ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مأساة الطفلة الفرنسية ليهانا: حين تتحوّل إشارات الخطر إلى ملفّات مبعثرة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تكشف قضيّة ليهانا عن مشكلة يصعب اختصارها في خطأ موظّف أو محقّق أو قاضٍ واحد. فقد امتلكت جهات عدّة أجزاء مختلفة من الصورة، فمن جهة هناك مدرسة رصدت سلوكاً غير ملائم، وأجهزة أمنية تلقّت بلاغات، ونيابات تناقلت ملفّات، وخدمات طبّية ونفسية استمعت إلى أطفال.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في التاسع والعشرين من أيّار/ مايو 2026، اختفت الطفلة ليهانا، البالغة من العمر 11 عاماً، بعد مغادرتها مدرستها في بلدة فلورانس (Fleurance) في إقليم جيرس جنوب غربي فرنسا. وأظهرت التحقيقات أنها شوهدت للمرّة الأخيرة وهي تصعد إلى سيارة جيروم باريلا، البالغ من العمر 41 عاماً، وهو والد إحدى صديقاتها.

في الأوّل من حزيران/ يونيو، وُضع باريلا قيد التحقيق الرسمي بتهمتي خطف قاصر واحتجازها، وأُودع الحبس الاحتياطي، فيما ظلّ ينفي ضلوعه. وبعد ستّة أيّام من اختفاء ليهانا، عثر المحقّقون على جثّتها داخل صومعة زراعية مهجورة في بلدة قريبة، قبل أن تؤكّد فحوص الحمض النووي هويّتها.

لم تكن الصدمة مرتبطة بجسامة الجريمة وحدها. فمع تكشّف ماضي المشتبه به، بدا أن اختفاء ليهانا لم يأتِ من فراغ، بل سبقته شكاوى وتقارير وإشارات تحذيرية توزّعت بين مدارس وأجهزة أمنية ونيابات عامّة مختلفة، من دون أن تتحوّل إلى تقييم شامل للخطر المحتمل.

وهكذا، تحوّلت القضيّة من جريمة مروّعة إلى نقاش وطني حول إخفاقات نظام حماية الأطفال، وقدرة القضاء على التعامل مع الشكاوى المتكرّرة المتعلّقة بالعنف الجنسي، قبل أن تتحوّل التحذيرات إلى مأساة.

تحذيرات لم تتحوّل إلى حماية

تعود إحدى أولى الإشارات القضائية المعروفة إلى العام 2017، عندما أبلغت والدة فتاة تبلغ 17 عاماً قوّات الدرك عن علاقة ابنتها بباريلا، الذي كان يبلغ 32 عاماً آنذاك. لم تثبت في ذلك الوقت جريمة، بعدما قالت الفتاة إن العلاقة كانت رضائية، وبالنظر إلى أنها كانت تتجاوز السنّ القانونية العامّة للموافقة الجنسية في فرنسا، أُغلق الملفّ لاحقاً، لكنّ اسم باريلا أصبح موجوداً في سجلّات العدالة.

وفي عام 2021، فُصل من عمله كعامل للصيانة في مدرسة ثانوية، بعد الإبلاغ عن “سلوك غير ملائم” تجاه إحدى التلميذات. إلا أن إدارة المدرسة، بحسب ما ظهر لاحقاً، لم تُحل الواقعة إلى النيابة العامّة، رغم أن القانون الفرنسي يلزم الموظّفين العموميين بإبلاغ القضاء عندما يعلمون، خلال ممارستهم عملهم، بوقائع قد تشكّل جريمة أو جنحة.

وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر 2022، قُدمت شكوى بالاغتصاب تعلّقت بطفلة دون الخامسة عشرة، قالت إنها تعرضت للاعتداء داخل منزل باريلا في عام 2020. تنقّل الملفّ بين أكثر من دائرة قضائية، قبل أن يُحفظ في أيّار/ مايو 2024، بعدما اعتُبرت الأدلّة غير كافية لإثبات الوقائع.

وفي آب/ أغسطس 2025، تقدّمت والدة طفلة في العاشرة بشكوى أخرى، اتّهمت فيها باريلا بالاعتداء على ابنتها خلال فترة امتدّت أشهراً. وأُخضعت الطفلة لمقابلات وفحوص نفسية وطبّية، لكنّ التحقيق لم يؤدِّ إلى استجواب المشتبه به أو اتّخاذ إجراء قضائي بحقّه قبل اختفاء ليهانا. وبعد توقيفه، ظهرت شكاوى وإفادات إضافية تتعلّق بقاصرات أخريات.

لا تعني كثرة الشكاوى وحدها ثبوت الإدانة، ولا يجوز التعامل معها بديلاً من التحقيق والمحاكمة العادلة. فقرينة البراءة حقّ أساسي لا يسقط تحت ضغط الغضب الشعبي. لكنّ تكرار الإشارات طرح سؤالا حول ما إذا جرى تقييم هذه الوقائع مجتمعة؟ وهل تواصلت المؤسّسات المعنية في ما بينها؟ أم بقيت كل شكوى معزولة داخل ملفّ إداري أو قضائي منفصل؟

تكشف قضيّة ليهانا عن مشكلة يصعب اختصارها في خطأ موظّف أو محقّق أو قاضٍ واحد. فقد امتلكت جهات عدّة أجزاء مختلفة من الصورة، فمن جهة هناك مدرسة رصدت سلوكاً غير ملائم، وأجهزة أمنية تلقّت بلاغات، ونيابات تناقلت ملفّات، وخدمات طبّية ونفسية استمعت إلى أطفال.

لكنّ هذه الأجزاء لم تجتمع، على ما يبدو، في تقدير موحّد لمستوى الخطر.

من منظور حقوقي، لا تُقاس فعّالية نظام حماية الأطفال بعدد الشكاوى التي يسجلّها، بل بقدرته على تحليلها وربطها والتدخّل في الوقت المناسب. فالطفل لا يمتلك القدرة على متابعة ملفّه بين المناطق القضائية، ولا يستطيع التأكّد من أن الشرطة والنيابة والمدرسة وخدمات حماية الطفولة تتبادل المعلومات المتعلّقة به.

وتظهر هنا واحدة من المشكلات المتكرّرة في قضايا العنف الجنسي وهي مطالبة الطفل أو المرأة بتقديم رواية كاملة ومتّسقة وأدلّة يصعب غالباً توفيرها، في حين يستفيد الشخص البالغ أو صاحب السلطة من الشكّ والتأخير وافتراض أنه لا يمثّل خطراً ما دام سجلّه الجنائي خالياً من الأحكام.

لا يعني ذلك التخلّي عن ضمانات المحاكمة العادلة، بل التمييز بين الإدانة الجنائية، التي تتطلّب أدلّة كافية وحكماً قضائياً، وبين إجراءات الحماية والتحقيق الاستباقي، التي يفترض أن تنطلق من تقييم جدّي للخطر، ومن واجب الدولة في حماية الأطفال.

أعادت القضيّة أيضاً النقاش حول ضعف الإمكانات المخصّصة للقضاء الفرنسي. فوفق الأرقام الأوروبية، يوجد في فرنسا ما يزيد قليلاً على ثلاثة مدّعين عامّين لكل مئة ألف نسمة، في مقابل متوسّط أوروبي يزيد على ذلك بأكثر من ثلاثة أضعاف.

ينعكس هذا النقص في تراكم الملفّات وطول الإجراءات وضيق الوقت المتاح للمحقّقين والمدّعين العامّين، خصوصاً في قضايا العنف الجنسي ضد الأطفال، التي تتطلّب خبرات متخصّصة ومقابلات تراعي عمر الطفل وآثار الصدمة النفسية عليه. وقد يضطرّ المدّعون العامّون إلى اتّخاذ قراراتهم استناداً إلى ملفّات ناقصة أو تحقيقات لم تتوفّر لها الموارد اللازمة. وفي الجرائم الجنسية، التي تقع غالباً في أماكن مغلقة ومن دون شهود، يصبح جمع الأدلّة أكثر تعقيداً، فيما قد يتأخّر الأطفال في الكشف عمّا تعرّضوا له، أو يعجزون عن سرد الوقائع بالطريقة التي يتوقّعها منهم الكبار.

لكنّ نقص التمويل لا يفسّر كل شيء. فالمشكلة تشمل أيضاً ضعف التنسيق بين المؤسّسات، وغياب آليّات فعالة لربط الشكاوى المتشابهة، وعدم الإبلاغ عن بعض الوقائع داخل المدارس، إضافة إلى ثقافة مؤسّساتية قد تنظر إلى أقوال الأطفال باعتبارها أقلّ موثوقية من أقوال البالغين.

وتقدّر اللجنة الفرنسية المستقلّة المعنيّة بجرائم البيدوفيليا والعنف الجنسي ضد الأطفال أن نحو 160 ألف طفل يتعرّضون سنوياً للعنف الجنسي في فرنسا. ويكشف هذا الرقم أن القضيّة لا تتعلّق بحوادث نادرة أو استثنائية، بل بظاهرة واسعة تتطلّب سياسات دائمة للوقاية والكشف المبكر والمحاسبة.

قضيّة ليهانا أثارت غضباً شعبياً واسعاً تُرجم في تظاهرات حاشدة، وقد خرج عشرات الآلاف في تظاهرات وتحرّكات في مدن فرنسية عدّة، قادتها في جانب كبير منها جمعيات نسوية وحقوقية. لم تقتصر المطالب على تحديد المسؤولين عن التقصير في قضيّة ليهانا، بل شملت إقرار قانون شامل لمكافحة العنف الجنسي ضد النساء والأطفال، وتأمين تمويل واضح ومستقلّ لتنفيذه.

 وتحت ضغط الاحتجاجات والغضب الشعبي، أقرّ وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بأن المؤسّسة القضائية لم تتمكّن من حماية ليهانا، وأمر بمراجعة نحو 70 ألف شكوى وملفّ جارٍ يتعلّق بالعنف ضد أطفال لا يزالون قاصرين، بهدف تحديد الحالات التي قد تتطلّب تدخّلاً عاجلاً أو إعادة تقييم.

كما فُتح تحقيقان إداريان، أحدهما داخل جهاز الدرك والآخر داخل وزارة العدل، لتحديد مواطن الخلل في التعامل مع الملفّات المرتبطة بباريلا.

لكنّ الإعلان عن مراجعة عشرات آلاف الملفّات خلال فترة قصيرة يثير أسئلة عملية حول جدّية هذه الاجراءات وما اذا كانت فقط لاستيعاب الغضب الشعبي، فمن سيُجري هذه المراجعة في ظلّ نقص القضاة والمحقّقين؟

من دون موارد وإصلاحات طويلة الأمد، قد تتحوّل مراجعة الملفّات إلى استجابة سياسية لامتصاص الغضب، بدلاً من أن تكون بداية لتغيير مؤسّساتي فعلي.

من جيزيل بيليكوت إلى ليهانا: العنف ليس استثناءً

أعادت قضيّة ليهانا إلى الواجهة محاكمة جيزيل بيليكوت، التي كشفت أن زوجها كان يخدّرها ويتيح لعشرات الرجال الاعتداء عليها داخل منزلها على مدى سنوات.

لم تكن أهمّية قضيّة بيليكوت في جسامة الجرائم وحدها، بل في أنها هدمت الصورة النمطية للمعتدي بوصفه شخصاً غريباً أو “وحشاً” يمكن التعرّف إليه بسهولة. كان المتّهمون رجالاً من أعمار ومهن وخلفيات مختلفة، يعيشون داخل المجتمع، ولديهم وظائف وعائلات وحياة تبدو عادية.

أظهرت القضيّة أن العنف الجنسي لا يقع فقط في الشوارع أو على أيدي أشخاص مجهولين، بل يمكن أن يمارسه زوج أو قريب أو شخص يتمتّع بثقة الأسرة، مستفيداً من الصمت ومن الاعتقاد بأن المنزل والعلاقات الخاصّة فضاءات آمنة بطبيعتها.

وساهمت محاكمة بيليكوت والنقاش النسوي الذي رافقها في تسريع تعديل القانون الفرنسي. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أُدخل غياب الموافقة صراحة في تعريف الاغتصاب والاعتداء الجنسي، ونصّ القانون على أن الموافقة يجب أن تكون حرّة ومستنيرة ومسبقة ومحدّدة لكل فعل، وأن الصمت أو غياب المقاومة لا يعنيان الموافقة.

لكنّ تغيير النصّ القانوني لا يكفي وحده. فإذا بقيت التحقيقات بطيئة، وظلّت أقوال الأطفال والنساء موضع تشكيك، وعجزت المؤسّسات عن ربط الشكاوى وتبادل المعلومات، فإن القانون الأكثر تقدّماً سيبقى محدود الأثر.

تكشف القضيّتان، رغم اختلافهما، وجهين لأزمة واحدة. أظهرت قضيّة بيليكوت أن العنف الجنسي قد يكون منظّماً ومستمرّاً داخل أكثر العلاقات خصوصية، فيما كشفت قضيّة ليهانا أن إشارات الخطر قد تكون موزعة أمام مؤسّسات متعدّدة، من دون أن ينجح أحد في جمعها والتدخّل.

لطالما ركز الخطاب الاجتماعي في قضايا العنف الجنسي على سلوك الضحيّة: لماذا لم تتكلّم؟ لماذا تأخّرت في الإبلاغ؟ لماذا لم تقاوم أو تطلب المساعدة؟

بحسب خبراء نفسييين فإن الأطفال لا يروون الاعتداء بالطريقة نفسها التي يروي بها البالغون حادثة ما. قد يتحدّثون تدريجياً، أو يستخدمون كلمات غير دقيقة، أو يتراجعون تحت الخوف والضغط. وقد تتغيّر بعض التفاصيل بين مقابلة وأخرى، من دون أن يعني ذلك أن أصل الرواية غير صحيح.

لذلك تتطلّب هذه القضايا محقّقين مدرّبين، ومقابلات تراعي سنّ الطفل ولا تجبره على تكرار شهادته مرّات عديدة، إضافة إلى مرافقة نفسية وقانونية وتنسيق سريع بين القضاء والمدارس والأجهزة الأمنية وخدمات حماية الطفولة.

حتى الآن، لا يمكن الجزم بأن التدخّل المؤسّساتي كان سيمنع مقتل ليهانا بصورة مؤكّدة. لكنّ الوقائع المعروفة تكفي لطرح سؤال لا تستطيع السلطات الفرنسية تجاوزه، يتعلّق بكم تحذير تحتاج المؤسّسات قبل أن تتحوّل أقوال الأطفال من أوراق محفوظة في الملفّات إلى إجراءات فعلية لحمايتهم؟

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
20.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes

تكشف قضيّة ليهانا عن مشكلة يصعب اختصارها في خطأ موظّف أو محقّق أو قاضٍ واحد. فقد امتلكت جهات عدّة أجزاء مختلفة من الصورة، فمن جهة هناك مدرسة رصدت سلوكاً غير ملائم، وأجهزة أمنية تلقّت بلاغات، ونيابات تناقلت ملفّات، وخدمات طبّية ونفسية استمعت إلى أطفال.


في التاسع والعشرين من أيّار/ مايو 2026، اختفت الطفلة ليهانا، البالغة من العمر 11 عاماً، بعد مغادرتها مدرستها في بلدة فلورانس (Fleurance) في إقليم جيرس جنوب غربي فرنسا. وأظهرت التحقيقات أنها شوهدت للمرّة الأخيرة وهي تصعد إلى سيارة جيروم باريلا، البالغ من العمر 41 عاماً، وهو والد إحدى صديقاتها.

في الأوّل من حزيران/ يونيو، وُضع باريلا قيد التحقيق الرسمي بتهمتي خطف قاصر واحتجازها، وأُودع الحبس الاحتياطي، فيما ظلّ ينفي ضلوعه. وبعد ستّة أيّام من اختفاء ليهانا، عثر المحقّقون على جثّتها داخل صومعة زراعية مهجورة في بلدة قريبة، قبل أن تؤكّد فحوص الحمض النووي هويّتها.

لم تكن الصدمة مرتبطة بجسامة الجريمة وحدها. فمع تكشّف ماضي المشتبه به، بدا أن اختفاء ليهانا لم يأتِ من فراغ، بل سبقته شكاوى وتقارير وإشارات تحذيرية توزّعت بين مدارس وأجهزة أمنية ونيابات عامّة مختلفة، من دون أن تتحوّل إلى تقييم شامل للخطر المحتمل.

وهكذا، تحوّلت القضيّة من جريمة مروّعة إلى نقاش وطني حول إخفاقات نظام حماية الأطفال، وقدرة القضاء على التعامل مع الشكاوى المتكرّرة المتعلّقة بالعنف الجنسي، قبل أن تتحوّل التحذيرات إلى مأساة.

تحذيرات لم تتحوّل إلى حماية

تعود إحدى أولى الإشارات القضائية المعروفة إلى العام 2017، عندما أبلغت والدة فتاة تبلغ 17 عاماً قوّات الدرك عن علاقة ابنتها بباريلا، الذي كان يبلغ 32 عاماً آنذاك. لم تثبت في ذلك الوقت جريمة، بعدما قالت الفتاة إن العلاقة كانت رضائية، وبالنظر إلى أنها كانت تتجاوز السنّ القانونية العامّة للموافقة الجنسية في فرنسا، أُغلق الملفّ لاحقاً، لكنّ اسم باريلا أصبح موجوداً في سجلّات العدالة.

وفي عام 2021، فُصل من عمله كعامل للصيانة في مدرسة ثانوية، بعد الإبلاغ عن “سلوك غير ملائم” تجاه إحدى التلميذات. إلا أن إدارة المدرسة، بحسب ما ظهر لاحقاً، لم تُحل الواقعة إلى النيابة العامّة، رغم أن القانون الفرنسي يلزم الموظّفين العموميين بإبلاغ القضاء عندما يعلمون، خلال ممارستهم عملهم، بوقائع قد تشكّل جريمة أو جنحة.

وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر 2022، قُدمت شكوى بالاغتصاب تعلّقت بطفلة دون الخامسة عشرة، قالت إنها تعرضت للاعتداء داخل منزل باريلا في عام 2020. تنقّل الملفّ بين أكثر من دائرة قضائية، قبل أن يُحفظ في أيّار/ مايو 2024، بعدما اعتُبرت الأدلّة غير كافية لإثبات الوقائع.

وفي آب/ أغسطس 2025، تقدّمت والدة طفلة في العاشرة بشكوى أخرى، اتّهمت فيها باريلا بالاعتداء على ابنتها خلال فترة امتدّت أشهراً. وأُخضعت الطفلة لمقابلات وفحوص نفسية وطبّية، لكنّ التحقيق لم يؤدِّ إلى استجواب المشتبه به أو اتّخاذ إجراء قضائي بحقّه قبل اختفاء ليهانا. وبعد توقيفه، ظهرت شكاوى وإفادات إضافية تتعلّق بقاصرات أخريات.

لا تعني كثرة الشكاوى وحدها ثبوت الإدانة، ولا يجوز التعامل معها بديلاً من التحقيق والمحاكمة العادلة. فقرينة البراءة حقّ أساسي لا يسقط تحت ضغط الغضب الشعبي. لكنّ تكرار الإشارات طرح سؤالا حول ما إذا جرى تقييم هذه الوقائع مجتمعة؟ وهل تواصلت المؤسّسات المعنية في ما بينها؟ أم بقيت كل شكوى معزولة داخل ملفّ إداري أو قضائي منفصل؟

تكشف قضيّة ليهانا عن مشكلة يصعب اختصارها في خطأ موظّف أو محقّق أو قاضٍ واحد. فقد امتلكت جهات عدّة أجزاء مختلفة من الصورة، فمن جهة هناك مدرسة رصدت سلوكاً غير ملائم، وأجهزة أمنية تلقّت بلاغات، ونيابات تناقلت ملفّات، وخدمات طبّية ونفسية استمعت إلى أطفال.

لكنّ هذه الأجزاء لم تجتمع، على ما يبدو، في تقدير موحّد لمستوى الخطر.

من منظور حقوقي، لا تُقاس فعّالية نظام حماية الأطفال بعدد الشكاوى التي يسجلّها، بل بقدرته على تحليلها وربطها والتدخّل في الوقت المناسب. فالطفل لا يمتلك القدرة على متابعة ملفّه بين المناطق القضائية، ولا يستطيع التأكّد من أن الشرطة والنيابة والمدرسة وخدمات حماية الطفولة تتبادل المعلومات المتعلّقة به.

وتظهر هنا واحدة من المشكلات المتكرّرة في قضايا العنف الجنسي وهي مطالبة الطفل أو المرأة بتقديم رواية كاملة ومتّسقة وأدلّة يصعب غالباً توفيرها، في حين يستفيد الشخص البالغ أو صاحب السلطة من الشكّ والتأخير وافتراض أنه لا يمثّل خطراً ما دام سجلّه الجنائي خالياً من الأحكام.

لا يعني ذلك التخلّي عن ضمانات المحاكمة العادلة، بل التمييز بين الإدانة الجنائية، التي تتطلّب أدلّة كافية وحكماً قضائياً، وبين إجراءات الحماية والتحقيق الاستباقي، التي يفترض أن تنطلق من تقييم جدّي للخطر، ومن واجب الدولة في حماية الأطفال.

أعادت القضيّة أيضاً النقاش حول ضعف الإمكانات المخصّصة للقضاء الفرنسي. فوفق الأرقام الأوروبية، يوجد في فرنسا ما يزيد قليلاً على ثلاثة مدّعين عامّين لكل مئة ألف نسمة، في مقابل متوسّط أوروبي يزيد على ذلك بأكثر من ثلاثة أضعاف.

ينعكس هذا النقص في تراكم الملفّات وطول الإجراءات وضيق الوقت المتاح للمحقّقين والمدّعين العامّين، خصوصاً في قضايا العنف الجنسي ضد الأطفال، التي تتطلّب خبرات متخصّصة ومقابلات تراعي عمر الطفل وآثار الصدمة النفسية عليه. وقد يضطرّ المدّعون العامّون إلى اتّخاذ قراراتهم استناداً إلى ملفّات ناقصة أو تحقيقات لم تتوفّر لها الموارد اللازمة. وفي الجرائم الجنسية، التي تقع غالباً في أماكن مغلقة ومن دون شهود، يصبح جمع الأدلّة أكثر تعقيداً، فيما قد يتأخّر الأطفال في الكشف عمّا تعرّضوا له، أو يعجزون عن سرد الوقائع بالطريقة التي يتوقّعها منهم الكبار.

لكنّ نقص التمويل لا يفسّر كل شيء. فالمشكلة تشمل أيضاً ضعف التنسيق بين المؤسّسات، وغياب آليّات فعالة لربط الشكاوى المتشابهة، وعدم الإبلاغ عن بعض الوقائع داخل المدارس، إضافة إلى ثقافة مؤسّساتية قد تنظر إلى أقوال الأطفال باعتبارها أقلّ موثوقية من أقوال البالغين.

وتقدّر اللجنة الفرنسية المستقلّة المعنيّة بجرائم البيدوفيليا والعنف الجنسي ضد الأطفال أن نحو 160 ألف طفل يتعرّضون سنوياً للعنف الجنسي في فرنسا. ويكشف هذا الرقم أن القضيّة لا تتعلّق بحوادث نادرة أو استثنائية، بل بظاهرة واسعة تتطلّب سياسات دائمة للوقاية والكشف المبكر والمحاسبة.

قضيّة ليهانا أثارت غضباً شعبياً واسعاً تُرجم في تظاهرات حاشدة، وقد خرج عشرات الآلاف في تظاهرات وتحرّكات في مدن فرنسية عدّة، قادتها في جانب كبير منها جمعيات نسوية وحقوقية. لم تقتصر المطالب على تحديد المسؤولين عن التقصير في قضيّة ليهانا، بل شملت إقرار قانون شامل لمكافحة العنف الجنسي ضد النساء والأطفال، وتأمين تمويل واضح ومستقلّ لتنفيذه.

 وتحت ضغط الاحتجاجات والغضب الشعبي، أقرّ وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بأن المؤسّسة القضائية لم تتمكّن من حماية ليهانا، وأمر بمراجعة نحو 70 ألف شكوى وملفّ جارٍ يتعلّق بالعنف ضد أطفال لا يزالون قاصرين، بهدف تحديد الحالات التي قد تتطلّب تدخّلاً عاجلاً أو إعادة تقييم.

كما فُتح تحقيقان إداريان، أحدهما داخل جهاز الدرك والآخر داخل وزارة العدل، لتحديد مواطن الخلل في التعامل مع الملفّات المرتبطة بباريلا.

لكنّ الإعلان عن مراجعة عشرات آلاف الملفّات خلال فترة قصيرة يثير أسئلة عملية حول جدّية هذه الاجراءات وما اذا كانت فقط لاستيعاب الغضب الشعبي، فمن سيُجري هذه المراجعة في ظلّ نقص القضاة والمحقّقين؟

من دون موارد وإصلاحات طويلة الأمد، قد تتحوّل مراجعة الملفّات إلى استجابة سياسية لامتصاص الغضب، بدلاً من أن تكون بداية لتغيير مؤسّساتي فعلي.

من جيزيل بيليكوت إلى ليهانا: العنف ليس استثناءً

أعادت قضيّة ليهانا إلى الواجهة محاكمة جيزيل بيليكوت، التي كشفت أن زوجها كان يخدّرها ويتيح لعشرات الرجال الاعتداء عليها داخل منزلها على مدى سنوات.

لم تكن أهمّية قضيّة بيليكوت في جسامة الجرائم وحدها، بل في أنها هدمت الصورة النمطية للمعتدي بوصفه شخصاً غريباً أو “وحشاً” يمكن التعرّف إليه بسهولة. كان المتّهمون رجالاً من أعمار ومهن وخلفيات مختلفة، يعيشون داخل المجتمع، ولديهم وظائف وعائلات وحياة تبدو عادية.

أظهرت القضيّة أن العنف الجنسي لا يقع فقط في الشوارع أو على أيدي أشخاص مجهولين، بل يمكن أن يمارسه زوج أو قريب أو شخص يتمتّع بثقة الأسرة، مستفيداً من الصمت ومن الاعتقاد بأن المنزل والعلاقات الخاصّة فضاءات آمنة بطبيعتها.

وساهمت محاكمة بيليكوت والنقاش النسوي الذي رافقها في تسريع تعديل القانون الفرنسي. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أُدخل غياب الموافقة صراحة في تعريف الاغتصاب والاعتداء الجنسي، ونصّ القانون على أن الموافقة يجب أن تكون حرّة ومستنيرة ومسبقة ومحدّدة لكل فعل، وأن الصمت أو غياب المقاومة لا يعنيان الموافقة.

لكنّ تغيير النصّ القانوني لا يكفي وحده. فإذا بقيت التحقيقات بطيئة، وظلّت أقوال الأطفال والنساء موضع تشكيك، وعجزت المؤسّسات عن ربط الشكاوى وتبادل المعلومات، فإن القانون الأكثر تقدّماً سيبقى محدود الأثر.

تكشف القضيّتان، رغم اختلافهما، وجهين لأزمة واحدة. أظهرت قضيّة بيليكوت أن العنف الجنسي قد يكون منظّماً ومستمرّاً داخل أكثر العلاقات خصوصية، فيما كشفت قضيّة ليهانا أن إشارات الخطر قد تكون موزعة أمام مؤسّسات متعدّدة، من دون أن ينجح أحد في جمعها والتدخّل.

لطالما ركز الخطاب الاجتماعي في قضايا العنف الجنسي على سلوك الضحيّة: لماذا لم تتكلّم؟ لماذا تأخّرت في الإبلاغ؟ لماذا لم تقاوم أو تطلب المساعدة؟

بحسب خبراء نفسييين فإن الأطفال لا يروون الاعتداء بالطريقة نفسها التي يروي بها البالغون حادثة ما. قد يتحدّثون تدريجياً، أو يستخدمون كلمات غير دقيقة، أو يتراجعون تحت الخوف والضغط. وقد تتغيّر بعض التفاصيل بين مقابلة وأخرى، من دون أن يعني ذلك أن أصل الرواية غير صحيح.

لذلك تتطلّب هذه القضايا محقّقين مدرّبين، ومقابلات تراعي سنّ الطفل ولا تجبره على تكرار شهادته مرّات عديدة، إضافة إلى مرافقة نفسية وقانونية وتنسيق سريع بين القضاء والمدارس والأجهزة الأمنية وخدمات حماية الطفولة.

حتى الآن، لا يمكن الجزم بأن التدخّل المؤسّساتي كان سيمنع مقتل ليهانا بصورة مؤكّدة. لكنّ الوقائع المعروفة تكفي لطرح سؤال لا تستطيع السلطات الفرنسية تجاوزه، يتعلّق بكم تحذير تحتاج المؤسّسات قبل أن تتحوّل أقوال الأطفال من أوراق محفوظة في الملفّات إلى إجراءات فعلية لحمايتهم؟

20.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية