ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ليلة تدمير سوق النبطية: ضرب الذاكرة الجماعيّة لجبل عامل

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المتاجر، المحالّ القديمة، الأدراج الحجرية المؤدّية إلى المحلّات العلوية، الممرّات المسقوفة، مبنى اللوكندة الوحيد في المدينة “زهرة الجنوب”، الأرصفة، ذاكرة كاملة لمجموعة بشرية تسكن هذه البلاد، سُوّيت بالأرض وتحوّلت في لحظات إلى رماد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يكن يوم الاثنين مجرّد يوم عادي يستوطن روزنامة حياتنا، إنه يوم السوق، والسوق بالنسبة إلينا هو مدينة النبطية يوم الاثنين! 

وسوق الاثنين لم يكن يوماً، سوقاً تجارياً تقليدياً فحسب، إنما فضاء للتواصل الاجتماعي، وفرصة للتعارف واللقاء بين أبناء جبل عامل، فضلاً عن كونه ذاكرتهم الحيّة التي تختزن تفاصيل الحياة اليومية، والكثير من القصص والأحداث. 

.في أرجائه، نمت شبكة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية ربطت مدينة النبطية بقرى الجوار، مثل: زبدين وكفرتبنيت وكفررمان وعربصاليم وجبشيت والدوير وغيرها. 

وعلى رغم تعرّضه لضربات وأضرار كثيرة خلال الحروب الإسرائيلية المتلاحقة التي مرّت على المنطقة، ظلّ مؤشراً لا يخطئ إلى عافية المنطقة وأهلها: إذا ازدحم السوق، فذلك يعني أن الناس صامدون وأن الدورة الاقتصادية تدور، وأن النبطية وأقضيتها الأربعة ما زالت على قيد الحياة.

كلّ ذلك كان قبل الساعة الثامنة والربع ليل 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، في تلك الليلة شنّت الطائرات الإسرائيلية سلسلة غارات على النبطية هي الأعنف منذ بدء “حرب الإسناد”، استهدفت خلالها الوسط التجاري للمدينة، الذي يقع ضمنه ما يُعرف بمربّع سوق الاثنين التراثي ودمّرته بالكامل. 

المتاجر، المحالّ القديمة، الأدراج الحجرية المؤدّية إلى المحلّات العلوية، الممرّات المسقوفة، مبنى اللوكندة الوحيد في المدينة “زهرة الجنوب”، الأرصفة، ذاكرة كاملة لمجموعة بشرية تسكن هذه البلاد، سُوّيت بالأرض وتحوّلت في لحظات إلى رماد.

كنّا نتابع المشهد ذاهلين في أماكن نزوحنا القسري، غير أن ذاكرتنا كانت ترفض التصديق، وتصرّ على الاحتفاظ بالصور القديمة.

بعد انتهاء الحرب، هُرعنا إلى المكان؛ نحن أبناء القرى المجاورة وأهل المدينة، لنجد أن ما حدث لم يكن كابوساً أو فيلم رعب شاهدناه على الشاشات، ونرى ما لا يسرّ من يرى، ونتأكّد أن المشهد حقيقي على رغم سورياليته، وأن “سوقنا” أصبح أثراً بعد عين.

ينقسم سوق النبطية التجاري إلى قسمين، قسم تاريخي يتعدّى عمره الـ900 عام، ويأخذ شكل مربّع وسط المدينة، وهو القسم الذي يحتضن بين جنباته سوق الاثنين الشعبي، والقسم الآخر من الجهة العليا الذي نما وتوسّع تدريجياً مع تطوّر المدينة وتحوّلها إلى مركز محافظة النبطية.

في مقابلة أجريناها معه، يقول الكاتب والمؤرّخ علي مزرعاني عن النبطية وسوقها: “إن الاستقرار البشري في النبطية يعود إلى طبيعتها السهلية ووفرة ينابيعها، ما جعلها نقطة التقاء للقوافل وتبادل السلع بالمقايضة. هذا الموقع الطبيعي- التجاري أسّس لنشوء سوق النبطية، الذي يزيد عمره على تسعمئة عام، وجعل المدينة إحدى محطّات التجارة الأساسية المعتمدة في بلاد الشام”.

هذه كانت البداية، إلى أن حلّ القرن التاسع عشر، حيث نشطت الحركة التجارية في جبل عامل، وباتت تحتاج إلى خريطة رسمية، وهنا يضيف مزرعاني: “شهد السوق توسّعاً لافتاً في القرن التاسع عشر، فتوزّع إلى ثلاثة أسواق رئيسية: سوق الماشية لجهة البيدر، سوق الملابس المستعملة في المنشيّة، وسوق الحبوب والموادّ الغذائية”.

يروي مزرعاني عن حركة السوق بحسب ما نقله مؤرّخون، أن يوم الاثنين اعتُمد مع الأيّام موعداً أسبوعياً للبيع والشراء، وصارت قوافل التجّار تصل إلى النبطية مع حلول عصر الأحد، وتخيّم فيها حتى مساء الاثنين، كما أصبح السوق الذي حمل اسمه، مركزاً دورياً للحركة التجارية، وتُظهر أقدم الصور المأخوذة للسوق التي تعود إلى العام 1910، بالإضافة إلى البضائع والمعروضات، جنديين عثمانيين يحرسان المكان.

بعد احتلال فلسطين، تراجع نشاط السوق، وانتقلت أقسامه الثلاثة إلى البيدر، ثم اختفى سوق الماشية في الثمانينات مع انتشار الأسواق المحلّية في قرى الجوار مثل: تبنين والطيبة وجباع.

السؤال الذي يطرحه كثيرون حين الحديث عن سوق النبطية، أيّ منهما كان نواة نشوء الآخر، المدينة أم السوق؟ ومما لا شكّ فيه أن العلاقة بين النبطية وسوقها هي علاقة طردية، فبحسب مزرعاني “السوق التاريخي ساهم في تشكيل مركزية المدينة، كما أن المدينة، لاحتوائها أكبر تجمّع شيعي في المنطقة، وإحيائها مراسم عاشوراء منذ 1895، واستضافتها عدداً من المؤسّسات الرسمية منذ العام 1920، مثل: البلدية، السرايا الحكومية، ومركز البريد، وبروز بيوتات سياسية فيها، مثل: آل الزين وآل الفضل، استطاعت جذب التجّار إليها، ما أنتج تكاملاً وتلازماً بين الدور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لكليهما… المدينة والسوق معاً”.

لذلك كلما ازدهر السوق ازدهرت المدينة وبالعكس، ففي الخمسينات مع نشاط زراعة التبغ في الجنوب، عرفت المدينة ازدهاراً كبيراً، زادته تحويلات الاغتراب، ووجود المدارس والإرساليات، وفي الثمانينات تضاعف النشاط التجاري مع إنشاء أوّل مخيّم فلسطيني فيها، إذ كان الفلسطينيون ينفقون أموالهم في السوق ولا ينافسون التجّار المحلّيين.

لكنّ العدو الإسرائيلي كان دوماً بالمرصاد، فاستهدف السوق مراراً وتكراراً. الضربة الإسرائيلية الأولى التي تلقّتها النبطية كانت في عام 1974، وفي العام 1977 اضطرّت المدينة إلى إلغاء سوق الاثنين وتقنين الحركة التجارية بسبب القصف الإسرائيلي، وتواصلت الضربات حتى عام الاحتلال في حزيران/ يونيو 1982، حيث تحوّل القصف المدفعي إلى مواجهة يومية مع جنود الاحتلال، منها مواجهات عاشوراء الشهيرة، وهذا أدّى بطبيعة الحال إلى تراجع النشاط الاقتصادي في المدينة وركود السوق. في العام 1985، انسحبت إسرائيل جزئياً من الجنوب، فاستعاد السوق بعضاً من حيويّته، على رغم أن الأعمال العدائية الإسرائيلية لم تتوقّف، وظلّت إسرائيل متحكّمة بحركة المدينة وسوقها، من خلال تمركزها أعلى التلال المحيطة بها، فشهدت المدينة وسوقها دماراً ومجازر لا سيّما في حربي العامين 1993 و1996. بعد الانسحاب الإسرائيلي الكلّي في عام 2000، شهدت المدينة انتعاشاً عامّاً، أعاد إليها جاذبيتها وأعاد الى السوق مكانته التقليدية في الحياة الاقتصادية للمنطقة، ثم أتت حرب تمّوز/ يوليو 2006 لتقضي على ستّ سنوات من الازدهار والاستقرار، وليشهد المربّع التجاري إيّاه دماراً هائلاً، ما لبث أن صنّفه أهل المنطقة بالعادي، مقابل ما شهده ليل 11 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2024…

حين سألنا أحد أبناء المدينة، الذي تمنّى عدم ذكر اسمه، عن معنى تركيز إسرائيل على تدمير السوق في كلّ اعتداء، أجاب: “تدمير المكان هو ضرب لرمز اجتماعي قبل أن يكون تدميراً للحجر فقط، وسوق النبطية أهمّ رمز اجتماعي عرفته المنطقة، تدميره هو تدمير أحد أهمّ جسور التواصل بين الناس، ويمكن القول إن القصد من استهدافه، هو استهداف ركن أساسي من هويّة جبل عامل وذاكرته… لطالما كانت الأسواق الشعبية في لبنان عبر التاريخ، كما في الشرق كلّه، مراكز تواصل سياسي واجتماعي واقتصادي، لذلك تدمير سوق النبطية هو محاولة لإضعاف المجال الاجتماعي المشترك الذي يجمع السكّان، عندما يُكسَر هذا المجال، يُدفَع الناس نحو الانعزال، نحو فقدان المساحات التي تسمح لهم بأن يعيشوا مجتمعاً واحداً. إسرائيل باستهدافها السوق، ضربت الاجتماع المركزي للجماعة الشيعية في المنطقة، وهذا يؤدّي بهم إلى التشتت وإلى مزيد من العزلة”.

للسوق من وجهة نظر شعبية معانٍ أخرى، في جولة على أصحاب المحلّات يقول أبو حسين (اسم مستعار) وهو من تجّار النبطية القدامى، إن “السوق في ما مضى كان يرتكز على المنتجات الزراعية، فضلاً عن منتجات الحرفيين، غير أن الأمر تطوّر تدريجياً فغزت البضائع المستوردة المحالّ والبسطات، لا سيّما الملابس والأحذية والأكسسوارات والأدوات المنزلية، وحتى الموادّ الغذائية وموادّ التنظيف التي تشكّل قوات اليونيفيل أحد أكبر مصادرها”.

أثناء حديثنا مع الحاجّة أم علي (اسم مستعار) التي تأتي كلّ يوم اثنين من بلدة كفررمان المجاورة لتعرض منتجاتها الزراعية الطازجة، قالت: “السوق هو بيتنا وذكرياتنا الحلوة، كنت أزوره صغيرة مع أمي، وها أنا اليوم أقف مكانها”.

في زاوية أخرى، يقف الحاج محمّد (اسم مستعار) أمام بسطة تعرض المكسّرات والبهارات المتنوّعة، يستقبلنا قائلاً: “الزمن الأوّل تحوّل، الحالة صعبة يا بنتي”، في إشارة منه إلى حالة الركود السائدة بسبب تراجع القدرة الشرائية، وتخوّف بعض الناس من زيارة السوق هذه الأيّام، لا سيّما وأن التلال المحيطة بالمدينة عرضة لغارات واعتداءات إسرائيلية متكرّرة.

سوق الاثنين بالنسبة إلي هو “عجقة” العيد، كنا نقصده في أواخر أيّام شهر رمضان، لنشتري الملابس الجديدة والأحذية اللامعة والجزادين الملوّنة، تقول امرأة في العقد الرابع من العمر، تقف إلى جانبنا تقلّب البضائع مختبرة جودة القماش. تشعر دارين كأنها تتحدّث عنها، كما تقول لي، فتعود بها الذاكرة إلى تلك الصباحات التي كانت تستعدّ فيها لزيارة السوق مع أمّها لاستكمال تحضيرات العيد؛ وكم سيكون يومها رائعاً لو قرّرت أن تمرّ أمها بسوق اللحم حيث الروائح الشهية تعمّ الأرجاء، بعدها ستعود إلى البيت فرحة بـ”الترويقة” الشهيّة، وبجولة الإغاظة التي ستمارسها على أخواتها، إذ شاء الحظ أن تكون صاحبة النصيب بزيارة السوق في هذا اليوم.

لكأن هناك علاقة خاصّة تربط النساء بالسوق تقول لي هالة، إذ بالإضافة إلى كون التسوّق نشاطاً نسوياً مفضّلاً، فقد وجدت النساء في السوق نافذة يطللن منها على العالم، ومتنفسّاً اجتماعياً واقتصادياً لهن، فلطالما كان فسحتهن الوحيدة، يزرنه للتمشية والتبضّع حيناً، ولبيع ما ينتجنه حيناً آخر، يتعرّفن إلى نساء أخريات من قرى مجاورة، يتبادلن وصفات الطبخ والأخبار والحكايات وهموم العائلة والأزواج!

دورنا نحكي

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 11.07.2026

إنان م. بلاي: أهرب من العراق كلّه إلى غرفتي

تحاور الشاعرة والصحافية رنا زيد الكاتبة والنسوية إنان م. بلاي في طقس تصفه زيد بأنه يتحدّى السرد التقليدي للنساء، وللأمّهات والجدّات المشرقيات، حوار يتحدّى الفاشية المشرقية ومعها الفاشية الغربية، لضرورة أن يُسمع صوتها، صوت إنان، وصوت كلّ من تمثّله في العراق.
19.12.2025
زمن القراءة: 6 minutes

المتاجر، المحالّ القديمة، الأدراج الحجرية المؤدّية إلى المحلّات العلوية، الممرّات المسقوفة، مبنى اللوكندة الوحيد في المدينة “زهرة الجنوب”، الأرصفة، ذاكرة كاملة لمجموعة بشرية تسكن هذه البلاد، سُوّيت بالأرض وتحوّلت في لحظات إلى رماد.

لم يكن يوم الاثنين مجرّد يوم عادي يستوطن روزنامة حياتنا، إنه يوم السوق، والسوق بالنسبة إلينا هو مدينة النبطية يوم الاثنين! 

وسوق الاثنين لم يكن يوماً، سوقاً تجارياً تقليدياً فحسب، إنما فضاء للتواصل الاجتماعي، وفرصة للتعارف واللقاء بين أبناء جبل عامل، فضلاً عن كونه ذاكرتهم الحيّة التي تختزن تفاصيل الحياة اليومية، والكثير من القصص والأحداث. 

.في أرجائه، نمت شبكة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية ربطت مدينة النبطية بقرى الجوار، مثل: زبدين وكفرتبنيت وكفررمان وعربصاليم وجبشيت والدوير وغيرها. 

وعلى رغم تعرّضه لضربات وأضرار كثيرة خلال الحروب الإسرائيلية المتلاحقة التي مرّت على المنطقة، ظلّ مؤشراً لا يخطئ إلى عافية المنطقة وأهلها: إذا ازدحم السوق، فذلك يعني أن الناس صامدون وأن الدورة الاقتصادية تدور، وأن النبطية وأقضيتها الأربعة ما زالت على قيد الحياة.

كلّ ذلك كان قبل الساعة الثامنة والربع ليل 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، في تلك الليلة شنّت الطائرات الإسرائيلية سلسلة غارات على النبطية هي الأعنف منذ بدء “حرب الإسناد”، استهدفت خلالها الوسط التجاري للمدينة، الذي يقع ضمنه ما يُعرف بمربّع سوق الاثنين التراثي ودمّرته بالكامل. 

المتاجر، المحالّ القديمة، الأدراج الحجرية المؤدّية إلى المحلّات العلوية، الممرّات المسقوفة، مبنى اللوكندة الوحيد في المدينة “زهرة الجنوب”، الأرصفة، ذاكرة كاملة لمجموعة بشرية تسكن هذه البلاد، سُوّيت بالأرض وتحوّلت في لحظات إلى رماد.

كنّا نتابع المشهد ذاهلين في أماكن نزوحنا القسري، غير أن ذاكرتنا كانت ترفض التصديق، وتصرّ على الاحتفاظ بالصور القديمة.

بعد انتهاء الحرب، هُرعنا إلى المكان؛ نحن أبناء القرى المجاورة وأهل المدينة، لنجد أن ما حدث لم يكن كابوساً أو فيلم رعب شاهدناه على الشاشات، ونرى ما لا يسرّ من يرى، ونتأكّد أن المشهد حقيقي على رغم سورياليته، وأن “سوقنا” أصبح أثراً بعد عين.

ينقسم سوق النبطية التجاري إلى قسمين، قسم تاريخي يتعدّى عمره الـ900 عام، ويأخذ شكل مربّع وسط المدينة، وهو القسم الذي يحتضن بين جنباته سوق الاثنين الشعبي، والقسم الآخر من الجهة العليا الذي نما وتوسّع تدريجياً مع تطوّر المدينة وتحوّلها إلى مركز محافظة النبطية.

في مقابلة أجريناها معه، يقول الكاتب والمؤرّخ علي مزرعاني عن النبطية وسوقها: “إن الاستقرار البشري في النبطية يعود إلى طبيعتها السهلية ووفرة ينابيعها، ما جعلها نقطة التقاء للقوافل وتبادل السلع بالمقايضة. هذا الموقع الطبيعي- التجاري أسّس لنشوء سوق النبطية، الذي يزيد عمره على تسعمئة عام، وجعل المدينة إحدى محطّات التجارة الأساسية المعتمدة في بلاد الشام”.

هذه كانت البداية، إلى أن حلّ القرن التاسع عشر، حيث نشطت الحركة التجارية في جبل عامل، وباتت تحتاج إلى خريطة رسمية، وهنا يضيف مزرعاني: “شهد السوق توسّعاً لافتاً في القرن التاسع عشر، فتوزّع إلى ثلاثة أسواق رئيسية: سوق الماشية لجهة البيدر، سوق الملابس المستعملة في المنشيّة، وسوق الحبوب والموادّ الغذائية”.

يروي مزرعاني عن حركة السوق بحسب ما نقله مؤرّخون، أن يوم الاثنين اعتُمد مع الأيّام موعداً أسبوعياً للبيع والشراء، وصارت قوافل التجّار تصل إلى النبطية مع حلول عصر الأحد، وتخيّم فيها حتى مساء الاثنين، كما أصبح السوق الذي حمل اسمه، مركزاً دورياً للحركة التجارية، وتُظهر أقدم الصور المأخوذة للسوق التي تعود إلى العام 1910، بالإضافة إلى البضائع والمعروضات، جنديين عثمانيين يحرسان المكان.

بعد احتلال فلسطين، تراجع نشاط السوق، وانتقلت أقسامه الثلاثة إلى البيدر، ثم اختفى سوق الماشية في الثمانينات مع انتشار الأسواق المحلّية في قرى الجوار مثل: تبنين والطيبة وجباع.

السؤال الذي يطرحه كثيرون حين الحديث عن سوق النبطية، أيّ منهما كان نواة نشوء الآخر، المدينة أم السوق؟ ومما لا شكّ فيه أن العلاقة بين النبطية وسوقها هي علاقة طردية، فبحسب مزرعاني “السوق التاريخي ساهم في تشكيل مركزية المدينة، كما أن المدينة، لاحتوائها أكبر تجمّع شيعي في المنطقة، وإحيائها مراسم عاشوراء منذ 1895، واستضافتها عدداً من المؤسّسات الرسمية منذ العام 1920، مثل: البلدية، السرايا الحكومية، ومركز البريد، وبروز بيوتات سياسية فيها، مثل: آل الزين وآل الفضل، استطاعت جذب التجّار إليها، ما أنتج تكاملاً وتلازماً بين الدور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لكليهما… المدينة والسوق معاً”.

لذلك كلما ازدهر السوق ازدهرت المدينة وبالعكس، ففي الخمسينات مع نشاط زراعة التبغ في الجنوب، عرفت المدينة ازدهاراً كبيراً، زادته تحويلات الاغتراب، ووجود المدارس والإرساليات، وفي الثمانينات تضاعف النشاط التجاري مع إنشاء أوّل مخيّم فلسطيني فيها، إذ كان الفلسطينيون ينفقون أموالهم في السوق ولا ينافسون التجّار المحلّيين.

لكنّ العدو الإسرائيلي كان دوماً بالمرصاد، فاستهدف السوق مراراً وتكراراً. الضربة الإسرائيلية الأولى التي تلقّتها النبطية كانت في عام 1974، وفي العام 1977 اضطرّت المدينة إلى إلغاء سوق الاثنين وتقنين الحركة التجارية بسبب القصف الإسرائيلي، وتواصلت الضربات حتى عام الاحتلال في حزيران/ يونيو 1982، حيث تحوّل القصف المدفعي إلى مواجهة يومية مع جنود الاحتلال، منها مواجهات عاشوراء الشهيرة، وهذا أدّى بطبيعة الحال إلى تراجع النشاط الاقتصادي في المدينة وركود السوق. في العام 1985، انسحبت إسرائيل جزئياً من الجنوب، فاستعاد السوق بعضاً من حيويّته، على رغم أن الأعمال العدائية الإسرائيلية لم تتوقّف، وظلّت إسرائيل متحكّمة بحركة المدينة وسوقها، من خلال تمركزها أعلى التلال المحيطة بها، فشهدت المدينة وسوقها دماراً ومجازر لا سيّما في حربي العامين 1993 و1996. بعد الانسحاب الإسرائيلي الكلّي في عام 2000، شهدت المدينة انتعاشاً عامّاً، أعاد إليها جاذبيتها وأعاد الى السوق مكانته التقليدية في الحياة الاقتصادية للمنطقة، ثم أتت حرب تمّوز/ يوليو 2006 لتقضي على ستّ سنوات من الازدهار والاستقرار، وليشهد المربّع التجاري إيّاه دماراً هائلاً، ما لبث أن صنّفه أهل المنطقة بالعادي، مقابل ما شهده ليل 11 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2024…

حين سألنا أحد أبناء المدينة، الذي تمنّى عدم ذكر اسمه، عن معنى تركيز إسرائيل على تدمير السوق في كلّ اعتداء، أجاب: “تدمير المكان هو ضرب لرمز اجتماعي قبل أن يكون تدميراً للحجر فقط، وسوق النبطية أهمّ رمز اجتماعي عرفته المنطقة، تدميره هو تدمير أحد أهمّ جسور التواصل بين الناس، ويمكن القول إن القصد من استهدافه، هو استهداف ركن أساسي من هويّة جبل عامل وذاكرته… لطالما كانت الأسواق الشعبية في لبنان عبر التاريخ، كما في الشرق كلّه، مراكز تواصل سياسي واجتماعي واقتصادي، لذلك تدمير سوق النبطية هو محاولة لإضعاف المجال الاجتماعي المشترك الذي يجمع السكّان، عندما يُكسَر هذا المجال، يُدفَع الناس نحو الانعزال، نحو فقدان المساحات التي تسمح لهم بأن يعيشوا مجتمعاً واحداً. إسرائيل باستهدافها السوق، ضربت الاجتماع المركزي للجماعة الشيعية في المنطقة، وهذا يؤدّي بهم إلى التشتت وإلى مزيد من العزلة”.

للسوق من وجهة نظر شعبية معانٍ أخرى، في جولة على أصحاب المحلّات يقول أبو حسين (اسم مستعار) وهو من تجّار النبطية القدامى، إن “السوق في ما مضى كان يرتكز على المنتجات الزراعية، فضلاً عن منتجات الحرفيين، غير أن الأمر تطوّر تدريجياً فغزت البضائع المستوردة المحالّ والبسطات، لا سيّما الملابس والأحذية والأكسسوارات والأدوات المنزلية، وحتى الموادّ الغذائية وموادّ التنظيف التي تشكّل قوات اليونيفيل أحد أكبر مصادرها”.

أثناء حديثنا مع الحاجّة أم علي (اسم مستعار) التي تأتي كلّ يوم اثنين من بلدة كفررمان المجاورة لتعرض منتجاتها الزراعية الطازجة، قالت: “السوق هو بيتنا وذكرياتنا الحلوة، كنت أزوره صغيرة مع أمي، وها أنا اليوم أقف مكانها”.

في زاوية أخرى، يقف الحاج محمّد (اسم مستعار) أمام بسطة تعرض المكسّرات والبهارات المتنوّعة، يستقبلنا قائلاً: “الزمن الأوّل تحوّل، الحالة صعبة يا بنتي”، في إشارة منه إلى حالة الركود السائدة بسبب تراجع القدرة الشرائية، وتخوّف بعض الناس من زيارة السوق هذه الأيّام، لا سيّما وأن التلال المحيطة بالمدينة عرضة لغارات واعتداءات إسرائيلية متكرّرة.

سوق الاثنين بالنسبة إلي هو “عجقة” العيد، كنا نقصده في أواخر أيّام شهر رمضان، لنشتري الملابس الجديدة والأحذية اللامعة والجزادين الملوّنة، تقول امرأة في العقد الرابع من العمر، تقف إلى جانبنا تقلّب البضائع مختبرة جودة القماش. تشعر دارين كأنها تتحدّث عنها، كما تقول لي، فتعود بها الذاكرة إلى تلك الصباحات التي كانت تستعدّ فيها لزيارة السوق مع أمّها لاستكمال تحضيرات العيد؛ وكم سيكون يومها رائعاً لو قرّرت أن تمرّ أمها بسوق اللحم حيث الروائح الشهية تعمّ الأرجاء، بعدها ستعود إلى البيت فرحة بـ”الترويقة” الشهيّة، وبجولة الإغاظة التي ستمارسها على أخواتها، إذ شاء الحظ أن تكون صاحبة النصيب بزيارة السوق في هذا اليوم.

لكأن هناك علاقة خاصّة تربط النساء بالسوق تقول لي هالة، إذ بالإضافة إلى كون التسوّق نشاطاً نسوياً مفضّلاً، فقد وجدت النساء في السوق نافذة يطللن منها على العالم، ومتنفسّاً اجتماعياً واقتصادياً لهن، فلطالما كان فسحتهن الوحيدة، يزرنه للتمشية والتبضّع حيناً، ولبيع ما ينتجنه حيناً آخر، يتعرّفن إلى نساء أخريات من قرى مجاورة، يتبادلن وصفات الطبخ والأخبار والحكايات وهموم العائلة والأزواج!

دورنا نحكي

19.12.2025
زمن القراءة: 6 minutes
|
آخر القصص
جمال سليمان وأيمن زيدان: “بوح” الخصوم!
زياد عدوان- مسرحي وأكاديمي سوري | 11.07.2026
إنان م. بلاي: أهرب من العراق كلّه إلى غرفتي
رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 11.07.2026

اشترك بنشرتنا البريدية