ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مات الحاج أبو علي فقيه بعدما فهم ما حلّ به

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الحاج أبو علي لم يمت موت الغفلة، لم يمت كمن لم يفهم ما حدث له. كان في موته شيء من الوعي القاسي، وعي الإنسان الذي يرى بيته ولا يراه، يعرفه ولا يستطيع أن يسكنه، يلمس الحجر كمن يلمس بقايا نفسه. هنا لا يكون الموت بيولوجياً فقط. الجسد يموت مرة، أما الوعي فيموت حين يرى العالم الذي كان يعرفه يتحول إلى ركام.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مات الحاج حسين فقيه (أبو علي).

عرفناه قبل أيام من صورته مستلقياً بيأس على ركام ما كان بيتاً دمّرته إسرائيل في قرية صريفا جنوب لبنان.

الحاج أبو علي مات، واستعاد كثيرون صورته التي انتشرت قبل أيام أمام بيته المدمّر. حتى كلمة “بيته” صارت قاسية، لأن البيت لم يعد بيتاً، إنما أثر بيت، بقايا مكان، ركام حياة. كلنا مضطرون إلى الاتفاق على هذه العبارة القاسية: ما كان. كان هنا بيت، وكان فيه مطبخ، وسرير، ورائحة، وطريق صغير إلى الباب، وأشياء لا ينتبه إليها الإنسان إلا حين تصير آخر ما بقي من حياته. كان يموت ومعه سرير يعرف تعب جسده، ومكان كان يعطي السكان حقهم البسيط في أن يكونوا هنا، لا عابرين في خريطة الخراب، كيف يعرف الجنوبيون كلمة خريطة إلا من التذكّر؟

كلمة “القهر” ليست كافية لوصف موت الحاج أبو علي. القهر كلمة واسعة أكثر مما ينبغي، تصلح للخبر العاجل، وللتعليق السريع، وللعين التي تريد أن تدمع ثم تذهب إلى شأنها. لكنها لا تكفي لرجل ممدد فوق ركام بيته، يعرف بالتأكيد الشقفة الكبيرة من الحجر التي ينام عليها. لا تكفي لمن لم يكن يموت وحده. كان يموت ومعه صمته، وظهره المتكوّر، وبيت كان بيتاً قبل أن يصير شيئاً آخر. حتى كلمة ركام سهلة، وغير منصفة، حياة كاملة انقضت فوق شيء لم يعد واضحاً إن كان منزلاً أو حجراً أو ذاكرة مفتتة… اللغة مهمة لأننا نُريد أن نربطها بدور الإنسان وفعله وحقه في معرفة مصير أشيائه قبل أن تُفنى.

أن نقول مات قهراً فقط، كأننا ننهي سيرته ونريح أنفسنا من الإصغاء إليه. وهذا مُريح لكل الأطراف التي تتحارب، من كونه مات من دون أن نصغي إليه. القهر تأويلنا نحن، أما هو فمات صامتاً. والصمت هنا لا يعني الفراغ، الصمت يقول إن هناك شيئاً يريد أن يقال، لكنه لم يعد يملك طريقاً إلى الكلام أو مكاناً له. في موته كان هناك شيء آخر، لحظة وعي مطلقة بانتهاء عالمه، بانتهاء الأنا التي كانت تجد معناها في بيتها، في أشيائها، في رائحتها، في ترتيبها الصغير للحياة.

الحاج أبو علي لم يمت موت الغفلة، لم يمت كمن لم يفهم ما حدث له. كان في موته شيء من الوعي القاسي، وعي الإنسان الذي يرى بيته ولا يراه، يعرفه ولا يستطيع أن يسكنه، يلمس الحجر كمن يلمس بقايا نفسه. هنا لا يكون الموت بيولوجياً فقط. الجسد يموت مرة، أما الوعي فيموت حين يرى العالم الذي كان يعرفه يتحول إلى ركام. 

يموت الوعي حين يفهم أن الباب لم يعد باباً، وأن المطبخ لم يعد مطبخاً، وأن المكان الذي كان يقول له: أنت هنا، صار يقول له: لم تعد هنا. مات لأنه عرف موته أكثر مِنا كُلنا، عرف المسافة نحو الموت قبل أيام من موته، فتوجّه إليه بشرف.

السكن ليس عقاراً، إنه الحد الأدنى الذي يصير فيه الإنسان موجوداً لا مجرد حي. الإنسان لا يعيش بالبيولوجيا وحدها، ولا يكفي أن يبقى قلبه نابضاً كي نقول إنه حيّ. الحياة تحتاج إلى مكان، إلى زاوية، إلى أشياء صغيرة تحفظ الاستمرار، حين يُسلب البيت، يُسلب الإنسان من عيانيته، ويُدفع إلى التجريد، أن يصير نازحاً، متضرراً، صابراً، مقاوماً، وفياً للمقاومة. هنا تبدأ الجريمة الثانية بوضوح، لا في هدم البيت وحده، إنما في تحويل صاحب البيت إلى مادة مفرغة الذات في خطاب لا يخصه.

نحن لا نعرف العالم من الفراغ، بل نعرفه من المكان. موقعنا في المكان جزء من رؤيتنا للعالم، لذلك لا تصير الأشياء صغيرة حين يموت صاحبها، بل على العكس، تكبر بعد موته. الحجر، السرير، المطبخ، الرائحة، الطريق إلى الباب، كلها تكبر لأنها تصير الشاهد الأخير على حياة لم تعد قادرة على الكلام. الكلام الذي مات ليس كلمة واحدة، بل عالم يتجلّى بالقهر. سقوط بيته كان هدم العالم الذي يعرفه كمواطن وإنسان، ولجيرانه، ولمن لم يموتوا لكنهم مثله تماماً. دُفن مع الجنوبيين ترتيب كل إنسان لوجوده الخاص: عاداتهم، طريقة لباسهم، مكان جلوسهم، وحقه البسيط في أن يقول: أنا هنا. 

إسرائيل تعرف هذا. تعرف أن ضرب السكن ليس تدمير جدران، إنما طرد الإنسان من صورته عن نفسه، من مكانه، من ذاكرته، من قدرته على أن يكون صاحب حياة لا مجرد رقم في بيان أو جندي من دون اسم أو صوت في مشروع للكرامة. وما يفوت حزب الله أو لا يريد أن يراه، أن الحرب لا تقاس بعدد القتلى من اللبنانيين، ولا بما يقال في بيانات القوة والردع. الحرب تقوم على المنازل، على الطرقات، على المطبخ، على النوم، على الخوف، على قدرة الإنسان أن يعرف صباحه من مكان يألفه. إلغاء الجغرافيا من موقع الأهمية ليس إلغاء للسكن، ما تُريده إسرائيل نقض إنسانيتنا تماماً، هذا دافع مسموم، المكان لا يمكن تعويضه بالشعار. لماذا تحصل الحرب، هل هناك جواب آخر غير السكن؟

ما تفعله الحرب الإسرائيلية في اليومي أخطر مما تفعله في الجبهة أحياناً. البيوت ليست نتيجة جانبية للحرب. ضرب البيوت هو ضرب الوجود الاجتماعي للشيعة: العائلة، الجوار، الذاكرة، القرابة، المقبرة، المدرسة، الطريق إلى الدكان، وشكل الحياة الذي جعل هؤلاء الناس جماعة تاريخية لا كتلة قابلة للاستدعاء عند الحاجة. كل جماعة لا توجد في الفراغ، وكل سلطة تقوم على مكان. لذلك لا تكفي كلمة “البيئة”، سواء قالها الحزب عن نفسه أو قلناها نحن عنه. الشيعة ليسوا بيئة متجانسة، وليسوا حاضنة جاهزة. لهم مكان، وسكن، وتاريخ، وبيوت، وخوف، وأعمار لا يجوز تحويلها إلى وظيفة في خطاب الحرب ولا القبول بأي خطاب يحولها الى شيء مجرد.

هناك فرق بين الساكن والموالي. الساكن يطلب حياة، ويصنعها، والموالي يطلب منه أن يترجم حياته إلى ولاء. الساكن يقول: أريد بيتاً لي أقول فيه ومن خلاله وأعود إليه. الموالي يجب أن يقول: نحن صامدون. الساكن يبكي لأن مطبخه ضاع، لأن عمره ضاع، لأن ذاكرته صارت ركاماً. الموالي يطلب منه أن يضبط بكاءه داخل لغة يختارها قامع ما. هذه هي التقوى الشفاهية، تحويل الألم إلى طاعة، والخراب إلى امتحان إيمان، والبيت إلى تفصيل صغير أمام السردية الكبرى. حين يحول الحزب السكان الشيعة إلى حاضنة أو بيئة، لا تكون المسألة نظرية فقط. تكفي حكاية امرأة قالت وجعها، أو حاولت أن تقول إن بيتها لم يعد بيتاً، حتى حصل الهجوم عليها، ودفعها إلى الاعتذار عبر زوجها. لم تعتذر لأنها أخطأت، إنما لأن الألم حين يخرج من لغة الحزب يصير مشكلة، المطلوب من المتضرر ألا يخسر فقط، بل أن يخسر بأدب سياسي، أن يبكي وينتحب ضمن الحدود، وأن ينتبه إلى مفرداته وهو يصف خراب عمره. الاعتذار ليس تصحيحاً لكلام، إنما يصبح إهانة ثانية، بيت مهدوم أولاً، ولسان مكسور ثانياً. المرأة لم تكن تعتذر عن جملة، بل لأن وجعها ظهر بلا قبول من سلطة كبرى اسمها الحزب. 

هكذا هو الحزب، يلغي السكن من لغته كما تريد إسرائيل أن تلغيه من الأرض. إسرائيل تضرب البيت كي تطرد الإنسان، والحزب يطلب من الإنسان المطرود أن يظهر كأنه ما زال مقيماً في المعنى وفي الإرادة التي يملكها عقائديّوه. هنا يصير الخراب مضاعفاً: بيت يُهدم من الخارج، ولغة تمنع صاحبه من أن يقول إن البيت كان حياته. منع الشقاء لم يُطلب حتى في السرد الديني النبوي؛ فكل سيرة نبوية حملت شقاءً وآلاماً، تقوله الرسل والأنبياء. أي أقدم روي سردي قال شقاءه.

لذلك، ليس موت الحاج موت فرد فوق أطلال منزله، إنه تكثيف لمأساة الإنسان حين تصادره اللغة الكبرى. هذا الرجل مات تكثيفاً لحياة السكان الذين كانت بيوتهم آخر أرشيف لهم. مات تكثيفاً لفكرة أن السكن ليس سقفاً، موت للإنسان العياني، الإنسان الذي تقاومه كل الأيديولوجيات حين تريده رقماً أو جمهوراً، فيظهر هنا في أبسط صورة: رجل ممدد على ركام بيته، لا يقول شيئاً، لكن صمته يهدم كل خطاب يريد أن يجعل الخراب فضيلة.

هل كان الحاج منتمياً تماماً إلى الحرب، أو واثقاً بها، أو قادراً على الاعتراض عليها؟ أو كان مطروداً من الجماعة التي تتكلم باسمه ولا تدعه يتكلم، جماعة تجعله يصمت ثم تفسر صمته كما تريد. لذلك، لم يكن صمته حياداً ولا رضا. كان صمت إنسان عرف أن الكلام لم يعد يملك أي فعل. هل يشتم إسرائيل؟ هل يشتم البلاد؟ هل يشتم الحزب؟ كيفما تحدث لن يكون لكلامه مكان، وقد يرتد عليه كتهمة أو خيانة أو قلة وفاء أو وهن للأمة.

هنا يصير الخوف أكثر تعقيداً من خوف الموت. إنه خوف الإنسان حين يعرف أن لغته لم تعد تخصه. تعلّم، من الذين قُمعوا، وصمتوا، ومن الذين طالبوه بالصبر، أنه لن يستطيع أن يقول شيئاً. لذلك انهدم مع مكانه. الركام في الصورة ليس خارجياً فقط. إنما كان ركاماً في القدرة على القول، في الثقة بالجماعة، في الحق بأن يغضب من دون أن يشرح غضبه لأحد.

يمكن أن نستعيد، بحذر، صورة خليل حاوي بشكل غير مباشر، إنما كإشارة إلى ذلك الموت الذي يأتي من فرط الوعي لا من فرط الضعف. هناك لحظة لا يعود فيها الإنسان قادراً على الفصل بين انهيار المكان، وانهيار النفس، إذ تُفرغ الذات كلها في المكان. حاوي رأى الاجتياح كأن وطناً كاملاً يدخل في العجز والهدم، والحاج رأى بيته كأن حياته كلها تخرج من صورتها… الفارق كبير، لكن الجرح واحد في عمقه: أن يرى الإنسان العالم الذي أعطاه معنى وجوده وهو ينسحب منه.

أفكر بأبي حين كان خوفه من هدم البيت يقترب من جسده، إما في الحرب، أو في الزلزال الذي أصاب اللاذقية، فكان ينام ببساطة ويقول لنا: “ما بموت إلا ببيتي، ما بموت إلا بتختي”. هذه ليست جملة بسيطة مستسلمة عند الكبار. هذا حلم بموت حميمي، موت شريف، موت يعرف سريره ووسادته ورائحة الغرفة والجدران التي آوته. عمي وعمتي أيضاً يصليان لموت في البيت، لأنهما يعرفان أن ركام البيت لا يكون ركاماً، إنه كرامة ومعنى، وأن البيت حين يبقى قائماً يمنح الموت نفسه بعض الرحمة. الحاج فقد حتى هذا الحلم. لم يفقد بيت الحياة وحده، إنما فقد بيت الموت أيضاً، فقد الحق بأن يموت في مكان يعرفه، لا فوق أثره وركامه، لم يمت مقهوراً فقط.

05.05.2026
زمن القراءة: 7 minutes

الحاج أبو علي لم يمت موت الغفلة، لم يمت كمن لم يفهم ما حدث له. كان في موته شيء من الوعي القاسي، وعي الإنسان الذي يرى بيته ولا يراه، يعرفه ولا يستطيع أن يسكنه، يلمس الحجر كمن يلمس بقايا نفسه. هنا لا يكون الموت بيولوجياً فقط. الجسد يموت مرة، أما الوعي فيموت حين يرى العالم الذي كان يعرفه يتحول إلى ركام.

مات الحاج حسين فقيه (أبو علي).

عرفناه قبل أيام من صورته مستلقياً بيأس على ركام ما كان بيتاً دمّرته إسرائيل في قرية صريفا جنوب لبنان.

الحاج أبو علي مات، واستعاد كثيرون صورته التي انتشرت قبل أيام أمام بيته المدمّر. حتى كلمة “بيته” صارت قاسية، لأن البيت لم يعد بيتاً، إنما أثر بيت، بقايا مكان، ركام حياة. كلنا مضطرون إلى الاتفاق على هذه العبارة القاسية: ما كان. كان هنا بيت، وكان فيه مطبخ، وسرير، ورائحة، وطريق صغير إلى الباب، وأشياء لا ينتبه إليها الإنسان إلا حين تصير آخر ما بقي من حياته. كان يموت ومعه سرير يعرف تعب جسده، ومكان كان يعطي السكان حقهم البسيط في أن يكونوا هنا، لا عابرين في خريطة الخراب، كيف يعرف الجنوبيون كلمة خريطة إلا من التذكّر؟

كلمة “القهر” ليست كافية لوصف موت الحاج أبو علي. القهر كلمة واسعة أكثر مما ينبغي، تصلح للخبر العاجل، وللتعليق السريع، وللعين التي تريد أن تدمع ثم تذهب إلى شأنها. لكنها لا تكفي لرجل ممدد فوق ركام بيته، يعرف بالتأكيد الشقفة الكبيرة من الحجر التي ينام عليها. لا تكفي لمن لم يكن يموت وحده. كان يموت ومعه صمته، وظهره المتكوّر، وبيت كان بيتاً قبل أن يصير شيئاً آخر. حتى كلمة ركام سهلة، وغير منصفة، حياة كاملة انقضت فوق شيء لم يعد واضحاً إن كان منزلاً أو حجراً أو ذاكرة مفتتة… اللغة مهمة لأننا نُريد أن نربطها بدور الإنسان وفعله وحقه في معرفة مصير أشيائه قبل أن تُفنى.

أن نقول مات قهراً فقط، كأننا ننهي سيرته ونريح أنفسنا من الإصغاء إليه. وهذا مُريح لكل الأطراف التي تتحارب، من كونه مات من دون أن نصغي إليه. القهر تأويلنا نحن، أما هو فمات صامتاً. والصمت هنا لا يعني الفراغ، الصمت يقول إن هناك شيئاً يريد أن يقال، لكنه لم يعد يملك طريقاً إلى الكلام أو مكاناً له. في موته كان هناك شيء آخر، لحظة وعي مطلقة بانتهاء عالمه، بانتهاء الأنا التي كانت تجد معناها في بيتها، في أشيائها، في رائحتها، في ترتيبها الصغير للحياة.

الحاج أبو علي لم يمت موت الغفلة، لم يمت كمن لم يفهم ما حدث له. كان في موته شيء من الوعي القاسي، وعي الإنسان الذي يرى بيته ولا يراه، يعرفه ولا يستطيع أن يسكنه، يلمس الحجر كمن يلمس بقايا نفسه. هنا لا يكون الموت بيولوجياً فقط. الجسد يموت مرة، أما الوعي فيموت حين يرى العالم الذي كان يعرفه يتحول إلى ركام. 

يموت الوعي حين يفهم أن الباب لم يعد باباً، وأن المطبخ لم يعد مطبخاً، وأن المكان الذي كان يقول له: أنت هنا، صار يقول له: لم تعد هنا. مات لأنه عرف موته أكثر مِنا كُلنا، عرف المسافة نحو الموت قبل أيام من موته، فتوجّه إليه بشرف.

السكن ليس عقاراً، إنه الحد الأدنى الذي يصير فيه الإنسان موجوداً لا مجرد حي. الإنسان لا يعيش بالبيولوجيا وحدها، ولا يكفي أن يبقى قلبه نابضاً كي نقول إنه حيّ. الحياة تحتاج إلى مكان، إلى زاوية، إلى أشياء صغيرة تحفظ الاستمرار، حين يُسلب البيت، يُسلب الإنسان من عيانيته، ويُدفع إلى التجريد، أن يصير نازحاً، متضرراً، صابراً، مقاوماً، وفياً للمقاومة. هنا تبدأ الجريمة الثانية بوضوح، لا في هدم البيت وحده، إنما في تحويل صاحب البيت إلى مادة مفرغة الذات في خطاب لا يخصه.

نحن لا نعرف العالم من الفراغ، بل نعرفه من المكان. موقعنا في المكان جزء من رؤيتنا للعالم، لذلك لا تصير الأشياء صغيرة حين يموت صاحبها، بل على العكس، تكبر بعد موته. الحجر، السرير، المطبخ، الرائحة، الطريق إلى الباب، كلها تكبر لأنها تصير الشاهد الأخير على حياة لم تعد قادرة على الكلام. الكلام الذي مات ليس كلمة واحدة، بل عالم يتجلّى بالقهر. سقوط بيته كان هدم العالم الذي يعرفه كمواطن وإنسان، ولجيرانه، ولمن لم يموتوا لكنهم مثله تماماً. دُفن مع الجنوبيين ترتيب كل إنسان لوجوده الخاص: عاداتهم، طريقة لباسهم، مكان جلوسهم، وحقه البسيط في أن يقول: أنا هنا. 

إسرائيل تعرف هذا. تعرف أن ضرب السكن ليس تدمير جدران، إنما طرد الإنسان من صورته عن نفسه، من مكانه، من ذاكرته، من قدرته على أن يكون صاحب حياة لا مجرد رقم في بيان أو جندي من دون اسم أو صوت في مشروع للكرامة. وما يفوت حزب الله أو لا يريد أن يراه، أن الحرب لا تقاس بعدد القتلى من اللبنانيين، ولا بما يقال في بيانات القوة والردع. الحرب تقوم على المنازل، على الطرقات، على المطبخ، على النوم، على الخوف، على قدرة الإنسان أن يعرف صباحه من مكان يألفه. إلغاء الجغرافيا من موقع الأهمية ليس إلغاء للسكن، ما تُريده إسرائيل نقض إنسانيتنا تماماً، هذا دافع مسموم، المكان لا يمكن تعويضه بالشعار. لماذا تحصل الحرب، هل هناك جواب آخر غير السكن؟

ما تفعله الحرب الإسرائيلية في اليومي أخطر مما تفعله في الجبهة أحياناً. البيوت ليست نتيجة جانبية للحرب. ضرب البيوت هو ضرب الوجود الاجتماعي للشيعة: العائلة، الجوار، الذاكرة، القرابة، المقبرة، المدرسة، الطريق إلى الدكان، وشكل الحياة الذي جعل هؤلاء الناس جماعة تاريخية لا كتلة قابلة للاستدعاء عند الحاجة. كل جماعة لا توجد في الفراغ، وكل سلطة تقوم على مكان. لذلك لا تكفي كلمة “البيئة”، سواء قالها الحزب عن نفسه أو قلناها نحن عنه. الشيعة ليسوا بيئة متجانسة، وليسوا حاضنة جاهزة. لهم مكان، وسكن، وتاريخ، وبيوت، وخوف، وأعمار لا يجوز تحويلها إلى وظيفة في خطاب الحرب ولا القبول بأي خطاب يحولها الى شيء مجرد.

هناك فرق بين الساكن والموالي. الساكن يطلب حياة، ويصنعها، والموالي يطلب منه أن يترجم حياته إلى ولاء. الساكن يقول: أريد بيتاً لي أقول فيه ومن خلاله وأعود إليه. الموالي يجب أن يقول: نحن صامدون. الساكن يبكي لأن مطبخه ضاع، لأن عمره ضاع، لأن ذاكرته صارت ركاماً. الموالي يطلب منه أن يضبط بكاءه داخل لغة يختارها قامع ما. هذه هي التقوى الشفاهية، تحويل الألم إلى طاعة، والخراب إلى امتحان إيمان، والبيت إلى تفصيل صغير أمام السردية الكبرى. حين يحول الحزب السكان الشيعة إلى حاضنة أو بيئة، لا تكون المسألة نظرية فقط. تكفي حكاية امرأة قالت وجعها، أو حاولت أن تقول إن بيتها لم يعد بيتاً، حتى حصل الهجوم عليها، ودفعها إلى الاعتذار عبر زوجها. لم تعتذر لأنها أخطأت، إنما لأن الألم حين يخرج من لغة الحزب يصير مشكلة، المطلوب من المتضرر ألا يخسر فقط، بل أن يخسر بأدب سياسي، أن يبكي وينتحب ضمن الحدود، وأن ينتبه إلى مفرداته وهو يصف خراب عمره. الاعتذار ليس تصحيحاً لكلام، إنما يصبح إهانة ثانية، بيت مهدوم أولاً، ولسان مكسور ثانياً. المرأة لم تكن تعتذر عن جملة، بل لأن وجعها ظهر بلا قبول من سلطة كبرى اسمها الحزب. 

هكذا هو الحزب، يلغي السكن من لغته كما تريد إسرائيل أن تلغيه من الأرض. إسرائيل تضرب البيت كي تطرد الإنسان، والحزب يطلب من الإنسان المطرود أن يظهر كأنه ما زال مقيماً في المعنى وفي الإرادة التي يملكها عقائديّوه. هنا يصير الخراب مضاعفاً: بيت يُهدم من الخارج، ولغة تمنع صاحبه من أن يقول إن البيت كان حياته. منع الشقاء لم يُطلب حتى في السرد الديني النبوي؛ فكل سيرة نبوية حملت شقاءً وآلاماً، تقوله الرسل والأنبياء. أي أقدم روي سردي قال شقاءه.

لذلك، ليس موت الحاج موت فرد فوق أطلال منزله، إنه تكثيف لمأساة الإنسان حين تصادره اللغة الكبرى. هذا الرجل مات تكثيفاً لحياة السكان الذين كانت بيوتهم آخر أرشيف لهم. مات تكثيفاً لفكرة أن السكن ليس سقفاً، موت للإنسان العياني، الإنسان الذي تقاومه كل الأيديولوجيات حين تريده رقماً أو جمهوراً، فيظهر هنا في أبسط صورة: رجل ممدد على ركام بيته، لا يقول شيئاً، لكن صمته يهدم كل خطاب يريد أن يجعل الخراب فضيلة.

هل كان الحاج منتمياً تماماً إلى الحرب، أو واثقاً بها، أو قادراً على الاعتراض عليها؟ أو كان مطروداً من الجماعة التي تتكلم باسمه ولا تدعه يتكلم، جماعة تجعله يصمت ثم تفسر صمته كما تريد. لذلك، لم يكن صمته حياداً ولا رضا. كان صمت إنسان عرف أن الكلام لم يعد يملك أي فعل. هل يشتم إسرائيل؟ هل يشتم البلاد؟ هل يشتم الحزب؟ كيفما تحدث لن يكون لكلامه مكان، وقد يرتد عليه كتهمة أو خيانة أو قلة وفاء أو وهن للأمة.

هنا يصير الخوف أكثر تعقيداً من خوف الموت. إنه خوف الإنسان حين يعرف أن لغته لم تعد تخصه. تعلّم، من الذين قُمعوا، وصمتوا، ومن الذين طالبوه بالصبر، أنه لن يستطيع أن يقول شيئاً. لذلك انهدم مع مكانه. الركام في الصورة ليس خارجياً فقط. إنما كان ركاماً في القدرة على القول، في الثقة بالجماعة، في الحق بأن يغضب من دون أن يشرح غضبه لأحد.

يمكن أن نستعيد، بحذر، صورة خليل حاوي بشكل غير مباشر، إنما كإشارة إلى ذلك الموت الذي يأتي من فرط الوعي لا من فرط الضعف. هناك لحظة لا يعود فيها الإنسان قادراً على الفصل بين انهيار المكان، وانهيار النفس، إذ تُفرغ الذات كلها في المكان. حاوي رأى الاجتياح كأن وطناً كاملاً يدخل في العجز والهدم، والحاج رأى بيته كأن حياته كلها تخرج من صورتها… الفارق كبير، لكن الجرح واحد في عمقه: أن يرى الإنسان العالم الذي أعطاه معنى وجوده وهو ينسحب منه.

أفكر بأبي حين كان خوفه من هدم البيت يقترب من جسده، إما في الحرب، أو في الزلزال الذي أصاب اللاذقية، فكان ينام ببساطة ويقول لنا: “ما بموت إلا ببيتي، ما بموت إلا بتختي”. هذه ليست جملة بسيطة مستسلمة عند الكبار. هذا حلم بموت حميمي، موت شريف، موت يعرف سريره ووسادته ورائحة الغرفة والجدران التي آوته. عمي وعمتي أيضاً يصليان لموت في البيت، لأنهما يعرفان أن ركام البيت لا يكون ركاماً، إنه كرامة ومعنى، وأن البيت حين يبقى قائماً يمنح الموت نفسه بعض الرحمة. الحاج فقد حتى هذا الحلم. لم يفقد بيت الحياة وحده، إنما فقد بيت الموت أيضاً، فقد الحق بأن يموت في مكان يعرفه، لا فوق أثره وركامه، لم يمت مقهوراً فقط.