أسفرت الغارات التي شنّتها الطائرات الإسرائيلية ليلة 11 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2024 على مدينة النبطية، والتي استهدفت سوقها التجاري بشكل خاصّ، إلى محو معالم وسط المدينة، وتسبّبت بدمار شامل وكامل لأكثر من 55 مؤسّسة تجارية، تشكّل مجتمعة ما يُعرف بمربّع سوق الاثنين الشعبي، كلّ واحدة منها جزء أصيل من تراث المدينة الإنساني، وذاكرتها الجمعية، وشاهد حيّ على نشوئها وتوسّعها وتطوّرها، وتعاقب أجيالها وتجّارها.
أما المؤسّسات التي تدمّرت أو تضرّرت خارج هذا المربّع، أي في شوارع المدينة الرئيسية (مرجعيون والصبّاح وفقيه وبير القنديل) وعلى مداخلها وأطرافها وداخل أحيائها السكنية، فيناهز عددها 300 محلّ وعيادة ومؤسّسة ومكتب.
وبحسب التقديرات غير الرسمية، فإن 70% من المنازل والوحدات السكنية والمؤسّسات التجارية في النبطية، إمّا تدمّرت كلّياً وإمّا جزئياً، جرّاء الغارات الإسرائيلية على مدى 66 يوماً، وطاول الخراب المدارس والمعاهد والجامعات والمستشفيات ومراكز الجمعيّات، إضافة إلى أضرار بالغة أصابت البنى التحتية من طرقات وأزقّة مؤدّية إلى داخل الأحياء ممّا أخّر عودة السكّان واستقرارهم، علاوة على الدمار الذي لحق بشبكات الكهرباء والمياه والإنترنت، التقديرات نفسها تتوقّع أن تتجاوز تكلفة إعادة إعمار النبطية 200 مليون دولار.
هذه الأرقام والتقديرات صدرت عن جمعيّات ومنظّمات مجتمع مدني أو انتشرت عبر تقارير صحافية، إذ إنه حتى الساعة لم تكلّف أي جهة رسمية، سواء حكومية أو حزبية نفسها، عناء إحصاء الأضرار في النبطية ولا كلفة إعادة الإعمار أيضاً.
ورغم ذلك، بدأت دعوات إعادة إعمار سوق النبطية منذ اليوم الأوّل لعودة النازحين، إثر إعلان وقف إطلاق النار بين “حزب الله” وإسرائيل، لكنّها دعوات يمكن القول إنها باءت بالفشل حتى الآن، وظلّت ضمن إطار الوعود الكلامية، وذلك بسبب تشعّب الخلافات وكثرة العوائق القانونية أحياناً، والسياسية أحياناً أخرى.
على صعيد مدني، الجهود التي أثمرت هي تلك التي بذلها الناس وأصحاب المحالّ المدمّرة والمتضرّرة، الذين شرعوا بفتح الطرقات وإزالة الركام ساعة عودتهم إلى النبطية فوراً، ولم ينتظروا دعوة أو خطّة أو قراراً من أحد.
وبعد أيّام قليلة من العودة الميمونة، أعلنت المرجعية الشيعية في النجف الأشرف الممثّلة بالسيّد علي السيستاني، مبادرة لرفع الركام والردم وإعادة إعمار السوق التجاري على نفقتها الخاصّة، ورصدت لأجل ذلك مبلغاً كبيراً من المال، على أن تتمّ أعمال الجرف والبناء تحت إشراف السيّد السيستاني نفسه، ورعاية مباشرة من قِبل إمام المدينة الشيخ عبد الحسين صادق.
ذلك أن لمدينة النبطية مكانة خاصّة لدى المؤسّسة الدينية الشيعية في النجف، كونها “مدينة الحسين”، وهو اللقب الذي استمدّته من إحيائها سيرة الإمام الحسين بن عليّ وذكرى معركة كربلاء عبر الزمن، وكون آل صادق العائلة الدينية النجفية الانتماء، بنوا فيها أوّل حسينية في تاريخ بلاد الشام في العام 1909.
وفي غضون أيّام، تمكنّت اللجنة المكلّفة بتنفيذ المبادرة، من فتح الممرّات العامّة التي أُغلقت بالردم، ثم بدأت ورشة تقييم الأضرار، لكنّها لم تُعلن ما توصّلت إليه بعد! وفي موازاة ذلك، طرحت المبادرة بناء “أكشاك” جاهزة لأصحاب المؤسّسات التجارية المتضرّرة في محيط البيدر، يستخدمونها لمدّة سنة ونصف السنة، أو ريثما يتمّ الانتهاء من أعمال إعادة الإعمار، غير أن هذا المشروع لم يرَ النور بعد، بسبب عراقيل إدارية ولوجستية تحول دون اكتماله، إضافة إلى بروز بعض الخلافات.
عموماً، مرّت السنة الأولى على الحرب الإسرائيلية الموسّعة على لبنان، ومثلها على سوق النبطية التجاري المدمّر، مبادرة السيّد السيستاني متجمّدة في مكانها، والمحالّ المتضرّرة والمدمّرة ما زالت على حالها، وعمليّات الترميم وإعادة بناء متوقّفة، ودون ذلك عقبات وعقبات، أبرزها الملفّ التخطيطي للسوق، الذي يشكّل أحد أكثر العوائق التي تعترض إعادة الإعمار تعقيداً، عدا الخلافات على “تزعّم” ورشة إعادة الإعمار بين القوى السياسية المحلّية.
إقرأوا أيضاً:
العائق الكبير الذي يمكن الحديث عنه دون حسابات، هو مرسوم التخطيط الصادر في سبعينيات القرن الماضي، الذي يقيّد أيّ بناء جديد في سوق النبطية، من ضمنه الترميم، وهو على الرغم من أنه لم يُطبّق يوماً، فقد سقط قانوناً بمرور الزمن، وثُبّت في قانون صدر في عام 2006 الذي أكّد انتهاء مفاعيله.
كما أنه في تمّوز/ يوليو 2025، صدر قانون جديد يُجيز لأصحاب المحالّ المدمّرة إعادة بناء وحداتهم كما كانت عليه سابقاً، حتى لو كانت تتضمّن مخالفات قديمة، وذلك استثنائياً نظراً للظروف الطارئة.
وبموجب هذا الإطار القانوني، أوعز ملّاك المحالّ المدمّرة إلى بلدية النبطية، مراسلة الإدارات المختصّة لإبلاغها رسمياً بسقوط مرسوم التخطيط القديم، وطلبوا رفع الإشارات العقارية الموضوعة على عقارات السوق، باعتبار أن هذه الإشارات تمنع قانونياً إصدار تراخيص البناء.
إذ إن رفع الإشارات العقارية يشكّل المرحلة الحاسمة قبل بدء عمليّة إعادة الإعمار، فبعد إزالة هذه الإشارات، تصبح البلدية قادرة على منح المواطنين تراخيص مجّانية للبناء، استناداً إلى القانون رقم 22 الصادر بالمرسوم رقم 410 بتاريخ 4 حزيران/ يونيو 2025، وهو قانون استثنائي وُضع خصّيصاً لمعالجة أوضاع الأبنية المتضرّرة وتسهيل عودة المواطنين إلى محالّهم وأملاكهم، إلّا أن هذه الخطوة لم تُنجز بعد، والدمار ما زال على حاله، فيما يزداد امتعاض الأهالي والتجّار المتضرّرين من التأخير الجائر، حيث بدأت أصوات الاعتراض ترتفع عبر وسائل التواصل الاجتماعي مطالبة بالإسراع في فتح الطريق أمام إعادة البناء.
وهكذا فإن أزمة إعادة إعمار سوق النبطية التجاري ومربّع سوق الاثنين التاريخي، تعكس تشابك القانوني بالإداري بالسياسي، وافتقار المؤسّسات الرسمية إلى آليّة تنفيذ سريعة في ظرف استثنائي، وبينما تتوافر المبادرات والدعم القانوني، يبقى التنفيذ معطّلاً بانتظار رفع القيود العقارية والبتّ الإداري، وهو ما يجعل السوق، حتى اللحظة، شاهداً مكشوفاً على وحشيّة العدو من جهة، وتباطؤ آليّات الدولة في مواجهة الظروف الطارئة من جهة أخرى.
في مقابلة أجريناها مع أحد تجّار السوق (رفض الكشف عن اسمه) سألناه عن العراقيل التي تمنع أو تؤخّر رفع الإشارات الموضوعة على عقارات السوق، أجاب: “هناك عائق غير إداري، لكنّه شديد الخصوصية، ربما يمكن أن نسمّيه عائقاً “لبنانياً”، فبلدنا أرض خصبة للفساد والمحسوبيّات والتحاصص، ويتمثّل؛ كما يقول التجّار وأهل المدينة، بوجود جهات تسعى إلى أو تقوم بشراء عقارات السوق، ووضع اليد على الحركة التجارية في النبطية، مستغلّة الواقع الاقتصادي الضاغط الذي خلّفته الحرب، معطوفاً على عدم قدرة غالبية المتضرّرين على إعادة الإعمار بأموالهم”، تعقيباً على هذا الكلام، لم نتوصّل إلى أيّ دليل مادّي ملموس، يثبت صحّته، اللهم إلا ما يُتداول سرّاً، أو ما يُنشر أحياناً على مواقع التواصل الاجتماعي.
في حين وصف تاجر آخر (رفض الكشف عن اسمه أيضاً)، هذا الوضع المستجدّ بقوله: “بعض المتموّلين قطعوا شوطاً في شراء عقارات داخل السوق التراثي فعلياً”، مضيفاً “بعد أن نجح العدو في تدمير أرزاقنا، وتفريغ المربّع التجاري من ملّاكه، بدأت تظهر روائح محلّية لاستكمال عمليّة التفريغ، وتغيير وجه السوق الأصيل عبر ملئه بمحلّات المجوهرات بشكل لافت”.
من جهة أخرى، يؤكد أحد الذين ساعدونا في إجراء هذا التحقيق أن “لا نار بلا دخان، والشائعات التي يتناقلها الناس عن نيّة كامنة للاستيلاء على المربّع التجاري، وبالتالي على عصب النبطية الاقتصادي، ترقى إلى مستوى المعلومات أحياناً”.
فهل تتكرّر مأساة “سوليدير” في وسط النبطية؟ وتُصادر مرّة أخرى أرزاق الملّاك عن طريق تيئيسهم من وجود حلول، ومن ثم إجبارهم بطرق غير مباشرة على البيع لمن يملك المال؟
لا أحد يملك الجواب، فمؤسّسات الدولة مستنزفة ومصابة بالوهن قبل الحرب، بسبب عوامل سياسية وقانونية واجتماعية متداخلة، فكيف بحالها بعد الحرب؟
لهذا يبقى ملفّ اعادة إعمار سوق النبطية من الملفّات الشائكة، التي تفتح أبواباً أو بالأحرى دهاليز على ملفّات أكثر تعقيداً، قد تكون سياسية وقد تكون غير ذلك، وقد نتمكّن من الحديث عنها يوماً ما!
بناء على ما سبق، يرى المعنيّون أنه لا بدّ أن تعمد الدولة في سبيل تعزيز الثقة بينها وبين المواطنين، إلى الإسراع برفع الإشارات العقارية عن السوق، والإعلان رسمياً عن سقوط مرسوم التخطيط القديم، من ثم تشكيل خليّة أزمة تضمّ الوزارات المعنيّة بإعادة الإعمار والبلدية وأصحاب المحالّ التجارية المدمّرة، لمتابعة التنفيذ يومياً، كما يمكنها إطلاق صندوق دعم مالي شفّاف، لإعادة الإعمار بتمويل ثنائي وطني – دولي، فضلاً عن تعزيز التواصل الرسمي مع أصحاب الشأن من المتضرّرين بشكل مباشر، من خلال إصدار بيانات وتقارير دورية تمنع انتشار التأويلات والشائعات، وتُشرك المجتمع المحلّي في التخطيط لضمان الشفافية وتعزيز الثقة.
في الختام، يأمل “أهل السوق” أن تضع الدولة رؤية اقتصادية– تنظيمية، تجعل إعادة الإعمار فرصة لنهضة حقيقية، ونواة لتشكيل علاقة صحّية متبادلة، لا مجرّد ترميم ودفع تعويضات وصرف أموال، وذلك من خلال تشكيل لجنة من المخلصين والأمناء للإشراف على خطّة سير إعادة الإعمار والأموال المخصّصة لها، درءاً لأيّ نيّة فساد، ثم استحداث بنى تحتية جديدة أو تأهيل القديمة كما ينبغي، وتنظيم مروري، ومساحات مخصّصة للحرفيين والمنتجين المحلّيين، بالإضافة إلى رعاية نشاطات أسبوعية أو شهرية تُعيد للسوق دوره التاريخي الإنساني قبل الاقتصادي.
هذه المطالب تجعل الدولة حاضرة ومبادِرة وشفّافة، وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وفق القانون، وتساهم في إعادة بناء العلاقة بينها وبين المواطنين في النبطية، بصفتهم جزءاً أصيلاً من المجتمع اللبناني، لا خارجه أو على هامشه، وتخفّف شعورهم بالغبن أو التخلّي… وتعيدهم إلى منزلهم الأوّل…
إقرأوا أيضاً:












