ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ماذا تعني خسارة العراق أراضيه الرطبة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

وصلت أزمة المياه الى مرحلة حرجة في العراق إن لم يتمّ التعامل معها كحالة طوارئ. وتؤكّد بيانات حديثة لوزارة الموارد المائية أن العام الحالي هو من أكثر الأعوام جفافاً منذ 1933، لافتة إلى أن الخزين المائي في الخزانات والسدود، يشكّل في الوقت الحاضر 8% من الطاقة الخزنية، أي بمعدّل انخفاض يبلغ 57% مقارنة بالعام الماضي (2024).

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد رحلة استغرقت شهراً خارج العراق، عاد الباحث والناشط البيئي العراقي رعد حبيب الأسدي إلى هور الجبايش (قضاء الجبايش) جنوب العراق حيث يسكن، ليجد فرقاً كبيراً في أسعار الأجبان المحلّية. كان ثمن كيلوغرام واحد من الجبن 6 آلاف دينار في شهر حزيران/ يونيو، ولكن حين عاد في شهر تمّوز/ يوليو، لاحظ ارتفاع السعر إلى 10 آلاف دينار للكيلوغرام، والسبب كما يروي، هو الجفاف الذي أصاب المنطقة، مما أثّر سلباً على المجتمعات المحلّية واستقرارها ونمط اقتصادها المحلّي، ناهيك بتأثّر التنوّع البيولوجي في المنطقة المسجلّة على لائحة منظّمة اليونسكو للتراث الطبيعي والثقافي في العالم. 

سألت محدّثي عن سبب هذا الفارق الكبير في الأسعار خلال شهر واحد، وكان جوابه كالتالي: “فقد السكّان المحلّيون نحو 40% من قطعان الجاموس جرّاء الجفاف وقلّة الغذاء”. 

هذا الفقدان الكبير، حتى من دون ذكر أسباب أخرى مثل تلوّث المياه، ورداءة نوعيّة الغذاء، والحرارة المرتفعة، سبب منطقي لارتفاع سعر غذاء رئيسي لدى سكّان الأهوار ألا وهو الجبن المحلّي. لا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل يمتدّ إلى نوع آخر من مصادر عيش السكّان الأهواريين، وهو الثروة السمكية. 

لقد قضى الجفاف على “أكثر من 95% من الثروة السمكية” بحسب الأسدي، ما يعني انهيار مصدرين رئيسيَين في إدامة حياة سكّان الأهوار وهما: الجواميس والأسماك. يضاف إلى كلّ ذلك نفاد نبات بردي القصب جرّاء القحط المائي، وهو مصدر آخر من مصادر الاقتصاد المحلّي، إذ يُصنع منه البيت السومري القديم الذي يُعدّ أيقونة ثقافية وتراثية وتاريخية في العراق. 

إن آثار هذا الواقع البيئي المتدهور في الأهوار العراقية تهدّد بالدرجة الأولى النسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للسكّان، ذلك لأنه يؤدّي إلى هجرة السكاّن خارج الأهوار نهائياً، مما قد يزيل نمط الحياة الأهواري كلّه، وفقدان الموروث الثقافي والبيئي. علاوة على ذلك، ستترك الهجرة آثاراً على أجيال من السكّان الأهواريين بين المدن، حيث يصعب عليهم التأقلم مع بيئات المدينة وسبل العيش، ناهيك بصعوبة إيجاد مكانة لهم داخل النسيج الاجتماعي المديني، ما يبقيهم كمجتمعات فقيرة ومهمشّة. 

كيف وصلنا إلى الحافّة؟

وصلت أزمة المياه الى مرحلة حرجة في العراق لا تقلّ خطورتها عن الإرهاب، إن لم يتمّ التعامل معها كحالة طوارئ. وتؤكّد بيانات حديثة لوزارة الموارد المائية أن العام الحالي هو من أكثر الأعوام جفافاً منذ 1933، لافتة إلى أن الخزين المائي في الخزانات والسدود، يشكّل في الوقت الحاضر 8% من الطاقة الخزنية، أي بمعدّل انخفاض يبلغ 57% مقارنة بالعام الماضي (2024). وقد ترك هذا الانخفاض الحادّ أثراً كبيراً في تأمين الاحتياجات المائية في جميع المحافظات العراقية، بخاصّة الوسط والجنوب، وكذلك االمتطلّبات المائية للمحافظة على النظام الإيكولوجي في الأهوار وبيئة شطّ العراب. وحذّر البيان من أن استمرار تناقص الإيرادات المائية، وعدم تعاون دول المنبع (إيران وتركيا) سيؤدّي إلى تفاقم أزمة المياه ويشكّل خطراً على الأمن المائي في البلاد.

 بعيداً عن البيانات الرسمية الحكومية، هناك أربعة عوامل رئيسية أوصلت أحوال الأهواريين الى حافّة فقدان بيئتهم وموروثهم الثقافي الطبيعي. 

العامل الأول هو سياسات مائية إقليمية غير عادلة تجاه العراق، الذي يقع في مصبّ جميع الأنهار. إن مشاريع السدود العملاقة المشيّدة على الأنهار الداخلة إلى العراق من تركيا وإيران، أوصلت الحالة المائية الى أزمة غير مسبوقة لم تشهد البلاد مثلها منذ قرابة قرن كامل. وبما أن الجارتين المتحكّمتين بمنابع المياه وجريانها، لم توقّعا على الاتّفاقية الدولية حول المجاري المائية، أو “اتّفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية” لعام 1997، فلم يبقَ أمام العراق سوى اللجوء الى ممارسة نوع من سياسة استجداء الماء، أو اللجوء إلى المحاكم الدولية، وهو ما لم يقم به البلد حتى اليوم. 

العامل الثاني هو تراجع هطول الأمطار الموسمية جرّاء تغيّر المناخ مما أدّى الى ندرة المنابع المائية المحلّية، ويُعدّ تراجع هطول الثلوج في جبال إقليم كردستان خير مثال على ذلك، إضافة إلى تبخّر كميّات تتراوح من 20- إلى 30 من المياه السطحية جرّاء ارتفاع درجات الحرارة، بما في ذلك مخزون السدود والأحواض المائية المصطنعة. 

 العامل الثالث هو إدارة فقيرة وتقليدية للموارد المائية في آن واحد. إدارة فقيرة بسبب هدر كبير يحصل في جميع القطاعات، ناهيك بتلويث متعمّد ترجع أسبابه إلى بنى تحتية متهالكة أو غائبة في أغلب الأحيان، مما يجعل نوعيّة المياه رديئة وغير صالحة للشرب والاستخدام. المثال الواضح على هذا الواقع هو تفريغ المياه الآسنة الخارجة من المنازل والمصانع والمستشفيات في الأنهار العذبة. أما الطريقة الكلاسيكية السائدة في إدارة هذا المورد الجوهري، فتتمثّل في تجميعها وتوزيعها دون خطط مستدامة، بينما الإدارة الحديثة تقتضي التجزئة والتفصيل في جميع المجالات بما في ذلك حصّة الفرد. 

العامل الرابع والأخير هو الصناعة النفطية، إذ تساهم بشكل كبير ومن نواحٍ عديدة في القحط المائي في العراق، ذلك أن إنتاج كلّ برميل من النفط يحتاج من 3 إلى 5 براميل من المياه. وبما أن العراق يفرّغ المياه الثقيلة (الآسنة) في الأنهار والأحواض العذبة، ولا يعالجها لإعادة استخدامها من أجل الصناعة، تلجأ الشركات النفطية إلى المياه العذبة لاستخراج النفط وإنتاجه، مما يزيد من المعاناة المائية. 

علاوة على ذلك، تخطّط الحكومة العراقية لزيادة الطاقات الإنتاجية للنفط والغاز، ضمن خطّة تستهدف الوصول إلى سقف يتجاوز 6 ملايين برميل يومياً بين عامي 2028 و2029، وهو أمر لا تقتصر آثاره على المياه فحسب، بل تمتدّ الى إزالة نظم بيئية عن بكرة أبيها، كما هو الحال في هور الحويزة في محافظة ميسان. 

في شباط/ فبراير 2023، أعلنت الحكومة العراقية توقيع عقود “الجولة الخامسة” من جولات التراخيص النفطية، متضمّنة تطوير ستّة حقول ورُقع استكشافية، بينها حقل الحويزة الممتدّ على مساحة 17 كيلومتراً طولاً و8 كيلومترات عرضاً، الذي أُحيل إلى شركة “جيو جيد” الصينية، وكان ذلك الإعلان كفيلاً في أن يُبدي الناشطون البيئيون مخاوفهم من مستقبل الهور وتنوّعه الأحيائي الفريد. 

وقد نشبت بتاريخ 25/7/2025 حرائق هائلة في مساحات هور الحويزة الخضراء وهي عبارة عن القصب، دون أن تحاول الحكومة العراقية إخمادها. ويُرجع الناشطون المحلّيون في المحافظة أسباب الحرائق إلى العقود النفطية المبرمة مع الجانب الصيني في المنطقة، تمهيداً لإعلانه حقلاً نفطياً، قد يطوي صفحة الهور نهائياً. 

وفقاً لوكالة “شفق نيوز” المحلّية وعلى لسان الناشط البيئي مرتضى الجنوبي، فإن “الحرائق الموجودة حالياً في هور الحويزة، سببها قيام إحدى الشركات العراقية المتعاقدة مع الجانب الصيني، حيث تقوم بتهيئة الطرق والساحات الترابية بارتفاع 7 أمتار، إلى جانب الطرق داخل الهور، تمهيداً لإعلان افتتاح حقل الحويزة النفطي”.

اختصاراً، إن الصورة الأكثر دقّة ووضوحاً التي نجمت عن جميع تلك العوامل هي تجفيف الأهوار، وظهور ملامح اختفائها من الجغرافيا الطبيعية والتاريخية للعراق. وكانت المساحة الكليّة لجميع الأهوار العراقية تبلغ 20,000 كيلومتر مربع، ولا تتجاوز اليوم 4,000 كيلومتر مربع، أي أن المساحة الكليّة التي خسرها العراق تبلغ 16,000 كيلومتر مربع، أي فقدان نحو 80% من إجمالي المساحة الأصلية. وفي حالة عدم قدرة العراق على توفير 5,4 مليارات متر مكعب من المياه سنوياً لهذه الأراضي الرطبة، ستختفي وتُخفي معها نظاماً بيئياً متكاملاً. 

ماذا تعني خسارة الأهوار؟

إضافة الى الخسائر الاقتصادية والثقافية الناجمة عن فقدان الأهوار، ما هو شكل الخسائر البيئية- المناخية، التي تكبّدها وسيتكبّدها العراق والمنطقة؟ يقتضي مثل هذا السؤال الولوج في جزئيات جوهرية في نظم الأهوار البيئية والخدمات التي تقدّمها. بما أن الأهوار تُعدّ من الأراضي الرطبة فهي من أكثر النظم البيئية إنتاجيةً من الناحية الطبيعية، ذلك أنها تلعب دوراً استثنائياً في تجديد دورة المياه عبر استقبال المياه وتخزينها وإطلاقها، وتنظيم التدفّقات ودعم الحياة. يضاف إلى ذلك ما تحمله الخصائص الطبيعية للأراضي الرطبة من أهمّية ثقافية وروحية، ناهيك بجوانب ترفيهية وفوائد سياحية.

 وفي الحالة العراقية، هناك حضور كبير للأهوار في الأدب والفنون، وفي الجانب الروحي والذاكرة الشعبية للمجتمعات المحلّية أيضاً. وبحسب تعريفات اتّفاقية “رامسار” الدولية، تؤدّي قنوات الأنهار والسُهول الفيضية والأراضي الرطبة المتّصلة بها أدواراً مهمّة في النظام الهيدرولوجي، بخاصّة أن الأهوار العراقية، تتّصل في حالتها الطبيعية بالمجاري المائية المحلّية والإقليمية، بما في ذلك مياه الخليج، ويعني ذلك أنها ليست معزولة جغرافياً. 

إن الخدمات التي تقدّمها الأراضي الرطبة تعلب دوراً مؤثّراً في تنظيم المناخ والحدّ من التلوّث ومخاطر الكوارث الطبيعية، بما في ذلك الفيضانات. وتُعدّ عمليّة التقاط الكربون واحتجازه من بين تلك الأدوار الجوهرية التي تؤدّيها، مما يساهم في الحدّ من الانبعاثات الكربونية. إن كميّات الكربون التي تلتقطها وتحتجزها الأراضي المغطّاة بالنباتات تفوق الكميّات التي تلتقطها غابات العالم، وذلك على الرغم من أن الأراضي الرطبة لا تغطّي سوى 3% من سطح اليابسة.

بالعودة إلى السؤال السابق بخصوص خسارة هذه الأراضي الرطبة المنخفضة، يمكن القول إن العواقب التي ستنجم عن فقدان المستنقعات تفوق فوائدها إذا تعرّضت للجفاف، أو الاستغلال غير الرشيد لها، أو تحويلها إلى حقول نفطية. من الممكن أن تتحوّل الأراضي الرطبة إلى أكبر مصدر طبيعي لغاز الميثان، الذي يُعدّ من الغازات المسبّبة للاحترار العالمي. كما أن الاستخدام غير الرشيد للأراضي الرطبة مثل عمليّات التجفيف والتحويل وأنشطة الاستخراج وغيرها من الإجراءات، تؤثّر على كميّة المياه وتواتر الفيضانات والجفاف. إضافة إلى كلّ ذلك، ستتحوّل الأراضي الرطبة، في حال تجفيفها، إلى مصدر للعواصف الترابية ليس في العراق فحسب، بل في عموم المنطقة، بخاصّة أن تربة قاع المياه تحتوي على عناصر كيميائية قد تضرّ بالصحّة العامّة والنظم البيئية والإنسانية المتقدّمة.

وفي حال فقدت الأراضي الرطبة خصائصها الطبيعية والبيئية جرّاء الاستخراج والصناعات الأحفورية، فإنها تخرج عن نطاق الخدمات الإيكولوجية التي تقدّمها للمجتمعات المحلّية والتنوّع الأحيائي، ناهيك بفقدان أكبر موئل طبيعي لأنواع الحيوانات والطيور المهاجرة؛ كما أنها تتوقّف عن كونها تعمل كأرض اسفنجية في مكافحة الفيضانات المفاجئة وامتصاصها.

قصارى القول، تنبع أسباب تدهور الأراضي الرطبة في العراق، إضافة الى العوامل المذكورة أعلاه، من استمرار سياسة تفضيل النفط على جميع المصادر الطبيعية الأخرى، بما في ذلك المصادر الطبيعية المتجدّدة. وأن يفقد العراق أكثر من 80% من مساحات أهواره الطبيعية التاريخية، يعني المزيد من الاحترار، المزيد من الشحّ المائي والمزيد من التأثر بالعواقب الناجمة عن تغيّر المناخ. 

تشترط اتّفاقية “رامسار” الدولية إدماج الأراضي الرطبة في التخطيط التنموي واسع النطاق، بما يشمل أهداف التنمية المستدامة (SDGs) واتّفاق “باريس” 2015 بشأن تغيّر المناخ للحدّ من مخاطر الكوارث. وتستوجب الاتّفاقية تطبيق القوانين والسياسات المتعلّقة بالأراضي الرطبة بشكل عابر للقطاعات وعلى جميع المستويات، وينبغي لكلّ بلد أن يضع سياسة وطنية لها، ومن الأدوات المهمّة في هذا الصدد تسلسل “التجنّب – التخفيف – التعويض”، الذي توصي به اتّفاقية “رامسار”، والمنعكس في العديد من التشريعات الوطنية، إذ إن تجنّب التأثيرات على الأراضي الرطبة أسهل بكثير من محاولة استعادتها لاحقاً.

وعلى الرغم من انضمام العراق إلى اتّفاقية “رامسار” الدولية للأراضي الرطبة في عام 2007، فهو ينتهك جميع بنود الاتّفاقية الدولية عبر إهمال “أراضيه الرطبة”، وتحويلها إلى أراض مباحة لاستخراج النفط، وقد يختفي نمط حياة سكّان الأهوار بعد السنوات بشكل كامل جرّاء ذلك، بما في ذلك الجواميس والأجبان المحلّية. 

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…

وصلت أزمة المياه الى مرحلة حرجة في العراق إن لم يتمّ التعامل معها كحالة طوارئ. وتؤكّد بيانات حديثة لوزارة الموارد المائية أن العام الحالي هو من أكثر الأعوام جفافاً منذ 1933، لافتة إلى أن الخزين المائي في الخزانات والسدود، يشكّل في الوقت الحاضر 8% من الطاقة الخزنية، أي بمعدّل انخفاض يبلغ 57% مقارنة بالعام الماضي (2024).

بعد رحلة استغرقت شهراً خارج العراق، عاد الباحث والناشط البيئي العراقي رعد حبيب الأسدي إلى هور الجبايش (قضاء الجبايش) جنوب العراق حيث يسكن، ليجد فرقاً كبيراً في أسعار الأجبان المحلّية. كان ثمن كيلوغرام واحد من الجبن 6 آلاف دينار في شهر حزيران/ يونيو، ولكن حين عاد في شهر تمّوز/ يوليو، لاحظ ارتفاع السعر إلى 10 آلاف دينار للكيلوغرام، والسبب كما يروي، هو الجفاف الذي أصاب المنطقة، مما أثّر سلباً على المجتمعات المحلّية واستقرارها ونمط اقتصادها المحلّي، ناهيك بتأثّر التنوّع البيولوجي في المنطقة المسجلّة على لائحة منظّمة اليونسكو للتراث الطبيعي والثقافي في العالم. 

سألت محدّثي عن سبب هذا الفارق الكبير في الأسعار خلال شهر واحد، وكان جوابه كالتالي: “فقد السكّان المحلّيون نحو 40% من قطعان الجاموس جرّاء الجفاف وقلّة الغذاء”. 

هذا الفقدان الكبير، حتى من دون ذكر أسباب أخرى مثل تلوّث المياه، ورداءة نوعيّة الغذاء، والحرارة المرتفعة، سبب منطقي لارتفاع سعر غذاء رئيسي لدى سكّان الأهوار ألا وهو الجبن المحلّي. لا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل يمتدّ إلى نوع آخر من مصادر عيش السكّان الأهواريين، وهو الثروة السمكية. 

لقد قضى الجفاف على “أكثر من 95% من الثروة السمكية” بحسب الأسدي، ما يعني انهيار مصدرين رئيسيَين في إدامة حياة سكّان الأهوار وهما: الجواميس والأسماك. يضاف إلى كلّ ذلك نفاد نبات بردي القصب جرّاء القحط المائي، وهو مصدر آخر من مصادر الاقتصاد المحلّي، إذ يُصنع منه البيت السومري القديم الذي يُعدّ أيقونة ثقافية وتراثية وتاريخية في العراق. 

إن آثار هذا الواقع البيئي المتدهور في الأهوار العراقية تهدّد بالدرجة الأولى النسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للسكّان، ذلك لأنه يؤدّي إلى هجرة السكاّن خارج الأهوار نهائياً، مما قد يزيل نمط الحياة الأهواري كلّه، وفقدان الموروث الثقافي والبيئي. علاوة على ذلك، ستترك الهجرة آثاراً على أجيال من السكّان الأهواريين بين المدن، حيث يصعب عليهم التأقلم مع بيئات المدينة وسبل العيش، ناهيك بصعوبة إيجاد مكانة لهم داخل النسيج الاجتماعي المديني، ما يبقيهم كمجتمعات فقيرة ومهمشّة. 

كيف وصلنا إلى الحافّة؟

وصلت أزمة المياه الى مرحلة حرجة في العراق لا تقلّ خطورتها عن الإرهاب، إن لم يتمّ التعامل معها كحالة طوارئ. وتؤكّد بيانات حديثة لوزارة الموارد المائية أن العام الحالي هو من أكثر الأعوام جفافاً منذ 1933، لافتة إلى أن الخزين المائي في الخزانات والسدود، يشكّل في الوقت الحاضر 8% من الطاقة الخزنية، أي بمعدّل انخفاض يبلغ 57% مقارنة بالعام الماضي (2024). وقد ترك هذا الانخفاض الحادّ أثراً كبيراً في تأمين الاحتياجات المائية في جميع المحافظات العراقية، بخاصّة الوسط والجنوب، وكذلك االمتطلّبات المائية للمحافظة على النظام الإيكولوجي في الأهوار وبيئة شطّ العراب. وحذّر البيان من أن استمرار تناقص الإيرادات المائية، وعدم تعاون دول المنبع (إيران وتركيا) سيؤدّي إلى تفاقم أزمة المياه ويشكّل خطراً على الأمن المائي في البلاد.

 بعيداً عن البيانات الرسمية الحكومية، هناك أربعة عوامل رئيسية أوصلت أحوال الأهواريين الى حافّة فقدان بيئتهم وموروثهم الثقافي الطبيعي. 

العامل الأول هو سياسات مائية إقليمية غير عادلة تجاه العراق، الذي يقع في مصبّ جميع الأنهار. إن مشاريع السدود العملاقة المشيّدة على الأنهار الداخلة إلى العراق من تركيا وإيران، أوصلت الحالة المائية الى أزمة غير مسبوقة لم تشهد البلاد مثلها منذ قرابة قرن كامل. وبما أن الجارتين المتحكّمتين بمنابع المياه وجريانها، لم توقّعا على الاتّفاقية الدولية حول المجاري المائية، أو “اتّفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية” لعام 1997، فلم يبقَ أمام العراق سوى اللجوء الى ممارسة نوع من سياسة استجداء الماء، أو اللجوء إلى المحاكم الدولية، وهو ما لم يقم به البلد حتى اليوم. 

العامل الثاني هو تراجع هطول الأمطار الموسمية جرّاء تغيّر المناخ مما أدّى الى ندرة المنابع المائية المحلّية، ويُعدّ تراجع هطول الثلوج في جبال إقليم كردستان خير مثال على ذلك، إضافة إلى تبخّر كميّات تتراوح من 20- إلى 30 من المياه السطحية جرّاء ارتفاع درجات الحرارة، بما في ذلك مخزون السدود والأحواض المائية المصطنعة. 

 العامل الثالث هو إدارة فقيرة وتقليدية للموارد المائية في آن واحد. إدارة فقيرة بسبب هدر كبير يحصل في جميع القطاعات، ناهيك بتلويث متعمّد ترجع أسبابه إلى بنى تحتية متهالكة أو غائبة في أغلب الأحيان، مما يجعل نوعيّة المياه رديئة وغير صالحة للشرب والاستخدام. المثال الواضح على هذا الواقع هو تفريغ المياه الآسنة الخارجة من المنازل والمصانع والمستشفيات في الأنهار العذبة. أما الطريقة الكلاسيكية السائدة في إدارة هذا المورد الجوهري، فتتمثّل في تجميعها وتوزيعها دون خطط مستدامة، بينما الإدارة الحديثة تقتضي التجزئة والتفصيل في جميع المجالات بما في ذلك حصّة الفرد. 

العامل الرابع والأخير هو الصناعة النفطية، إذ تساهم بشكل كبير ومن نواحٍ عديدة في القحط المائي في العراق، ذلك أن إنتاج كلّ برميل من النفط يحتاج من 3 إلى 5 براميل من المياه. وبما أن العراق يفرّغ المياه الثقيلة (الآسنة) في الأنهار والأحواض العذبة، ولا يعالجها لإعادة استخدامها من أجل الصناعة، تلجأ الشركات النفطية إلى المياه العذبة لاستخراج النفط وإنتاجه، مما يزيد من المعاناة المائية. 

علاوة على ذلك، تخطّط الحكومة العراقية لزيادة الطاقات الإنتاجية للنفط والغاز، ضمن خطّة تستهدف الوصول إلى سقف يتجاوز 6 ملايين برميل يومياً بين عامي 2028 و2029، وهو أمر لا تقتصر آثاره على المياه فحسب، بل تمتدّ الى إزالة نظم بيئية عن بكرة أبيها، كما هو الحال في هور الحويزة في محافظة ميسان. 

في شباط/ فبراير 2023، أعلنت الحكومة العراقية توقيع عقود “الجولة الخامسة” من جولات التراخيص النفطية، متضمّنة تطوير ستّة حقول ورُقع استكشافية، بينها حقل الحويزة الممتدّ على مساحة 17 كيلومتراً طولاً و8 كيلومترات عرضاً، الذي أُحيل إلى شركة “جيو جيد” الصينية، وكان ذلك الإعلان كفيلاً في أن يُبدي الناشطون البيئيون مخاوفهم من مستقبل الهور وتنوّعه الأحيائي الفريد. 

وقد نشبت بتاريخ 25/7/2025 حرائق هائلة في مساحات هور الحويزة الخضراء وهي عبارة عن القصب، دون أن تحاول الحكومة العراقية إخمادها. ويُرجع الناشطون المحلّيون في المحافظة أسباب الحرائق إلى العقود النفطية المبرمة مع الجانب الصيني في المنطقة، تمهيداً لإعلانه حقلاً نفطياً، قد يطوي صفحة الهور نهائياً. 

وفقاً لوكالة “شفق نيوز” المحلّية وعلى لسان الناشط البيئي مرتضى الجنوبي، فإن “الحرائق الموجودة حالياً في هور الحويزة، سببها قيام إحدى الشركات العراقية المتعاقدة مع الجانب الصيني، حيث تقوم بتهيئة الطرق والساحات الترابية بارتفاع 7 أمتار، إلى جانب الطرق داخل الهور، تمهيداً لإعلان افتتاح حقل الحويزة النفطي”.

اختصاراً، إن الصورة الأكثر دقّة ووضوحاً التي نجمت عن جميع تلك العوامل هي تجفيف الأهوار، وظهور ملامح اختفائها من الجغرافيا الطبيعية والتاريخية للعراق. وكانت المساحة الكليّة لجميع الأهوار العراقية تبلغ 20,000 كيلومتر مربع، ولا تتجاوز اليوم 4,000 كيلومتر مربع، أي أن المساحة الكليّة التي خسرها العراق تبلغ 16,000 كيلومتر مربع، أي فقدان نحو 80% من إجمالي المساحة الأصلية. وفي حالة عدم قدرة العراق على توفير 5,4 مليارات متر مكعب من المياه سنوياً لهذه الأراضي الرطبة، ستختفي وتُخفي معها نظاماً بيئياً متكاملاً. 

ماذا تعني خسارة الأهوار؟

إضافة الى الخسائر الاقتصادية والثقافية الناجمة عن فقدان الأهوار، ما هو شكل الخسائر البيئية- المناخية، التي تكبّدها وسيتكبّدها العراق والمنطقة؟ يقتضي مثل هذا السؤال الولوج في جزئيات جوهرية في نظم الأهوار البيئية والخدمات التي تقدّمها. بما أن الأهوار تُعدّ من الأراضي الرطبة فهي من أكثر النظم البيئية إنتاجيةً من الناحية الطبيعية، ذلك أنها تلعب دوراً استثنائياً في تجديد دورة المياه عبر استقبال المياه وتخزينها وإطلاقها، وتنظيم التدفّقات ودعم الحياة. يضاف إلى ذلك ما تحمله الخصائص الطبيعية للأراضي الرطبة من أهمّية ثقافية وروحية، ناهيك بجوانب ترفيهية وفوائد سياحية.

 وفي الحالة العراقية، هناك حضور كبير للأهوار في الأدب والفنون، وفي الجانب الروحي والذاكرة الشعبية للمجتمعات المحلّية أيضاً. وبحسب تعريفات اتّفاقية “رامسار” الدولية، تؤدّي قنوات الأنهار والسُهول الفيضية والأراضي الرطبة المتّصلة بها أدواراً مهمّة في النظام الهيدرولوجي، بخاصّة أن الأهوار العراقية، تتّصل في حالتها الطبيعية بالمجاري المائية المحلّية والإقليمية، بما في ذلك مياه الخليج، ويعني ذلك أنها ليست معزولة جغرافياً. 

إن الخدمات التي تقدّمها الأراضي الرطبة تعلب دوراً مؤثّراً في تنظيم المناخ والحدّ من التلوّث ومخاطر الكوارث الطبيعية، بما في ذلك الفيضانات. وتُعدّ عمليّة التقاط الكربون واحتجازه من بين تلك الأدوار الجوهرية التي تؤدّيها، مما يساهم في الحدّ من الانبعاثات الكربونية. إن كميّات الكربون التي تلتقطها وتحتجزها الأراضي المغطّاة بالنباتات تفوق الكميّات التي تلتقطها غابات العالم، وذلك على الرغم من أن الأراضي الرطبة لا تغطّي سوى 3% من سطح اليابسة.

بالعودة إلى السؤال السابق بخصوص خسارة هذه الأراضي الرطبة المنخفضة، يمكن القول إن العواقب التي ستنجم عن فقدان المستنقعات تفوق فوائدها إذا تعرّضت للجفاف، أو الاستغلال غير الرشيد لها، أو تحويلها إلى حقول نفطية. من الممكن أن تتحوّل الأراضي الرطبة إلى أكبر مصدر طبيعي لغاز الميثان، الذي يُعدّ من الغازات المسبّبة للاحترار العالمي. كما أن الاستخدام غير الرشيد للأراضي الرطبة مثل عمليّات التجفيف والتحويل وأنشطة الاستخراج وغيرها من الإجراءات، تؤثّر على كميّة المياه وتواتر الفيضانات والجفاف. إضافة إلى كلّ ذلك، ستتحوّل الأراضي الرطبة، في حال تجفيفها، إلى مصدر للعواصف الترابية ليس في العراق فحسب، بل في عموم المنطقة، بخاصّة أن تربة قاع المياه تحتوي على عناصر كيميائية قد تضرّ بالصحّة العامّة والنظم البيئية والإنسانية المتقدّمة.

وفي حال فقدت الأراضي الرطبة خصائصها الطبيعية والبيئية جرّاء الاستخراج والصناعات الأحفورية، فإنها تخرج عن نطاق الخدمات الإيكولوجية التي تقدّمها للمجتمعات المحلّية والتنوّع الأحيائي، ناهيك بفقدان أكبر موئل طبيعي لأنواع الحيوانات والطيور المهاجرة؛ كما أنها تتوقّف عن كونها تعمل كأرض اسفنجية في مكافحة الفيضانات المفاجئة وامتصاصها.

قصارى القول، تنبع أسباب تدهور الأراضي الرطبة في العراق، إضافة الى العوامل المذكورة أعلاه، من استمرار سياسة تفضيل النفط على جميع المصادر الطبيعية الأخرى، بما في ذلك المصادر الطبيعية المتجدّدة. وأن يفقد العراق أكثر من 80% من مساحات أهواره الطبيعية التاريخية، يعني المزيد من الاحترار، المزيد من الشحّ المائي والمزيد من التأثر بالعواقب الناجمة عن تغيّر المناخ. 

تشترط اتّفاقية “رامسار” الدولية إدماج الأراضي الرطبة في التخطيط التنموي واسع النطاق، بما يشمل أهداف التنمية المستدامة (SDGs) واتّفاق “باريس” 2015 بشأن تغيّر المناخ للحدّ من مخاطر الكوارث. وتستوجب الاتّفاقية تطبيق القوانين والسياسات المتعلّقة بالأراضي الرطبة بشكل عابر للقطاعات وعلى جميع المستويات، وينبغي لكلّ بلد أن يضع سياسة وطنية لها، ومن الأدوات المهمّة في هذا الصدد تسلسل “التجنّب – التخفيف – التعويض”، الذي توصي به اتّفاقية “رامسار”، والمنعكس في العديد من التشريعات الوطنية، إذ إن تجنّب التأثيرات على الأراضي الرطبة أسهل بكثير من محاولة استعادتها لاحقاً.

وعلى الرغم من انضمام العراق إلى اتّفاقية “رامسار” الدولية للأراضي الرطبة في عام 2007، فهو ينتهك جميع بنود الاتّفاقية الدولية عبر إهمال “أراضيه الرطبة”، وتحويلها إلى أراض مباحة لاستخراج النفط، وقد يختفي نمط حياة سكّان الأهوار بعد السنوات بشكل كامل جرّاء ذلك، بما في ذلك الجواميس والأجبان المحلّية. 

|
آخر القصص
نساء سوريا تظاهرات
هل تحتاج المواطنة إلى وجه جميل؟
هبة عز الدين - ناشطة حقوقية | 12.06.2026
مجزرة سوريا حرب
كم مجزرة يجب أن تقع كي تخسر صديقك؟ 
سارة خازم- صحافية سوريّة | 12.06.2026

اشترك بنشرتنا البريدية