ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ما دور المنظّمات الدوليّة والدولة اللبنانيّة في حماية الممتلكات الثقافية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تستدعي الظروف الحالية في لبنان، والتحديات الأمنية المتصاعدة، مسؤولية وطنية كبيرة نحو حماية التراث، لا سيما أن إهمالها قد يؤدي إلى خسائر ثقافية وإنسانية لا تُعوض.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي أخيراً بخبر إزالة وزير الثقافة محمد وسام المرتضى شعار الدرع الأزرق عن موقع بعلبك المدرج على لائحة الأونيسكو للتراث العالمي المحمي بموجب اتفاقية لاهاي (1954) ومعاهدات جنيف (1949) وبروتوكولاتها (1977). وعلى الرغم أن إزالة الشعار تمت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، إلا أن الموضوع عاد الى الواجهة بسبب التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة لإخلاء مناطق دوريس، بعلبك وعين بورضاي، وتصاعد وتيرة القصف على منطقة بعلبك وازدياد خطر تضرر أو تدمير الموقع بشكل مباشر أو غير مباشر.

ما هي اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية وما أهمية شعار الدرع الأزرق؟

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، اعتمدت منظمة اليونسكو اتفاقية لاهاي (1954) التي وضعت قواعد لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. وقد كانت هذه الاتفاقية أول معاهدة دولية مخصصة لحماية التراث الثقافي خلال الحروب، مسلّطة الضوء على مفهوم التراث المشترك للبشرية جمعاء. وقد تم التوقيع عليها عام 1954 في مدينة لاهاي – هولندا، ودخلت حيز التنفيذ عام 1956. ومنذ ذلك، صدّقت عليها أكثر من مئة دولة. 

انبثقت من هذه الاتفاقية لجنة دولية سُميت باللجنة الدولية للدرع الأزرق (International Committee of the Blue Shield – ICBS) تهدف إلى حماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع والأزمات من خلال توفير التدريب، وتقديم المشورة، ورفع مستوى الوعي حول أهمية التراث الثقافي. كما تشمل جهود الدرع الأزرق، تقديم المساعدة الطارئة للمواقع الثقافية المهددة، وتطوير استراتيجيات لحمايتها، ودعم جهود إعادة الإعمار والترميم. 

تهدف اللجنة أيضاً إلى بناء قدرات المجتمعات المحلية لحماية تراثها، وتقديم الدعم الفني لتوثيق الممتلكات الثقافية وتقييم المخاطر المحتملة. وهي تعمل بالتعاون مع المؤسسات الدولية، مثل اليونسكو، وتضم مجموعة من الخبراء من مختلف التخصصات لتقديم حلول فعالة.

تعيّن الاتفاقية علامة واقية باللونين الأبيض والأزرق على شكل درع، وتُعرف بعلامة الدرع الأزرق، تسهّل عملية تحديد الممتلكات الثقافية المحمية أثناء النزاع المسلّح بموجب اتفاقية لاهاي.

وقّع لبنان على اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح وبروتوكولها الأول عام 1960 وبروتوكولها الثاني عام 2019. ورغم أن إسرائيل ليست حالياً عضواً ناخباً في منظمة اليونسكو، إلا أنها موقعة على البروتوكول الأول من اتفاقية لاهاي، وبالتالي هي ملزمة بالتطبيق طبقاً للمواثيق الدولية المرعيّة الاجراء. وتعود جذور انسحاب إسرائيل رسمياً من المنظمة الى العام 2018 بعد توتر طويل معها على خلفية الاعتراف بفلسطين كعضو كامل فيها عام 2011 وإدراج مواقع أثرية في الضفة الغربية ضمن قائمة التراث العالمي، إذ اعتبرت إسرائيل هذه القرارات متحيّزة. وقد أتى هذا الانسحاب  بالتوازي مع انسحاب الولايات المتحدة في عام 2017.

لبنان والدرع الأزرق والحماية المعزّزة بموجب اتفاقية لاهاي 

في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ستعقد لجنة الحماية الخاصة التابعة لليونسكو اجتماعاً خاصاً استجابةً لطلب بعثة لبنان لدى اليونسكو برئاسة السفير مصطفى أديب. يأتي هذا الاجتماع بعد التصعيد العسكري الأخير الذي تعرضت له بعلبك،  وكان آخره القصف الذي طاول موقف السيارات إلى جانب الموقع الأثري الذي أدى الى تدمير مبنى المنشية التاريخي بشكل كامل وتضرر مبان ومعالم محيطة عدة. 

الهدف من الاجتماع مطالبة اليونسكو بتوفير حماية معززة للمواقع الثقافية اللبنانية التي تعاني من خطر متزايد نتيجة النزاع القائم. كما يطالب الوفد اللبناني بتكثيف الجهود الدولية لتأمين هذه المواقع وحمايتها من الأضرار المتزايدة، بخاصة تلك التي تصنَّف كمواقع تراثية عالمية مثل بعلبك.

وعلى جدول أعمال هذه اللجنة طلب تأمين حماية معززة لأكثر من ثلاثين موقعاً أثرياً موجودة بالمناطق الأكثر عرضة للقصف العنيف، بخاصة الجنوب، البقاع وبيروت، وقد حضّرت المديرية العامة للآثار طلبات الحماية المعززة للأونيسكو. وفي ظل غياب تام للشفافية من الجهات المعنية، لم نستطع الحصول على معلومات متعلقة بلائحة المواقع وكيفية إدراجها على لائحة الحماية المعززة وتطبيق الإجراءات المتعلّقة بالحماية. 

تسمح الحماية المعززة المتاحة بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي، بوضع المواقع المهددة على لائحة مؤقتة لتأمين حماية شديدة وفرض عقوبات وملاحقات قانونية لأي جهة مخالفة. وتستفيد المواقع أو الممتلكات التي تحصل على الحماية المعززة من التزام خاص من الدول الأعضاء لتجنيب المواقع التعرض لها بأي شكل من الأشكال أثناء النزاعات المسلحة.

شروط منح الحماية المعزّزة

للحصول على الحماية المعززة، هناك دفتر شروط ملزمة لأطراف النزاع. إذ يقع على عاتق الحكومة اللبنانية التأكيد على أهمية المواقع الكبيرة للتراث الثقافي للبشرية، وهذا ينطبق على قسم كبير من آثار لبنان وتراثه. كما يتوجب على الحكومة الالتزام بحماية، صيانة وتدعيم الممتلكات الثقافية بموجب التدابير المحلية لضمان سلامتها واستدامتها، وتعهد مختلف الجهات اللبنانية بعدم استخدام هذه المواقع لأي أعمال عسكرية. 

عند استيفاء هذه الشروط، يمكن تأمين حماية معززة لفئات مختلفة من الممتلكات الثقافية، منها المنقول مثل التحف الفنية، القطع الأثرية والمخطوطات، وغير المنقول مثل المباني المعمارية الفنية، التاريخية أو الدينية، والأماكن الأثرية، المتاحف ومستودعاتها وصالات العرض، المكتبات العامة ومخازن المخطوطات وكذلك المخابئ المعدة لوقاية الممتلكات الثقافية المنقولة في حالة نزاع مسلّح. 

بالتالي، لا تنحصر الحماية فقط بالمواقع الأثرية، ولكنها تتوسّع لتشمل الكثير من المؤسسات الواقعة حالياً ضمن دائرة الخطر الشديد. مثال على ذلك، مؤسسة أمم للتوثيق والأبحاث الواقعة ضمن ما يُعرف بضاحية بيروت الجنوبية. وهي مؤسسة ثقافية غير حكومية تهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي اللبناني من خلال التوثيق والتدريب والتعليم، وتتخصّص في الحفاظ على الوثائق القديمة، المخطوطات، الكتب النادرة، والممتلكات الثقافية ذات القيمة التاريخية. 

إهمال الدولة وغيابها

يبرز المزاج الشعبي بالتعاطي مع التهديد المستمر للمواقع الأثرية والتراثية وتدمير البعض منها، تعويل اللبنانيين على المنظمات الدولية أكثر من تعويله على الدولة اللبنانية شبه الغائبة عن أداء واجباتها تجاه شعبها. ولكن هذا التعويل على رغم صدقه، ليس بمحله، إذ إن هذه المنظمات لا يمكنها أن تحل مكان الدولة بأجهزتها كافة الشرعية والأمنية، لا سيما أن هذه المنظمات لا تملك أي سلطة إجرائية تنفيذية داخل الأراضي اللبنانية، ويعتبر أي تدخل مباشر منها مساً بالسيادة اللبنانية. 

في الختام، تُبرز قضية حماية التراث الثقافي اللبناني، لا سيما مواقع مثل بعلبك، الحاجة الملحة الى اتخاذ إجراءات حاسمة لحمايتها من التهديدات العسكرية المتزايدة. وعلى رغم الجهود الدولية والدعوات التي تقدمت بها المؤسسات والمنظمات والأفراد، يبدو أن هناك تقصيراً واضحاً من الدولة اللبنانية في اتخاذ خطوات استباقية لتأمين هذه المواقع، إذ يتطلب ذلك تخطيطاً فعّالاً وتنفيذ تدابير حماية محلية متكاملة.

تستدعي الظروف الحالية في لبنان، والتحديات الأمنية المتصاعدة، مسؤولية وطنية كبيرة نحو حماية التراث، لا سيما أن إهمالها قد يؤدي إلى خسائر ثقافية وإنسانية لا تُعوض. وعلى الرغم من التصديق على البروتوكولات الدولية، تبقى الجهود المحلية غير كافية. لذا، يتوجب على الدولة اللبنانية التعامل مع هذا الملف بجدية وشفافية أكبر والمثابرة على تطبيق تدابير الحماية المعززة المنصوص عليها في اتفاقية لاهاي، وإدراج ليس فقط المواقع الأثرية ولكن تضمين الطلب الموجه للأونيسكو فئات التراث والآثار الأخرى المدرجة على لوائح الحماية المعززة لا سيما تلك الواقعة في دوائر الخطر الشديد. 

ويقع  على عاتق الحكومة اللبنانية بإداراتها وأجهزتها الأمنية كافة، ضمان أمن هذه المواقع وعدم استخدامها لأهداف عسكرية قد تعرضها لإصابة مباشرة وتدميرها بشكل كامل، والعمل جنباً إلى جنب مع المنظمات الدولية لضمان بقاء هذه المواقع بعيداً عن الصراعات، والحفاظ على الإرث الثقافي الذي يشكل جزءاً من الهوية اللبنانية والإنسانية.

تستدعي الظروف الحالية في لبنان، والتحديات الأمنية المتصاعدة، مسؤولية وطنية كبيرة نحو حماية التراث، لا سيما أن إهمالها قد يؤدي إلى خسائر ثقافية وإنسانية لا تُعوض.

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي أخيراً بخبر إزالة وزير الثقافة محمد وسام المرتضى شعار الدرع الأزرق عن موقع بعلبك المدرج على لائحة الأونيسكو للتراث العالمي المحمي بموجب اتفاقية لاهاي (1954) ومعاهدات جنيف (1949) وبروتوكولاتها (1977). وعلى الرغم أن إزالة الشعار تمت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، إلا أن الموضوع عاد الى الواجهة بسبب التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة لإخلاء مناطق دوريس، بعلبك وعين بورضاي، وتصاعد وتيرة القصف على منطقة بعلبك وازدياد خطر تضرر أو تدمير الموقع بشكل مباشر أو غير مباشر.

ما هي اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية وما أهمية شعار الدرع الأزرق؟

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، اعتمدت منظمة اليونسكو اتفاقية لاهاي (1954) التي وضعت قواعد لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. وقد كانت هذه الاتفاقية أول معاهدة دولية مخصصة لحماية التراث الثقافي خلال الحروب، مسلّطة الضوء على مفهوم التراث المشترك للبشرية جمعاء. وقد تم التوقيع عليها عام 1954 في مدينة لاهاي – هولندا، ودخلت حيز التنفيذ عام 1956. ومنذ ذلك، صدّقت عليها أكثر من مئة دولة. 

انبثقت من هذه الاتفاقية لجنة دولية سُميت باللجنة الدولية للدرع الأزرق (International Committee of the Blue Shield – ICBS) تهدف إلى حماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع والأزمات من خلال توفير التدريب، وتقديم المشورة، ورفع مستوى الوعي حول أهمية التراث الثقافي. كما تشمل جهود الدرع الأزرق، تقديم المساعدة الطارئة للمواقع الثقافية المهددة، وتطوير استراتيجيات لحمايتها، ودعم جهود إعادة الإعمار والترميم. 

تهدف اللجنة أيضاً إلى بناء قدرات المجتمعات المحلية لحماية تراثها، وتقديم الدعم الفني لتوثيق الممتلكات الثقافية وتقييم المخاطر المحتملة. وهي تعمل بالتعاون مع المؤسسات الدولية، مثل اليونسكو، وتضم مجموعة من الخبراء من مختلف التخصصات لتقديم حلول فعالة.

تعيّن الاتفاقية علامة واقية باللونين الأبيض والأزرق على شكل درع، وتُعرف بعلامة الدرع الأزرق، تسهّل عملية تحديد الممتلكات الثقافية المحمية أثناء النزاع المسلّح بموجب اتفاقية لاهاي.

وقّع لبنان على اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح وبروتوكولها الأول عام 1960 وبروتوكولها الثاني عام 2019. ورغم أن إسرائيل ليست حالياً عضواً ناخباً في منظمة اليونسكو، إلا أنها موقعة على البروتوكول الأول من اتفاقية لاهاي، وبالتالي هي ملزمة بالتطبيق طبقاً للمواثيق الدولية المرعيّة الاجراء. وتعود جذور انسحاب إسرائيل رسمياً من المنظمة الى العام 2018 بعد توتر طويل معها على خلفية الاعتراف بفلسطين كعضو كامل فيها عام 2011 وإدراج مواقع أثرية في الضفة الغربية ضمن قائمة التراث العالمي، إذ اعتبرت إسرائيل هذه القرارات متحيّزة. وقد أتى هذا الانسحاب  بالتوازي مع انسحاب الولايات المتحدة في عام 2017.

لبنان والدرع الأزرق والحماية المعزّزة بموجب اتفاقية لاهاي 

في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ستعقد لجنة الحماية الخاصة التابعة لليونسكو اجتماعاً خاصاً استجابةً لطلب بعثة لبنان لدى اليونسكو برئاسة السفير مصطفى أديب. يأتي هذا الاجتماع بعد التصعيد العسكري الأخير الذي تعرضت له بعلبك،  وكان آخره القصف الذي طاول موقف السيارات إلى جانب الموقع الأثري الذي أدى الى تدمير مبنى المنشية التاريخي بشكل كامل وتضرر مبان ومعالم محيطة عدة. 

الهدف من الاجتماع مطالبة اليونسكو بتوفير حماية معززة للمواقع الثقافية اللبنانية التي تعاني من خطر متزايد نتيجة النزاع القائم. كما يطالب الوفد اللبناني بتكثيف الجهود الدولية لتأمين هذه المواقع وحمايتها من الأضرار المتزايدة، بخاصة تلك التي تصنَّف كمواقع تراثية عالمية مثل بعلبك.

وعلى جدول أعمال هذه اللجنة طلب تأمين حماية معززة لأكثر من ثلاثين موقعاً أثرياً موجودة بالمناطق الأكثر عرضة للقصف العنيف، بخاصة الجنوب، البقاع وبيروت، وقد حضّرت المديرية العامة للآثار طلبات الحماية المعززة للأونيسكو. وفي ظل غياب تام للشفافية من الجهات المعنية، لم نستطع الحصول على معلومات متعلقة بلائحة المواقع وكيفية إدراجها على لائحة الحماية المعززة وتطبيق الإجراءات المتعلّقة بالحماية. 

تسمح الحماية المعززة المتاحة بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي، بوضع المواقع المهددة على لائحة مؤقتة لتأمين حماية شديدة وفرض عقوبات وملاحقات قانونية لأي جهة مخالفة. وتستفيد المواقع أو الممتلكات التي تحصل على الحماية المعززة من التزام خاص من الدول الأعضاء لتجنيب المواقع التعرض لها بأي شكل من الأشكال أثناء النزاعات المسلحة.

شروط منح الحماية المعزّزة

للحصول على الحماية المعززة، هناك دفتر شروط ملزمة لأطراف النزاع. إذ يقع على عاتق الحكومة اللبنانية التأكيد على أهمية المواقع الكبيرة للتراث الثقافي للبشرية، وهذا ينطبق على قسم كبير من آثار لبنان وتراثه. كما يتوجب على الحكومة الالتزام بحماية، صيانة وتدعيم الممتلكات الثقافية بموجب التدابير المحلية لضمان سلامتها واستدامتها، وتعهد مختلف الجهات اللبنانية بعدم استخدام هذه المواقع لأي أعمال عسكرية. 

عند استيفاء هذه الشروط، يمكن تأمين حماية معززة لفئات مختلفة من الممتلكات الثقافية، منها المنقول مثل التحف الفنية، القطع الأثرية والمخطوطات، وغير المنقول مثل المباني المعمارية الفنية، التاريخية أو الدينية، والأماكن الأثرية، المتاحف ومستودعاتها وصالات العرض، المكتبات العامة ومخازن المخطوطات وكذلك المخابئ المعدة لوقاية الممتلكات الثقافية المنقولة في حالة نزاع مسلّح. 

بالتالي، لا تنحصر الحماية فقط بالمواقع الأثرية، ولكنها تتوسّع لتشمل الكثير من المؤسسات الواقعة حالياً ضمن دائرة الخطر الشديد. مثال على ذلك، مؤسسة أمم للتوثيق والأبحاث الواقعة ضمن ما يُعرف بضاحية بيروت الجنوبية. وهي مؤسسة ثقافية غير حكومية تهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي اللبناني من خلال التوثيق والتدريب والتعليم، وتتخصّص في الحفاظ على الوثائق القديمة، المخطوطات، الكتب النادرة، والممتلكات الثقافية ذات القيمة التاريخية. 

إهمال الدولة وغيابها

يبرز المزاج الشعبي بالتعاطي مع التهديد المستمر للمواقع الأثرية والتراثية وتدمير البعض منها، تعويل اللبنانيين على المنظمات الدولية أكثر من تعويله على الدولة اللبنانية شبه الغائبة عن أداء واجباتها تجاه شعبها. ولكن هذا التعويل على رغم صدقه، ليس بمحله، إذ إن هذه المنظمات لا يمكنها أن تحل مكان الدولة بأجهزتها كافة الشرعية والأمنية، لا سيما أن هذه المنظمات لا تملك أي سلطة إجرائية تنفيذية داخل الأراضي اللبنانية، ويعتبر أي تدخل مباشر منها مساً بالسيادة اللبنانية. 

في الختام، تُبرز قضية حماية التراث الثقافي اللبناني، لا سيما مواقع مثل بعلبك، الحاجة الملحة الى اتخاذ إجراءات حاسمة لحمايتها من التهديدات العسكرية المتزايدة. وعلى رغم الجهود الدولية والدعوات التي تقدمت بها المؤسسات والمنظمات والأفراد، يبدو أن هناك تقصيراً واضحاً من الدولة اللبنانية في اتخاذ خطوات استباقية لتأمين هذه المواقع، إذ يتطلب ذلك تخطيطاً فعّالاً وتنفيذ تدابير حماية محلية متكاملة.

تستدعي الظروف الحالية في لبنان، والتحديات الأمنية المتصاعدة، مسؤولية وطنية كبيرة نحو حماية التراث، لا سيما أن إهمالها قد يؤدي إلى خسائر ثقافية وإنسانية لا تُعوض. وعلى الرغم من التصديق على البروتوكولات الدولية، تبقى الجهود المحلية غير كافية. لذا، يتوجب على الدولة اللبنانية التعامل مع هذا الملف بجدية وشفافية أكبر والمثابرة على تطبيق تدابير الحماية المعززة المنصوص عليها في اتفاقية لاهاي، وإدراج ليس فقط المواقع الأثرية ولكن تضمين الطلب الموجه للأونيسكو فئات التراث والآثار الأخرى المدرجة على لوائح الحماية المعززة لا سيما تلك الواقعة في دوائر الخطر الشديد. 

ويقع  على عاتق الحكومة اللبنانية بإداراتها وأجهزتها الأمنية كافة، ضمان أمن هذه المواقع وعدم استخدامها لأهداف عسكرية قد تعرضها لإصابة مباشرة وتدميرها بشكل كامل، والعمل جنباً إلى جنب مع المنظمات الدولية لضمان بقاء هذه المواقع بعيداً عن الصراعات، والحفاظ على الإرث الثقافي الذي يشكل جزءاً من الهوية اللبنانية والإنسانية.

|

اشترك بنشرتنا البريدية