون لذلك عواقب تتجاوز حدودنا بكثير. كل قصة – إنسانية أو سياسية أو جيوسياسية – ستكون تحت سيطرة مراكز القوة وحلفائها، بعضهم في واشنطن وبروكسل، وآخرون في بكين وموسكو وطهران…

دعوتي إلى بيروت ليست فقط للاحتفال بالمدينة. إنها دعوة لإعادة الاعتبار للحرية. لنتذكر أن مهنتنا، قبل أن تكون عملاً تجارياً – ومهما كان ذلك مهماً – هي رسالة مبنية على قيم لا تباع. ذكرى الذين أعطوا حياتهم، كي تبقى هذه المهنة عظيمة، لا في لبنان فقط، بل عبر المنطقة من دمشق إلى القاهرة، ومن بغداد إلى الرياض، تعتمد على ذلك”.

في ميدان سباق الخيل الجمعة الماضية، وبين وجوه مألوفة، شعرت بالأمان والانتماء. كان بيننا حتى وزراء أعرف أنهم، على رغم كل الصعوبات، يشاركون هذه القيم ويعملون لأجلها. في عالم تحكمه العبثية والشعبوية، قد يبدو هذا ترفاً. لكنه، لمن يؤمن به، يعني كل شيء. البقاء قد يكون الانتصار الوحيد الذي يمكن أن ندّعيه، لكنه يظل انتصاراً – يكفي أن نخبر أبناءنا أنه حتى لو خسرنا، لم يكن ذلك من دون معركة.

لقد كانت رحلة طويلة منذ أيام “ديلي ستار”، صحيفتي التي أُجبرت على الإغلاق عام 2020 لأسباب مالية. أمنيتي أن تعود يوماً، فتكون جزءاً من نهضة جديدة للصحافة اللبنانية، بعيداً عن ضيق أفق الإعلام السائد اليوم. إلى أن يحدث ذلك، تبقى “لوريان لو جور” مرجعاً يذكّر شريكةً في تأسيس غرفة أخبار صغيرة تكافح للبقاء بأن ما نفعله مهم، وأنه مهما اشتدت الصعاب، يمكننا الصمود – وإن لم نفعل، فسيكمل آخرون الطريق.

المعركة صعبة لكنها ممكنة ولـ” لوريان لو جور” في عيدها الـ101 أقول: عيد سعيد، وإلى الأمام دائماً.