في مدينةٍ اعتادت أن تُوقظها أصوات البحر، صار الصوت الذي يعلو فوق كل شيء هو هدير الطائرات الحربية.
كان يوم أحد الشعانين لدى الكنائس التي تتبع التقويم الشرقي في بيروت، وأحد عيد الفصح لدى تلك التي تتبع التقويم الغربي. خرج الناس من الكنائس حاملين سعف النخيل، بملابسهم المرتبة، بوجوهٍ تحاول أن تتمسك بما تبقّى من طقوس الفرح. لكن السماء لم تكن صافية. كانت ممتلئة بصوتٍ ثقيل، منخفض، يقترب ويبتعد، كأنه يختبر أعصاب المدينة برمّتها.
ترفع رأسك تلقائياً. ليس بدافع الفضول، بل بدافع الخوف. تشعر أن الطائرة قد تنخفض أكثر، أن الصوت ليس بعيداً كما يجب، أن شيئاً ما قد يحدث الآن. ثم، كما يفعل الجميع، تعود بعينيك إلى الأرض. تكمل طريقك. كأن شيئاً لم يكن.
في وسط المدينة، يجلس الناس في المقاهي. فناجين القهوة على الطاولات، أحاديث خفيفة، وضحكات متقطعة. الطائرة فوقهم مباشرة. ينظر أحدهم إلى الأعلى لثوانٍ، ثم يقول شيئاً عابراً ويعود إلى حديثه. كأن الخطر جزء من الخلفية، مثل صوت المولّدات أو ضجيج السير.
عاملة أجنبية تقف قرب باب المبنى، تنظر حولها بقلق واضح وتسأل: “شو عم بصير؟”. تردّ صاحبة المنزل، بابتسامة متوترة: “أنا خايفة أكتر منك”.
الخوف هنا لا يُلغى بل يُدار، يُخفَّف، يُخفى أحياناً، أو يُحوَّل إلى مزحة.
امرأة تهمس لزوجها: “إسرائيل فوقنا”. يردّ، بنبرة ساخرة، كأنه يحاول أن يسحب الخوف من الهواء: “جايين يخطفوك”. ثم يضيف، ضاحكاً: “هلّق هنّي أكيد خايفين منك”.
الضحك ليس إنكاراً. هو محاولة للبقاء.
أبٌ يقف قرب الكنيسة، يضمّ ابنه الصغير، لا يتجاوز العامين. يضع يديه على أذنيَه كلما اشتد الصوت. الطفل لا يفهم تماماً، لكنه يشعر بالتوتر في جسد أبيه. حولهما، أطفال آخرون يركضون ويلعبون بعد انتهاء القداس، كأن المكان لا يزال آمناً، كأن الصوت لا يعنيهم.
كلّما يشتدّ صوت الحربي يقول زوجي: “ما تخافي أوكي؟”، وكأنني أعرف أصلاً كيف أُسكت الخوف. هل له زرّ مثلاً داخل أجسادنا المنهكنة؟
أفقد السيطرة على جسدي لبرهة. ترتجف يدي اليمنى وكأنني إمرأة تسعينية.
ثم يأتي صوت انفجار ضخم. تهرع صاحبة المقهى وتشق النوافذ. وتبدأ التساؤلات: جدار؟ بارجة؟ ضاحية؟ “لا، الصوت قريب… مش ضاحية…”،
صوتٌ مختلف، أعمق، أقرب، يهزّ الأرض للحظة… انفجار الجناح.
تتوقف الأحاديث لثوانٍ. ينظر الناس إلى بعضهم البعض. لا أحد يصرخ. لا أحد يركض. همسات خافتة، جملة هنا، تعليق هناك. ثم، ببطء، يعود كل شيء إلى ما كان عليه. تُرفع فناجين القهوة مجدداً. تُستأنف الأحاديث.
هذا ليس تجاهلاً. هذا تكيّف.
أن تعتاد الحرب لا يعني أنك لم تعد تخاف. بل يعني أن الخوف لم يعد كافياً ليوقف حياتك.
في هذه المدينة، صار الخوف جزءاً من الإيقاع اليومي. نعرف كيف نُدخله بين تفاصيلنا: بين رشفة قهوة وأخرى، بين مكالمة هاتف ومشوار سريع، بين ضحكة مترددة ونظرة إلى السماء. نتقنه، كما نتقن العيش في المساحات الضيقة.
لكن ما الذي يُفقد عندما يصبح هذا طبيعياً؟
يقول أحدهم: “في بشاعة بتتخطى شو بده الإنسان العادي. أنا بس بدي ربّي أولادي وآكل وأشرب”.
الجملة بسيطة. لكنها تحمل في طيّاتها كل شيء.
أن يصبح سقف الطموح هو الأمان. أن يتحول الحلم إلى الحد الأدنى: بيت لا يُقصف، سماء لا تُهدد، يوم عادي بلا مفاجآت قاتلة. أن تشتاق إلى الهدوء، لا كترف، بل كحق أساسي.
نحن لا نعتاد الحرب لأننا أقوياء. نعتادها لأننا لا نملك خياراً آخر.
في كل مرة يمرّ الصوت فوقنا، هناك جزء صغير في داخلنا يتقلّص. ليس فقط خوفاً من الموت، بل خوفاً من الاعتياد. من أن يصبح هذا المشهد عادياً إلى درجة أننا نتوقف عن التساؤل: لماذا يحدث هذا كله؟ ولماذا نقبله؟
المدينة تستمر. هذه حقيقة. لكنها تستمر بطريقة مختلفة. تحمل فوق كتفيها تعباً غير مرئي. تعب أن تكون دائماً على حافة شيء ما. أن تعيش بين احتمالات مفتوحة، كلها ثقيلة.
في يوم أحد الشعانين وأحد العيد، كان يفترض أن تكون السماء أعلى، أخف، أبعد. أن تكون الأصوات الأخرى هي التي تملأ المكان: تراتيل، ضحكات، خطوات أطفال، ربما عصافير. لكن السماء كانت منخفضة. قريبة أكثر مما يجب.
ومع ذلك، استمر الناس.
هذا هو المشهد الذي يصعب شرحه لمن لم يعشه: كيف بإمكان الحياة أن تستمر بهذا الشكل؟ كيف بإمكان شخص أن يشرب قهوته بينما الطائرات فوق رأسه؟
الإجابة ليست في الشجاعة، ولا في اللامبالاة، بل في شيء أكثر تعقيداً: في القدرة على تقسيم الخوف، على وضعه جانباً مؤقتاً، على تأجيله كي لا يبتلع كل شيء.
لكنّ لهذا التأجيل ثمناً، وهو أن الهدوء لم يعد بديهياً. صار شيئاً نفتقده، نبحث عنه، نحاول أن نتذكر كيف كان. صار حلماً صغيراً، شخصياً جداً.
أن تجلس في مكان ما، بلا صوت في السماء. أن تنظر إلى الأعلى، ولا تشعر بشيء. ألا تضطر إلى تحويل الخوف إلى مزحة كي تستمر.
هذا ما نفتقده. ليس فقط غياب الحرب، بل حضور الهدوء.
ما هو الهدوء؟ أنا لا أذكره…
إقرأوا أيضاً:










