في 28 أيار/ مايو 2024، عُثر في قعر بحيرة رائقة وغير عميقة بمحمية أوستفاردرسبلاسن الطبيعية، بمنطقة ليليستاد وسط هولندا، على جثة الشابة السورية – الهولندية ريان النجار (18 عامًا) مقيدة المعصمين والقدمين ومكممة الفم بشريط لاصق، قدّر المحققون طوله الإجمالي بـ 18 مترًا. والشابة الضحية، وفق خبراء الطب الجنائي الذين عاينوا الجثة، كانت قيّدت على هذا النحو وتعرضت لمحاولة خنق، ثم ألقيت في المياه لتفارق الحياة غرقًا، وقد حصل ذلك في وقت متأخر من ليل 22 أيار 2024، أي قبل ستة أيام من العثور على جثتها في بحيرة المحمية الطبيعية.
جريمة شرف
التحقيقات التي أجرتها الشرطة الهولندية جاءت سريعة. فقد تمت مراجعة أنشطة الشابة على الهاتف الذكي والشبكات الرقمية على مدى الفترة التي سبقت موتها، وحللت المواد والأنشطة التي تضمنت اتصالات ورسائل نصيّة وصوتية وصور ومواد أخرى. وقادت التحقيقات في الحال إلى ثلاثة مشتبه بهم: والد ريان، خالد النجار (53 عامًا)، وابناه، شقيقاها، مهند النجار (25 عامًا)، ومحمد علي النجار (23 عامًا)، أي مجمل ذكور العائلة النواتية التي تنتمي ريان إليها.
وكانت الفتاة وصلت برفقة عائلتها إلى هولندا حين كانت بعمر العاشرة، بين العامين 2015 و2016، وذلك بعد إقامة وجيزة لهم في تركيا إثر الحرب والتهجير في بلدهم الأول، سوريا. وفي العام 2017 حصلت عائلة النجار على حق اللجوء والإقامة القانونية في هولندا كمعظم اللاجئين السوريين الواصلين إلى الأراضي الهولندية، كما مُنحت مسكنًا في بلدة يوري بإقليم فريسلاند الشمالي لتقيم هناك وتستقر مذّاك. بيد أن حياة ريان في كنف عائلتها النواتية لم تتسم بالاستقرار أو الهدوء الذي توحي به الأجواء في بلدة يوري الصغيرة. بل أخذت حياتها في كنف بيتها العائلي تتردى مع الوقت منذ أن باشرت سنين مراهقتها. وهي، كما أظهرت التحقيقات، راحت منذ أعوام تتعرض لمضايقات وضغوط وتهديدات في البيت، تحديدًا من ذكور العائلة، بسبب نشاطها على منصات التواصل الاجتماعي وظهورها فيها بصور ومقاطع فيديو من دون حجاب، وأيضًا بسبب تمردها في هذه المسألة الأخيرة، وعدم التزامها بارتداء الحجاب خارج البيت وفي الحياة العامة، وسلوكها “الغربي”، وفق تعبير عائلتها، الآخذ بالتحول إلى “عبء ثقيل” لا يمكن تحمله أو التسامح معه. إزاء ذلك، اشتكت ريان مرارًا لجمعيات دعم وتمكين هولندية محلية، طالبة الحماية والمؤازرة، وفق تحقيقات الشرطة. على أن المضايقات البيتية بلغت أوجها في الأسبوع الأخير من حياة الشابة، الأمر الذي دفعها إلى مغادرة البيت واللجوء إلى أصدقاء في مدينة روتردام. وفي 22 مايو/ أيار، تمكن الأب وابناه إثر اتصال أجروه معها من تحديد المكان الذي التجأت إليه. وفي الحال انطلقت حركة الجريمة العائلية، واندفع المنفذون الثلاثة لتطبيق خطة الإيقاع بريان والتخلص منها. وقد وصل الشقيقان محمد ومهند بسيارتهما إلى روتردام مساء ذلك اليوم، واتصلا بشقيقتهما وأقنعاها بالعودة معهما إلى البيت.
من روتردام إلى مسرح الجريمة
اقتنعت ريان في ذلك المساء بمرافقة شقيقيها، إلا أن الرحلة لم تقد إلى البيت العائلي في بلدة يوري كما وعدا، بل إلى منطقة قريبة من مدينة ليليستاد، لتكون، من دون علمها طبعًا، المحطة ما قبل الأخيرة من حياتها. وهناك حيث توقفوا لاستراحة قصيرة، كان الوالد خالد النجار بانتظارهم، وقد انضم إليهم. وتحت جنح الليل قطعوا بالسيارة التي يقودها أحد الابنين مسافة 9،5 كيلومتر بوقت ناهز الربع ساعة، فوصلوا إلى أراضي محمية أوستفاردرسبلاسن الطبيعية، المنطقة الواسعة، البالغة مساحتها 56 كيلومتراً مربعاً، والتي تعد مجالاً لاختبار إعادة الحياة البرية إلى قلب تلك الأنحاء الهولندية المعمَّرة. وكما يقتضي النمط البري والحمائي لهذه المنطقة فإنها تخلو ليلًا من المتنزهين وهواة استكشاف الطبيعة والحياة البرية، وتنأى عن المناطق السكنية التي يمكن أن يوجد فيها أشخاص مستيقظون في ذاك الوقت المتأخر من الليل. وفي قطاع معزول من قطاعات المحمية المذكورة تتوسطه بحيرة قليلة العمق محاطة بحواف رملية، اختاره خالد النجار وابناه لتنفيذ جريمتهم، وجدت الشابة نفسها تحت جنح الليل في عمق البرية الموحشة، وبقبضة ذكور عائلتها المتضورين انتقاماً لذاك الشيء الغامض الذي يسمونه في عرفهم: “شرف”.
التوقيفات والمحكمة
بعد أيام قليلة من العثور على جثة الشابة المقتولة وإثر التحقيقات السريعة التي أجرتها الشرطة، وجهت النيابة العامة الهولندية رسمياً الاتهام بالقتل إلى والد ريان، خالد النجار، وشقيقيها مهند ومحمد. بيد أن الشرطة لم تستطع القبض إلا على الشقيقين، لأن الوالد غادر الأراضي الهولندية مباشرة بعد تنفيذ الجريمة وسافر إلى موطنه الأصلي، سوريا. وفي 5 يناير/ كانون الثاني 2025، أصدرت المحكمة التي انعقدت في مدينة ليليستاد أحكامها على المتهمين الثلاثة، فجاءت: حكماً غيابياً بالسجن 25 عاماً على خالد النجار، وحكمين بالسجن 20 عامًا على كل من الشقيقين محمد علي النجار ومهند النجار. ومن المستبعد أن يقضي خالد محكوميته كونه بات في سوريا وتزوج مرة ثانية ما أن حل هناك وبدأ حياة جديدة. علماً أنه ما اتفاقية موقعة بين هولندا وسوريا تتيح استرداد المجرمين وتبادل المتهمين بين البلدين.
على أن المحاكمة في ليليستاد، وفق أحكامها ومجرياتها، طرحت قضايا عدة أمام الرأي العام الهولندي تبدو مستجدة في مشهد الجرائم الجنائية في البلاد. فهذه المحاكمة قد تكون مثلت الإشارة الأوضح إلى حلول جرائم الشرف في هولندا كبنية اجتماعية متكاملة، وليس كحوادث جنائية وجرائم منفصلة لكل منها قصته وحيثياته. بنية اجتماعية ودينية وأهلية وعائلية، تتيح هذه الجرائم وتسهلها وتحرك ديناميكياتها. فالوالد خالد النجار هو من قام شخصياً بعملية تقييد الشابة ومحاولة خنقها بدافع الانتقام لشرفه الديني والاجتماعي المفترض، ثم تعاون مع ابنيه لرميها مقيدة في البحيرة كي تموت، وقد وجد المحققون عينات من حمضه النووي (DNA) تحت أظافر ابنته المقتولة وعلى الشريط اللاصق الذي كمم فمها وقيد يديها ورجليها. أما الشقيقان فقد لعبا دور المساعدين في الجريمة، كما نفذا عملية تعقب واستدراج الضحية، وحاولا أيضًا بعد الجريمة “غسل الآثار”، فمحيا قدر المستطاع المراسلات مع الضحية على الهواتف، وذاك تطلب منهما الوصول إلى دائرة أشخاص موسّعة، عائلية في الغالب، لتنظيف المراسلات، ومراجعة المنصات الرقمية وتنظيفها أيضاً. وقد قاد التنسيق وفق ذاك المنحى “الأوركسترالي” للجريمة، إلى مغادرة خالد النجار إلى سوريا بسرعة قصوى. وهو حين وصل إلى هناك وبات في أمان سورياه وشرعها، فيما كانت اكتُشفت جثة الضحية في بحيرة المحمية الطبيعية، بعث برسالة إلى إحدى الصحف الهولندية تبنى فيها شخصياً جريمة القتل بدافع الانتقام لشرفه، محاولاً تخفيف المسؤولية عن الابنين.
هذه الفصول في الحقيقة شكلت القاعدة والاستراتيجية اللتين بُني عليهما منطق الدفاع عن المتهمين خلال المحكمة، والذي قام على فكرة تصدّر الأب وهامشية أدوار كل مشارك آخر في الجريمة. وهكذا جاءت شهادتي الشريكين الأساسيين، محمد ومهند لتصب في هذا المنحى: “الوالد حين يغضب نتيجة أمر يمس شرفه يغدو وحشاً لا يمكن كبحه! شهادة أم الضحية كذلك جاءت على هذا النحو؛ زوجي عندما يغضب ويطعَن بشرفه يتحول إلى وحش! وشقيقتا المغدورة بدورهما قالتا كلاماً مشابهاً: والدنا في حالة الغضب الشديد يغدو وحشًا! وقد بدا الأب هذا، بعد قيادته الجريمة، يقود الدفاع من حيث هو. إنه الأب – القائد بالاسم والفعل، والذي ما دام في صون وأمان يمكن “مسح” كل الذنوب بعباءته، ويمكن إدخال كل الرزايا في ذمته كرمى لعيون ذكريه ورجليّ بيته، الماثلين أمام المحكمة. وفي الواقع نجحت هذه الاستراتيجية إلى حد ما، وجعلت من الشريكين الآخرين في الجريمة، محمد ومهند، على الرغم من دورهما المحوري، مجرد منفّذين مطيعين لأوامر والدهما “الوحش”، وهذا أنقص من محكوميتهما. وقد عبر أفراد هولنديون ممن حادثتهم عن هاتين الجريمة والمحاكمة، وجلّهم من أوساط منفتحة تمقت السجون والأحكام، عن “قلقهم” إزاء حكم العشرين سنة “المتساهل” بحق الشابين. فهما قصفا زهرة بيتهما وعائلتهما، وسيسجنا 20 عاماً في حبس هولندي أشبه بفندق خمس نجوم إذا ما قورن بسجون بلادهما الأصلية، وسيخرجان بسنيّ الـ 40 والـ45 ليكملا حياتهما في عمر شاب، وربما ليستأنفا عنف شرفهم على باقي إناث العائلة.
إقرأوا أيضاً:
الشرف في بلاد الهجرة
لقد حلّت البنية الاجتماعية لجريمة الشرف حلولاً متكاملاً في هولندا، وباتت جرائم “عنف الشرف” تُدرج في سجل جرائم القتل الجنائية في البلاد بوصفها نوعاً محدداً من الجرائم، له سماته وبنيته الواسعة والمعقدة. وبناءً على ذلك، يصدر في هولندا منذ أعوام تقرير سنوي يُعدّه “المركز الوطني لمراقبة حالات العنف المرتبطة بالشرف”
(Het Landelijk Expertise Centrum Eegerelateerd Geweld)، ليقدم معلومات وبيانات عن هذه الجرائم ويلقي الضوء على مستجداتها وعدد ضحاياها في كل عام. وقد صدر التقرير الجديد الشهر الماضي عن سنة 2025، ونشر في الصحف الهولندية. وقد أشار إلى 757 حالة تلقاها المركز في العام 2025، بارتفاع مقداره 13 في المئة عن العام الذي سبقه. كما استعرض التقرير مؤشر هذه الحالات التصاعدي في السنوات الأربع الأخيرة، وقد جاء كالتالي: 594 حالة للعام 2022، 619 حالة للعام 2023، 673 حالة للعام 2024، و757 حالة للعام 2025.
وعلى الرغم من الاتجاه التصاعدي الواضح لهذا المؤشر إلا أن جرائم القتل المنفذة، تناقصت. فالعام الماضي شهد أربع جرائم شرف منفذة، وهذا معدل أدنى من معدلات السنوات الماضية، إذ كان يسجل سنوياً ما بين 10 إلى 15 جريمة شرف منفذة. وهذا التناقص في عدد الجرائم المنفذة، والتصاعد في عدد الحالات المبلغ عنها، يشيران إلى زيادة الوعي في أوساط المعنفات، وبالتالي إلى زيادة إقبالهن على التبليغ بالوقت المناسب، ما ينقص عمليات القتل.
ويشير التقرير أيضاً، بطبيعة الحال، إلى أن معظم جرائم الشرف، إن لم يكن جميعها، تحدث في أوساط القادمين الجدد إلى هولندا، أي المهاجرين. ففي السنة الماضية (2025) احتل المهاجرون القادمون من سوريا المرتبة الأولى في حالات العنف المرتبط بالشرف، بمعدل ثلث إجمالي الحالات، وجاء المهاجرون القادمون من تركيا في المرتبة الثانية. ومعظم الحالات تلك ارتبطت بسوء المعاملة والتهديدات. وبحسب ويلفريد يانمات، رئيس المركز، الذي حادثته صحيفة “دي فولكسكرانت” أواخر آذار /مارس 2026، فإن العنف المرتبط بالشرف يحدث في العادة عندما تختار الفتاة (أو السيدة) أمورًا وسلوكيات تحيد عن النسق العائلي أو الاجتماعي السائد بأوساط الشريحة الأهلية التي ترتبط بها. من هذه السلوكيات مثلاً، العلاقات قبل الزواج، خلع الحجاب أو عدم الالتزام به، المثلية الجنسية، أو قرار الطلاق. ويرى يانمات أن التوترات الجيلية (بين الأجيال) سائدة على نحو خاص في أوساط القادمين الجدد إلى هولندا. إذ إن من هم بأعمار أصغر يندمجون في المجتمع الهولندي بوتيرة أسرع من وتيرة أهلهم. فهم ينخرطون في المدارس ويصادقون هولنديين ويتخذون خيارات مختلفة عن أهلهم، ويباشرون بالتالي في تبني قيم المجتمع الهولندي وسلوكياته، وهكذا يبدأ صدامهم بالتوقعات التقليدية الموجودة في أذهان أهلهم.
في السياق نفسه، تعود مسألة معدل حالات “عنف الشرف” المرتفع في أوساط المهاجرين السوريين، إلى أن الأخيرين هم من أحدث الوافدين إلى هولندا كشريحة اجتماعية، وكثيرون منهم لم يتأقلموا بعد مع السلوكيات والقيم المحلية. وللمقارنة هنا، فإن معدلات عنف الشرف في أوساط الجماعتين التركية والمغربية، وهما الأقدم حضورًا في هولندا، تسجل أرقامًا مستقرة ولا تتزايد بمعدلات كبيرة.
رأس جبل الجليد
“المركز الوطني لمراقبة حالات العنف المرتبطة بالشرف” هو مركز هولندي رسمي ومتخصص، يدعم أجهزة الشرطة ودائرتي الهجرة والتوطين، كما يؤازر منظمات التمكين المحلية في المدن والبلدات والمناطق والأقاليم بمواجهة الحالات المعقدة التي تطرحها جرائم الشرف وعنفه المستجد في البلاد. “موفيزي” (Movisie) هي واحدة من منظمات التمكين تلك التي تعمل على إتاحة وسائل دعم متنوعة للوصول إلى مختلف الأوساط الاجتماعية، وتبذل جهودًا مستمرة لتشجيع الضحايا، في أوساط المهاجرين غالباً، على تجاوز الصعوبات والعتبات التي تفصلهن عن مؤسسات الحماية. فجرائم الشرف وعنفه، كما ذكرنا آنفًا، تنتشر ضمن بنية اجتماعية متصلبة ليس من السهل اختراقها والتفلت منها. إذ إن ممارسي عنف الشرف، كما أظهرت جريمة قتل ريان النجار، قد يكونون مجموعة أشخاص، ويشتملون على متواطئين يعيشون تحت وطأة شبكتهم العائلية المعقدة والثقيلة في حضورها. والضحايا الإناث، في معظم الأحيان، اللواتي تعتمد أوراقهن الثبوتية الرسمية وإجازات إقاماتهن في البلاد على شريك ذكر، قد يكون هو المعنِّف، أو أحد المعنفين، يجدن صعوبة بالغة في الوصول إلى الشرطة ومؤسسات الحماية بالوقت المناسب. لذا فإن منظمات مثل “موفيزي”، وبعد فهمها تركيبة جريمة الشرف وديناميكياتها إثر دراسة جرائم عدة وقعت، من أبرزها طبعًا جريمة قتل ريان، تعمل بالدرجة الأولى لإزاحة تلك الصعوبات واختراق العتبات. وهي تسعى في هذا الإطار إلى فتح محادثات مع شخصيات فاعلة ضمن الأوساط التي يسود فيها عنف الشرف، وتعتمد أشكالاً إبداعية عدة، كالمسرح والفنون الأدائية، لطرح مسائل جوهرية، مثل حرية تقرير المصير الفردي والعنف الأسري – المنزلي.
منذ العام 2025، وبحسب “المركز الوطني لمراقبة حالات العنف المرتبطة بالشرف”، وضمن برامج دمج المهاجرين واللاجئين، بات هناك اهتمام أكبر بمسائل التوعية والتثقيف بموضوعات حرية تقرير المصير الفردي. ويأتي هذا تحديداً في سياق الجهود المبذولة لمكافحة عنف الشرف الذي تتعرض له النساء. والأمر، وفق المركز، قد يكون من العوامل التي أدت إلى الارتفاع الملحوظ في حالات التبليغ في العام 2025. ومن المتوقع أن ترتفع حالات التبليغ عن “عنف الشرف” في العام الحالي أيضًا كما في الأعوام المقبلة، لأن الحالات المبلغ عنها راهنًا ليست سوى رأس جبل الجليد من بنية اجتماعية متكاملة تسهل هذه الجرائم، وهي باتت بنية مستقرة ومستوطنة داخل المجتمع الهولندي.












