fbpx

“ما زالتْ تخافُ منه كأنّها في سوريا”: السوريّات وتحديات وهم الزواج ولم الشمل

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا بأس بالزواج من رجل مع فارق عمر كبير، إذا كان يعيش في أوروبا، ولا بأس بأن تكون الفتاة زوجة ثانية، وحتى ثالثة، إذا كان الرجل مقتدراً وقادراً على “الصرف” عليها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في عيادة طبيب الأسنان، عشرات الفتيات أتين لمعالجة أسنانهن، سيسافر معظمهن قريباً، بعد الحصول على لمّ الشمل مع أزواجهن في أوروبا، يضحك طبيب الأسنان، الذي يعمل في عيادة في حيّ القصاع الدمشقي، قائلاً: “تأتي الفتيات قبل وقت قصير من سفرهن ويطلبن حدوث المعجزات بأسنانهن”، توصية الزوج الأولى عادة هي ضرورة ذهاب الفتاة إلى طبيب الأسنان، فتكلفة معالجة الأسنان في أوروبا مرتفعة. وبذلك، تقويم أسنان، تبييض وإصلاح النخر وغيرها من الإجراءات العلاجية تغدو جزءاً أساسياً من تحضيرات الزواج.

كابوس الزواج يبدأ من الطفولة

تكبر الفتاة السورية مع فكرة الزواج، كمصير محتوم، يسيطر على تفكيرها وأحلامها. تسمع بشكل شبه يومي ومنذ الصغر، من حولها يدعو لها بالزواج: “عَ قبال فرحتك”، “نشالله بنشوفك بالأبيض”، “الله يبعتلك ابن حلال”، إضافة إلى الجملة الأشهر: “الله يستر عليكي”، والمقصود بها حصول الفتاة على رجل يحافظ عليها وكأن وصي “الشرف” عنصر ضروري في حياة كل فتاة.

ضغط هائل تتعرض له الفتيات، ليصبح الزواج هدفاً وهاجساً، فيغدو تأخره كابوساً حقيقياً لمن تمهّل “نصيبهنّ” أو اتخذن قراراً بعدم الارتباط.

كل هذه الضغوط تدفع كثيرات إلى الارتباط بأشخاص لمجرد الزواج، حتى لو لم يقتنعن تماماً بالعريس، لأن الغاية هي الحصول على زوج لا على شريك، الحصول على لقب متزوجة والرضا الاجتماعي، مع تجاهل شبه كامل، للارتباط بشخص أدركتْ الفتاة أنها تمتلك توافقاً فكرياً وعاطفياً وجسدياً معه. 

زادت صعوبات الزواج مع الحرب وما تبعها من أزمات اقتصادية واجتماعية، إضافة إلى موجة الهجرة الحادة التي عصفت بشكل أساسي بالشباب، الذين هربوا من الخدمة العسكرية، فباتت الفتيات اللواتي كبرن مع هاجس الزواج، أمام صعوبات مضاعفة، يجب تجاوزها وإن على حساب رغباتهن وأحلامهن.

لا بأس بالزواج من رجل مع فارق عمر كبير، إذا كان يعيش في أوروبا، ولا بأس بأن تكون الفتاة زوجة ثانية، وحتى ثالثة، إذا كان الرجل مقتدراً وقادراً على “الصرف” عليها. وقد دفعت العائلات بناتهن لهذه الأنواع من الزواج في ظل خوفهم من المستقبل ومن الوضع الأمني والاقتصادي، بخاصة في المناطق التي دارت المعارك فيها.

طرق زواج قديمة- حديثة

فرضت التغيرات الجذرية، في سوريا، الديموغرافية منها والأمنية، تبدلاً حاداً في العادات وزيادة الضغط النفسي على الفتيات، التي باتت فرص زواجهن تقل، وهكذا وجدت الفتيات أنفسهن أمام تحدٍ حقيقي، في ظل تنشئة مجتمعية، رسّخت فيهن أولوية وأهمية الزواج القصوى، دون أن يدركن أن هذه المخاوف ليست حقيقة وبخاصة بالنسبة إلى الفتيات المستقلات مادياً، فالفتاة تمتلك سيطرة على حياتها، إلى حد ما، عندما تستقل مادياً، إلا أن الأفكار الضيقة عن أهمية الزواج التي حكمت حياتها تستمر في مرافقتها حتى حين تتحرر اقتصادياً!

ليس جديداً زواج رجل بفتاة بعد رؤيته صورتها، لكن يبدو أن هذه الظاهرة باتت أكثر رواجاً، وتطورت طرقها إلى حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ومكالمات عبر خاصية الفيديو. ومع زيادة عدد الشباب المهاجرين، ظهرت شريحة واسعة من الفتيات اللواتي تزوجن من بعد وينتظرن لمّ الشمل، يغدو هذا النوع من  الزواج حلاً منطقياً، تتجاهل فيه الفتيات مخاطر وعقبات كبيرة تتعلق بالدرجة الأولى بالرجل ذاته، وأفكاره وشخصيته، التي قد تتعارض بشكل كامل مع طريقة حياة الفتاة. لا تنتهي القصة على الدوام بطريقة رومانسية، فلا يكفي التحدث مع الشخص من بعد لمعرفته حقّ المعرفة، ولن تكفي الصور لتدرك أن “كيمياء” الشخصيتين ستطابقان، تقول ريم (اسم مستعار): “أن يكون شريكك المستقبلي في بلد أوروبي، فهذه فرصة للنجاة وبناء أسرة في مكان آمن، لكن النهاية ليست جميلة على الدوام”، تزوجت ريم بشاب يقيم في ألمانيا بطريقة مدبّرة، كانت البداية وردية كما تصفها، وبعد سنة تمَّ لمّ الشمل، تتابع ريم: “عندما وصلت لألمانيا اكتشفت شخصية أخرى لزوجي، رجل نزق وعصبي، صفات لم ألحظها خلال أشهر تعارفنا عندما كنت في سوريا”، جهل ريم بلغة البلد وقوانينها، التي قد تساعدها في وجه العنف الذي كان يمارسه الزوج، زاد من صعوبة التجربة. في المقابل لا تخلو علاقات أخرى من نهايات سعيدة، تقول حنان (اسم مستعار): “منذ اللحظة الأولى التي تكلمنا بها عرفت أنه الشخص الذي أريد متابعة حياتي معه، بدت فكرة التعرف من بعد غريبة في البداية، لكن بعد عامين من الزواج وإنجاب طفل، أستطيع القول، نعم يمكن أن ينجح الزواج بهذه الطريقة”.

مخاوف شخصية وضغوط اجتماعية

تسببت هجرة آلاف الشباب وتدهور الأوضاع المعيشية في ارتفاع نسبة الفتيات غير المتزوجات، وكان المحامي سامح مخلوف قال لإذاعة “ميلودي أف أم” السوريّة إن سوريا تحتل المرتبة الثالثة عربياً بعد لبنان والعراق في معدلات “العنوسة” وهو مصطلح يستخدم لوصم النساء اللواتي تأخرن في الزواج، ومن المستغرب أن تستمر الجهات الرسمية في سوريا باستخدامه، وأرجع مخلوف سبب هذا الارتفاع إلى الوضع المعيشي الخانق، أما صحيفة “البعث” الرسمية فقالت إن نسبة الفتيات غير المتزوجات وصلت إلى 70 في المئة.

لا تتقبل الكثير من الفتيات الزواج بهذه الطريقة، لكن الرأي يتغير بعد ضغط الأهل ومحاولتهم إقناع ابنتهم التعرف على العريس، هديل (الاسم الأول للفتاة) لم تتقبل فكرة أن يكون خطيبها بعيداً أو أن تسافر إلى بلد غريب، لكن إصرار والدة الشاب والحاحها على والدتها دفعاها إلى التعرف إليه، لكن بقي لدى هديل تخوف يتعلق بالسفر والعيش مع شخص غريب، فاشترطت أن تجتمع فيه في بيروت، لكنه لم يستطع المجيء ما زاد مخاوفها. ثم تأخرت أوراق لمّ الشمل، وهو ما أثر على نفسيتها وجعلها تشعر بالإحباط. لم يكن تأخر أوراقها وقبول لم الشمل هو هاجسها الوحيد، ففضول المحيط سبب لها ضغطاً إضافياً مع الأسئلة المزعجة من المقربين، ومقارنتها بفتيات تمت خطوبتهن قبلها وتمكنَّ من السفر، أو حتى محاولة التأثير سلباً عليها بالتحدث عن فتيات بظروفها ولم ينجح لم الشمل وانتظرن سنوات حتى اضطُررن إلى فسخ الخطوبة.

بحثاً عن الحرية

معاناة الفتيات بسبب غياب قوانين تدعمهنَ، تجعل الزواج من شاب مقيم في أوروبا، ليس مجرد فرصة للزواج وحسب، إنما بوابة للوصول إلى بلد يحترم حقوقهن وحرياتهن ويقف إلى جانبهن في وجه العنف. وفي حين يعتبر البعض هذا التفكير خروجاً عن القيم الأسرية، إلا أن الواقع يقول إن النساء يلجأن إلى القانون هرباً من العنف، ما أدى إلى ارتفاع نسب الطلاق بعد وصول النساء إلى أوروبا، وفي ظل الضغط الهائل على الفتيات للزواج وغياب الحماية القانونية لهن، فقد يقعن ببساطة في فخ شخص لا يعرفن عنه شيئاً. الخوف الذي يرافق النساء من بلد إلى آخر وجرائم القتل التي تحصل بحق نساء سوريا في أوروبا تجعل خيار الطلاق صعباً في بعض الأحيان، إحدى أشهر هذه الجرائم ما يعرف بجريمة “أبو مروان” الذي قام بقتل زوجته خلال بث مباشر على “فيسبوك”، وهي ليست الجريمة الوحيدة.

تقول ريما (اسم مستعار): “صديقتي سافرت منذ ثلاث سنوات إلى ألمانيا بعد لم الشمل مع زوجها، وهي تعاني الأمرين معه ويضربها باستمرار، إلا أنها لا تجرؤ على إبلاغ الشرطة، ما زالت تخاف منه كأنها في سوريا”، هذا العنف النفسي، ما زال يلاحق نساء سوريا حتى في أوروبا…

في عدد من مخيمات اللجوء تدفع العائلات ببناتهن إلى الزواج بهدف التخلص من أعبائهن المادية والمسؤولية الملقاة عليهم، تعتقد العائلات، كما الطفلات، أن الزواج سيكون المنقذ وباب الحرية للخروج من المخيمات، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك. تعيش إيمان مع أمها وجدتها في أحد مخيمات البقاع، تزوجت إيمان (اسم مستعار) قبل ثلاث سنوات حين كانت لا تتجاوز السادسة عشرة من رجل لبناني (50 عاماً)، استمر زواجها شهراً واحداً، تعرضت فيه للضرب والتعنيف، تطلقت بعدها.

اعتقدت إيمان أن زواجها سيخلصها من الوضع المزري الذي تعيشه ويؤمن حياة مستقرة لها ولن يكون في حينها فارق العمر الشاسع عقبة، ولا حتى كونها قاصراً، إلا أن الواقع مختلف. اليوم يتم الضغط على إيمان للزواج مرة أخرى من رجل يكبرها بسنوات كثيرة، وهي تخشى تكرار التجربة، وتدرك جيداً أن زواجها الأول كان خطأ لا يجب تكراره، لكن وضع عائلتها الاقتصادي السيئ يضعها أمام تحدٍ حقيقي.

فرضَ عقدٌ من الحروب على السوريين أساليب جديدة لبناء العائلات، فكان على النساء كما الرجال تحمّل ظروفٍ صعبة وأحياناً مستعصية، حتى يحصلوا على أبسط حقوقهم، كمقابلة الشريك وبناء عائلة صغيرة.

فاطمة بدري - صحافية تونسية | 23.07.2024

الانتخابات الرئاسيّة التونسيّة… قيس سعيد يشهر عصا القضاء في وجه منافسيه  

بدا إعلان سعيد عن موعد الانتخابات، بدلاً من هيئة الانتخابات الموكول لها القيام بهذه الخطوة، أمراً مثيراً للريبة جعل كثراً من المعارضة والمرشحين يتهمون الهيئة بعدم الاستقلالية وتبعيتها على مستوى القرارات لسعيد، وهو ما يعني برأيهم عثرة أولى أمام نزاهة الانتخابات.
28.09.2022
زمن القراءة: 6 minutes

لا بأس بالزواج من رجل مع فارق عمر كبير، إذا كان يعيش في أوروبا، ولا بأس بأن تكون الفتاة زوجة ثانية، وحتى ثالثة، إذا كان الرجل مقتدراً وقادراً على “الصرف” عليها.

في عيادة طبيب الأسنان، عشرات الفتيات أتين لمعالجة أسنانهن، سيسافر معظمهن قريباً، بعد الحصول على لمّ الشمل مع أزواجهن في أوروبا، يضحك طبيب الأسنان، الذي يعمل في عيادة في حيّ القصاع الدمشقي، قائلاً: “تأتي الفتيات قبل وقت قصير من سفرهن ويطلبن حدوث المعجزات بأسنانهن”، توصية الزوج الأولى عادة هي ضرورة ذهاب الفتاة إلى طبيب الأسنان، فتكلفة معالجة الأسنان في أوروبا مرتفعة. وبذلك، تقويم أسنان، تبييض وإصلاح النخر وغيرها من الإجراءات العلاجية تغدو جزءاً أساسياً من تحضيرات الزواج.

كابوس الزواج يبدأ من الطفولة

تكبر الفتاة السورية مع فكرة الزواج، كمصير محتوم، يسيطر على تفكيرها وأحلامها. تسمع بشكل شبه يومي ومنذ الصغر، من حولها يدعو لها بالزواج: “عَ قبال فرحتك”، “نشالله بنشوفك بالأبيض”، “الله يبعتلك ابن حلال”، إضافة إلى الجملة الأشهر: “الله يستر عليكي”، والمقصود بها حصول الفتاة على رجل يحافظ عليها وكأن وصي “الشرف” عنصر ضروري في حياة كل فتاة.

ضغط هائل تتعرض له الفتيات، ليصبح الزواج هدفاً وهاجساً، فيغدو تأخره كابوساً حقيقياً لمن تمهّل “نصيبهنّ” أو اتخذن قراراً بعدم الارتباط.

كل هذه الضغوط تدفع كثيرات إلى الارتباط بأشخاص لمجرد الزواج، حتى لو لم يقتنعن تماماً بالعريس، لأن الغاية هي الحصول على زوج لا على شريك، الحصول على لقب متزوجة والرضا الاجتماعي، مع تجاهل شبه كامل، للارتباط بشخص أدركتْ الفتاة أنها تمتلك توافقاً فكرياً وعاطفياً وجسدياً معه. 

زادت صعوبات الزواج مع الحرب وما تبعها من أزمات اقتصادية واجتماعية، إضافة إلى موجة الهجرة الحادة التي عصفت بشكل أساسي بالشباب، الذين هربوا من الخدمة العسكرية، فباتت الفتيات اللواتي كبرن مع هاجس الزواج، أمام صعوبات مضاعفة، يجب تجاوزها وإن على حساب رغباتهن وأحلامهن.

لا بأس بالزواج من رجل مع فارق عمر كبير، إذا كان يعيش في أوروبا، ولا بأس بأن تكون الفتاة زوجة ثانية، وحتى ثالثة، إذا كان الرجل مقتدراً وقادراً على “الصرف” عليها. وقد دفعت العائلات بناتهن لهذه الأنواع من الزواج في ظل خوفهم من المستقبل ومن الوضع الأمني والاقتصادي، بخاصة في المناطق التي دارت المعارك فيها.

طرق زواج قديمة- حديثة

فرضت التغيرات الجذرية، في سوريا، الديموغرافية منها والأمنية، تبدلاً حاداً في العادات وزيادة الضغط النفسي على الفتيات، التي باتت فرص زواجهن تقل، وهكذا وجدت الفتيات أنفسهن أمام تحدٍ حقيقي، في ظل تنشئة مجتمعية، رسّخت فيهن أولوية وأهمية الزواج القصوى، دون أن يدركن أن هذه المخاوف ليست حقيقة وبخاصة بالنسبة إلى الفتيات المستقلات مادياً، فالفتاة تمتلك سيطرة على حياتها، إلى حد ما، عندما تستقل مادياً، إلا أن الأفكار الضيقة عن أهمية الزواج التي حكمت حياتها تستمر في مرافقتها حتى حين تتحرر اقتصادياً!

ليس جديداً زواج رجل بفتاة بعد رؤيته صورتها، لكن يبدو أن هذه الظاهرة باتت أكثر رواجاً، وتطورت طرقها إلى حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ومكالمات عبر خاصية الفيديو. ومع زيادة عدد الشباب المهاجرين، ظهرت شريحة واسعة من الفتيات اللواتي تزوجن من بعد وينتظرن لمّ الشمل، يغدو هذا النوع من  الزواج حلاً منطقياً، تتجاهل فيه الفتيات مخاطر وعقبات كبيرة تتعلق بالدرجة الأولى بالرجل ذاته، وأفكاره وشخصيته، التي قد تتعارض بشكل كامل مع طريقة حياة الفتاة. لا تنتهي القصة على الدوام بطريقة رومانسية، فلا يكفي التحدث مع الشخص من بعد لمعرفته حقّ المعرفة، ولن تكفي الصور لتدرك أن “كيمياء” الشخصيتين ستطابقان، تقول ريم (اسم مستعار): “أن يكون شريكك المستقبلي في بلد أوروبي، فهذه فرصة للنجاة وبناء أسرة في مكان آمن، لكن النهاية ليست جميلة على الدوام”، تزوجت ريم بشاب يقيم في ألمانيا بطريقة مدبّرة، كانت البداية وردية كما تصفها، وبعد سنة تمَّ لمّ الشمل، تتابع ريم: “عندما وصلت لألمانيا اكتشفت شخصية أخرى لزوجي، رجل نزق وعصبي، صفات لم ألحظها خلال أشهر تعارفنا عندما كنت في سوريا”، جهل ريم بلغة البلد وقوانينها، التي قد تساعدها في وجه العنف الذي كان يمارسه الزوج، زاد من صعوبة التجربة. في المقابل لا تخلو علاقات أخرى من نهايات سعيدة، تقول حنان (اسم مستعار): “منذ اللحظة الأولى التي تكلمنا بها عرفت أنه الشخص الذي أريد متابعة حياتي معه، بدت فكرة التعرف من بعد غريبة في البداية، لكن بعد عامين من الزواج وإنجاب طفل، أستطيع القول، نعم يمكن أن ينجح الزواج بهذه الطريقة”.

مخاوف شخصية وضغوط اجتماعية

تسببت هجرة آلاف الشباب وتدهور الأوضاع المعيشية في ارتفاع نسبة الفتيات غير المتزوجات، وكان المحامي سامح مخلوف قال لإذاعة “ميلودي أف أم” السوريّة إن سوريا تحتل المرتبة الثالثة عربياً بعد لبنان والعراق في معدلات “العنوسة” وهو مصطلح يستخدم لوصم النساء اللواتي تأخرن في الزواج، ومن المستغرب أن تستمر الجهات الرسمية في سوريا باستخدامه، وأرجع مخلوف سبب هذا الارتفاع إلى الوضع المعيشي الخانق، أما صحيفة “البعث” الرسمية فقالت إن نسبة الفتيات غير المتزوجات وصلت إلى 70 في المئة.

لا تتقبل الكثير من الفتيات الزواج بهذه الطريقة، لكن الرأي يتغير بعد ضغط الأهل ومحاولتهم إقناع ابنتهم التعرف على العريس، هديل (الاسم الأول للفتاة) لم تتقبل فكرة أن يكون خطيبها بعيداً أو أن تسافر إلى بلد غريب، لكن إصرار والدة الشاب والحاحها على والدتها دفعاها إلى التعرف إليه، لكن بقي لدى هديل تخوف يتعلق بالسفر والعيش مع شخص غريب، فاشترطت أن تجتمع فيه في بيروت، لكنه لم يستطع المجيء ما زاد مخاوفها. ثم تأخرت أوراق لمّ الشمل، وهو ما أثر على نفسيتها وجعلها تشعر بالإحباط. لم يكن تأخر أوراقها وقبول لم الشمل هو هاجسها الوحيد، ففضول المحيط سبب لها ضغطاً إضافياً مع الأسئلة المزعجة من المقربين، ومقارنتها بفتيات تمت خطوبتهن قبلها وتمكنَّ من السفر، أو حتى محاولة التأثير سلباً عليها بالتحدث عن فتيات بظروفها ولم ينجح لم الشمل وانتظرن سنوات حتى اضطُررن إلى فسخ الخطوبة.

بحثاً عن الحرية

معاناة الفتيات بسبب غياب قوانين تدعمهنَ، تجعل الزواج من شاب مقيم في أوروبا، ليس مجرد فرصة للزواج وحسب، إنما بوابة للوصول إلى بلد يحترم حقوقهن وحرياتهن ويقف إلى جانبهن في وجه العنف. وفي حين يعتبر البعض هذا التفكير خروجاً عن القيم الأسرية، إلا أن الواقع يقول إن النساء يلجأن إلى القانون هرباً من العنف، ما أدى إلى ارتفاع نسب الطلاق بعد وصول النساء إلى أوروبا، وفي ظل الضغط الهائل على الفتيات للزواج وغياب الحماية القانونية لهن، فقد يقعن ببساطة في فخ شخص لا يعرفن عنه شيئاً. الخوف الذي يرافق النساء من بلد إلى آخر وجرائم القتل التي تحصل بحق نساء سوريا في أوروبا تجعل خيار الطلاق صعباً في بعض الأحيان، إحدى أشهر هذه الجرائم ما يعرف بجريمة “أبو مروان” الذي قام بقتل زوجته خلال بث مباشر على “فيسبوك”، وهي ليست الجريمة الوحيدة.

تقول ريما (اسم مستعار): “صديقتي سافرت منذ ثلاث سنوات إلى ألمانيا بعد لم الشمل مع زوجها، وهي تعاني الأمرين معه ويضربها باستمرار، إلا أنها لا تجرؤ على إبلاغ الشرطة، ما زالت تخاف منه كأنها في سوريا”، هذا العنف النفسي، ما زال يلاحق نساء سوريا حتى في أوروبا…

في عدد من مخيمات اللجوء تدفع العائلات ببناتهن إلى الزواج بهدف التخلص من أعبائهن المادية والمسؤولية الملقاة عليهم، تعتقد العائلات، كما الطفلات، أن الزواج سيكون المنقذ وباب الحرية للخروج من المخيمات، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك. تعيش إيمان مع أمها وجدتها في أحد مخيمات البقاع، تزوجت إيمان (اسم مستعار) قبل ثلاث سنوات حين كانت لا تتجاوز السادسة عشرة من رجل لبناني (50 عاماً)، استمر زواجها شهراً واحداً، تعرضت فيه للضرب والتعنيف، تطلقت بعدها.

اعتقدت إيمان أن زواجها سيخلصها من الوضع المزري الذي تعيشه ويؤمن حياة مستقرة لها ولن يكون في حينها فارق العمر الشاسع عقبة، ولا حتى كونها قاصراً، إلا أن الواقع مختلف. اليوم يتم الضغط على إيمان للزواج مرة أخرى من رجل يكبرها بسنوات كثيرة، وهي تخشى تكرار التجربة، وتدرك جيداً أن زواجها الأول كان خطأ لا يجب تكراره، لكن وضع عائلتها الاقتصادي السيئ يضعها أمام تحدٍ حقيقي.

فرضَ عقدٌ من الحروب على السوريين أساليب جديدة لبناء العائلات، فكان على النساء كما الرجال تحمّل ظروفٍ صعبة وأحياناً مستعصية، حتى يحصلوا على أبسط حقوقهم، كمقابلة الشريك وبناء عائلة صغيرة.

28.09.2022
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية