ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ماذا لو غضضنا النظر عما فعله حزب الله في سوريا؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يحاول بعض دعاة “غض النظر” المؤقت أو الدائم عما ارتكبه حزب الله في سوريا، التذاكي والتلاعب اللغوي بالقول إن الحزب كان مجرد مشارك في الحرب السورية، وليس فاعلاً ومبادراً أساسياً فيها. وعلى رغم أنه من غير المفهوم تماماً ما معنى أن يكون مجرد مشارك، إلا أن الوقائع عموماً تدحض هذه الرواية، إذ كان الحزب صاحب اليد الطولى في معارك امتدت من جنوب سوريا مروراً بريف دمشق حتى شمال سوريا، حيث حلب وإدلب، ولم يستثنِ المنطقة الشرقية حيث وصلت سطوته إلى دير الزور”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مع تصاعد الحرب الإسرائيلية ضد “حزب الله” ولبنان منذ أواسط أيلول/ سبتمبر الفائت، بخاصة إثر سلسلة هجمات بدأت باستهداف أجهزة اتصالات الحزب الخاصة ومن ثم اغتيال قادة كتيبة “الرضوان”، قبل أن تبلغ ذروتها باغتيال الأمين العام للحزب حسن نصرالله.

وبالتوازي، تصاعدت مواقف متقاربة عبّر عنها طيف واسع من الكتاب والفاعلين في الشأن العام في المنطقة العربية، تصبّ كلها في اتجاه إظهار الدعم للحزب والاصطفاف معه، أو خلفه بالأحرى، مع إضافة عبارة متكررة بدت صادرة عن إحراج، مفادها أن الدعم والاصطفاف هذين يأتيان “بغض النظر عما فعله الحزب في سوريا”.

والمفارقة أن غض النظر المفترض هذا، يحمل إقراراً ضمنياً بأن مشاركة الحزب في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد لا يمكن غض النظر عنه ، ذاك أن للحزب تاريخاً طويلاً من “الأفعال” الإشكالية الأخرى، داخل لبنان وخارجه، ومع ذلك لم تبد هذه الأفعال جديرة بما يكفي كي تستدعي من هؤلاء دعوتنا إلى صرف نظرنا وغضّه.

لكن، إذا افترضنا جدلاً أن الثورات العربية لم تقع من الأساس، وأن حزب الله لم يكن على رأس واحدة من الثورات المضادة بكل ما تضمنه ذلك من انتهاكات ألا تكفي ممارسات الحزب الأخرى كي لا نغض النظر عنها ولا نتناساها كما يريد أصحاب خطاب “العدو الأساسي” و”ترتيب الأولويات” والأمثال الشعبية والأفكار الحاراتية من نوع “أنا وابن عمي على الغريب”. 

هذا من دون أن يسقط المرء في فخ التغاضي عما ترتكبه اسرائيل، وما تمارسه من عقاب جماعي يتعدى حزب الله ليشمل شريحة واسعة من اللبنانيين، ناهيك بما ارتكبته في غزة.

وعلى رغم أنه ليس وارداً هنا تقديم سرد تاريخي مفصّل وشامل عمّا ارتكبه، ويُتهم بارتكابه، حزب الله بعمره القصير نسبياً مقارنة بعمر حركات سياسية وميليشياوية أخرى، إلا أنه قد يكون من المفيد المرور السريع على بعض أبرز هذه الارتكابات، لأن النقاش بشأن راهن لبنان ومستقبله، لا يستقيم من دون وضع هذا بالحسبان، علّ المستقبل يختلف عن الماضي القريب الذي يسعى البعض إلى كنسه تحت سجادة “المعركة المصيرية”، وهو ما يصح على المنطقة عموماً.

لبنان في قبضة الحزب

فإذا بدأنا من لبنان نفسه، لا بأس بالتذكير بأن مرحلة تأسيس الحزب إنما قامت على التفجيرات وعمليات الخطف، والاغتيالات التي طاولت ممن طاولتهم عالم الاجتماع الفرنسي ميشال سورا مؤلف كتاب “سوريا: الدولة المتوحشة”. 

أما ما لا يمكن نسيانه في مسار الحزب، فهو تحالفه الوثيق مع النظام السوري الذي كان يحتل لبنان ويستتبعه، ومن ضمن محطات هذا التحالف، اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في تفجير دامٍ تسبب بمقتل 22 شخصاً، ومن ثم تعطيل الانتقال الديمقراطي في لبنان وما رافقه من سلسلة اغتيالات بحق كتاب وسياسيين وإعلاميين ينتمون الى أحزاب وطوائف لبنانية متعددة (تبدو مؤسفة هنا الحاجة إلى التذكير بأن أحد ضحايا الاغتيالات هو الكاتب الفلسطيني اللبناني سمير قصير).

أشاع الحزب أيضاً منطق امتلاك السلاح الثقيل خارج سلطة الدولة، واحتكار قرار الحرب والسلم، ما جرّ على لبنان حرب تموز/ يوليو 2006 التي ذهب ضحيتها أكثر من ألف شخص عدا عن تهجير عشرات الآلاف ودمار البنى التحتية، قبل أن ينفذ الحزب هجوم السابع من أيار/ مايو عام 2008 الذي سقط خلاله العشرات وكان حرباً أهلية مصغرة لم يحل دون توسعها سوى الرجحان المطلق لكفة الحزب العسكرية على خصومه.

كان الحزب رأس الحربة في إحباط انتفاضة تشرين عام 2019، وحماية الطبقة السياسية الفاسدة، ثم تعطيل التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت المروع، مع التذكير بأن ثمة من اتّهم الحزب بتخزين نترات الأمونيوم في المرفأ.

أما اليوم، فيبدو واجباً القول إن الحرب الحالية التي تشنّها إسرائيل كان ممكناً تجنّبها، وإن الحزب جرّ لبنان الى حرب غير متكافئة وسط مجتمع منقسم واقتصاد منهار وقطاع صحي غير مهيأ وبنى تحتية رديئة وغياب أي خطط بديلة على الأصعدة السياسية والإنسانية، ومرة أخرى بتغييب كامل للدولة واحتكار قرار الحرب والسلم. ومجدداً، يجب التذكير بالنهج الإسرائيلي ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وما مثّله قرار الحزب بالانخراط بالحرب من فرصة لنتانياهو لنقل المجزرة من غزة إلى لبنان.

انخراط الحزب التدريجي في الحرب أتى قبل نحو عام ضمن شبكة تحركات أذرع إيران في المنطقة بعيد هجوم السابع من أكتوبر، وهو ما يعيدنا إلى واحدة من أهم الحقائق الجوهرية عن حزب الله: يعد هذا الحزب منذ تأسيسه أهم وكلاء طهران، بل هو درة تاج الإمبراطورية الإيرانية التي تتلقى الضربات المتتالية حالياً. وهل علينا التذكير بما يمثله النظام الإيراني سياسياً وثقافياً ومجتمعياً؟ بما فعله ويفعله بالشعب الإيراني أولاً وقبل كل شيء؟ بسحقه الانتفاضات المتتالية بكل وحشية؟ باضطهاده حقوق الإنسان وقمعه النساء والحريات؟ بالخراب العميم الذي سببه في العراق وعموم المشرق العربي؟ بمحاولاته المتتالية للتدخل في شؤون المنطقة عموماً وصولاً إلى اليمن؟

وطالما أتينا على ذكر اليمن، تنبغي الإشارة إلى انخراط حزب الله في تدريب جماعة الحوثي المتهمة هي الأخرى بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان (وعلى الأرجح، هناك من يطلب من ضحايا الحوثيين اليوم أن يغضوا النظر بدورهم عما حصل ويحصل بحقّهم).

“التدخل في سوريا” !

وفوق هذا وذاك، ما هو المشترك الذي يفترض أن يجمعنا بحزب الله على صعيد الأيديولوجيا؟ ما هي رؤيته للعالم؟ أي ثقافة وفن وإعلام ينتجها الحزب؟ وما هو أسلوب الحياة الذي يتبناه ويفرضه على مجتمعه؟

فهل نحتاج إلى ما فعله حزب الله في سوريا كي نكون على الضد منه؟ ثم إذا أضفنا إلى كل ما ذكر أعلاه، تدخله العسكري في سوريا المطلوب غض النظر عنه، والذي كان سبباً في مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين (والأرقام هذه ليست من قبيل المبالغات الإنشائية)، بالإضافة إلى الدمار الواسع في مدن وبلدات سورية من أقصى البلاد إلى أقصاها، كيف يمكن لسوري، أو غير سوري، مؤمن بالحرية والقيم الإنسانية عموماً، ويملك حداً أدنى من النزاهة، أن يغض النظر عن الحزب؟ كيف يمكن حتى لأي شخص يأمل بتقدم منطقتنا ولو من منطلق أيديولوجي ألا يعارض حزب الله؟ وما هو الجهد الذي بُذل للتمييز بين الانحياز الى لبنان بوصفه ضحية الهجوم الإسرائيلي، والانحياز الى الحزب ودوره في هذه الحروب.

من جهة أخرى، يحاول بعض دعاة “غض النظر” المؤقت أو الدائم هؤلاء، التذاكي والتلاعب اللغوي بالقول إن الحزب كان مجرد مشارك في الحرب السورية، وليس فاعلاً ومبادراً أساسياً فيها. وعلى رغم أنه من غير المفهوم تماماً ما معنى أن يكون مجرد مشارك، إلا أن الوقائع عموماً تدحض هذه الرواية، إذ كان الحزب صاحب اليد الطولى في معارك امتدت من جنوب سوريا مروراً بالقلمون والزبداني ومضايا (التي حاصرها وجوّعها) وأحياء جنوب دمشق ومخيم اليرموك والقصير (التي هجّر سكانها) وصولاً إلى حصار حلب وجبهات إدلب وامتداداً إلى دير الزور. بل إن نصر الله قال في مقابلة قبل سنوات مع قناة “الميادين”، إنه والقائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ذهبا بعيد سقوط الرئيس المصري حسني مبارك عام 2011 لمقابلة بشار الأسد والتحضير سوية لاستيعاب أي تحركات شعبية محتملة في سوريا.

أخيراً، لا بد من قول شيء على اتصال غير مباشر بهذه المسألة، وهو الشماتة التي أظهرها سوريون وغير سوريين بعد تلقي الحزب ضربات متتابعة. لا خلاف على ذمّ الشماتة، ولا أخلاقيتها، وعدم جدواها وتعبيرها عن العجز، لكن ما قد يساعد فئة من السوريين وغيرهم على تجاوز الشماتة وبناء ثقافة سياسية وأخلاقية جديدة في المنطقة هو التحديق في أهوال ما فعله حزب الله  بحقهم وحق غيرهم، لا غضّ النظر عنها.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
19.10.2024
زمن القراءة: 5 minutes

يحاول بعض دعاة “غض النظر” المؤقت أو الدائم عما ارتكبه حزب الله في سوريا، التذاكي والتلاعب اللغوي بالقول إن الحزب كان مجرد مشارك في الحرب السورية، وليس فاعلاً ومبادراً أساسياً فيها. وعلى رغم أنه من غير المفهوم تماماً ما معنى أن يكون مجرد مشارك، إلا أن الوقائع عموماً تدحض هذه الرواية، إذ كان الحزب صاحب اليد الطولى في معارك امتدت من جنوب سوريا مروراً بريف دمشق حتى شمال سوريا، حيث حلب وإدلب، ولم يستثنِ المنطقة الشرقية حيث وصلت سطوته إلى دير الزور”.

مع تصاعد الحرب الإسرائيلية ضد “حزب الله” ولبنان منذ أواسط أيلول/ سبتمبر الفائت، بخاصة إثر سلسلة هجمات بدأت باستهداف أجهزة اتصالات الحزب الخاصة ومن ثم اغتيال قادة كتيبة “الرضوان”، قبل أن تبلغ ذروتها باغتيال الأمين العام للحزب حسن نصرالله.

وبالتوازي، تصاعدت مواقف متقاربة عبّر عنها طيف واسع من الكتاب والفاعلين في الشأن العام في المنطقة العربية، تصبّ كلها في اتجاه إظهار الدعم للحزب والاصطفاف معه، أو خلفه بالأحرى، مع إضافة عبارة متكررة بدت صادرة عن إحراج، مفادها أن الدعم والاصطفاف هذين يأتيان “بغض النظر عما فعله الحزب في سوريا”.

والمفارقة أن غض النظر المفترض هذا، يحمل إقراراً ضمنياً بأن مشاركة الحزب في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد لا يمكن غض النظر عنه ، ذاك أن للحزب تاريخاً طويلاً من “الأفعال” الإشكالية الأخرى، داخل لبنان وخارجه، ومع ذلك لم تبد هذه الأفعال جديرة بما يكفي كي تستدعي من هؤلاء دعوتنا إلى صرف نظرنا وغضّه.

لكن، إذا افترضنا جدلاً أن الثورات العربية لم تقع من الأساس، وأن حزب الله لم يكن على رأس واحدة من الثورات المضادة بكل ما تضمنه ذلك من انتهاكات ألا تكفي ممارسات الحزب الأخرى كي لا نغض النظر عنها ولا نتناساها كما يريد أصحاب خطاب “العدو الأساسي” و”ترتيب الأولويات” والأمثال الشعبية والأفكار الحاراتية من نوع “أنا وابن عمي على الغريب”. 

هذا من دون أن يسقط المرء في فخ التغاضي عما ترتكبه اسرائيل، وما تمارسه من عقاب جماعي يتعدى حزب الله ليشمل شريحة واسعة من اللبنانيين، ناهيك بما ارتكبته في غزة.

وعلى رغم أنه ليس وارداً هنا تقديم سرد تاريخي مفصّل وشامل عمّا ارتكبه، ويُتهم بارتكابه، حزب الله بعمره القصير نسبياً مقارنة بعمر حركات سياسية وميليشياوية أخرى، إلا أنه قد يكون من المفيد المرور السريع على بعض أبرز هذه الارتكابات، لأن النقاش بشأن راهن لبنان ومستقبله، لا يستقيم من دون وضع هذا بالحسبان، علّ المستقبل يختلف عن الماضي القريب الذي يسعى البعض إلى كنسه تحت سجادة “المعركة المصيرية”، وهو ما يصح على المنطقة عموماً.

لبنان في قبضة الحزب

فإذا بدأنا من لبنان نفسه، لا بأس بالتذكير بأن مرحلة تأسيس الحزب إنما قامت على التفجيرات وعمليات الخطف، والاغتيالات التي طاولت ممن طاولتهم عالم الاجتماع الفرنسي ميشال سورا مؤلف كتاب “سوريا: الدولة المتوحشة”. 

أما ما لا يمكن نسيانه في مسار الحزب، فهو تحالفه الوثيق مع النظام السوري الذي كان يحتل لبنان ويستتبعه، ومن ضمن محطات هذا التحالف، اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في تفجير دامٍ تسبب بمقتل 22 شخصاً، ومن ثم تعطيل الانتقال الديمقراطي في لبنان وما رافقه من سلسلة اغتيالات بحق كتاب وسياسيين وإعلاميين ينتمون الى أحزاب وطوائف لبنانية متعددة (تبدو مؤسفة هنا الحاجة إلى التذكير بأن أحد ضحايا الاغتيالات هو الكاتب الفلسطيني اللبناني سمير قصير).

أشاع الحزب أيضاً منطق امتلاك السلاح الثقيل خارج سلطة الدولة، واحتكار قرار الحرب والسلم، ما جرّ على لبنان حرب تموز/ يوليو 2006 التي ذهب ضحيتها أكثر من ألف شخص عدا عن تهجير عشرات الآلاف ودمار البنى التحتية، قبل أن ينفذ الحزب هجوم السابع من أيار/ مايو عام 2008 الذي سقط خلاله العشرات وكان حرباً أهلية مصغرة لم يحل دون توسعها سوى الرجحان المطلق لكفة الحزب العسكرية على خصومه.

كان الحزب رأس الحربة في إحباط انتفاضة تشرين عام 2019، وحماية الطبقة السياسية الفاسدة، ثم تعطيل التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت المروع، مع التذكير بأن ثمة من اتّهم الحزب بتخزين نترات الأمونيوم في المرفأ.

أما اليوم، فيبدو واجباً القول إن الحرب الحالية التي تشنّها إسرائيل كان ممكناً تجنّبها، وإن الحزب جرّ لبنان الى حرب غير متكافئة وسط مجتمع منقسم واقتصاد منهار وقطاع صحي غير مهيأ وبنى تحتية رديئة وغياب أي خطط بديلة على الأصعدة السياسية والإنسانية، ومرة أخرى بتغييب كامل للدولة واحتكار قرار الحرب والسلم. ومجدداً، يجب التذكير بالنهج الإسرائيلي ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وما مثّله قرار الحزب بالانخراط بالحرب من فرصة لنتانياهو لنقل المجزرة من غزة إلى لبنان.

انخراط الحزب التدريجي في الحرب أتى قبل نحو عام ضمن شبكة تحركات أذرع إيران في المنطقة بعيد هجوم السابع من أكتوبر، وهو ما يعيدنا إلى واحدة من أهم الحقائق الجوهرية عن حزب الله: يعد هذا الحزب منذ تأسيسه أهم وكلاء طهران، بل هو درة تاج الإمبراطورية الإيرانية التي تتلقى الضربات المتتالية حالياً. وهل علينا التذكير بما يمثله النظام الإيراني سياسياً وثقافياً ومجتمعياً؟ بما فعله ويفعله بالشعب الإيراني أولاً وقبل كل شيء؟ بسحقه الانتفاضات المتتالية بكل وحشية؟ باضطهاده حقوق الإنسان وقمعه النساء والحريات؟ بالخراب العميم الذي سببه في العراق وعموم المشرق العربي؟ بمحاولاته المتتالية للتدخل في شؤون المنطقة عموماً وصولاً إلى اليمن؟

وطالما أتينا على ذكر اليمن، تنبغي الإشارة إلى انخراط حزب الله في تدريب جماعة الحوثي المتهمة هي الأخرى بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان (وعلى الأرجح، هناك من يطلب من ضحايا الحوثيين اليوم أن يغضوا النظر بدورهم عما حصل ويحصل بحقّهم).

“التدخل في سوريا” !

وفوق هذا وذاك، ما هو المشترك الذي يفترض أن يجمعنا بحزب الله على صعيد الأيديولوجيا؟ ما هي رؤيته للعالم؟ أي ثقافة وفن وإعلام ينتجها الحزب؟ وما هو أسلوب الحياة الذي يتبناه ويفرضه على مجتمعه؟

فهل نحتاج إلى ما فعله حزب الله في سوريا كي نكون على الضد منه؟ ثم إذا أضفنا إلى كل ما ذكر أعلاه، تدخله العسكري في سوريا المطلوب غض النظر عنه، والذي كان سبباً في مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين (والأرقام هذه ليست من قبيل المبالغات الإنشائية)، بالإضافة إلى الدمار الواسع في مدن وبلدات سورية من أقصى البلاد إلى أقصاها، كيف يمكن لسوري، أو غير سوري، مؤمن بالحرية والقيم الإنسانية عموماً، ويملك حداً أدنى من النزاهة، أن يغض النظر عن الحزب؟ كيف يمكن حتى لأي شخص يأمل بتقدم منطقتنا ولو من منطلق أيديولوجي ألا يعارض حزب الله؟ وما هو الجهد الذي بُذل للتمييز بين الانحياز الى لبنان بوصفه ضحية الهجوم الإسرائيلي، والانحياز الى الحزب ودوره في هذه الحروب.

من جهة أخرى، يحاول بعض دعاة “غض النظر” المؤقت أو الدائم هؤلاء، التذاكي والتلاعب اللغوي بالقول إن الحزب كان مجرد مشارك في الحرب السورية، وليس فاعلاً ومبادراً أساسياً فيها. وعلى رغم أنه من غير المفهوم تماماً ما معنى أن يكون مجرد مشارك، إلا أن الوقائع عموماً تدحض هذه الرواية، إذ كان الحزب صاحب اليد الطولى في معارك امتدت من جنوب سوريا مروراً بالقلمون والزبداني ومضايا (التي حاصرها وجوّعها) وأحياء جنوب دمشق ومخيم اليرموك والقصير (التي هجّر سكانها) وصولاً إلى حصار حلب وجبهات إدلب وامتداداً إلى دير الزور. بل إن نصر الله قال في مقابلة قبل سنوات مع قناة “الميادين”، إنه والقائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ذهبا بعيد سقوط الرئيس المصري حسني مبارك عام 2011 لمقابلة بشار الأسد والتحضير سوية لاستيعاب أي تحركات شعبية محتملة في سوريا.

أخيراً، لا بد من قول شيء على اتصال غير مباشر بهذه المسألة، وهو الشماتة التي أظهرها سوريون وغير سوريين بعد تلقي الحزب ضربات متتابعة. لا خلاف على ذمّ الشماتة، ولا أخلاقيتها، وعدم جدواها وتعبيرها عن العجز، لكن ما قد يساعد فئة من السوريين وغيرهم على تجاوز الشماتة وبناء ثقافة سياسية وأخلاقية جديدة في المنطقة هو التحديق في أهوال ما فعله حزب الله  بحقهم وحق غيرهم، لا غضّ النظر عنها.