ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ليلى سويف تقبض على “التنّين الأبيض” وتفتح بالخيال زنزانة ابنها

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ليلى سويف، وهي تُمسك بـ”التنّين الأبيض”، تُمسك بأداة رمزية توازي بياناً سياسياً. هي لا تطلب تعاطفاً، لم تفعل يوماً. لكنّها، كروث، التنّين الأبيض في الرواية التي تستريح في يديها الخائرتين، تكسر قواعد السرد، تُثبت أن الضعف الظاهري قد يحمل في داخله أكثر صور البطولة نقاءً، وأن معركتها مع الوقت، هي نفسها معركتها مع النسيان، ونضالها وهي تفقد الوعي على وقع هبوط السكر، هو في الواقع، الوعي في أبهى حالات حضوره. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في الصورة التي نشرتها ابنتها سناء على حسابها الفايسبوكي، تبدو ليلى سويف، والدة الناشط المصري علاء عبد الفتاح، على سرير المستشفى، وفي يدها أجهزة قياس الضغط والسكر في الدم. ولكن أيضاً في يدها كتاب بالانجليزية بعنوان “التنّين الأبيض” (The White Dragon)  للكاتبة الأميركية آن ماكافري. تتمسّك ليلى بالكتاب، كما لو أنه يد ابنها علاء، تمتدّ إليها من خلف قضبان الزنزانة.

ليلى سويف ليست مجرّد أم مضربة عن الطعام منذ أكثر من ٢٥٠ يوماً، احتجاجاً على ظلامة اعتقال ابنها، بل هي امرأة قرّرت أن تجعل من جسدها ساحة مواجهة ضدّ القمع والصمت. 

وما بين ضغط دم منخفض، وسكّر يكاد يلامس الصفر، تصرّ على التمسّك بكتاب، لا يتحدّث عن الجسد، بل عن المعنى وراء الإرادة المنفردة، المختلفة، المستضعفة، لكن القادرة على قلب المعادلة.

في رواية “التنّين الأبيض”، يخرج روث إلى الحياة كتنّين صغير، أبيض، يُنظر إليه باستهزاء من الآخرين، لا أحد يتوقّع منه شيئاً، لكنّه يمتلك قوّة خاصّة لا يتمتّع بها أي تنّين آخر: القدرة على إدراك الزمن بدقّة، على أن يكون حاضراً في اللحظة وممتدّاً في التاريخ. 

هذا الكائن “الضعيف” يتحوّل إلى مفتاح لفهم الماضي وتغيير المستقبل. أليست هذه صورة من صور ليلى سويف نفسها؟ تلك التي استُضعفت لأنها امرأة، لأنها أمّ، لأنها مدافعة عن ابنها، لأنها أصرّت على أن تظلّ حاضرة في المشهد لتدفع النسيان بعيداً عن قضيّة ابنها، ولتبقى معه في وجدان من تبقّى في طريق الحقّ، رغم قلّة سالكيه. 

أن تحمل كتاباً وأنت في عزّ أزمة صحّية ناتجة عن إضراب طويل عن الطعام، ليس تفصيلاً بسيطاً، إنه بيان غير منطوق. ليلى سويف لا تقرأ لتقتل الوقت، إنها تمارس الفعل المقاوم الأكثر رقياً: أن تضع العقل فوق الألم، أن تختار الخيال والمفردة والرمز في وجه السجن والاحتضار. والأهمّ أنها تعلن، بالكتاب، أن المعركة هي في الأساس ضدّ الجهل الذي يُنجب الديكتاتوريات، ويصنع الأصنام. 

“التنّين الأبيض” ليست رواية هروب، بل رواية عن الذين يرفضون أن تُحسم معركتهم وفق مقاييس الآخرين، رواية عن الذين يُنظر إليهم على أنهم عبء، فيتحوّلون إلى مفاتيح النجاة، وعن التحكّم بالزمن، كمدخل للتحكّم بالسردية.

وهذا تماماً ما تفعله ليلى سويف، تُمسك بالزمن وتسجنه رهينة مقابل إطلاق سراح ابنها. تنقل المعركة إلى ملعبها، إلى سريرها في المستشفى، وتجعل من الاحتضار مفتاحاً لزنزانة ابنها المظلوم. 

قد تبدو المقارنة غريبة: ما علاقة أدب الخيال العلمي في  رواية “التنّين الأبيض” بصراع سياسي وحقوقي في دولة بوليسية؟ الجواب: كلّ شيء. لأن الخيال، حين يُستدعى في لحظات الألم، يتحوّل إلى مرآة حادّة، يمكن أن يُقرأ بين كلماته رسائل أكثر وقعاً من أي تقرير حقوقي.

ليلى سويف، وهي تُمسك بـ”التنّين الأبيض”، تُمسك بأداة رمزية توازي بياناً سياسياً. هي لا تطلب تعاطفاً، لم تفعل يوماً. لكنّها، كروث، التنّين الأبيض في الرواية التي تستريح في يديها الخائرتين، تكسر قواعد السرد، تُثبت أن الضعف الظاهري قد يحمل في داخله أكثر صور البطولة نقاءً، وأن معركتها مع الوقت، هي نفسها معركتها مع النسيان، ونضالها وهي تفقد الوعي على وقع هبوط السكر، هو في الواقع، الوعي في أبهى حالات حضوره. 

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
03.06.2025
زمن القراءة: 3 minutes

ليلى سويف، وهي تُمسك بـ”التنّين الأبيض”، تُمسك بأداة رمزية توازي بياناً سياسياً. هي لا تطلب تعاطفاً، لم تفعل يوماً. لكنّها، كروث، التنّين الأبيض في الرواية التي تستريح في يديها الخائرتين، تكسر قواعد السرد، تُثبت أن الضعف الظاهري قد يحمل في داخله أكثر صور البطولة نقاءً، وأن معركتها مع الوقت، هي نفسها معركتها مع النسيان، ونضالها وهي تفقد الوعي على وقع هبوط السكر، هو في الواقع، الوعي في أبهى حالات حضوره. 

في الصورة التي نشرتها ابنتها سناء على حسابها الفايسبوكي، تبدو ليلى سويف، والدة الناشط المصري علاء عبد الفتاح، على سرير المستشفى، وفي يدها أجهزة قياس الضغط والسكر في الدم. ولكن أيضاً في يدها كتاب بالانجليزية بعنوان “التنّين الأبيض” (The White Dragon)  للكاتبة الأميركية آن ماكافري. تتمسّك ليلى بالكتاب، كما لو أنه يد ابنها علاء، تمتدّ إليها من خلف قضبان الزنزانة.

ليلى سويف ليست مجرّد أم مضربة عن الطعام منذ أكثر من ٢٥٠ يوماً، احتجاجاً على ظلامة اعتقال ابنها، بل هي امرأة قرّرت أن تجعل من جسدها ساحة مواجهة ضدّ القمع والصمت. 

وما بين ضغط دم منخفض، وسكّر يكاد يلامس الصفر، تصرّ على التمسّك بكتاب، لا يتحدّث عن الجسد، بل عن المعنى وراء الإرادة المنفردة، المختلفة، المستضعفة، لكن القادرة على قلب المعادلة.

في رواية “التنّين الأبيض”، يخرج روث إلى الحياة كتنّين صغير، أبيض، يُنظر إليه باستهزاء من الآخرين، لا أحد يتوقّع منه شيئاً، لكنّه يمتلك قوّة خاصّة لا يتمتّع بها أي تنّين آخر: القدرة على إدراك الزمن بدقّة، على أن يكون حاضراً في اللحظة وممتدّاً في التاريخ. 

هذا الكائن “الضعيف” يتحوّل إلى مفتاح لفهم الماضي وتغيير المستقبل. أليست هذه صورة من صور ليلى سويف نفسها؟ تلك التي استُضعفت لأنها امرأة، لأنها أمّ، لأنها مدافعة عن ابنها، لأنها أصرّت على أن تظلّ حاضرة في المشهد لتدفع النسيان بعيداً عن قضيّة ابنها، ولتبقى معه في وجدان من تبقّى في طريق الحقّ، رغم قلّة سالكيه. 

أن تحمل كتاباً وأنت في عزّ أزمة صحّية ناتجة عن إضراب طويل عن الطعام، ليس تفصيلاً بسيطاً، إنه بيان غير منطوق. ليلى سويف لا تقرأ لتقتل الوقت، إنها تمارس الفعل المقاوم الأكثر رقياً: أن تضع العقل فوق الألم، أن تختار الخيال والمفردة والرمز في وجه السجن والاحتضار. والأهمّ أنها تعلن، بالكتاب، أن المعركة هي في الأساس ضدّ الجهل الذي يُنجب الديكتاتوريات، ويصنع الأصنام. 

“التنّين الأبيض” ليست رواية هروب، بل رواية عن الذين يرفضون أن تُحسم معركتهم وفق مقاييس الآخرين، رواية عن الذين يُنظر إليهم على أنهم عبء، فيتحوّلون إلى مفاتيح النجاة، وعن التحكّم بالزمن، كمدخل للتحكّم بالسردية.

وهذا تماماً ما تفعله ليلى سويف، تُمسك بالزمن وتسجنه رهينة مقابل إطلاق سراح ابنها. تنقل المعركة إلى ملعبها، إلى سريرها في المستشفى، وتجعل من الاحتضار مفتاحاً لزنزانة ابنها المظلوم. 

قد تبدو المقارنة غريبة: ما علاقة أدب الخيال العلمي في  رواية “التنّين الأبيض” بصراع سياسي وحقوقي في دولة بوليسية؟ الجواب: كلّ شيء. لأن الخيال، حين يُستدعى في لحظات الألم، يتحوّل إلى مرآة حادّة، يمكن أن يُقرأ بين كلماته رسائل أكثر وقعاً من أي تقرير حقوقي.

ليلى سويف، وهي تُمسك بـ”التنّين الأبيض”، تُمسك بأداة رمزية توازي بياناً سياسياً. هي لا تطلب تعاطفاً، لم تفعل يوماً. لكنّها، كروث، التنّين الأبيض في الرواية التي تستريح في يديها الخائرتين، تكسر قواعد السرد، تُثبت أن الضعف الظاهري قد يحمل في داخله أكثر صور البطولة نقاءً، وأن معركتها مع الوقت، هي نفسها معركتها مع النسيان، ونضالها وهي تفقد الوعي على وقع هبوط السكر، هو في الواقع، الوعي في أبهى حالات حضوره. 

03.06.2025
زمن القراءة: 3 minutes
|
آخر القصص
من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025
في سبيل بناء ذاكرة ثقافيّة جمعيّة في جبل عامل
رباب دبس - باحثة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا | 05.12.2025
“ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”
داس بيستي أم نوردن - NDR | 05.12.2025

اشترك بنشرتنا البريدية