ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

لو كنت مكان الشرع لما اخترت المواجهة مع الدروز

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لحملة على السويداء لم تُحقّق سوى تعميق الانقسامات، وإضعاف هيبة السلطة، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية. الشعب السوري، بكلّ مكوّناته، يستحقّ دولة تمثّله، لا دولة تقسّمه. إن الدعوة إلى حوار شاملٍ وعقد اجتماعي عادل ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقّى من نسيج هذا الوطن.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

اختار الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أن يدخل في معركة كسر عظم مع الدروز في جبل العرب، ولا شكّ في أن لديه حساباته وأهدافه، ولكن كم كانت تلك الحسابات دقيقة وصائبة؟ 

في قلب الجنوب السوري، تتكشّف في السويداء مأساة تُلقي بظلالها القاتمة على مستقبل البلاد، ولا أحسب أن قرار السلطة بشنّ حملة عسكرية على معقل دروز سوريا كان خطأ تكتيكياً، بل خطيئة استراتيجية وخطوة كارثية عمّقت جذور الانقسام وتُنذر بعواقب وخيمة. 

وحتى اللحظة لم تثمر هذه الحملة، التي زعمت السلطة ووسائلها الإعلامية أنها تهدف إلى فرض “هيبة الدولة” وترسيخ القانون، سوى زعزعة الاستقرار، وتدمير الثقة بين السلطة ومكوّنات الشعب السوري، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية خطيرة.

بين باكو والسويداء: هل أخطأ الشرع في قراءة إسرائيل أم دُفع إلى الفشل؟

في تمّوز/ يوليو 2025، زار الرئيس السوري أحمد الشرع العاصمة الأذربيجانية باكو للمشاركة في لقاء علني رفيع المستوى مع الرئيس إلهام علييف، غير أن لقاءات أكثر أهمّية جرت خلف الأبواب المغلقة، إذ أفادت مصادر موثوقة بأن مسؤولين سوريين وإسرائيليين أجروا محادثات مباشرة في العاصمة الآذرية، مع تلميحات إلى حضور الشرع إحدى هذه الجلسات، ووفقاً لتسريبات متعدّدة، تناولت المناقشات إطاراً أمنياً جديداً بين سوريا وإسرائيل، قد يشمل تفاهمات تهدف إلى تحقيق الاستقرار في جنوب البلاد وفي منطقة الشمال الشرقي الكردية.

لكن بعد أيّام قليلة من عودته إلى دمشق، أصدر الشرع أوامر بشنّ هجوم عسكري على محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، التي بقيت لسنوات خارج نطاق السيطرة المركزية. وأشعلت العمليّة موجة عنف واسعة النطاق، ترافقها تهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وردّ فعل إسرائيلي لم يقتصر على الاحتجاج الدبلوماسي، بل شمل غارات جوّية مباشرة. 

وبالتالي، ما بدأ كمحاولة لفرض هيبة الدولة باستخدام القوّة، تحوّل سريعاً إلى أزمة إقليمية، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان الشرع قد أساء تقدير الموقف الإسرائيلي، أم أنه دُفع عمداً إلى هذا المسار.

استند قرار الرئيس السوري بإرسال قوّات إلى السويداء إلى قراءة خاطئة وحاسمة للإشارات الأميركية والإسرائيلية. فبحسب دبلوماسيين ومسؤولين سوريين ومصادر إقليمية تحدّثت إلى وكالة “رويترز”، اعتقدت دمشق أن الرسائل الأخيرة، لا سيّما من المبعوث الأميركي توماس برّاك، تنطوي على موافقة ضمنية على إعادة بسط سيطرة الحكومة المركزية على المناطق المضطربة مثل السويداء.

أغلب الظنّ أنه كان يعتقد أن إسرائيل لن تضحّي بمباحثاتها معه، وسوف تغضّ الطرف عن اقتحام قوّاته المحافظة ذات الغالبية الدرزية، ولعلّه وقر في ظنّ الشرع أن إسرائيل يهمّها فعلاً الدفاع عن الدروز، وإذا كان الأمر كذلك، فقد جانبه الصواب. إسرائيل لا تهتمّ بأي مجتمع سوري، ولا يعنيها الدروز بأكثر مما تعنيها بقيّة المكوّنات، من الكرد إلى العلويين. هدفها الأوحد هو منع اقتراب جنود الشرع من حدودها، فالرئيس السوري، في نظر الحكومة الإسرائيلية، لا يزال القائد أبو محمد الجولاني.

الردّ الإسرائيلي جاء سريعاً وصادماً. شنّت تل أبيب غارات جوّية استهدفت دبابات ومواقع أمنية سورية، مبرّرة تدخّلها بالتزامها بحماية أبناء الطائفة الدرزية، والحفاظ على منطقة جنوب سوريا كمنطقة منزوعة السلاح. أما واشنطن، التي بدت وكأنها فوجئت بالتطوّرات، فسارعت إلى التوسّط لوقف إطلاق النار، لكنّها نأت بنفسها عن الضربات الإسرائيلية، ووصفت ما جرى بأنه “سوء تفاهم”.

غير أن المخاطر الناجمة عن هذه الحسابات الخاطئة تتجاوز البعد التكتيكي. فبحسب تقارير إقليمية موثوقة، لم تكن الغارات الإسرائيلية مجرّد ردع أو تحذير، بل بدت وكأنها جزء من خطّة استراتيجية أوسع، تهدف إلى ترسيخ ما يشبه “جنوباً محايداً عسكرياً” داخل سوريا، منطقة عازلة خالية من قوّات وزارة الدفاع، ولكن ليست بالضرورة خالية من مظاهر الدولة. 

وقد أشارت تسريبات إسرائيلية إلى عدم الاعتراض على وجود وحدات شرطة مدنية أو أجهزة أمن داخلي، ما يؤكّد أن القلق الإسرائيلي لا يتعلّق بعودة الدولة السورية بحدّ ذاتها، بل بقدرتها العسكرية المستقلّة قرب الحدود.

وعلى الأرض، جاءت الروايات صادمة. وُجّهت تهم إلى القوّات السورية بارتكاب انتهاكات جسيمة، من إعدامات ميدانية إلى أعمال إذلال بحقّ المدنيين الدروز، ما لم يستفزّ إسرائيل فحسب، بل زاد أيضاً من حدّة التوتّرات الطائفية، وعزّز مخاوف الأقلّيات الأخرى من مشروع إعادة بناء الدولة بقبضة أمنية ذات طابع أيديولوجي إسلامي.

وبينما يرى مراقبون أن الشرع بالغ في تقدير مدى قبوله الدولي، واعتقد أن الخطاب الأميركي ضدّ الفيدرالية يمنحه تفويضاً باستخدام القوّة، فإن العمليّة برمّتها ارتدّت عليه. زادت الهوّة الطائفية، وقوّضت مصداقية دمشق إقليمياً، وسمحت لإسرائيل بإعادة ترسيخ حضورها العسكري كضامن لحدود ما بعد الأسد.

وفي المحصّلة، ما كان يفترض أن يكون عرضاً للسيادة الوطنية، تحوّل إلى مأزق سياسي وعسكري يهدّد بفتح الباب مجدداً أمام سيناريوهات التقسيم. الدم المسفوك في السويداء لم يكن نتاج خلل أمني داخلي فحسب، بل نتيجة مباشرة لفشل تفاوضي إقليمي، تُوظّف نتائجه اليوم كورقة ضغط على دمشق. 

ومع تصاعد الدعوات لتحقيق دولي في الفظائع المرتكبة، وظهور مطالب درزية بالحكم الذاتي أو الحماية الدولية، يبقى مستقبل الدولة السورية رهناً بخطوة الشرع التالية، أهي عسكرية، أم سياسية؟

الحملة العسكرية ووهم السيطرة

منذ البداية، بدا واضحاً أن الحملة العسكرية على السويداء لن تُثمر انتصاراً حقيقياً. فالسيطرة العسكرية المؤقتة لا تعني إخضاع المجتمع، بل على العكس، تُشعل نار الرفض والمقاومة. أهالي السويداء، بتاريخهم العريق وهوّيتهم المتماسكة، لن يقبلوا بسلطة تُفرض عليهم بالقوّة. هذا المكوّن الاجتماعي، كما هو الحال مع العلويين والكرد وغيرهم، لا يُمكن قهره عبر العنف. إن محاولة السلطة فرض هيمنتها بالقوّة تُشبه محاولة احتواء النار بالزيت؛ فبدلاً من إخماد التوتّرات، أجّجتها ووسّعت الفجوة بينها وبين الشعب.

ادّعت السلطة في بياناتها الرسمية أن الحملة تهدف إلى فضّ النزاعات، وملاحقة “الخارجين عن القانون”، واستعادة الاستقرار. لكنّ الواقع يكشف عكس ذلك: لم يُقبض على المتسبّبين الحقيقيين، وتحوّلت السويداء من منطقة مستقرة نسبياً إلى ساحة للتوتّر والفوضى، بدلاً من ترسيخ القانون، أصبحت المحافظة خارج سيطرته، وهيبته التي زُعِمَ أن الحملة ستعزّزها، تهاوت أكثر.

ما زاد الطين بلّة هو التجاوزات الصارخة التي ارتكبتها الفصائل الأمنية التابعة للسلطة. حرق المنازل، والنهب، والإهانات الموجّهة ضدّ الأهالي، مثل حلق شوارب الرجال – وهي رمزية تحمل إذلالاً عميقاً في الثقافة المحلّية – لم تكن مجرّد أفعال طائشة، بل رسالة واضحة تهدف إلى تجريد المكوّن الدرزي من كرامته. هذه الأفعال ليست موجّهة فقط ضدّ أفراد، بل ضدّ هوية اجتماعيةٍ بكاملها، وهي تحذير لكلّ من يجرؤ على معارضة السلطة، بغضّ النظر عن انتمائه.

معضلة السويداء

لماذا يرفض الدروز تسليم أسلحتهم؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من النظر إلى الوراء في صفحات التاريخ. فمنذ القرن الثامن عشر، لم يكن جبل حوران – المعروف أيضاً باسم جبل العرب أو جبل الدروز – ساحة سهلة للغزاة والحكّام. ومع توالي موجات الهجرة الدرزية من الشوف والجليل وجبل السمّاق، تحوّل الجبل إلى معقل تمرّد عصيّ على الإخضاع، تكسّرت عليه محاولات السيطرة من قِبل إبراهيم باشا المصري إلى الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى أديب الشيشكلي، الذي جلبت له لعنة الجبل نهاية حكمه، بل ونهاية حياته.

في عام 1837، ارتكب إبراهيم باشا خطأ قاتلاً حين حاول فرض التجنيد الإجباري على سكّان الجبل. جاءت ردّة الفعل دامية: ذُبح أربعمئة من فرسانه في الليلة الأولى لدخولهم، وتحوّلت اللجاة البركانية إلى مقبرة لجيوشه. لم ينسحب إلا بعد أن فقد آلاف الجنود والضبّاط في معركة أنهكت مشروع محمد علي في بلاد الشام.

وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، واجه الوالي الإصلاحي مدحت باشا تمرّداً عنيفاً في جبل الدروز في عام 1879، حين سعى إلى استثمار هزيمة التمرّد بتنظيم القضاء المحلّي واستبدال الزعامات التقليدية بموظّفين حكوميين. أثار قراره سخط الدروز الذين رفضوا الإصلاحات العثمانية التي تجاهلت البنية الاجتماعية المتماسكة للجبل، مما أشعل ثورة جديدة اضطرّ معها مدحت باشا إلى اللجوء إلى الحلّ العسكري، وهو ما أضعف موقعه السياسي وشوّه سمعته الإصلاحية. غادر دمشق والجبل في حالة عصيان دائم، وظلّ جبل الدروز معقلاً للثوار حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.

وبعد أقلّ من نصف قرن، انطلقت الثورة السورية الكبرى مجدّداً من الجبل نفسه، بقيادة سلطان باشا الأطرش ضدّ الفرنسيين، وذلك بعد إهانة الفرنسيين للباشا باعتقال دخيله أدهم خنجر وإعدامه في بيروت. وزاد المفوّض الفرنسي موريس ساراي الطين بلّة حين طرد وفداً درزياً من بيروت في عام 1925، بعد أن جاءه يطالب بتعيين حاكم درزي، مما دفع سلطان الأطرش إلى عقد اجتماع في السويداء أشعل شرارة الثورة.

وفي الخمسينيات، كرّر أديب الشيشكلي أخطاء من سبقوه، فاستهان بعصبيّة الجبل واعتقل منصور الأطرش، نجل سلطان، وقصف السويداء بالطائرات في محاولة لقمع الاحتجاجات على سياساته التعليمية والتسلطية. لم تمرّ أيّام حتى اشتعل الجبل، وتحوّلت الاحتجاجات إلى تمرّد مسلّح. برّر الشيشكلي حملته بكشف أسلحة ومخطّطات أجنبية، لكنّ النتيجة كانت إعلان حالة الطوارئ في نصف البلاد، واعتقال أبرز قادة المعارضة، قبل أن تنقلب عليه حلب في شباط/ فبراير 1954، في انقلاب أطاح به ودفعه إلى المنفى. هناك، في البرازيل، طاردته اللعنة ذاتها، حين اغتاله بعد سنوات شابّ درزي يُدعى نوّاف غزالة، ثأراً لما فعله بجبل الدروز.

ثبات الجذور في وجه العواصف

للدروز تاريخ طويل من الاعتماد على الذات والقدرة على الدفاع عن النفس، ولا سيّما في المناطق التي يشكّلون فيها غالبية أو ثقلاً مجتمعياً، وقد أسهمت النزاعات والاضطرابات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة في تعميق هذه الهواجس، ما جعل كثيرين يتحسّسون رؤوسهم خوفاً من الاضطهاد، وسلّط الضوء على أهمّية الحفاظ على السيطرة على أراضيهم التقليدية.

وزادت الأحداث التي شهدتها مناطق الساحل ذات الغالبية العلوية، ثم منطقتي جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا ذات الغالبية الدرزية، من هذه المخاوف، وصولاً إلى التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة في ضواحي دمشق، بعد شهور من التحريض اللفظي ضدّ المسيحيين في أحيائهم الخاصّة.

تشدّد العقيدة الدرزية على الترابط المجتمعي والحفاظ على الذات، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمناطقهم الجبلية التقليدية، ويتيح لهم التمسّك بهذه المناطق فرصة صون ممارساتهم الثقافية والدينية المميّزة، ومقاومة الضغوط الخارجية الرامية إلى الاستيعاب أو الذوبان في محيطهم.

وعلى مدى سنوات، عبّر وجهاء السويداء عن مطالب واضحة تتعلّق بإدارة لا مركزية وبنية أمنية محلّية تراعي خصوصية المحافظة، إلا أن هذه الدعوات قوبلت في معظم الأحيان برفض من السلطات المركزية، التي تمسّكت بهيكلية حكم عمودية تُقرَّر من الأعلى وتُنفَّذ في الأسفل، وقد أسهم هذا التباين في الرؤى في تفاقم التوتّر، وأضعف فرص التوصّل إلى حلول تفاوضية مستدامة.

وعلى الرغم من أن الدروز عُرفوا عموماً باستعدادهم الشديد للدفاع عن أنفسهم، فإنهم لم يُعرفوا في سوريا بميلهم إلى الاعتداء، وقد تميّزت العلاقات التاريخية بين محافظتي درعا (السنّية) والسويداء (الدرزية) في الغالب، بطابع سلمي واحترام متبادل، وإن شابتها في بعض الأحيان حالات من التوتّر.

الدروز وإسرائيل: ادّعاءات في غير محلّها

برّرت إسرائيل غاراتها الجوّية الأخيرة على سوريا، التي استهدفت وزارة الدفاع والقصر الرئاسي في دمشق، بأنها محاولة لحماية الأقلّية الدرزية في السويداء وسط تصاعد الاشتباكات مع القبائل البدوية المحلّية، وحاول رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو تصوير هذه الضربات كرادع في مواجهة حكومة “متطرّفة” ومعادية للأقلّيات. ومع أن إسرائيل قدّمت نفسها كمدافع عن المجتمعات الدرزية، خصوصاً على حدودها الشمالية، فإن الواقع أكثر تعقيداً وأقلّ تبادلاً مما تُوحي به هذه الرواية.

يجد الدروز أنفسهم اليوم عالقين بين طائفية متجدّدة، وحكومة انتقالية متقلّبة، وطموحات إسرائيلية لا تُخفي نفسها. يُقدّر عدد الدروز في سوريا بين 700 ألف ومليون نسمة، أما في إسرائيل، فلا يزيد عددهم على 160 ألف نسمة، ما يشكل 1.6% من إجمالي السكّان و7.6% من مجموع المواطنين العرب، ولكنّ دروز إسرائيل يتمتّعون بالجنسيّة، ويشاركون في الخدمة العسكرية، وقد اندمجوا في بنية الدولة.

رغم التمايز في وضعهم القانوني والاجتماعي، يتمسّك الدروز في سوريا بهوّيتهم الوطنية، ولم يعملوا يوماً كوكلاء أو أدوات لإسرائيل، ورغم بعض الدعوات الفردية من شخصيّات درزية للحماية أو الضمّ تحت وطأة التهديدات الوجودية، فقد حافظ المجتمع الدرزي السوري الأوسع على موقف واضح من الحياد والانتماء الوطني.

الغارات الجوّية الإسرائيلية، رغم تبريرها بمفردات إنسانية، تخدم في الحقيقة أهدافاً استراتيجية، أبرزها إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، ومنع تمركز الإسلاميين قرب حدودها. غير أن اعتبار هذا التحرّك العسكري شكلاً من التعاون مع الدروز هو تبسيط خطير للواقع. لم يطلب الدروز السوريون تدخّل إسرائيل، ولم ينسّقوا معها؛ بل يجدون أنفسهم في سوريا ما بعد الأسد وسط مناخ من انعدام الثقة، والتهميش، والاستفزازات المسلّحة، غالباً من جانب الحكومة ذاتها التي تتّهمهم الآن بالتواطؤ.

مع تصاعد العنف واستعداد إسرائيل لمواصلة غاراتها، تزداد الحاجة إلى التمييز بين المصالح الإسرائيلية ودور الدروز. فهؤلاء ليسوا وكلاء لإسرائيل ولا عملاء لجهات خارجية، بل هم مجتمع سوري عريق يسعى للبقاء والكرامة والاندماج في وطن يحاول النهوض من ركام حرب أهلية. إن تحريف موقفهم لا يشوّه نضالهم فحسب، بل يعرّض هذه الأقلّية الضعيفة لخطر التحوّل إلى كبش فداء في صراع جيوسياسي لا يد لهم فيه ولا سلطان، ومع ذلك، في حال هدّدت الميليشيات الطائفية وجودهم وهوّيتهم، فلن يكون غريباً أن يشعروا بالأمن إذا ما تلقوا مساعدة من إسرائيل.

صوت العقل في زمن الجنون

في ظلّ هذه الأزمة، تبرز الحاجة الملحّة إلى خطاب عقلاني يتجاوز التحريض الطائفي، ويُركّز على بناء عقد اجتماعي يشمل الجميع. أما السلطة الحاكمة في دمشق فعليها، إذا أرادت استعادة شرعيّتها، أن تتفاوض مع المكوّنات المختلفة، لا أن تُحاول قهرها. فالدولة التي تُقام على القمع لن تكون سوى قوقعة فارغة من الثقة والاستقرار.

في خضم هذه الأزمة، يبقى صوت العقل الأمل الوحيد لإنقاذ سوريا من دوّامة الدمار. إن الحملة على السويداء لم تُحقّق سوى تعميق الانقسامات، وإضعاف هيبة السلطة، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية. الشعب السوري، بكلّ مكوّناته، يستحقّ دولة تمثّله، لا دولة تقسّمه. إن الدعوة إلى حوار شاملٍ وعقد اجتماعي عادل ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقّى من نسيج هذا الوطن.

واختصاراً، من إبراهيم باشا إلى بشّار الأسد، ما أخطأ حاكم في تقدير الجبل إلا ودفع الثمن، ولهذا أقول إنني لو كنت مكان الشرع لما اخترت مواجهة الدروز. 

22.07.2025
زمن القراءة: 10 minutes

لحملة على السويداء لم تُحقّق سوى تعميق الانقسامات، وإضعاف هيبة السلطة، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية. الشعب السوري، بكلّ مكوّناته، يستحقّ دولة تمثّله، لا دولة تقسّمه. إن الدعوة إلى حوار شاملٍ وعقد اجتماعي عادل ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقّى من نسيج هذا الوطن.

اختار الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أن يدخل في معركة كسر عظم مع الدروز في جبل العرب، ولا شكّ في أن لديه حساباته وأهدافه، ولكن كم كانت تلك الحسابات دقيقة وصائبة؟ 

في قلب الجنوب السوري، تتكشّف في السويداء مأساة تُلقي بظلالها القاتمة على مستقبل البلاد، ولا أحسب أن قرار السلطة بشنّ حملة عسكرية على معقل دروز سوريا كان خطأ تكتيكياً، بل خطيئة استراتيجية وخطوة كارثية عمّقت جذور الانقسام وتُنذر بعواقب وخيمة. 

وحتى اللحظة لم تثمر هذه الحملة، التي زعمت السلطة ووسائلها الإعلامية أنها تهدف إلى فرض “هيبة الدولة” وترسيخ القانون، سوى زعزعة الاستقرار، وتدمير الثقة بين السلطة ومكوّنات الشعب السوري، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية خطيرة.

بين باكو والسويداء: هل أخطأ الشرع في قراءة إسرائيل أم دُفع إلى الفشل؟

في تمّوز/ يوليو 2025، زار الرئيس السوري أحمد الشرع العاصمة الأذربيجانية باكو للمشاركة في لقاء علني رفيع المستوى مع الرئيس إلهام علييف، غير أن لقاءات أكثر أهمّية جرت خلف الأبواب المغلقة، إذ أفادت مصادر موثوقة بأن مسؤولين سوريين وإسرائيليين أجروا محادثات مباشرة في العاصمة الآذرية، مع تلميحات إلى حضور الشرع إحدى هذه الجلسات، ووفقاً لتسريبات متعدّدة، تناولت المناقشات إطاراً أمنياً جديداً بين سوريا وإسرائيل، قد يشمل تفاهمات تهدف إلى تحقيق الاستقرار في جنوب البلاد وفي منطقة الشمال الشرقي الكردية.

لكن بعد أيّام قليلة من عودته إلى دمشق، أصدر الشرع أوامر بشنّ هجوم عسكري على محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، التي بقيت لسنوات خارج نطاق السيطرة المركزية. وأشعلت العمليّة موجة عنف واسعة النطاق، ترافقها تهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وردّ فعل إسرائيلي لم يقتصر على الاحتجاج الدبلوماسي، بل شمل غارات جوّية مباشرة. 

وبالتالي، ما بدأ كمحاولة لفرض هيبة الدولة باستخدام القوّة، تحوّل سريعاً إلى أزمة إقليمية، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان الشرع قد أساء تقدير الموقف الإسرائيلي، أم أنه دُفع عمداً إلى هذا المسار.

استند قرار الرئيس السوري بإرسال قوّات إلى السويداء إلى قراءة خاطئة وحاسمة للإشارات الأميركية والإسرائيلية. فبحسب دبلوماسيين ومسؤولين سوريين ومصادر إقليمية تحدّثت إلى وكالة “رويترز”، اعتقدت دمشق أن الرسائل الأخيرة، لا سيّما من المبعوث الأميركي توماس برّاك، تنطوي على موافقة ضمنية على إعادة بسط سيطرة الحكومة المركزية على المناطق المضطربة مثل السويداء.

أغلب الظنّ أنه كان يعتقد أن إسرائيل لن تضحّي بمباحثاتها معه، وسوف تغضّ الطرف عن اقتحام قوّاته المحافظة ذات الغالبية الدرزية، ولعلّه وقر في ظنّ الشرع أن إسرائيل يهمّها فعلاً الدفاع عن الدروز، وإذا كان الأمر كذلك، فقد جانبه الصواب. إسرائيل لا تهتمّ بأي مجتمع سوري، ولا يعنيها الدروز بأكثر مما تعنيها بقيّة المكوّنات، من الكرد إلى العلويين. هدفها الأوحد هو منع اقتراب جنود الشرع من حدودها، فالرئيس السوري، في نظر الحكومة الإسرائيلية، لا يزال القائد أبو محمد الجولاني.

الردّ الإسرائيلي جاء سريعاً وصادماً. شنّت تل أبيب غارات جوّية استهدفت دبابات ومواقع أمنية سورية، مبرّرة تدخّلها بالتزامها بحماية أبناء الطائفة الدرزية، والحفاظ على منطقة جنوب سوريا كمنطقة منزوعة السلاح. أما واشنطن، التي بدت وكأنها فوجئت بالتطوّرات، فسارعت إلى التوسّط لوقف إطلاق النار، لكنّها نأت بنفسها عن الضربات الإسرائيلية، ووصفت ما جرى بأنه “سوء تفاهم”.

غير أن المخاطر الناجمة عن هذه الحسابات الخاطئة تتجاوز البعد التكتيكي. فبحسب تقارير إقليمية موثوقة، لم تكن الغارات الإسرائيلية مجرّد ردع أو تحذير، بل بدت وكأنها جزء من خطّة استراتيجية أوسع، تهدف إلى ترسيخ ما يشبه “جنوباً محايداً عسكرياً” داخل سوريا، منطقة عازلة خالية من قوّات وزارة الدفاع، ولكن ليست بالضرورة خالية من مظاهر الدولة. 

وقد أشارت تسريبات إسرائيلية إلى عدم الاعتراض على وجود وحدات شرطة مدنية أو أجهزة أمن داخلي، ما يؤكّد أن القلق الإسرائيلي لا يتعلّق بعودة الدولة السورية بحدّ ذاتها، بل بقدرتها العسكرية المستقلّة قرب الحدود.

وعلى الأرض، جاءت الروايات صادمة. وُجّهت تهم إلى القوّات السورية بارتكاب انتهاكات جسيمة، من إعدامات ميدانية إلى أعمال إذلال بحقّ المدنيين الدروز، ما لم يستفزّ إسرائيل فحسب، بل زاد أيضاً من حدّة التوتّرات الطائفية، وعزّز مخاوف الأقلّيات الأخرى من مشروع إعادة بناء الدولة بقبضة أمنية ذات طابع أيديولوجي إسلامي.

وبينما يرى مراقبون أن الشرع بالغ في تقدير مدى قبوله الدولي، واعتقد أن الخطاب الأميركي ضدّ الفيدرالية يمنحه تفويضاً باستخدام القوّة، فإن العمليّة برمّتها ارتدّت عليه. زادت الهوّة الطائفية، وقوّضت مصداقية دمشق إقليمياً، وسمحت لإسرائيل بإعادة ترسيخ حضورها العسكري كضامن لحدود ما بعد الأسد.

وفي المحصّلة، ما كان يفترض أن يكون عرضاً للسيادة الوطنية، تحوّل إلى مأزق سياسي وعسكري يهدّد بفتح الباب مجدداً أمام سيناريوهات التقسيم. الدم المسفوك في السويداء لم يكن نتاج خلل أمني داخلي فحسب، بل نتيجة مباشرة لفشل تفاوضي إقليمي، تُوظّف نتائجه اليوم كورقة ضغط على دمشق. 

ومع تصاعد الدعوات لتحقيق دولي في الفظائع المرتكبة، وظهور مطالب درزية بالحكم الذاتي أو الحماية الدولية، يبقى مستقبل الدولة السورية رهناً بخطوة الشرع التالية، أهي عسكرية، أم سياسية؟

الحملة العسكرية ووهم السيطرة

منذ البداية، بدا واضحاً أن الحملة العسكرية على السويداء لن تُثمر انتصاراً حقيقياً. فالسيطرة العسكرية المؤقتة لا تعني إخضاع المجتمع، بل على العكس، تُشعل نار الرفض والمقاومة. أهالي السويداء، بتاريخهم العريق وهوّيتهم المتماسكة، لن يقبلوا بسلطة تُفرض عليهم بالقوّة. هذا المكوّن الاجتماعي، كما هو الحال مع العلويين والكرد وغيرهم، لا يُمكن قهره عبر العنف. إن محاولة السلطة فرض هيمنتها بالقوّة تُشبه محاولة احتواء النار بالزيت؛ فبدلاً من إخماد التوتّرات، أجّجتها ووسّعت الفجوة بينها وبين الشعب.

ادّعت السلطة في بياناتها الرسمية أن الحملة تهدف إلى فضّ النزاعات، وملاحقة “الخارجين عن القانون”، واستعادة الاستقرار. لكنّ الواقع يكشف عكس ذلك: لم يُقبض على المتسبّبين الحقيقيين، وتحوّلت السويداء من منطقة مستقرة نسبياً إلى ساحة للتوتّر والفوضى، بدلاً من ترسيخ القانون، أصبحت المحافظة خارج سيطرته، وهيبته التي زُعِمَ أن الحملة ستعزّزها، تهاوت أكثر.

ما زاد الطين بلّة هو التجاوزات الصارخة التي ارتكبتها الفصائل الأمنية التابعة للسلطة. حرق المنازل، والنهب، والإهانات الموجّهة ضدّ الأهالي، مثل حلق شوارب الرجال – وهي رمزية تحمل إذلالاً عميقاً في الثقافة المحلّية – لم تكن مجرّد أفعال طائشة، بل رسالة واضحة تهدف إلى تجريد المكوّن الدرزي من كرامته. هذه الأفعال ليست موجّهة فقط ضدّ أفراد، بل ضدّ هوية اجتماعيةٍ بكاملها، وهي تحذير لكلّ من يجرؤ على معارضة السلطة، بغضّ النظر عن انتمائه.

معضلة السويداء

لماذا يرفض الدروز تسليم أسلحتهم؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من النظر إلى الوراء في صفحات التاريخ. فمنذ القرن الثامن عشر، لم يكن جبل حوران – المعروف أيضاً باسم جبل العرب أو جبل الدروز – ساحة سهلة للغزاة والحكّام. ومع توالي موجات الهجرة الدرزية من الشوف والجليل وجبل السمّاق، تحوّل الجبل إلى معقل تمرّد عصيّ على الإخضاع، تكسّرت عليه محاولات السيطرة من قِبل إبراهيم باشا المصري إلى الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى أديب الشيشكلي، الذي جلبت له لعنة الجبل نهاية حكمه، بل ونهاية حياته.

في عام 1837، ارتكب إبراهيم باشا خطأ قاتلاً حين حاول فرض التجنيد الإجباري على سكّان الجبل. جاءت ردّة الفعل دامية: ذُبح أربعمئة من فرسانه في الليلة الأولى لدخولهم، وتحوّلت اللجاة البركانية إلى مقبرة لجيوشه. لم ينسحب إلا بعد أن فقد آلاف الجنود والضبّاط في معركة أنهكت مشروع محمد علي في بلاد الشام.

وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، واجه الوالي الإصلاحي مدحت باشا تمرّداً عنيفاً في جبل الدروز في عام 1879، حين سعى إلى استثمار هزيمة التمرّد بتنظيم القضاء المحلّي واستبدال الزعامات التقليدية بموظّفين حكوميين. أثار قراره سخط الدروز الذين رفضوا الإصلاحات العثمانية التي تجاهلت البنية الاجتماعية المتماسكة للجبل، مما أشعل ثورة جديدة اضطرّ معها مدحت باشا إلى اللجوء إلى الحلّ العسكري، وهو ما أضعف موقعه السياسي وشوّه سمعته الإصلاحية. غادر دمشق والجبل في حالة عصيان دائم، وظلّ جبل الدروز معقلاً للثوار حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.

وبعد أقلّ من نصف قرن، انطلقت الثورة السورية الكبرى مجدّداً من الجبل نفسه، بقيادة سلطان باشا الأطرش ضدّ الفرنسيين، وذلك بعد إهانة الفرنسيين للباشا باعتقال دخيله أدهم خنجر وإعدامه في بيروت. وزاد المفوّض الفرنسي موريس ساراي الطين بلّة حين طرد وفداً درزياً من بيروت في عام 1925، بعد أن جاءه يطالب بتعيين حاكم درزي، مما دفع سلطان الأطرش إلى عقد اجتماع في السويداء أشعل شرارة الثورة.

وفي الخمسينيات، كرّر أديب الشيشكلي أخطاء من سبقوه، فاستهان بعصبيّة الجبل واعتقل منصور الأطرش، نجل سلطان، وقصف السويداء بالطائرات في محاولة لقمع الاحتجاجات على سياساته التعليمية والتسلطية. لم تمرّ أيّام حتى اشتعل الجبل، وتحوّلت الاحتجاجات إلى تمرّد مسلّح. برّر الشيشكلي حملته بكشف أسلحة ومخطّطات أجنبية، لكنّ النتيجة كانت إعلان حالة الطوارئ في نصف البلاد، واعتقال أبرز قادة المعارضة، قبل أن تنقلب عليه حلب في شباط/ فبراير 1954، في انقلاب أطاح به ودفعه إلى المنفى. هناك، في البرازيل، طاردته اللعنة ذاتها، حين اغتاله بعد سنوات شابّ درزي يُدعى نوّاف غزالة، ثأراً لما فعله بجبل الدروز.

ثبات الجذور في وجه العواصف

للدروز تاريخ طويل من الاعتماد على الذات والقدرة على الدفاع عن النفس، ولا سيّما في المناطق التي يشكّلون فيها غالبية أو ثقلاً مجتمعياً، وقد أسهمت النزاعات والاضطرابات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة في تعميق هذه الهواجس، ما جعل كثيرين يتحسّسون رؤوسهم خوفاً من الاضطهاد، وسلّط الضوء على أهمّية الحفاظ على السيطرة على أراضيهم التقليدية.

وزادت الأحداث التي شهدتها مناطق الساحل ذات الغالبية العلوية، ثم منطقتي جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا ذات الغالبية الدرزية، من هذه المخاوف، وصولاً إلى التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة في ضواحي دمشق، بعد شهور من التحريض اللفظي ضدّ المسيحيين في أحيائهم الخاصّة.

تشدّد العقيدة الدرزية على الترابط المجتمعي والحفاظ على الذات، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمناطقهم الجبلية التقليدية، ويتيح لهم التمسّك بهذه المناطق فرصة صون ممارساتهم الثقافية والدينية المميّزة، ومقاومة الضغوط الخارجية الرامية إلى الاستيعاب أو الذوبان في محيطهم.

وعلى مدى سنوات، عبّر وجهاء السويداء عن مطالب واضحة تتعلّق بإدارة لا مركزية وبنية أمنية محلّية تراعي خصوصية المحافظة، إلا أن هذه الدعوات قوبلت في معظم الأحيان برفض من السلطات المركزية، التي تمسّكت بهيكلية حكم عمودية تُقرَّر من الأعلى وتُنفَّذ في الأسفل، وقد أسهم هذا التباين في الرؤى في تفاقم التوتّر، وأضعف فرص التوصّل إلى حلول تفاوضية مستدامة.

وعلى الرغم من أن الدروز عُرفوا عموماً باستعدادهم الشديد للدفاع عن أنفسهم، فإنهم لم يُعرفوا في سوريا بميلهم إلى الاعتداء، وقد تميّزت العلاقات التاريخية بين محافظتي درعا (السنّية) والسويداء (الدرزية) في الغالب، بطابع سلمي واحترام متبادل، وإن شابتها في بعض الأحيان حالات من التوتّر.

الدروز وإسرائيل: ادّعاءات في غير محلّها

برّرت إسرائيل غاراتها الجوّية الأخيرة على سوريا، التي استهدفت وزارة الدفاع والقصر الرئاسي في دمشق، بأنها محاولة لحماية الأقلّية الدرزية في السويداء وسط تصاعد الاشتباكات مع القبائل البدوية المحلّية، وحاول رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو تصوير هذه الضربات كرادع في مواجهة حكومة “متطرّفة” ومعادية للأقلّيات. ومع أن إسرائيل قدّمت نفسها كمدافع عن المجتمعات الدرزية، خصوصاً على حدودها الشمالية، فإن الواقع أكثر تعقيداً وأقلّ تبادلاً مما تُوحي به هذه الرواية.

يجد الدروز أنفسهم اليوم عالقين بين طائفية متجدّدة، وحكومة انتقالية متقلّبة، وطموحات إسرائيلية لا تُخفي نفسها. يُقدّر عدد الدروز في سوريا بين 700 ألف ومليون نسمة، أما في إسرائيل، فلا يزيد عددهم على 160 ألف نسمة، ما يشكل 1.6% من إجمالي السكّان و7.6% من مجموع المواطنين العرب، ولكنّ دروز إسرائيل يتمتّعون بالجنسيّة، ويشاركون في الخدمة العسكرية، وقد اندمجوا في بنية الدولة.

رغم التمايز في وضعهم القانوني والاجتماعي، يتمسّك الدروز في سوريا بهوّيتهم الوطنية، ولم يعملوا يوماً كوكلاء أو أدوات لإسرائيل، ورغم بعض الدعوات الفردية من شخصيّات درزية للحماية أو الضمّ تحت وطأة التهديدات الوجودية، فقد حافظ المجتمع الدرزي السوري الأوسع على موقف واضح من الحياد والانتماء الوطني.

الغارات الجوّية الإسرائيلية، رغم تبريرها بمفردات إنسانية، تخدم في الحقيقة أهدافاً استراتيجية، أبرزها إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، ومنع تمركز الإسلاميين قرب حدودها. غير أن اعتبار هذا التحرّك العسكري شكلاً من التعاون مع الدروز هو تبسيط خطير للواقع. لم يطلب الدروز السوريون تدخّل إسرائيل، ولم ينسّقوا معها؛ بل يجدون أنفسهم في سوريا ما بعد الأسد وسط مناخ من انعدام الثقة، والتهميش، والاستفزازات المسلّحة، غالباً من جانب الحكومة ذاتها التي تتّهمهم الآن بالتواطؤ.

مع تصاعد العنف واستعداد إسرائيل لمواصلة غاراتها، تزداد الحاجة إلى التمييز بين المصالح الإسرائيلية ودور الدروز. فهؤلاء ليسوا وكلاء لإسرائيل ولا عملاء لجهات خارجية، بل هم مجتمع سوري عريق يسعى للبقاء والكرامة والاندماج في وطن يحاول النهوض من ركام حرب أهلية. إن تحريف موقفهم لا يشوّه نضالهم فحسب، بل يعرّض هذه الأقلّية الضعيفة لخطر التحوّل إلى كبش فداء في صراع جيوسياسي لا يد لهم فيه ولا سلطان، ومع ذلك، في حال هدّدت الميليشيات الطائفية وجودهم وهوّيتهم، فلن يكون غريباً أن يشعروا بالأمن إذا ما تلقوا مساعدة من إسرائيل.

صوت العقل في زمن الجنون

في ظلّ هذه الأزمة، تبرز الحاجة الملحّة إلى خطاب عقلاني يتجاوز التحريض الطائفي، ويُركّز على بناء عقد اجتماعي يشمل الجميع. أما السلطة الحاكمة في دمشق فعليها، إذا أرادت استعادة شرعيّتها، أن تتفاوض مع المكوّنات المختلفة، لا أن تُحاول قهرها. فالدولة التي تُقام على القمع لن تكون سوى قوقعة فارغة من الثقة والاستقرار.

في خضم هذه الأزمة، يبقى صوت العقل الأمل الوحيد لإنقاذ سوريا من دوّامة الدمار. إن الحملة على السويداء لم تُحقّق سوى تعميق الانقسامات، وإضعاف هيبة السلطة، وفتح الأبواب لتدخّلات خارجية. الشعب السوري، بكلّ مكوّناته، يستحقّ دولة تمثّله، لا دولة تقسّمه. إن الدعوة إلى حوار شاملٍ وعقد اجتماعي عادل ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقّى من نسيج هذا الوطن.

واختصاراً، من إبراهيم باشا إلى بشّار الأسد، ما أخطأ حاكم في تقدير الجبل إلا ودفع الثمن، ولهذا أقول إنني لو كنت مكان الشرع لما اخترت مواجهة الدروز.