“هناك قضايا أكبر وأهمّ كالفساد، يجب أن يثور عليها الناس. ليعتبروه أحد سياسيينا! لو لم تبرّئه السلطة الفرنسية لما استضفته”، كان هذا هو جواب أحد منظّمي حفلات ليلية في لبنان، حين سألته قبل أربع سنوات خلال عملي على تحقيق لصالح “درج”، عن سبب استضافته المغنّي المغربي سعد لمجرّد من بين أسماء كثيرة، رغم وجود دعاوى قضائية ضده بتهم اغتصاب وتحرّش في فرنسا والولايات المتّحدة والمغرب آنذاك، وفاجأني جوابه الوارد أعلاه.
اليوم أظهر القضاء الفرنسي أنه لم يبرّئ لمجرّد تماماً، بعد إصدار حكم بالسجن لعشر سنوات بحقّه، فهل يعتذر منظّم الحفلة إيّاه، ومنظّمو الحفلات والفنّانون والمنتجون الذين برّأوه عندما دانته المحكمة مراراً، من ناجياته الكثيرات؟
حكمت محكمة الاستئناف في كريتاي في الضاحية الجنوبية الشرقية للعاصمة باريس، على المغنّي المغربي سعد لمجرّد بالسجن عشر سنوات على خلفية ارتكابه جرم الاغتصاب في 26 أيلول/ سبتمبر 2026، وارتأت المحكمة تشديد العقوبة بحقّه لكونه ارتكب الجريمة تحت تأثير الكحول.
لكنّ هذا ليس الحكم الأوّل الصادر بحقّ لمجرّد في هذه القضيّة، إذ صدر سنة 2023 ضده حكم من محكمة الجنايات في باريس يقضي بسجنه ستّ سنوات على خلفية القضيّة نفسها، ما دفعه إلى استئناف الحكم، فأُحيلت القضيّة إلى محكمة الاستئناف في كريتاي، وأوضحت إحدى محامياته في مقابلة مع “لو فيغارو” الفرنسية أن فريق الدفاع سيميّز الحكم مجدّداً.
تعود الواقعة إلى العام 2016، حين التقى لمجرّد وكان عمره 31 آنذاك، بشابّة تبلغ من العمر 18 عاماً، هي لورا. ب، في حانة ليلية في باريس قبل ارتكابه جرم الاغتصاب بحقّها.
قضايا أخرى يلاحق بها سعد لمجرّد
بالإضافة إلى قضيّته في باريس، حكمت المحكمة الجنائية في مدينة دراغينيان في مقاطعة فار جنوب شرق فرنسا على لمجرّد بالسجن لخمس سنوات في شهر أيار/ مايو بتهمة اغتصاب امرأة سنة 2018 بالقرب من سان تروبيز، واستأنف لمجرّد الحكم.
في عام 2015، التقى لمجرّد بفتاة في نادٍ ليلي في دار البيضاء. رافقته إلى منزله حيث حاول التقرّب منها وعنّفها بعد أن رفضت محاولاته. رفعت عليه دعوى قبل أن تتمّ “تسوية الأمر” بينهما.
وفي عام 2010، رفعت إحدى الناجيات دعوى ضد لمجرّد بتهمة الاغتصاب في الولايات المتّحدة، وذلك قبل أن تتنازل عن الشكوى أيضاً بعد تسوية بين الطرفين “لتجنّب الضجّة الإعلامية”.
الجدير بالذكر أن لمجرّد حاول لملمة هذه القضيّة أيضاً عبر اتّفاقات رضائية مالية مع عدّة أطراف منها أمّ الناجية. إذ دانت المحكمة خمسة أشخاص في نيسان/ أبريل الماضي بالسجن لمدّة تتراوح بين ستّة أشهر وسنتين مع وقف التنفيذ، وذلك إسناداً لتهمة محاولة ابتزاز لمجرّد. وذلك على خلفية طلبهم 3 ملايين يورو مقابل سحب الشكوى، والتعهّد بعدم استكمال الناجية حضور المحاكمات والإدلاء بإفادتها.
لكنّ زوجة لمجرّد غيثة العلاكي، استغلّت هذه الواقعة في بيان نشرته للإشارة إلى أن الحكم على لمجرّد جاء لأنه رفض شراء حرّيته قائلة: “أين هي العدالة عندما تقول عائلة إنها قدّمت للسلطات موادّ تُظهر محاولات مزعومة لوضع تسعيرة لحرّية إنسان؟ لقد قيل لنا بصريح العبارة: “إن لم ندفع، فسيعود إلى السجن. نحن لم ندفع، واليوم هو خلف القضبان”.
حملة فنّانين مضادّة لحملة الناجيات
رغم تتابع القضايا ضد لمجرّد، آثر بعض الفنّانين “دعمه” متغاضين عن تكرار الاتّهامات العابرة للحدود بحقّه، التي رغم اختلاف توقيتها ومكانها بين قارّات ثلاثة و16 سنة، تبقى التهمة واحدة: الاغتصاب.
ورغم ملاحقة لمجرّد بالتهمة لسنوات وصدور أحكام قضائية عدّة تؤكّد ثبوت الجرم عليه، واجهت عدالة القضاء ظلماً من “فنّانين” بحقّ ناجياته على مواقع التواصل. فتجاهلوا شهاداتهن وعبّروا عن تضامنهم معه “في هذا الوقت العصيب” متمنّين أن تكون “غيمة سوداء وستمرّ”.
هذه ليست المرّة الأولى التي يدافع الفنّانون عن بعضهم بعضاً بعد اتّهامات بارتكابات جنائية وُجّهت إلى زملائهم. على سبيل المثال، سارع الفنّانون للدفاع عن نانسي عجرم بعد قضيّة مقتل العامل السوري في منزلها بظروف غامضة، ورغم اختلاف تقارير الأطبّاء الشرعيين والشهود ذهبت القضيّة طيّ النسيان، وأسهمت شبكة “شاهد” في تلميع صورة نانسي عبر نشر وثائقي ذي نظرة أحادية لإعادة سرد وقائع الجريمة.
“التضامن” الذي أبدته شرائح مختلفة مجتمعية وفنّية وحتى سياسية مع سعد لمجرّد ليس وليد اللحظة، بل هو تطبيع مع تهم لاحقته لعشرات السنوات. في كل دعوة وُجّهت له لإحياء حفل وكل أغنية شارك فيها ملحّنون وموزّعون وكتّاب ومنتجون، وفي كل “ديو” قبلت أن تغنّيه معه مغنّية أسهمت كل هذه السنوات في تلميع صورته وحثّ الجمهور على رؤيته كفنّان، فطغت وصمة “الفنّ والترفيه” على الجانب الحقوقي للمجرّد في معادلة تبقى فيها الناجيات من الاغتصاب الخاسر الأكبر.
على سبيل المثال، أصدرت إليسا مع لمجرّد أغنية رومانسية تحمل اسم “من أوّل دقيقة” سنة 2022، وصُوّرت الأغنية في الاستوديو في أضواء خافتة وجوّ هادئ ورومانسي. هذا النوع من الأعمال هو بالضبط ما يُظهر لمجرّد في “صورة مغايرة”.
مع كل جلسة محاكمة وشكوى جديدة وحكم قضائي يُثبت الاغتصاب، يأتي الترند والنجاح المبهر والعمل الجديد ليسرق الأضواء عن معاناة ترفض أن تبقى في الكواليس، لكنّها أيضاً ترفض الوصم والاتّهام والتضييق الذي يسبّبه اختلال موازين القوى الذي يحدث عندما تقرّر ناجية التحدّث عن اغتصاب تعرّضت له، خاصّة حين يكون الجاني رجلاً مشهوراً.
هنا، يأتي “تضامن” المشاهير والفنّانين ليُعيد تشكيل خوف الناجيات من البوح. إذ يكتشفن أنهن يبحن ليس فقط ضد جانٍ واحد بل ضد منظومة كاملة من المشاهير الذين يتمتّعون بالثروة والعلاقات، والأهمّ التأثير على رأي ملايين الناس، وأنهم كذلك لا يأبهون للناجيات ولقصصهن، بل يستعدّون للتضامن الأعمى مع أيّ فنّان مهما فدحت تجاوزاته حفاظاً على “خطّ الرجعة”.
فبينما تعاني النساء عندما يقفن ضد مغتصب أو متحرّش واحد بسبب المضايقات والوصم الذي يُوجّه إليهن، يعانين بشكل مضاعف عندما يبحن بما يتعرّضن له على يد جانٍ مشهور، إذ إنهن يبحن ضد نظام كامل من العلاقات والنفوذ والتأثير الذي يمكن أن يجيّش ضدهن رأياً عامّاً كاملاً برسالة موجّهة واحدة تقدّس دوائر الشهرة المغلقة، وتؤثّر علاقة المشاهير ببعضهم بعضاً فيها على أيّ علاقات خارجية.
أزمة “التضامن” مع لمجرّد
يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو إن الأشخاص المنتمين إلى دوائر اجتماعية مغلقة تتمتّع ببرستيج أو وجاهة معيّنة تتحوّل إلى رأسمال رمزي. فالأشخاص الذين يمارسون مهنة معيّنة أو يعملون في مجال واحد، يشكّلون جماعة وجاهة واحدة تحتّم عليهم إثبات أنفسهم في عملهم للانتماء إليها، فلا يكون الانتماء عشوائياً أو بالحظّ، بل يصبح مقابل إثبات نفس يومي ليس فقط بالعمل بل بإثبات الانتماء إلى هذا المجال. فيصبح أيّ تفضيل لجهة خارجية على جماعة الوجاهة خيانة قد تكلّف مرتكبها ثمناً باهظاً، باعتباره غير وفيّ للجماعة التي تحتضنه وتُكسبه وجاهة لانتمائه إليها، فيخسر “الخائن” الامتيازات التي تعود بها الجماعة عليه. وجزء من الثمن الذي يدفعه المشاهير لبقائهم داخل دائرة شهرتهم المغلقة هو الصمت. فأيّ تعبير عن رفض أو انتقاد أو إدانة لأيّ فعل ارتكبه زميل لهم يضيّع عليهم فرص. لو انتقدوا لمجرّد سابقاً لرفض أن يشارك معهم مسرحاً واحداً أو عملاً فنّياً. كما لو ينتقدون أيّ مشهور آخر يخسرون فرصاً محتملة للعمل ويصبح الانتقاء على أساس المفاضلة بين النجمين، فضلاً عن انحياز الجمهور ضد أحد منهم إلى جانب الآخر، ما قد يخسرهم جزءاً من معجبيهم.
هل تُنهي الإدانة حياة الفنّان المهنية؟
في كل دول العالم، عندما ينتهي المسار القضائي وينفّذ المحكوم عقوبته يرجع إلى حياة شبه طبيعية، يندمج من جديد بالمجتمع ويغيّر مسار سلوكه، لكنّ المثير للقلق في قضيّة لمجرّد، كما في قضيّة المشاهير الآخرين الذين تحيط بهم أسئلة مشروعة حول خروقات ارتكبوها، هي أن العدالة لم تأخذ مجراها.
لم يطّلع الرأي العامّ العربي على تفاصيل القضايا ولم يشرح له أحد ما حصل فعلاً، لم يفهم إلى ما آلت إليه الأمور، على الأقلّ في قضيّة لمجرّد في فرنسا، تمكنّا من معرفة ما حدث لأن التقاضي كان في فرنسا، أمّا في القضايا التي عولجت مع مشاهير لبنان مثلاً، أو حتى قضايا لمجرّد في المغرب، فما زلنا نجهل إلى أين توصّلت التحقيقات أو هل اكتملت برغم الضغوطات والتدخّلات والحلول، بعيداً عن مسار المحاسبة الطبيعي الذي يتمّ عبر القضاء.
فهل المطلوب من الجمهور العربي اليوم أن يغفل ويتناسى ويطبّع مع فكرة اللاعدالة، وأن نتصرّف كأن الشبهات لم تُطرح وكأننا لا نملك أسئلة، ولم يجبنا عليها أحد ولم يكلّف “الفنّان” أو رفاقه المشهورون عناء طرح الموضوع بجدّية بعيداً عن العواطف المزيّفة والتضامن الفارغ ونظريات المؤامرة.
لذلك، رغم قتامة مشهد الإدانة، ما زالت قضيّة لمجرّد إحدى القضايا القليلة التي تمكّن الرأي العامّ العربي من معرفة نتيجتها، إذ أصبحت العدالة خارجة عن المألوف في مشهدنا الفنّي العربي، وخاصّة المحلّي في لبنان.
انزعاجي الشخصي من هذه القضيّة ليس لأن سعد لمجرّد يتمتّع بشعبية هائلة، بل لأنه مطلوب منّا كجمهور أن نتخطّى مسألة المحاسبة والعقاب حتى إن لم تحصل في الكثير من الحالات، ونتصرّف وكأن شيئاً لم يحدث.
ولأن المشهد الفنّي المقيت منذ اتّهام لمجرّد لأوّل مرّة سيطر عليه التضامن بالتجاهل وتعامل الفنّانون معه كأن سؤالاً لم يُطرح تجاه سلوكه الجنسي المخالف للقانون.
إقرأوا أيضاً:










