الجسور التي تصل بين جنوب نهر الليطاني وبين شماله، صارت بعدما قصفها الإسرائيليون تفصل جنوبه عن شماله. نحن أبناء النهر وأبناء قرى جنوب النهر نعرف تماماً ما يعنيه هذا الفصل العنيف بين ضفتي الليطاني، النهر الذي لطالما سبحنا فيه، وعبرنا فوقه، ونقلنا إلى معاصر الزيت على ضفافه زيتوننا، وأعجبتنا المساحات الخضراء في محيطه، في ظل فقر الخصوبة في قرانا التي لا يعبر النهر منها.
أن تفصل بين جنوب النهر وبين شماله، لا يعني أنك قطعت على حزب الله طرقاً ينقل عبرها صواريخه. الأرجح أن لدى الحزب طرقه البعيدة عن تلك الجسور. ما يفعله الجيش الإسرائيلي هو محاولة قطع العلاقة بين أهل جنوب النهر وبين قراهم. قالها بالأمس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، “على لبنان أن يقتنع أن جنوب الليطاني انفصل عنه”. كم صار الكلام سهلاً في زمن دونالد ترامب. “جنوب الليطاني انفصل عن شماله” بفعل حملة “الظلام الدائم”! هكذا وببساطة!
في تحقيق لصحيفة هآرتس عن النهر نشر قبل يومين ورد: “في المخيلة الإسرائيلية، يُنظر إلى نهر الليطاني غالبًا على أنه حدود شمالية طبيعية. وعلى رغم أنه لم يُذكر في الكتاب المقدس، إلا أن البعض يفسره على أنه حدٌّ توراتي يفصل الجليل الأعلى عن لبنان. وقد يجادل البعض أيضًا بأنه يُمثل الحدود الشمالية لأراضي قبيلتي أشير ونفتالي”.
الليطاني يعبر من خواصر عشرات القرى. الأودية التي تخبئ القرى فيها حكاياتها وعلاقاتها وأسرارها. طيرفلسيه وكفرصير والزرارية والغندورية وقعقعية الجسر وصولاً إلى ديرميماس والدلافة. هذه قرى نشأت بموازاة عبور الليطاني من أوديتها. إنها هبة الليطاني على نحو ما هي مصر هبة النيل. والليطاني اليوم نهر متواضع ويكابد الجفاف والتلوث، وعلى ضفتيه بساتين حمضيات آلت الى ورثة أهملوا فلاحتها وصيانتها فأصيبت أشجارها بالأمراض، وعلى رغم ذلك كله بقي النهر علامة صلبة في وعي الليطانيين سكانه من قرى ضفتيه الشمالية والجنوبية.
ولطالما شكّل نهر الليطاني فاصلاً بين أزمنة الحرب في جنوب لبنان. أول اجتياح إسرائيلي للبنان في العام 1978 أطلقت عليه إسرائيل اسم “حملة الليطاني”. آنذاك، لم أكن قد تجاوزت الثانية عشرة من عمري، وعبرنا جسر القعقعية إلى بيروت بعدما خضعنا لتفتيش من حاجز أقامه جيش الاحتلال عليه. وبعدها تعاقبت الحواجز العسكرية على تلك الجسور، وكانت في غالبيتها لقوات الأمم المتحدة التي جاءت بعد صدور قرار الأمم المتحدة رقم 425 القاضي بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، وهو ما لم تلتزم به إسرائيل حتى العام 2000.
لكل جسر من الجسور الستة التي تربط جنوب النهر بشماله قصة، لا بل قصص تردنا إلى أهل النهر. بساتين آل فخري وآل الأسعد في القاسمية وأبو الأسود، وحكايات آل مروة عن نهرهم في الزرارية، وشيوعيو ديرميماس وذاكرتهم عن جسر الخردلي، وصولاً إلى جسر الدلافة الذي يصل بين أهل مرجعيون والبقاع الغربي.
لإسرائيل رواية واحدة عن الليطاني. إنه النهر الذي يعبره عناصر حزب الله! إنه “بنية تحتية للحزب” بحسب البيانات التي يذيعها أفيخاي أدرعي. إسرائيل تختصر النهر بهذه العبارة، وفي أحيان أخرى تجعله مجرد خط يفصل بين شماله وجنوبه. هذا شأن المحتلّين عادة.
إقرأوا أيضاً:
ولكن مواظبة إسرائيل على تنميط النهر يُشعرنا، نحن أهل النهر، وأبناء القرى الأبعد، أنها تحاول سلخه عن وظيفته العاطفية. إنه نهر حزب الله، وكان قبلها نهر فتح، وبينهما كان نهر حركة أمل. بينما بالنسبة إلينا هو نهر آل فخري على القاسمية، وأيمن مروة وبساتين عائلته بين الزرارية وطيرفلسيه، وحكايات الشيوعي العتيق أبو عبدالله شما عن جسر الخردلي ومزرعة آل الصلح بمحيط الجسر.
أما بالنسبة الى حزب الله، فالنهر خط قتال لا بأس بتصريفه في لحظة إيرانية. احتلال اسرائيل له فرصة لمواصلة القتال، طالما أنه بعيد عن السردية التي تبدأ في كربلاء وتنتهي في قم.
الليطاني حدٌّ جغرافي تريد أن تبلغه إسرائيل. وهو في المقابل فرصة حزب الله لاستدراج احتلال ستُبنى حوله سردية قتال مستقبلي.
ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
إقرأوا أيضاً:














