يواجه حزب الله واحدة من أصعب المراحل في تاريخه. فبعد عقود من امتلاك قوة عسكرية ضخمة، ونفوذ إقليمي واسع، وتأثير حاسم في المعادلة الداخلية اللبنانية، وجد نفسه أمام واقع مختلف، تتبدل فيه موازين القوى، وتتراجع فيه قدرته على فرض معادلاته السابقة. وقد ألحقت الحرب الإسرائيلية الأخيرة أضراراً جسيمة بقدراته العسكرية وبنيته التحتية التي بناها على مدى عشرات السنوات، فيما تتصاعد الضغوط السياسية والعسكرية لحصر السلاح وتمركز قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.
أمام هذا الواقع، قد تصل قيادة الحزب، في لحظة ما، إلى قناعة بأن استمرار المواجهة لم يعد مجديًا، وأن كلفة الاستمرار باتت تفوق أي مكاسب محتملة، خصوصًا بعدما أخفقت حروب الإسناد في تحقيق الأهداف المعلنة لها، وأدخلت لبنان في مواجهة مدمّرة دفع اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب، خلالها أثمانًا باهظة من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم.
وقد تصبح التسوية السياسية المخرج الأقل كلفة من دوامة الحرب والاستنزاف، بما تتضمنه من وقف للقتال، وانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتحرير للأسرى، وعودة للنازحين، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، بالتوازي مع مسار جدّي لحصر السلاح بيد الدولة.
لكن المسألة أبعد بكثير من مجرد مراجعة حسابات عسكرية أو البحث عن تسوية تحفظ ما تبقى من قدرات الحزب. فالسؤال الجوهري ليس فقط ما إذا كان حزب الله سيقتنع بضرورة التسوية، بل ما إذا كان يمتلك أصلًا حرية اتخاذ قرار استراتيجي بهذا الحجم، بمعزل عن طهران، وباعتباره قرارًا لبنانيًا مستقلًا، تحكمه مصالح لبنان وشعبه ومستقبله.
هنا تحديدًا، من المفيد استحضار تجربة ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1982، ليس باعتبارها تجربة مطابقة لتجربة حزب الله اليوم، فالفوارق بين الحالتين كبيرة، بل باعتبارها محطة تاريخية تطرح سؤالًا جوهريًا حول كلفة القرار الوطني المستقل، وقدرة القيادة على اتخاذ خيارات مصيرية عندما تصبح كلفة الاستمرار في المواجهة أعلى من كلفة الانسحاب.
في حزيران/ يونيو 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان تحت عنوان “سلامة الجليل”، ووصلت قواتها إلى بيروت، حيث فرضت حصارًا عسكريًا على الجزء الغربي من العاصمة. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك قوة عسكرية وسياسية وازنة، تمتلك السلاح والمواقع والانتشار، وتشكل طرفًا أساسيًا في الصراع مع إسرائيل.
الحصار الإسرائيلي، وما رافقه من ضغوط عسكرية وسياسية داخلية ودولية هائلة، وضع قيادة المنظمة أمام خيارات بالغة الصعوبة: إما مواصلة القتال في بيروت، بما يحمله ذلك من مخاطر على المقاتلين والمدنيين، أو القبول بتسوية تقضي بخروج قواتها المسلّحة من لبنان.
اختار ياسر عرفات يومها التسوية والخروج. وغادرت آلاف العناصر الفلسطينية المسلحة بيروت، في إطار ترتيبات دولية هدفت إلى تأمين الانسحاب وحماية المدنيين، وانتقل المقاتلون إلى دول عربية مختلفة.
لم يكن ذلك مجرد انسحاب عسكري من مدينة محاصرة، كان خروجًا من مركز الثقل السياسي والعسكري لمنظمة التحرير في لبنان. وقد ترتبت عليه خسائر استراتيجية كبيرة، وفقدت المنظمة وجودها العسكري المباشر في بيروت، وانتقلت قيادتها إلى تونس.
لكن الأهم في هذه التجربة، أن عرفات اتخذ قرار الخروج باعتباره قرارًا فلسطينيًا، وفق حساباته وتقديراته لما فيه مصلحة شعبه ومنظمته، على رغم ما حمله من أثمان سياسية وعسكرية، وما أثاره من خلافات مع حلفاء إقليميين.
لم يكن الحفاظ على القرار الفلسطيني المستقل شعارًا بلا ثمن. فقد دخل عرفات لاحقًا في صدامات مع النظام السوري، وواجه انشقاقًا داخل حركة فتح، في سياق صراعات إقليمية وداخلية هددت موقعه داخل الحركة والمنظمة.
لم يكن القرار المستقل طريقًا مضمونًا إلى النجاة أو الانتصار، كان خيارًا له كلفته الباهظة، اختار عرفات تحمّلها بدل التخلي عن حقه في اتخاذ الموقف السياسي الذي يتناسب مع مصلحة شعبه وقضيته.
استحضار هذه التجربة لا يعني أن ظروف عرفات كانت مطابقة لظروف حزب الله، ولا أن الخروج من بيروت يشبه تسليم السلاح داخل لبنان. لكنه يضع أمامنا سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل تستطيع قيادة حزب الله أن تعيد النظر في خياراتها الاستراتيجية، وأن تتحمل تبعات قرار لا ينسجم بالضرورة مع مصالح إيران؟
اليوم، يقف حزب الله أمام معضلة تتجاوز مسألة الاحتفاظ بالسلاح أو تسليمه. إنها معضلة تتعلق بطبيعة قراره السياسي والعسكري، وبمدى استقلاله عن النظام الإيراني الذي ارتبط به منذ تأسيسه، من خلال علاقة سياسية وعسكرية وفكرية عميقة، وشبكة ممتدة من الدعم والارتباط العضوي بالحرس الثوري الإيراني.
من الصعب الافتراض أن جميع قيادات الحزب تنظر بالطريقة نفسها إلى ما حدث منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حين فتح الحزب جبهة الجنوب تحت عنوان “إسناد غزة”. فمن الطبيعي أن تفرض الخسائر البشرية والعسكرية، والدمار الواسع، والتحولات الإقليمية، وسقوط النظام الحليف في سوريا، مراجعات داخلية بشأن جدوى الخيارات السابقة، وكلفة الاستمرار في النهج نفسه.
إقرأوا أيضاً:
قد تكون داخل الحزب قراءات مختلفة لما حدث، ولِما يمكن أن تؤول إليه المواجهة، وللخيارات المتاحة أمامه في المرحلة المقبلة. لكن وجود مثل هذه المراجعات، لا يعني بالضرورة امتلاك أصحابها القدرة على تحويلها إلى قرار سياسي مستقل.
فحزب الله ليس حزبًا سياسيًا تقليديًا، إنه تنظيم عسكري وأمني وسياسي شديد المركزية، نشأ وتطور في إطار علاقة استراتيجية وثيقة مع إيران. ولذلك، فإن السلاح بالنسبة إليه ليس ملفاً لبنانياً داخلياً، ولا مسألة تقنية يمكن حسمها بتفاهم سياسي عابر، بل هو جزء من منظومة نفوذ وعقيدة واستراتيجية إقليمية امتدت الى عقود.
من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش حول تسليم السلاح هو: إذا اقتنعت قيادة حزب الله بأن الحرب لم تعد مجدية، وأن التسوية أصبحت ضرورة لحماية لبنان وما تبقى من الحزب وبيئته، فهل تستطيع هذه القيادة اتخاذ هذا القرار بمعزل عن طهران؟أم أن أي مراجعة جدية ستبقى رهينة حسابات النظام الإيراني ومصالحه الإقليمية، حتى لو تعارضت هذه المصالح مع ما تقتضيه المصلحة اللبنانية؟
لعل تجربة الأمين العام الأسبق لحزب الله، الشيخ صبحي الطفيلي، تقدم مثالًا على عمق الإشكالية المرتبطة باستقلال القرار داخل الحزب.
ففي مطلع التسعينات، برز خلاف حول مشاركة حزب الله في الانتخابات النيابية اللبنانية عام 1992. وكان الطفيلي من أبرز المعارضين لهذا التوجه، انطلاقًا من رفضه الانخراط في النظام السياسي اللبناني، الذي كان يصفه بـ”النظام الجائر”،
واعتقاده أن المشاركة في الحياة السياسية قد تؤدي إلى تراجع أولوية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
في المقابل، اتجهت قيادة الحزب إلى خوض الانتخابات، مستندة إلى فتوى المرشد الإيراني علي خامنئي التي أجازت المشاركة. فأُزيح الطفيلي من موقع الأمانة العامة عام 1991، ليخلفه السيد عباس الموسوي.
لم ينتهِ الخلاف عند حدود المشاركة في الانتخابات، بل تطور في السنوات التالية إلى مواجهة سياسية وتنظيمية، وصولًا إلى إطلاق الطفيلي “ثورة الجياع” عام 1997، وتصاعد معارضته لقيادة الحزب، قبل أن يُفصل منه رسميًا عام 1998.
وتعدّ حادثة عين بورضاي التي دبرها حزب الله، والتي أدت الى اشتباك مسلح بين أنصار الشيخ الطفيلي والجيش اللبناني، وسقط خلالها قتلى وجرحى من الطرفين، المحطة التي أنهت حالة الطفيلي الاعتراضية داخل الحزب، إذ تحوّل من أمين عام سابق وقيادي بارز ومؤسس الى مطلوب ومطارَد ومحاصَر في بلدته، ولم تبذل الأجهزة اللبنانية أي جهد لتوقيفه، لأن الهدف كان إزاحته من الحزب ومحاصرته.
بصرف النظر عن تقييم مواقف الطفيلي أو طبيعة خلافه مع قيادة حزب الله، فإن تجربته تطرح سؤالًا جوهريًا يتجاوز ظروف إزاحته ومحاصرته: ما هي حدود الاختلاف المسموح به داخل الحزب؟ وإلى أي مدى يستطيع أمين عام حزب الله، أو أي قيادي بارز فيه، أن يذهب في معارضة التوجهات الإيرانية، حين تتحول معارضته إلى تحدٍّ لخيارات طهران الاستراتيجية؟
لقد تجاوز سلاح حزب الله، في خطاب قيادته، كونه مجرد أداة عسكرية، ليصبح أقرب إلى ركن من أركان وجود الحزب ومصيره، بل إن القيادة ذهبت إلى حد ربط مصير الطائفة الشيعية برمتها بمصير هذا السلاح.
أما بالنسبة الى النظام الإيراني، فالسلاح ليس مجرد جزء من ترسانة حزب الله، بل ورقة استراتيجية استثمر فيها مليارات الدولارات، ويستخدمها لتعزيز نفوذه الإقليمي، وحماية مصالحه، وتحسين شروطه في التفاوض مع الولايات المتحدة.
من هنا، تبدو قضية السلاح أكبر بكثير من الخلافات التي أدت إلى إزاحة الطفيلي ومحاصرته. فإذا كان الاعتراض على بعض خيارات القيادة قد قاد الطفيلي إلى ذلك المصير، فكيف سيكون مصير أمين عام للحزب، أو أي قيادي بارز فيه، إذا ما قرر الدعوة إلى وقف الحرب والذهاب نحو تسوية تفضي إلى إنهاء مسألة السلاح؟
لن يُقرأ توجّه كهذا بوصفه مجرد اختلاف في التقدير السياسي، بل باعتباره تحديًا لخيار استراتيجي إيراني، قد يفرض إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الحزب وطهران، وفي الدور الذي أُنشئ الحزب وأُعدّ للقيام به ضمن الاستراتيجية الإيرانية.
وهنا تكمن دلالة تجربة الطفيلي، وربما أخطر ما تكشفه، أن الخلاف حول الخيارات الكبرى داخل حزب الله لم يكن يومًا تبايناً في وجهات النظر، وإنما مسألة تتّصل بهوية الحزب، وحدود استقلالية قراره، وموقعه في المعادلة الإقليمية التي رسمتها له إيران…
إقرأوا أيضاً:












