ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ما الذي تفعله روسيا في القامشلي؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على رغم ضبابية المشهد، فإن التحركات الروسية في القامشلي ومطارها تبدو مقدمة لإعادة توزيع النفوذ في شمال شرقي سوريا، حيث سيبقى الموقف الأميركي – بحضوره أو انسحابه – العامل الحاسم في رسم مآلات المرحلة المقبلة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خلال الأسابيع الأخيرة، تكثفت حركة الطيران الحربي الروسي فوق مدينة القامشلي، أقصى شمال سوريا، وهي مدينة تُعد مركز ثقل للحركة السياسية الكردية، وتحمل رمزية تاريخية واجتماعية خاصة.

ووفق مصادر محلية، نقلت الطائرات الروسية معدات وقيادات عسكرية من مطار حميميم إلى مطار القامشلي ومحيطه، حيث تنتشر قوات روسية في مواقع حيوية جنوب المدينة.

لكن بعد سقوط الأسد، لم تعد هذه التحركات مجرد عمليات نقل لوجستي، بل رسائل استراتيجية موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية. فمطار القامشلي يتجاوز كونه قاعدة عسكرية، ليصبح نقطة ارتكاز على خارطة المصالح المتشابكة بين تركيا والولايات المتحدة والحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ويبدو أن موسكو تسعى الى تعزيز حضورها هناك لملء فراغ قانوني وإداري، في ظل غياب سلطة النظام السابق وتوتر العلاقات بين دمشق و”قسد”.

من الوساطة إلى الانفراد

بدأ الحضور العسكري الروسي في القامشلي أواخر عام 2019، بعد انسحاب أميركي جزئي، قبل أن تعود واشنطن لاحقًا. ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، لعبت موسكو دور الوسيط بين “قسد” والنظام، وسيّرت دوريات مشتركة لتجنب الاحتكاك مع تركيا.

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تحوّل في هذا النهج. ففي 4 آب/ أغسطس 2025، سيرت القوات الروسية دورية من أربع عربات مدرعة على الطريق بين القامشلي وتربسبي، برفقة مروحيتين، ومن دون أي مشاركة لـ”قسد” أو قوات الأسايش، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات. وعلى رغم تأكيد مصادر مقربة من “قسد” أن التحرك تم بعلمها، فإن غيابها الميداني حمل دلالات سياسية واضحة.

إشارات سياسيّة ما بعد الزيارة

تزامن تسيير الدورية مع زيارة وفد حكومي سوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى موسكو، ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف. هذا التزامن يفتح باب التكهنات حول تفاهمات روسية – سورية جديدة، لا تقتصر على التنسيق الميداني، بل قد تمهّد لعودة تدريجية لدمشق إلى بعض مفاصل شمال شرقي سوريا.

وربما يشمل الأمر أيضًا ترتيبًا روسيًا – تركيًا يضغط على “قسد” للقبول بتسويات سياسية وأمنية وفق شروط جديدة، مع تقديم موسكو نفسها لأنقرة كضامن للحد من نفوذ “قسد” من دون مواجهة مباشرة، مقابل مكاسب روسية اقتصادية وأمنية في سوريا.

ما بين التكتيك والاستراتيجيّة

إدخال المروحيات في روتين الدوريات البرية يوحي باستعراض قوة، أو اختبار لردود الفعل الإقليمية، خصوصًا من واشنطن وباريس. ويرى مراقبون أن التحرك قد يكون تكتيكًا للضغط على “قسد” في ملفات التفاوض مع دمشق، بينما يراه آخرون بداية لإعادة توزيع الأدوار في شمال شرقي سوريا، بما يمنح موسكو حرية أكبر ويعيد الى الحكومة السورية موطئ قدم أعمق.

قيادي في الإدارة الذاتية، طلب عدم كشف اسمه، قال لـ”درج”: “تسعى موسكو، مهما كانت الأكلاف، الى ضمان توازنات جديدة مع الحكومة السورية، ولو على حساب مكاسبها السابقة. فهي تدرك أن دمشق قد تعيد تقييم الاتفاقيات القديمة، بما فيها طبيعة الوجود الروسي في طرطوس والقامشلي”.

ويشير القيادي إلى خشية موسكو من إعادة النظر في اتفاق 1972 الذي رسّخ وجودها في قاعدة طرطوس البحرية، واحتمال أن يمتد ذلك إلى قاعدة حميميم، بخاصة بعد النزوح الواسع من الساحل إثر الاشتباكات الأخيرة والانتهاكات بحق المدنيين.

سياق إقليمي أوسع

لا يمكن فصل مشهد القامشلي عن حسابات موسكو الإقليمية. فروسيا، التي تواجه عزلة وضغوطًا في أوكرانيا، توظّف الساحة السورية كورقة تفاوضية مع أنقرة وطهران وواشنطن. أما دمشق، فترى في أي فراغ أميركي محتمل شرق الفرات فرصة لاستعادة أراضٍ فقدتها منذ عام 2012. وبالنسبة الى “قسد”، فالرسالة واضحة: موسكو قادرة على التحرك بمعزل عنها، ودمشق قد تعود عبر البوابة الروسية، لا باتفاق مباشر معها.

السيناريوهات المقبلة

إذا واصلت موسكو تسيير دوريات منفردة مدعومة جوًا، فقد نشهد فرض تفاهمات أمنية جديدة تحدّ من حضور “قسد” في مناطق حساسة، أو إعادة ترتيب خطوط الاتصال بين دمشق وموسكو بما قد ينتج تسويات غير مواتية للإدارة الذاتية.

في المحصلة، تبدو القامشلي اليوم مسرحًا لاختبار روسي جديد في شمال شرقي سوريا، قد يمهّد لانتقال موسكو من دور الوسيط إلى شريك مباشر في إدارة هذه الجغرافيا المعقدة، في لحظة إقليمية تتسم بإعادة رسم الخرائط السياسية والعسكرية.

المواقف الرسمية

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر وزارة الدفاع الروسية أو “قسد” أي تعليق بشأن غياب التنسيق في الدورية الأخيرة، فيما التزمت دمشق الصمت حول تفاصيل التفاهمات المحتملة.

وعلى رغم ضبابية المشهد، فإن التحركات الروسية في القامشلي ومطارها تبدو مقدمة لإعادة توزيع النفوذ في شمال شرقي سوريا، حيث سيبقى الموقف الأميركي – بحضوره أو انسحابه – العامل الحاسم في رسم مآلات المرحلة المقبلة.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 17.07.2026

صفقة أسهم بقيمة 79 مليون يورو تربط بنك IBL اللبناني بتاجر مخدرات إيطالي!

في دولة لا تزال محاكمها تتعثر في ملاحقة ومحاسبة كبار المتورطين في الانهيار المالي، يطرح ملف بنك IBL وسواه من الملفات التي يكشفها القضاء الأجنبي سؤالاً أعمق: هل يملك لبنان فعلاً القدرة والإرادة لمحاسبة أي طرف مصرفي يثبت، أمام القضاء، أنه سهّل، عن علم أو عن تقصير جسيم، مرور أموال منظمات الجريمة الدولية عبر النظام…
13.08.2025
زمن القراءة: 3 minutes

على رغم ضبابية المشهد، فإن التحركات الروسية في القامشلي ومطارها تبدو مقدمة لإعادة توزيع النفوذ في شمال شرقي سوريا، حيث سيبقى الموقف الأميركي – بحضوره أو انسحابه – العامل الحاسم في رسم مآلات المرحلة المقبلة.

خلال الأسابيع الأخيرة، تكثفت حركة الطيران الحربي الروسي فوق مدينة القامشلي، أقصى شمال سوريا، وهي مدينة تُعد مركز ثقل للحركة السياسية الكردية، وتحمل رمزية تاريخية واجتماعية خاصة.

ووفق مصادر محلية، نقلت الطائرات الروسية معدات وقيادات عسكرية من مطار حميميم إلى مطار القامشلي ومحيطه، حيث تنتشر قوات روسية في مواقع حيوية جنوب المدينة.

لكن بعد سقوط الأسد، لم تعد هذه التحركات مجرد عمليات نقل لوجستي، بل رسائل استراتيجية موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية. فمطار القامشلي يتجاوز كونه قاعدة عسكرية، ليصبح نقطة ارتكاز على خارطة المصالح المتشابكة بين تركيا والولايات المتحدة والحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ويبدو أن موسكو تسعى الى تعزيز حضورها هناك لملء فراغ قانوني وإداري، في ظل غياب سلطة النظام السابق وتوتر العلاقات بين دمشق و”قسد”.

من الوساطة إلى الانفراد

بدأ الحضور العسكري الروسي في القامشلي أواخر عام 2019، بعد انسحاب أميركي جزئي، قبل أن تعود واشنطن لاحقًا. ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، لعبت موسكو دور الوسيط بين “قسد” والنظام، وسيّرت دوريات مشتركة لتجنب الاحتكاك مع تركيا.

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تحوّل في هذا النهج. ففي 4 آب/ أغسطس 2025، سيرت القوات الروسية دورية من أربع عربات مدرعة على الطريق بين القامشلي وتربسبي، برفقة مروحيتين، ومن دون أي مشاركة لـ”قسد” أو قوات الأسايش، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات. وعلى رغم تأكيد مصادر مقربة من “قسد” أن التحرك تم بعلمها، فإن غيابها الميداني حمل دلالات سياسية واضحة.

إشارات سياسيّة ما بعد الزيارة

تزامن تسيير الدورية مع زيارة وفد حكومي سوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى موسكو، ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف. هذا التزامن يفتح باب التكهنات حول تفاهمات روسية – سورية جديدة، لا تقتصر على التنسيق الميداني، بل قد تمهّد لعودة تدريجية لدمشق إلى بعض مفاصل شمال شرقي سوريا.

وربما يشمل الأمر أيضًا ترتيبًا روسيًا – تركيًا يضغط على “قسد” للقبول بتسويات سياسية وأمنية وفق شروط جديدة، مع تقديم موسكو نفسها لأنقرة كضامن للحد من نفوذ “قسد” من دون مواجهة مباشرة، مقابل مكاسب روسية اقتصادية وأمنية في سوريا.

ما بين التكتيك والاستراتيجيّة

إدخال المروحيات في روتين الدوريات البرية يوحي باستعراض قوة، أو اختبار لردود الفعل الإقليمية، خصوصًا من واشنطن وباريس. ويرى مراقبون أن التحرك قد يكون تكتيكًا للضغط على “قسد” في ملفات التفاوض مع دمشق، بينما يراه آخرون بداية لإعادة توزيع الأدوار في شمال شرقي سوريا، بما يمنح موسكو حرية أكبر ويعيد الى الحكومة السورية موطئ قدم أعمق.

قيادي في الإدارة الذاتية، طلب عدم كشف اسمه، قال لـ”درج”: “تسعى موسكو، مهما كانت الأكلاف، الى ضمان توازنات جديدة مع الحكومة السورية، ولو على حساب مكاسبها السابقة. فهي تدرك أن دمشق قد تعيد تقييم الاتفاقيات القديمة، بما فيها طبيعة الوجود الروسي في طرطوس والقامشلي”.

ويشير القيادي إلى خشية موسكو من إعادة النظر في اتفاق 1972 الذي رسّخ وجودها في قاعدة طرطوس البحرية، واحتمال أن يمتد ذلك إلى قاعدة حميميم، بخاصة بعد النزوح الواسع من الساحل إثر الاشتباكات الأخيرة والانتهاكات بحق المدنيين.

سياق إقليمي أوسع

لا يمكن فصل مشهد القامشلي عن حسابات موسكو الإقليمية. فروسيا، التي تواجه عزلة وضغوطًا في أوكرانيا، توظّف الساحة السورية كورقة تفاوضية مع أنقرة وطهران وواشنطن. أما دمشق، فترى في أي فراغ أميركي محتمل شرق الفرات فرصة لاستعادة أراضٍ فقدتها منذ عام 2012. وبالنسبة الى “قسد”، فالرسالة واضحة: موسكو قادرة على التحرك بمعزل عنها، ودمشق قد تعود عبر البوابة الروسية، لا باتفاق مباشر معها.

السيناريوهات المقبلة

إذا واصلت موسكو تسيير دوريات منفردة مدعومة جوًا، فقد نشهد فرض تفاهمات أمنية جديدة تحدّ من حضور “قسد” في مناطق حساسة، أو إعادة ترتيب خطوط الاتصال بين دمشق وموسكو بما قد ينتج تسويات غير مواتية للإدارة الذاتية.

في المحصلة، تبدو القامشلي اليوم مسرحًا لاختبار روسي جديد في شمال شرقي سوريا، قد يمهّد لانتقال موسكو من دور الوسيط إلى شريك مباشر في إدارة هذه الجغرافيا المعقدة، في لحظة إقليمية تتسم بإعادة رسم الخرائط السياسية والعسكرية.

المواقف الرسمية

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر وزارة الدفاع الروسية أو “قسد” أي تعليق بشأن غياب التنسيق في الدورية الأخيرة، فيما التزمت دمشق الصمت حول تفاصيل التفاهمات المحتملة.

وعلى رغم ضبابية المشهد، فإن التحركات الروسية في القامشلي ومطارها تبدو مقدمة لإعادة توزيع النفوذ في شمال شرقي سوريا، حيث سيبقى الموقف الأميركي – بحضوره أو انسحابه – العامل الحاسم في رسم مآلات المرحلة المقبلة.

13.08.2025
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية