ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ما لم تلتقطه صور الرنين المغناطيسي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نعم يحتاج العلاج إلى ثلاثة: الطبيب، والمعالج الفيزيائي، والصيدلي. لكنّه أيضاً، وربما أوّلاً، يحتاج إلى تغيير جذري في طريقة العيش يصل إلى حدّ التوقّف عن معاملة الجسد كآلة لا تعترض.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خرجت أعرج من باب المستشفى، وعدت إلى المنزل محمّلة بأوراق وتمارين منزلية وأدوية. لا أدري متى بدأت هذه الحرب، لكن بينما كنت أبحث عن تداعيات النزاعات المسلّحة على البيئة، كان الألم يتسلّل إلى جسدي باحثاً عن مكان بين مفاصلي ليستقرّ فيه، فيُثقِل خطواتي.

لطالما كنت أحرص على تحضير أسئلتي قبل دخول العيادة، وألجأ إلى موقع “الخدمات الصحّية الوطنية” البريطاني (NHS) فأجد فيه معلومات تفكّك الألم، تصنّفها وتقترح عليّ احتمالات العلاج ومساراته. لكن للمرّة الأولى، وجدت فيه اقتراحاً جديداً: متابعة علاج نفسي، مشيراً إلى الأثر النفسي العميق للألم المزمن. 

الجميع يستهزئ بالمرض، ويتعاملون معه كأنه تفصيل يمكن تجاوزه. تتحدّث إليّ شركة التأمين كما لو أن ألمي مجرّد دعوة عشاء، أو اجتماع عمل يمكن تأجيله برسالة إلكترونية. 

المرض، بطريق الصدفة، جعلني أدرك أن التأمين لا يعدو كونه بطاقة بيضاء في محفظتي. في لبنان، لا أحد يقرّ بوجود مشكلة غير مرئية، فشركات التأمين لا تعترف إلا بالألم “الطازج” الناتج عن حادث أو سقوط، وإلا فعليّ الانتظار ثلاثة أشهر أو أربعة كي تُغطّي فحوصاتي. وفي هذه الحال، ومع انهيار القدرة المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نتيجة الأزمة الاقتصادية، لا سبيل للعلاج إلا بالدفع من الجيب.

​​في بلد تكثر فيه شعارات حقوق الإنسان، نفتقر حتى إلى أبسط حقوقنا: الحقّ في الصحّة. هنا، العلاج ترفاً لا حقّاً. ففي الوقت الذي أطلقت فيه بريطانيا في عام 2016 “برنامج دوّار الشمس” (Sunflower Scheme) الذي يتيح لأصحاب الإعاقات غير الظاهرة حمل شارة صغيرة تُنبّه إلى حاجتهم للدعم من دون مساءلة أو استجواب، ما زلنا هنا نخجل من الاعتراف بأوجاعنا، وكأن طلب المساعدة ترف لا حقّ.

ورشة داخل جمجمتي

في تلك الغرفة البيضاء، ثلاثون دقيقة أمضيتها في حقل الرنين المغناطيسي، وأنا رأسي يرتجّ من كثرة الطقطقة. تشبه الغرفة ورشة باطون مع أصوات شواكيش ومسامير وجبّالات من دون عمّال. 

تبدّلت عليّ التجربة منذ آخر مرّة دخلت فيها جهاز الرنين المغناطيسي. في السابق، كنت أبتكر طريقة لعدّ طرقات الشواكيش والمسامير داخله، فأُخمّن تقريباً متى سأخرج من هذا التابوت المعدني. كنت أبحث عن نظام أخدع به رأسي، واليوم تغيّر كلّ شيء. الماكينة الحديثة باتت تخاطبني وتحسب لي الدقائق وتطلب مني عدم التحرّك، بينما تتحرّك هي ملتقطة صور عالية الدقّة للعظام والأوتار والأنسجة. حتى الذكاء الصناعي صار جزءاً من رحلة ألمي، ينظر إلى مفاصلي، ويبحث بين عظامي عن انزلاقات أو عن ضغط على الأعصاب، عن تفسير لآلامي. 

لكن، مع كلّ هذا التقدّم، لم يستطع الذكاء الصناعي أن يُسكت الورشة. بقيت الشواكيش تطرق جمجمتي كما في السابق. كلّ شيء تبدّل إلا الضجيج، بقي كما هو.

تعلّمت التكنولوجيا أن تكتشف الانزلاقات والضغط على الأعصاب، لكنّها لم تتعلّم أن تكتشف ما لا يُرى، تماماً كالبشر الذين غذوّا ذكاءها. يكلّمني الجهاز بلا عاطفة، وتتجوّل شحناته الكهرومغناطيسية باحثة عن علّة بين مفاصلي. أما أنا، فأبحث في ذاكرتي عن يوم قبل المرض. يوم كنت أضحك من تذمّر إخوتي من المشي، بينما كنت أقطع المسافات بخفّة. أشتاق إلى طقوسي البريطانية، إلى أن أحمل سلّتي في السوبرماركت، وأعود لأمتهن الطبخ (عندما أرغب) أقطّع البصل وأتذوّق الملح دون أن أفكّر في عدد الخطوات بين غرفة الجلوس – حيث أمدّد قدمي– وبين المطبخ. يقيّدني هذا المرض ويجعلني حبيسة المنزل، كما لم تفعل حتى الحرب الأخيرة، لم يسرق حركتي فقط، بل محى الأدلّة على أنني كنت يوماً بكامل نشاطي. 

حتى التفكير في أنني أحتاج إلى مساعدة، كان بحدّ ذاته مأزقاً، فأنا نادراً ما أطلب شيئاً من أحد. لطالما اعتدتُ أن أتدبّر أموري وحدي، وأكره أن يتدخّل أحد في تفاصيل حياتي، لكنّ المرض لم يترك لي خياراً، فوجدت نفسي مضطرّة لمشاركة ما يحدث معي مع من حولي. 

في رحلة العلاج هذه، اختبرتُ الخوف من العجز والوحدة. لدي عائلة، وشبكة علاقات واسعة، وأصدقاء كُثر، لكن وسط هذا الزحام، كنت وحدي في وجعي، لم يشاركني أحد هذا الألم. بين كلّ وخزتين، أحاول أن أبقى صلبة، مرتدية قناع: “أنا بخير”. لكن الحقيقة؟ أنا لست بخير. سأعترف: أنا أكذب على الجميع. أبتسم بينما ينهشني الألم بصمت. 

المضحك أنني أستطيع أن أكتب مجلّدات، ومن خلال تخصّصي في القانون الدولي لحقوق الإنسان، أستطيع تبسيط المصطلحات الحقوقية، وأقرّب النصوص القانونية الجامدة إلى القارئ. لكن عندما يسألني أحدهم عن الألم، أدخل في دوّامة من الاستعارات والكنايات. أجيب: “كأن أحدهم يحفر تحت عظمتي”، ثم أصمت. وأحياناً، لا أجد ما أقوله سوى جملة: “أعجز عن التعبير”. لكن في الواقع، كنت أسمع الطقطقة في قدمي، وأشعر بأن ركبتي على وشك أن تنفصل من مكانها.

كيف يحفظون آلامنا؟

خلال زياراتي مركز التأهيل، كنت أسأل نفسي كيف يعيش مريض الباركنسون الذي التقيته؟ وكيف يستطيع الأطفال أن يتابعوا علاجاتهم حتى يكبروا؟ وكيف يتعامل هؤلاء المعالجون الفيزيائيون مع المرضى وأوجاعهم؟ كيف يحفظون ملفّ آلامنا غير المكتوبة من جلسة إلى أخرى ومن أسبوع إلى آخر؟ وكيف يتحمّلون هذا الضغط اليومي، وهم يوزّعون طاقتهم بصمت، لإعادة تأهيل الأجساد المنهكة المتمدّدة على الأسرّة؟

ممدّدة على السرير في غرفة مقفلة، أسمع صرخات المرضى إذا تألّموا. لا أراهم، ولا أعرف من هم، لكنّنا نتشارك الألم ذاته، دون أن أعرف جذوره في أجسادهم. تلك الصرخات التي تتردّد بلا مصدر مرئي، كانت تنهش أعصابي، كانت تعذّبني نفسياً أكثر مما فعل الألم الجسدي. فهمت عندها أن الألم لا يحتاج إلى مرآة لكي يكون حقيقياً، وأنه ليس عليّ أن أرى مريضاً ممدّداً على السرير الأزرق، بجبيرة على قدمه أو ضمّاد حول رأسه، لأصدّق ألمه.

كنت أذهب إلى جلسات العلاج الفيزيائي وأنا أقاوم دموعي، لكنّها خانتني ثلاث مرّات أمام المعالجين. لا أعلم ما إذا بكيت من شدّة الألم، أم لأنني لم أعد أملك طاقة للتفاوض معه، ولا صبراً على الالتزام بوجبات الطعام لأبتلع حبّات الدواء، ولا قدرة على تفسير ما يحدث لمن حولي. 

قد يكون المعالج الفيزيائي أكثر الأشخاص فهماً للحالة المرضية ولآلام الجسد بدقّة ملاحظته لاستجابة العضلات، كأنه يحمل خريطة دقيقة للألم، يعرف فيها نقاط الضعف قبل أن نُصرّح عنها، ونقاط القوّة حتى حين نشكّك نحن كمرضى بوجودها. لا ينتظر من العضلات الهشّة أن تستجيب فوراً، ولا يحمل عصا ليجلدها إن لم تفعل. يعلّمنا إدارة الألم، يطمئننا أننا سنُشفى، ويمنح أجسادنا الوقت والرحمة. تلك الرحمة التي نبخل بها على أنفسنا نحن كمرضى، ترمّم العلاقة بيننا وبين أجسادنا المهزومة، أجسادنا التي لطالما أرسلت رسائل صامتة تجاهلناها، تحمّلت بصبر إلى أن صرخت على هيئة آلام قاسية، فأجبرتنا على الإصغاء.

ليس الألم مشروعاً ينتهي بوقت محدّد، وليس المعالج الفيزيائي ساحراً كما يظنّ البعض، وليست رحلة العلاج جلسة تحوّل سحرية تُعيد تركيب الهيكل العظمي خلال 45 دقيقة كما يعتقد آخرون. هي مسار طويل ومعقّد يبدأ بجلسات علاجية وينتهي بسلوك حياة. “فما نفع أن تخضعي لجلسة قاسية تستنزفكِ، ثم تعودي لصعود الدرج وكأن شيئاً لم يكن؟”، يقول طبيبي. 

تذكّرني كلماته بمشاجراتي مع أمّي حين كانت تواصل لفّ ورق العريش رغم ألمها المزمن فى الكتف. نعم يحتاج العلاج إلى ثلاثة: الطبيب، والمعالج الفيزيائي، والصيدلي. لكنّه أيضاً، وربما أوّلاً، يحتاج إلى تغيير جذري في طريقة العيش يصل إلى حدّ التوقّف عن معاملة الجسد كآلة لا تعترض.

داس بيستي أم نوردن - NDR NDR | 05.12.2025

“ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”

تكشف تحقيقات دولية الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية السورية في آلة القتل التابعة لنظام الأسد. وبعض الأطباء الذين عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم اليوم في ألمانيا.
24.07.2025
زمن القراءة: 5 minutes

نعم يحتاج العلاج إلى ثلاثة: الطبيب، والمعالج الفيزيائي، والصيدلي. لكنّه أيضاً، وربما أوّلاً، يحتاج إلى تغيير جذري في طريقة العيش يصل إلى حدّ التوقّف عن معاملة الجسد كآلة لا تعترض.


خرجت أعرج من باب المستشفى، وعدت إلى المنزل محمّلة بأوراق وتمارين منزلية وأدوية. لا أدري متى بدأت هذه الحرب، لكن بينما كنت أبحث عن تداعيات النزاعات المسلّحة على البيئة، كان الألم يتسلّل إلى جسدي باحثاً عن مكان بين مفاصلي ليستقرّ فيه، فيُثقِل خطواتي.

لطالما كنت أحرص على تحضير أسئلتي قبل دخول العيادة، وألجأ إلى موقع “الخدمات الصحّية الوطنية” البريطاني (NHS) فأجد فيه معلومات تفكّك الألم، تصنّفها وتقترح عليّ احتمالات العلاج ومساراته. لكن للمرّة الأولى، وجدت فيه اقتراحاً جديداً: متابعة علاج نفسي، مشيراً إلى الأثر النفسي العميق للألم المزمن. 

الجميع يستهزئ بالمرض، ويتعاملون معه كأنه تفصيل يمكن تجاوزه. تتحدّث إليّ شركة التأمين كما لو أن ألمي مجرّد دعوة عشاء، أو اجتماع عمل يمكن تأجيله برسالة إلكترونية. 

المرض، بطريق الصدفة، جعلني أدرك أن التأمين لا يعدو كونه بطاقة بيضاء في محفظتي. في لبنان، لا أحد يقرّ بوجود مشكلة غير مرئية، فشركات التأمين لا تعترف إلا بالألم “الطازج” الناتج عن حادث أو سقوط، وإلا فعليّ الانتظار ثلاثة أشهر أو أربعة كي تُغطّي فحوصاتي. وفي هذه الحال، ومع انهيار القدرة المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نتيجة الأزمة الاقتصادية، لا سبيل للعلاج إلا بالدفع من الجيب.

​​في بلد تكثر فيه شعارات حقوق الإنسان، نفتقر حتى إلى أبسط حقوقنا: الحقّ في الصحّة. هنا، العلاج ترفاً لا حقّاً. ففي الوقت الذي أطلقت فيه بريطانيا في عام 2016 “برنامج دوّار الشمس” (Sunflower Scheme) الذي يتيح لأصحاب الإعاقات غير الظاهرة حمل شارة صغيرة تُنبّه إلى حاجتهم للدعم من دون مساءلة أو استجواب، ما زلنا هنا نخجل من الاعتراف بأوجاعنا، وكأن طلب المساعدة ترف لا حقّ.

ورشة داخل جمجمتي

في تلك الغرفة البيضاء، ثلاثون دقيقة أمضيتها في حقل الرنين المغناطيسي، وأنا رأسي يرتجّ من كثرة الطقطقة. تشبه الغرفة ورشة باطون مع أصوات شواكيش ومسامير وجبّالات من دون عمّال. 

تبدّلت عليّ التجربة منذ آخر مرّة دخلت فيها جهاز الرنين المغناطيسي. في السابق، كنت أبتكر طريقة لعدّ طرقات الشواكيش والمسامير داخله، فأُخمّن تقريباً متى سأخرج من هذا التابوت المعدني. كنت أبحث عن نظام أخدع به رأسي، واليوم تغيّر كلّ شيء. الماكينة الحديثة باتت تخاطبني وتحسب لي الدقائق وتطلب مني عدم التحرّك، بينما تتحرّك هي ملتقطة صور عالية الدقّة للعظام والأوتار والأنسجة. حتى الذكاء الصناعي صار جزءاً من رحلة ألمي، ينظر إلى مفاصلي، ويبحث بين عظامي عن انزلاقات أو عن ضغط على الأعصاب، عن تفسير لآلامي. 

لكن، مع كلّ هذا التقدّم، لم يستطع الذكاء الصناعي أن يُسكت الورشة. بقيت الشواكيش تطرق جمجمتي كما في السابق. كلّ شيء تبدّل إلا الضجيج، بقي كما هو.

تعلّمت التكنولوجيا أن تكتشف الانزلاقات والضغط على الأعصاب، لكنّها لم تتعلّم أن تكتشف ما لا يُرى، تماماً كالبشر الذين غذوّا ذكاءها. يكلّمني الجهاز بلا عاطفة، وتتجوّل شحناته الكهرومغناطيسية باحثة عن علّة بين مفاصلي. أما أنا، فأبحث في ذاكرتي عن يوم قبل المرض. يوم كنت أضحك من تذمّر إخوتي من المشي، بينما كنت أقطع المسافات بخفّة. أشتاق إلى طقوسي البريطانية، إلى أن أحمل سلّتي في السوبرماركت، وأعود لأمتهن الطبخ (عندما أرغب) أقطّع البصل وأتذوّق الملح دون أن أفكّر في عدد الخطوات بين غرفة الجلوس – حيث أمدّد قدمي– وبين المطبخ. يقيّدني هذا المرض ويجعلني حبيسة المنزل، كما لم تفعل حتى الحرب الأخيرة، لم يسرق حركتي فقط، بل محى الأدلّة على أنني كنت يوماً بكامل نشاطي. 

حتى التفكير في أنني أحتاج إلى مساعدة، كان بحدّ ذاته مأزقاً، فأنا نادراً ما أطلب شيئاً من أحد. لطالما اعتدتُ أن أتدبّر أموري وحدي، وأكره أن يتدخّل أحد في تفاصيل حياتي، لكنّ المرض لم يترك لي خياراً، فوجدت نفسي مضطرّة لمشاركة ما يحدث معي مع من حولي. 

في رحلة العلاج هذه، اختبرتُ الخوف من العجز والوحدة. لدي عائلة، وشبكة علاقات واسعة، وأصدقاء كُثر، لكن وسط هذا الزحام، كنت وحدي في وجعي، لم يشاركني أحد هذا الألم. بين كلّ وخزتين، أحاول أن أبقى صلبة، مرتدية قناع: “أنا بخير”. لكن الحقيقة؟ أنا لست بخير. سأعترف: أنا أكذب على الجميع. أبتسم بينما ينهشني الألم بصمت. 

المضحك أنني أستطيع أن أكتب مجلّدات، ومن خلال تخصّصي في القانون الدولي لحقوق الإنسان، أستطيع تبسيط المصطلحات الحقوقية، وأقرّب النصوص القانونية الجامدة إلى القارئ. لكن عندما يسألني أحدهم عن الألم، أدخل في دوّامة من الاستعارات والكنايات. أجيب: “كأن أحدهم يحفر تحت عظمتي”، ثم أصمت. وأحياناً، لا أجد ما أقوله سوى جملة: “أعجز عن التعبير”. لكن في الواقع، كنت أسمع الطقطقة في قدمي، وأشعر بأن ركبتي على وشك أن تنفصل من مكانها.

كيف يحفظون آلامنا؟

خلال زياراتي مركز التأهيل، كنت أسأل نفسي كيف يعيش مريض الباركنسون الذي التقيته؟ وكيف يستطيع الأطفال أن يتابعوا علاجاتهم حتى يكبروا؟ وكيف يتعامل هؤلاء المعالجون الفيزيائيون مع المرضى وأوجاعهم؟ كيف يحفظون ملفّ آلامنا غير المكتوبة من جلسة إلى أخرى ومن أسبوع إلى آخر؟ وكيف يتحمّلون هذا الضغط اليومي، وهم يوزّعون طاقتهم بصمت، لإعادة تأهيل الأجساد المنهكة المتمدّدة على الأسرّة؟

ممدّدة على السرير في غرفة مقفلة، أسمع صرخات المرضى إذا تألّموا. لا أراهم، ولا أعرف من هم، لكنّنا نتشارك الألم ذاته، دون أن أعرف جذوره في أجسادهم. تلك الصرخات التي تتردّد بلا مصدر مرئي، كانت تنهش أعصابي، كانت تعذّبني نفسياً أكثر مما فعل الألم الجسدي. فهمت عندها أن الألم لا يحتاج إلى مرآة لكي يكون حقيقياً، وأنه ليس عليّ أن أرى مريضاً ممدّداً على السرير الأزرق، بجبيرة على قدمه أو ضمّاد حول رأسه، لأصدّق ألمه.

كنت أذهب إلى جلسات العلاج الفيزيائي وأنا أقاوم دموعي، لكنّها خانتني ثلاث مرّات أمام المعالجين. لا أعلم ما إذا بكيت من شدّة الألم، أم لأنني لم أعد أملك طاقة للتفاوض معه، ولا صبراً على الالتزام بوجبات الطعام لأبتلع حبّات الدواء، ولا قدرة على تفسير ما يحدث لمن حولي. 

قد يكون المعالج الفيزيائي أكثر الأشخاص فهماً للحالة المرضية ولآلام الجسد بدقّة ملاحظته لاستجابة العضلات، كأنه يحمل خريطة دقيقة للألم، يعرف فيها نقاط الضعف قبل أن نُصرّح عنها، ونقاط القوّة حتى حين نشكّك نحن كمرضى بوجودها. لا ينتظر من العضلات الهشّة أن تستجيب فوراً، ولا يحمل عصا ليجلدها إن لم تفعل. يعلّمنا إدارة الألم، يطمئننا أننا سنُشفى، ويمنح أجسادنا الوقت والرحمة. تلك الرحمة التي نبخل بها على أنفسنا نحن كمرضى، ترمّم العلاقة بيننا وبين أجسادنا المهزومة، أجسادنا التي لطالما أرسلت رسائل صامتة تجاهلناها، تحمّلت بصبر إلى أن صرخت على هيئة آلام قاسية، فأجبرتنا على الإصغاء.

ليس الألم مشروعاً ينتهي بوقت محدّد، وليس المعالج الفيزيائي ساحراً كما يظنّ البعض، وليست رحلة العلاج جلسة تحوّل سحرية تُعيد تركيب الهيكل العظمي خلال 45 دقيقة كما يعتقد آخرون. هي مسار طويل ومعقّد يبدأ بجلسات علاجية وينتهي بسلوك حياة. “فما نفع أن تخضعي لجلسة قاسية تستنزفكِ، ثم تعودي لصعود الدرج وكأن شيئاً لم يكن؟”، يقول طبيبي. 

تذكّرني كلماته بمشاجراتي مع أمّي حين كانت تواصل لفّ ورق العريش رغم ألمها المزمن فى الكتف. نعم يحتاج العلاج إلى ثلاثة: الطبيب، والمعالج الفيزيائي، والصيدلي. لكنّه أيضاً، وربما أوّلاً، يحتاج إلى تغيير جذري في طريقة العيش يصل إلى حدّ التوقّف عن معاملة الجسد كآلة لا تعترض.

24.07.2025
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية