ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ماذا لو هُزمت إسرائيل في السابع من أكتوبر؟! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“هناك تسوية إقليمية، برعاية دولية، هي من أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه”… هكذا يستهل أي مهتم بالشأن العام كلامه، حول سوريا والمنطقة كلها. وهذا لا يكون استهلالاً لـ “واقعية” تريد أن تجد المتاح لاستثماره لنصل إلى ما هو أبعد، بقدر ما باتت تُعطى الأولوية على ما عداها عند النظر في الخيارات المتاحة أمامنا، وكأنها ختام القول والجدل حول أي من تلك الخيارات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

السؤال أعلاه ليس مجرد تمرين ذهني، قد يكون بغيضاً جداً، لملايين ممن عانوا من نير استبداد “ممانع” دام لأكثر من نصف قرن في سوريا؛ والعراق، على مرحلتين، صدامية سنية بغطاء بعثي، وميليشيوية شيعية بدعم إيراني؛ ولم يلبث لبنان أن لحق بهما بعد بضعة أعوام؛ واليمن أيضاً، ولو بعد بضعة عقود، من دون أن يدري أحد لمَ هذا البلد بالذات قدره أن يمضي دائماً، ولو متأخراً، إلى الجحيم! 

السؤال أعلاه، إن تحقق احتماله فعلاً، فهو بالنسبة الى أولئك الملايين أعلاه، من دون أية مواربة، كابوس ما عاد من الممكن الخلاص منه لأجيال وأجيال، بعد ثورات أشعلت المنطقة بكاملها، لتسفر عن تمكين أسوأ أنواع الطغاة، وأكثر الاحتمالات ظلامية، من رقاب أولئك الذين ثاروا فقط لتحرير رقابهم. كنا ببساطة، وحتى هذه اللحظة، لا نزال ندور في فلك مشروع الممانعة، بكل حمولته البائسة، التي ستزداد أضعافاً، بعد أن أصبح مشروعاً منتصراً. 

لكن ماذا عن الفلسطينيين، والغزاويين منهم بالذات؟! بالطبع، لا أفترض هنا، أن هزيمة إسرائيل في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر كانت ستعني انتصاراً للغزاويين. فتمكين قبضة حماس من رقابهم، هو هزيمة أيضاً. تلك القبضة المصرة على الإطباق على أنفاسهم، حتى بدون ذراع تدعمها، ولا حتى جسد. كقبضة كائن أسطوري انفصلت عن جسده وخرجت من قبره لتطبق على أنفاس كل ما تستطيع الوصول إليه من ضحايا. يكفي أن نطل على أحوال الغزاويين قبل السابع من أكتوبر، تلك الأحوال التي لم يبخل الغزاويون أنفسهم في شرحها بالتفاصيل الدقيقة، عبر السوشيال ميديا، لندرك إلى أي مدى كان سيصبح هذا “الانتصار” كابوساً بالنسبة إليهم أيضاً. 

مع ذلك، إسرائيل لا تزال حتى هذه اللحظة هي العدو. وهو عدو منتصر هزم عدواً آخر، لا يقل شراسة وتوحشاً عنه. أياً كان المنتصر… نحن في كل الأحوال مهزومون. هل تكفي الإشارة إلى دمار غزة بالكامل، ومشروع الإبادة الإسرائيلي هناك الذي لم يتوقف حتى اللحظة، لنقول إن وجه الانتصار الإسرائيلي الآخر، وربما الحقيقي، موجود هناك؟! 

سأعود بضع خطوات إلى الوراء، قبل القفز إلى الاستنتاج أعلاه، لأفهم فقط، وقدر المستطاع، كيف هزمنا، وفي كلتَي الحالتين: في مواجهة إسرائيل؛ وفي مواجهة مشروع الممانعة الذي أنتج لنا غولاً حقيقياً اسمه إيران الملالي، ورث جزءاً كبيراً من ممالك الغيلان التي كانت تحكمنا قبله. 

ما بين “خلاصين” 

كان صادماً جداً، بالنسبة الى البعض، من بينهم كاتب هذه السطور، الموقف المتردد لقطاع واسع من “النخبة” السورية تجاه تطور الأحداث السريع في سوريا بعد هروب الأسد الصغير. كان مفهوماً في البداية أن نتردد جميعاً، حتى مع فرض سلطة أمر واقع “جديدة” في البلاد. والحق أنها لم تكن كذلك بالنسبة إلينا، إذ كان يفترض بنا، وكـ “نخبة” يفترض أنها متفرغة للبحث والاستقصاء وطرح الأسئلة ومحاولة إيجاد إجابات لها، أننا نعرف تلك السلطة بكامل تفاصيلها، بأسماء قادة فصائلها، ممارساتهم، ورصيدهم الدموي تجاه محكوميهم السابقين في ما اعتُمد على تسميته بالمناطق “المحرّرة” من سوريا. 

كنا مأخوذين بفرحة “الخلاص”، وكان هذا من حقنا، ولكن إلى حين، خصوصاً مَن أمضوا سنوات كاملة من أعمارهم وهم يوثّقون ارتكابات تلك الفصائل. التوثيق الذي أودى بحياة واحدة من أبرز رموز ثورة السوريين، وأكثرها نصاعة وجمالاً، رزان زيتونة. ولكن أن يستمر الإصرار على أن “الخلاص” هو ما يعنينا، وما عداه ليس إلا تفاصيل، تناقش في وقتها، فهذا أمر لا يمكن فهمه فعلاً إلا إن أحلناه إلى ما هو أبعد من مجرد ذريعة أن البلاد بحاجة إلى وقت للتعافي، والإصرار المستمر على مطالب بعينها لن يفيد بشيء سوى المزيد من العرقلة في مرحلة باتت فيها البلاد مجردة من كل شيء، ليس بشراً وحجراً فقط، بل حتى موارد طبيعية، فسوريا والمنطقة كلّها تدخل مرحلة تصحّر فعلي، بالمعنى البيئي. وقد لا تجد شعوب المنطقة، ومن بينهم السوريون، ما يأكلونه ويشربونه، خلال أشهر من الآن. 

أي أننا أمام “خلاص” آخر، أعمق أثراً، وأكثر إلحاحاً، من ذلك الذي كانت تفرضه علينا نظم الاستبداد بمختلف أشكالها وروائحها. وغني عن القول إن المنطقة تعيش بين “خلاصين” لا مكان فيها للتفكير بأي شكل من أشكال الحياة، إذ إن كل شيء مؤجل إلى حين وصولنا إلى هذا “الخلاص”. والحق، أن هذا حالنا منذ تأسست دولة إسرائيل إلى يومنا هذا… لا شيء تغيّر. 

منطق التفكير هذا “المعركة الأساسية والمعارك الثانوية”، ليس جديداً على منطقتنا، وعلى نخبها. هو يتغير بحسب “العدو” أو “الطارئ” الجديد. ولكنه في كل مرة يعود للاشتغال من جديد، وبكامل طاقته، جارفاً معه، ليس فقط نخباً (أزعم أن جزءاً كبيراً منها لم يعِ للحظة واحدة قيمة الموقف والكلمة، وهذا رأسمالها كله) بل أجيالاً بكاملها، لدرجة أوصلتنا جميعاً إلى حافة هاوية حقيقية. الهاوية التي بحجة تفاديها، طيلة عقود طويلة، لم نفعل شيئاً سوى أن هيّأنا كل الظروف للوصول إليها فعلاً! 

على الجانب الإسرائيلي، كانوا يواجهون ليس “خلاصاً” فحسب، بل تهديداً وجودياً بالمعنى الحرفي للكلمة، وهم الذين أنشأوا دولتهم على “حكاية” لم يشترها أحد، حتى اليهود أنفسهم، لحظة إطلاقها من الحركة الصهيونية، لولا المحرقة النازية وما جرّته من ويلات على يهود أوروبا. وبعدما تملكوا قطعة الأرض تلك (طاردين سكانها الأصليين، هذه حقيقة أنهكها واستهلكها واستهلكنا معها “الخلاصيون” العرب، أكثر حتى من الأنظمة التي استفادت منها)، بعد هذا لم يتوقفوا لحظة عن الخوض في تلك التحديات الوجودية، وانتصروا فيها جميعاً، واحدة تلو الأخرى. الى درجة أنهم الآن يخوضون حربا ضد بلد تبلغ مساحتها 75 ضعف مساحة إسرائيل، وتعداد سكانها يبلغ 10 أضعاف تعداد سكان إسرائيل، وتبعد عنهم مسافة 1550 كليومتراً… ويبدو أنهم سينتصرون فيها، مرة أخرى! وهو نفسه الانتصار الذي نهلل له، وإن غلفناه بعبارة، لم نعد نجد سواها منذ زمن بعيد: فليذهب كلا الخصمين إلى الجحيم. فيما نتلهّف فعلاً على هزيمة ساحقة لأحدهما، الطرف الإيراني الذي أذاقنا الهوان، وقتل منا أضعاف ما قتلته إسرائيل، في أربع دول عربية على التوالي. 

ثقافة “العضوات”

بواكير الانتصار الإسرائيلي ظهرت في بيروت، وتحديداً في ضاحيتها الجنوبية، في مقتل أكثر شخصية كرهها السوريون، وأظن أن قطاعاً واسعاً من اللبنانيين يشاركهم هذه المشاعر: حسن نصرالله. الرجل لم يُكره هكذا لأنه ببساطة “شيعي”، مع أن قطاعاً لا بأس به من سنة سوريا، وبعد انتصارهم “المستعار”، لم يبخلوا بدورهم في توزيع الكراهية، وبضع إبادات، على طوائف أخرى، العلويون بالدرجة الأولى؛ الرجل كُره بسبب دور لم يتوان عن القيام به حتى آخر قطرة دم سورية استطاع، هو وعناصر ميليشياه، إراقتها في سوريا. 

لدينا، كسوريين، مليون سبب لنبرر شعوراً ما عاد من الممكن تجاوزه تجاه رجل حقيقي استهدفنا، وكمدنيين، قبل أي هدف آخر؛ ولكن لا يوجد لدينا سبب واحد، مقنع، لنقول إن ما تحقق كان بفعل أيدينا كضحايا، عُزلنا تماماً وتُركنا لقدرنا أمام سكاكين نصر الله، وبقية حلفائه في “محور الممانعة”. إلى أن حلت الساعة، مصادفة وبقرار اتخذه آخرون غيرنا، وقررت إسرائيل التخلص منه، وبدأت بعدها أحجار الدومينو بالانهيار واحدة تلو الأخرى، إلى أن وصلت إلى دمشق. 

هذا ما حصل، وما لا يريد أحد أن يتناوله بشكل جدي، لنفهم مدى تأثيره على ما سيلي من أحداث، في حال قررنا أن نبادر ونؤثر فيها، طالما أن الأمور أوصلتنا إلى “خلاص” كنا نحلم به مجرد حلم، قبل تحققه ببضعة أيام فقط! بقي الأمر، أن القرار لم يكن قرارنا أبداً، جاثماً في الخلفية من كل خطوة نفكر أن نخطوها، أو قول نريد قوله. وكأننا بدورنا قد استسلمنا لقدر جديد، لا مانع من تقبّله، ما دام الأسد، وبقية كلابه وحلفائه، باتوا خارج الصورة. 

“هناك تسوية إقليمية، برعاية دولية، هي من أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه”… هكذا يستهل أي مهتم بالشأن العام كلامه، حول سوريا والمنطقة كلها. وهذا لا يكون استهلالاً لـ “واقعية” تريد أن تجد المتاح لاستثماره لنصل إلى ما هو أبعد، بقدر ما باتت تُعطى الأولوية على ما عداها عند النظر في الخيارات المتاحة أمامنا، وكأنها ختام القول والجدل حول أي من تلك الخيارات. وكأن ثورة كاملة انفجرت من يأس ضحايا “الواقعية” ذاتها، أيام الركون إلى افتراض وجود تسوية أبّدت حكم الأسد، لم تحدث، وكلفت مئات ألوف السوريين أعمارهم، وملايين غيرهم مستقبلهم وسبل عيشهم. 

الموقف أعلاه، لا يمكن إلا أن يذكرنا بإحالة “صبيان الدكاكين” الأمورَ إلى معلميهم مالكي تلك الدكاكين.. “عضوات الحارة” حسب المسلسل السوري الشهير. ويبدو أننا بقدر ما سخرنا من هذا المسلسل، و”منظومة القيم البالية والكاريكاتورية” التي يسلط الضوء عليها بصفتها المرجعية المثلى، بقدر ما امتثلنا فعلاً لتلك “المنظومة”. 

“العكيد” الجديد

أظن أن المشكلة هنا، وهنا ما هو أبعد من مجرد ذريعة، أن البلاد بحاجة إلى وقت للتعافي. إنها الثقافة ذاتها التي يفترض أننا ثرنا ضدها، تعود للاشتغال مبررة نفسها في ظل ما يسمى “ظروف” جديدة. مع إضافة “إسرائيل” هذه المرة إلى قائمة “العضوات”. إسرائيل “العكيد” الجديد، الديموقراطي، الذي يسمح لنا بأن نشتمه، ولا نعترف به ضمن قائمة “العضوات”، إلا سراً، خصوصاً وأنه لا يحرك “نبوته”، عصاة الفتوة، إلا في وجه من له مصلحة بضربه حتى يحذفه من الوجود نهائياً. يفعلها الآن في مواجهة أهل غزة للمناسبة. الحمد لله، لسنا غزاويين… 

قد لا يكون المأزق السوري، أو أي مأزق عربي آخر، وما أكثرها، بالإلحاح الذي تفرضه حالة الإبادة التي يواجهها أهل غزة الآن، وعلى مدار الساعة. ولكننا في كلَي الحالتين، وفي الغالبية من “نخبنا” في المنطقة، أعذروني بها، حفنة من صبية المحلات. عاجزون حتى عن التفكير السليم، الذي يفترض أن يكون حصننا الأخير، عسانا نعرف أين نقف. وهذا مستحيل من دون أن نسمي الأمور بأسمائها، والأهم، ألا ننسى ما هو مبرر وجودنا كـ “نخب”: قول ما نراه صواباً، إلى أن يثبت قول غيره، بما يخدم الوصول إلى الهدف… جعل قيمتنا كبشر أحرار فوق أية قيمة عداها. 

الإسرائيليون لديهم نخبة كهذه، ومن كل الاتجاهات، وهم مستعدون للمضي إلى أبعد مدى ممكن في نقض، وحتى تقويض شرعية حكومتهم، إن اقتضى الأمر، من دون أن يتهموا بالخيانة، حتى ولو كانوا يخوضون حرب وجود (فعلياً، الكنيست كان على وشك أن يُحل عشية فصل الحرب الأخير، والأكثر ضخامة، ضد إيران). أما نحن فلا توجد لدينا نخبة كهذه، إلا في ما ندر. بضعة أسماء فقط، مستعد أصحابها للمضي إلى آخر القول، وهم ممنوعون من التأثير أصلاً، لقلتهم، ولعجز من تبقى ممن يرون أنهم “نخب” عن تجميع أنفسهم وتشكيل مركز تأثير وضغط، على رغم كل المتاح، والذي خبرناه، واستخدمناه، منذ لحظة انفجار ثورات الربيع العربي. وكأن الـ14 سنة الماضية، بكل ما عشناه وخبرناه فيها، مخاطرين بكل شيء، وبيننا من دفع أبهظ الأثمان، كانت مجرد هباء منثوراً! 

لذلك، ولأن أصحاب الكلمة في إسرائيل يدركون قيمتهم، ويصرون على تكريس تلك القيمة أمام رأي عام يأخذهم على محمل الجد فعلاً، فإن الإسرائيليين يجدون طريقهم للانتصار دائماً، من دون أن ينتظروا موقفاً من “مشجعي المدرجات”. 

أولئك، ونحن، كعرب، نشكل الغالبية الكاسحة بينهم، لا قيمة لموقفهم، أشجعوا إسرائيل سراً أو علانية، إلا إن تم اختيارهم لدور جديد لاحقاً، بعيداً عن المدرجات، وغالباً لن يكون إلا كضحية أخرى… 

23.06.2025
زمن القراءة: 8 minutes

“هناك تسوية إقليمية، برعاية دولية، هي من أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه”… هكذا يستهل أي مهتم بالشأن العام كلامه، حول سوريا والمنطقة كلها. وهذا لا يكون استهلالاً لـ “واقعية” تريد أن تجد المتاح لاستثماره لنصل إلى ما هو أبعد، بقدر ما باتت تُعطى الأولوية على ما عداها عند النظر في الخيارات المتاحة أمامنا، وكأنها ختام القول والجدل حول أي من تلك الخيارات.

السؤال أعلاه ليس مجرد تمرين ذهني، قد يكون بغيضاً جداً، لملايين ممن عانوا من نير استبداد “ممانع” دام لأكثر من نصف قرن في سوريا؛ والعراق، على مرحلتين، صدامية سنية بغطاء بعثي، وميليشيوية شيعية بدعم إيراني؛ ولم يلبث لبنان أن لحق بهما بعد بضعة أعوام؛ واليمن أيضاً، ولو بعد بضعة عقود، من دون أن يدري أحد لمَ هذا البلد بالذات قدره أن يمضي دائماً، ولو متأخراً، إلى الجحيم! 

السؤال أعلاه، إن تحقق احتماله فعلاً، فهو بالنسبة الى أولئك الملايين أعلاه، من دون أية مواربة، كابوس ما عاد من الممكن الخلاص منه لأجيال وأجيال، بعد ثورات أشعلت المنطقة بكاملها، لتسفر عن تمكين أسوأ أنواع الطغاة، وأكثر الاحتمالات ظلامية، من رقاب أولئك الذين ثاروا فقط لتحرير رقابهم. كنا ببساطة، وحتى هذه اللحظة، لا نزال ندور في فلك مشروع الممانعة، بكل حمولته البائسة، التي ستزداد أضعافاً، بعد أن أصبح مشروعاً منتصراً. 

لكن ماذا عن الفلسطينيين، والغزاويين منهم بالذات؟! بالطبع، لا أفترض هنا، أن هزيمة إسرائيل في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر كانت ستعني انتصاراً للغزاويين. فتمكين قبضة حماس من رقابهم، هو هزيمة أيضاً. تلك القبضة المصرة على الإطباق على أنفاسهم، حتى بدون ذراع تدعمها، ولا حتى جسد. كقبضة كائن أسطوري انفصلت عن جسده وخرجت من قبره لتطبق على أنفاس كل ما تستطيع الوصول إليه من ضحايا. يكفي أن نطل على أحوال الغزاويين قبل السابع من أكتوبر، تلك الأحوال التي لم يبخل الغزاويون أنفسهم في شرحها بالتفاصيل الدقيقة، عبر السوشيال ميديا، لندرك إلى أي مدى كان سيصبح هذا “الانتصار” كابوساً بالنسبة إليهم أيضاً. 

مع ذلك، إسرائيل لا تزال حتى هذه اللحظة هي العدو. وهو عدو منتصر هزم عدواً آخر، لا يقل شراسة وتوحشاً عنه. أياً كان المنتصر… نحن في كل الأحوال مهزومون. هل تكفي الإشارة إلى دمار غزة بالكامل، ومشروع الإبادة الإسرائيلي هناك الذي لم يتوقف حتى اللحظة، لنقول إن وجه الانتصار الإسرائيلي الآخر، وربما الحقيقي، موجود هناك؟! 

سأعود بضع خطوات إلى الوراء، قبل القفز إلى الاستنتاج أعلاه، لأفهم فقط، وقدر المستطاع، كيف هزمنا، وفي كلتَي الحالتين: في مواجهة إسرائيل؛ وفي مواجهة مشروع الممانعة الذي أنتج لنا غولاً حقيقياً اسمه إيران الملالي، ورث جزءاً كبيراً من ممالك الغيلان التي كانت تحكمنا قبله. 

ما بين “خلاصين” 

كان صادماً جداً، بالنسبة الى البعض، من بينهم كاتب هذه السطور، الموقف المتردد لقطاع واسع من “النخبة” السورية تجاه تطور الأحداث السريع في سوريا بعد هروب الأسد الصغير. كان مفهوماً في البداية أن نتردد جميعاً، حتى مع فرض سلطة أمر واقع “جديدة” في البلاد. والحق أنها لم تكن كذلك بالنسبة إلينا، إذ كان يفترض بنا، وكـ “نخبة” يفترض أنها متفرغة للبحث والاستقصاء وطرح الأسئلة ومحاولة إيجاد إجابات لها، أننا نعرف تلك السلطة بكامل تفاصيلها، بأسماء قادة فصائلها، ممارساتهم، ورصيدهم الدموي تجاه محكوميهم السابقين في ما اعتُمد على تسميته بالمناطق “المحرّرة” من سوريا. 

كنا مأخوذين بفرحة “الخلاص”، وكان هذا من حقنا، ولكن إلى حين، خصوصاً مَن أمضوا سنوات كاملة من أعمارهم وهم يوثّقون ارتكابات تلك الفصائل. التوثيق الذي أودى بحياة واحدة من أبرز رموز ثورة السوريين، وأكثرها نصاعة وجمالاً، رزان زيتونة. ولكن أن يستمر الإصرار على أن “الخلاص” هو ما يعنينا، وما عداه ليس إلا تفاصيل، تناقش في وقتها، فهذا أمر لا يمكن فهمه فعلاً إلا إن أحلناه إلى ما هو أبعد من مجرد ذريعة أن البلاد بحاجة إلى وقت للتعافي، والإصرار المستمر على مطالب بعينها لن يفيد بشيء سوى المزيد من العرقلة في مرحلة باتت فيها البلاد مجردة من كل شيء، ليس بشراً وحجراً فقط، بل حتى موارد طبيعية، فسوريا والمنطقة كلّها تدخل مرحلة تصحّر فعلي، بالمعنى البيئي. وقد لا تجد شعوب المنطقة، ومن بينهم السوريون، ما يأكلونه ويشربونه، خلال أشهر من الآن. 

أي أننا أمام “خلاص” آخر، أعمق أثراً، وأكثر إلحاحاً، من ذلك الذي كانت تفرضه علينا نظم الاستبداد بمختلف أشكالها وروائحها. وغني عن القول إن المنطقة تعيش بين “خلاصين” لا مكان فيها للتفكير بأي شكل من أشكال الحياة، إذ إن كل شيء مؤجل إلى حين وصولنا إلى هذا “الخلاص”. والحق، أن هذا حالنا منذ تأسست دولة إسرائيل إلى يومنا هذا… لا شيء تغيّر. 

منطق التفكير هذا “المعركة الأساسية والمعارك الثانوية”، ليس جديداً على منطقتنا، وعلى نخبها. هو يتغير بحسب “العدو” أو “الطارئ” الجديد. ولكنه في كل مرة يعود للاشتغال من جديد، وبكامل طاقته، جارفاً معه، ليس فقط نخباً (أزعم أن جزءاً كبيراً منها لم يعِ للحظة واحدة قيمة الموقف والكلمة، وهذا رأسمالها كله) بل أجيالاً بكاملها، لدرجة أوصلتنا جميعاً إلى حافة هاوية حقيقية. الهاوية التي بحجة تفاديها، طيلة عقود طويلة، لم نفعل شيئاً سوى أن هيّأنا كل الظروف للوصول إليها فعلاً! 

على الجانب الإسرائيلي، كانوا يواجهون ليس “خلاصاً” فحسب، بل تهديداً وجودياً بالمعنى الحرفي للكلمة، وهم الذين أنشأوا دولتهم على “حكاية” لم يشترها أحد، حتى اليهود أنفسهم، لحظة إطلاقها من الحركة الصهيونية، لولا المحرقة النازية وما جرّته من ويلات على يهود أوروبا. وبعدما تملكوا قطعة الأرض تلك (طاردين سكانها الأصليين، هذه حقيقة أنهكها واستهلكها واستهلكنا معها “الخلاصيون” العرب، أكثر حتى من الأنظمة التي استفادت منها)، بعد هذا لم يتوقفوا لحظة عن الخوض في تلك التحديات الوجودية، وانتصروا فيها جميعاً، واحدة تلو الأخرى. الى درجة أنهم الآن يخوضون حربا ضد بلد تبلغ مساحتها 75 ضعف مساحة إسرائيل، وتعداد سكانها يبلغ 10 أضعاف تعداد سكان إسرائيل، وتبعد عنهم مسافة 1550 كليومتراً… ويبدو أنهم سينتصرون فيها، مرة أخرى! وهو نفسه الانتصار الذي نهلل له، وإن غلفناه بعبارة، لم نعد نجد سواها منذ زمن بعيد: فليذهب كلا الخصمين إلى الجحيم. فيما نتلهّف فعلاً على هزيمة ساحقة لأحدهما، الطرف الإيراني الذي أذاقنا الهوان، وقتل منا أضعاف ما قتلته إسرائيل، في أربع دول عربية على التوالي. 

ثقافة “العضوات”

بواكير الانتصار الإسرائيلي ظهرت في بيروت، وتحديداً في ضاحيتها الجنوبية، في مقتل أكثر شخصية كرهها السوريون، وأظن أن قطاعاً واسعاً من اللبنانيين يشاركهم هذه المشاعر: حسن نصرالله. الرجل لم يُكره هكذا لأنه ببساطة “شيعي”، مع أن قطاعاً لا بأس به من سنة سوريا، وبعد انتصارهم “المستعار”، لم يبخلوا بدورهم في توزيع الكراهية، وبضع إبادات، على طوائف أخرى، العلويون بالدرجة الأولى؛ الرجل كُره بسبب دور لم يتوان عن القيام به حتى آخر قطرة دم سورية استطاع، هو وعناصر ميليشياه، إراقتها في سوريا. 

لدينا، كسوريين، مليون سبب لنبرر شعوراً ما عاد من الممكن تجاوزه تجاه رجل حقيقي استهدفنا، وكمدنيين، قبل أي هدف آخر؛ ولكن لا يوجد لدينا سبب واحد، مقنع، لنقول إن ما تحقق كان بفعل أيدينا كضحايا، عُزلنا تماماً وتُركنا لقدرنا أمام سكاكين نصر الله، وبقية حلفائه في “محور الممانعة”. إلى أن حلت الساعة، مصادفة وبقرار اتخذه آخرون غيرنا، وقررت إسرائيل التخلص منه، وبدأت بعدها أحجار الدومينو بالانهيار واحدة تلو الأخرى، إلى أن وصلت إلى دمشق. 

هذا ما حصل، وما لا يريد أحد أن يتناوله بشكل جدي، لنفهم مدى تأثيره على ما سيلي من أحداث، في حال قررنا أن نبادر ونؤثر فيها، طالما أن الأمور أوصلتنا إلى “خلاص” كنا نحلم به مجرد حلم، قبل تحققه ببضعة أيام فقط! بقي الأمر، أن القرار لم يكن قرارنا أبداً، جاثماً في الخلفية من كل خطوة نفكر أن نخطوها، أو قول نريد قوله. وكأننا بدورنا قد استسلمنا لقدر جديد، لا مانع من تقبّله، ما دام الأسد، وبقية كلابه وحلفائه، باتوا خارج الصورة. 

“هناك تسوية إقليمية، برعاية دولية، هي من أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه”… هكذا يستهل أي مهتم بالشأن العام كلامه، حول سوريا والمنطقة كلها. وهذا لا يكون استهلالاً لـ “واقعية” تريد أن تجد المتاح لاستثماره لنصل إلى ما هو أبعد، بقدر ما باتت تُعطى الأولوية على ما عداها عند النظر في الخيارات المتاحة أمامنا، وكأنها ختام القول والجدل حول أي من تلك الخيارات. وكأن ثورة كاملة انفجرت من يأس ضحايا “الواقعية” ذاتها، أيام الركون إلى افتراض وجود تسوية أبّدت حكم الأسد، لم تحدث، وكلفت مئات ألوف السوريين أعمارهم، وملايين غيرهم مستقبلهم وسبل عيشهم. 

الموقف أعلاه، لا يمكن إلا أن يذكرنا بإحالة “صبيان الدكاكين” الأمورَ إلى معلميهم مالكي تلك الدكاكين.. “عضوات الحارة” حسب المسلسل السوري الشهير. ويبدو أننا بقدر ما سخرنا من هذا المسلسل، و”منظومة القيم البالية والكاريكاتورية” التي يسلط الضوء عليها بصفتها المرجعية المثلى، بقدر ما امتثلنا فعلاً لتلك “المنظومة”. 

“العكيد” الجديد

أظن أن المشكلة هنا، وهنا ما هو أبعد من مجرد ذريعة، أن البلاد بحاجة إلى وقت للتعافي. إنها الثقافة ذاتها التي يفترض أننا ثرنا ضدها، تعود للاشتغال مبررة نفسها في ظل ما يسمى “ظروف” جديدة. مع إضافة “إسرائيل” هذه المرة إلى قائمة “العضوات”. إسرائيل “العكيد” الجديد، الديموقراطي، الذي يسمح لنا بأن نشتمه، ولا نعترف به ضمن قائمة “العضوات”، إلا سراً، خصوصاً وأنه لا يحرك “نبوته”، عصاة الفتوة، إلا في وجه من له مصلحة بضربه حتى يحذفه من الوجود نهائياً. يفعلها الآن في مواجهة أهل غزة للمناسبة. الحمد لله، لسنا غزاويين… 

قد لا يكون المأزق السوري، أو أي مأزق عربي آخر، وما أكثرها، بالإلحاح الذي تفرضه حالة الإبادة التي يواجهها أهل غزة الآن، وعلى مدار الساعة. ولكننا في كلَي الحالتين، وفي الغالبية من “نخبنا” في المنطقة، أعذروني بها، حفنة من صبية المحلات. عاجزون حتى عن التفكير السليم، الذي يفترض أن يكون حصننا الأخير، عسانا نعرف أين نقف. وهذا مستحيل من دون أن نسمي الأمور بأسمائها، والأهم، ألا ننسى ما هو مبرر وجودنا كـ “نخب”: قول ما نراه صواباً، إلى أن يثبت قول غيره، بما يخدم الوصول إلى الهدف… جعل قيمتنا كبشر أحرار فوق أية قيمة عداها. 

الإسرائيليون لديهم نخبة كهذه، ومن كل الاتجاهات، وهم مستعدون للمضي إلى أبعد مدى ممكن في نقض، وحتى تقويض شرعية حكومتهم، إن اقتضى الأمر، من دون أن يتهموا بالخيانة، حتى ولو كانوا يخوضون حرب وجود (فعلياً، الكنيست كان على وشك أن يُحل عشية فصل الحرب الأخير، والأكثر ضخامة، ضد إيران). أما نحن فلا توجد لدينا نخبة كهذه، إلا في ما ندر. بضعة أسماء فقط، مستعد أصحابها للمضي إلى آخر القول، وهم ممنوعون من التأثير أصلاً، لقلتهم، ولعجز من تبقى ممن يرون أنهم “نخب” عن تجميع أنفسهم وتشكيل مركز تأثير وضغط، على رغم كل المتاح، والذي خبرناه، واستخدمناه، منذ لحظة انفجار ثورات الربيع العربي. وكأن الـ14 سنة الماضية، بكل ما عشناه وخبرناه فيها، مخاطرين بكل شيء، وبيننا من دفع أبهظ الأثمان، كانت مجرد هباء منثوراً! 

لذلك، ولأن أصحاب الكلمة في إسرائيل يدركون قيمتهم، ويصرون على تكريس تلك القيمة أمام رأي عام يأخذهم على محمل الجد فعلاً، فإن الإسرائيليين يجدون طريقهم للانتصار دائماً، من دون أن ينتظروا موقفاً من “مشجعي المدرجات”. 

أولئك، ونحن، كعرب، نشكل الغالبية الكاسحة بينهم، لا قيمة لموقفهم، أشجعوا إسرائيل سراً أو علانية، إلا إن تم اختيارهم لدور جديد لاحقاً، بعيداً عن المدرجات، وغالباً لن يكون إلا كضحية أخرى…