أعلن مصرف لبنان رسميًا عن توقيع اتفاقية تعاون مع شركة K2 Integrity الأميركية المتخصصة في مكافحة غسل الأموال واستشارات المخاطر المالية، في حين تتزايد التساؤلات حول خلفيات التعاقد وشفافيته وجدواه العملية. هذا التعاقد جاء وسط تصاعد ضغوط دولية على لبنان للخروج من “اللائحة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (FATF).
في سياق المطالبات البرلمانية المتزايدة بالشفافية والمساءلة، كانت النائبة بولا يعقوبيان قد وجّهت سؤالاً نيابياً إلى مصرف لبنان والحكومة قبل أسابيع من توقيع الاتفاق مع الشركة، طالبت فيه بتوضيح حقيقة هذا التعاقد، الغاية منه، حقيقة كلفته السنوية المقدّرة بأربعة ملايين دولار على مدى ثلاث سنوات، أي بمجموع 12 مليون دولار، وأسباب غياب أي معلومات عنه لدى هيئة الشراء العام. لم يصدر أي رد رسمي على سؤالها، إلى أن أعلن مصرف لبنان لاحقاً في بيان رسمي إبرام التعاقد مع الشركة. أرسل “درج” أسئلة إلى مصرف لبنان حول الأهداف المحددة من التعاقد ودور الشركة في معالجة تحديات مصرف لبنان، أسباب اختيار K2 Integrity تحديداً، تفاصيل التعاقد من حيث الكلفة السنوية ومدته الزمنية، واحتمالية تضارب المصالح، بالإضافة إلى الاستفسار عن غياب رد رسمي على سؤال النائبة بولا يعقوبيان. ولكن لم يصلنا رد حتى لحظة النشر.

وهنا لا بدّ من الحديث عن احتمالات تضارب المصالح، خصوصًا أنّ دانيال غليزر—المدير العالمي للخدمات القضائية ورئيس مكتب واشنطن في K2 Integrity—كان سابقًا مستشارًا للمصرفي أنطون صحناوي في بنك SGBL اللبناني. هذا بالإضافة إلى أنّ غليزر وصحناوي شركاء في شركة Institute for Financial Integrity IFI (معهد للنزاهة المالية)، وهي شركة تهدف الى حماية النظام المالي من الاستخدام غير المشروع ومكافحة التهديدات التي تطاول الأمن الجماعي، وذلك من خلال أبحاث رائدة، وبرامج تعليمية وتدريبية متقدمة، بحسب موقعها. غليزر هو رئيس مجلس الإدارة، أمّا صحناوي فهو عضو في مجلس الإدارة، ما يسلط الضوء على تشابك
المصالح ودوائر النفوذ المتقاطعة في هذا الملف

كما تحدّثت الأوساط الإعلامية والمصرفية عن دور لنائب حاكم مصرف لبنان السابق محمد بعاصيري في التفاوض مع هذه الشركة وفي دور محتمل له كمستشار لحاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد. وهنا تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه خلال فعالية “حوار القطاع الخاص بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” لعام 2024، التي أُقيمت بمشاركة وزارة الخزانة الأميركية تحت عنوان: “تعزيز الامتثال في القطاع المصرفي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للوفاء بتوقعات الجهات التنظيمية الأميركية في ظل التحديات الجيوسياسية”، والتي تنظّمها مبادرة محمد بعاصيري، شاركت المديرة التنفيذية في K2 Integrity، سارة رونجي، كمتحدثة في الحوار.
يشير مصدر مطّلع على الملف، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إلى أن محمد بعاصيري ووسام فتوح— الأمين العام لـ”اتحاد المصارف العربية” في لبنان منذ عام 2010 وأحد المتحدّثين في الفعالية المشار إليها أعلاه—كان لهم دور في إدخال شركة K2 Integrity إلى السوق العراقي. لكنّنا لم نتمكن من التحقق بشكل مستقل من صحة هذه المعلومات حتى الآن.

تأتي هذه الوقائع لتفرض ضرورة الحصول على إجابات واضحة وشفافة من مصرف لبنان حول دوافع التعاقد، آليات اختياره، الجهات المستفيدة فعليًا، ودور المستشارين المؤثرين في الشركة، بخاصة مع ربط مصير الملف المالي وعلاقاته الدولية بهذا النوع من العقود والقرارات.
في مقابلة مع موقع “درج”، دعا الصحافي الاقتصادي منير يونس حاكم مصرف لبنان إلى الإفصاح العلني والواضح عن قيمة العقد المُبرم مع شركة K2 Integrity، مشدّدًا على أن ما يُنفقه مصرف لبنان هو فعليًا من أموال المودعين، وبالتالي من حق هؤلاء معرفة كيف تُدار وتُستخدم ما تبقى من احتياطيات المصرف المركزي، والتي تعني، عمليًا، ما تبقى من ودائعهم.
واعتبر يونس أنّه “إذا توافرت الإرادة الجدية في التنفيذ والالتزام والامتثال ضمن قرار سياسي واضح، مرفق بآلية محاسبة فعالة وملاحقة للمخالفات، فقد لا تكون هناك حاجة لإنفاق 12 مليون دولار على التعاقد مع شركة أجنبية”، لا سيما أن النظام المصرفي في لبنان يمتلك مؤسسات رقابية قائمة يُفترض أن تضطلع بهذا الدور، ومنها لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة، ما يطرح علامات استفهام حول قدرتها ووظيفتها. وكأن التوجه إلى التعاقد الخارجي يُشكّل بحد ذاته اعترافاً ضمنياً بعدم كفاءة تلك الهيئات في مواكبة متطلبات خطة العمل المالي المطلوبة كشرط للخروج من اللائحة الرمادية، بحسب يونس.
علمًا أنّ هيئة التحقيق الخاصة كانت أنشأت في وقت سابق لجنة المساعدة الفنية ” (Technical Assistance Committee)، التي تضطلع بمهمات مشابهة لتلك المنوطة بالشركة الأجنبية اليوم. وتضم اللجنة ممثلين عن سفارات كبرى (مثل الولايات المتحدة، فرنسا وألمانيا)، إضافةً إلى “المرفق العالمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب” التابع للاتحاد الأوروبي (EU AML/CFT Global Facility) وبعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

في هذا السياق، قالت النائبة بولا يعقوبيان في مقابلة مع موقع “درج”: “طرحتُ سؤالاً نيابياً سابقاً حول الإجراءات المتّخذة ضمن خطة عمل ‘فاتف’، وجاءتني الإجابة عن التنسيق القائم مع عدد من الدول الأوروبية التي تساهم في هذا العمل. السؤال اليوم: لماذا يجب علينا دفع مبلغ بهذه الضخامة لشركة يُشار إليها باسم K2 Integrity، وهي شركة معروفة، لكن عند مراجعة منصة الشراء العام لم نعثر على أي أثر لهذا التعاقد؟… الإطار القانوني أو السند القانوني للتعاقد غير واضح. هذه أسئلة تندرج ضمن الرقابة النيابية التي ينبغي على كل نائب ممارستها…. نريد أن نعرف هل نحن فعلاً بحاجة إلى شركة إضافية لرفع لبنان عن اللائحة الرمادية؟”. وأضافت يعقوبيان أنها لا تعلم إن كان هناك أي صفقة مشبوهة وراء هذا التعاقد المحتمل، ولكنها تؤكد ضرورة التأكد من عدم وجود أي تضارب مصالح بين الشركة الأجنبية وأي من العاملين في مصرف لبنان.
بيان المصرف المركزي
جاء في بيان مصرف لبنان الصادر في 14 تموز/ يوليو 2025 التالي:
“يُعلن مصرف لبنان عن إبرام اتفاقية تعاون مع شركة K2 Integrity الأميركية الرائدة في مجال إدارة المخاطر العالمية، والامتثال، والتحقيقات المالية، وذلك في إطار جهود المصرف الرامية إلى مكافحة توسّع الاقتصاد النقدي، والتصدي للأنشطة غير المشروعة والاحتيالية بكافة أشكالها.
تأتي هذه الخطوة في سياق مسعى مصرف لبنان للخروج من “اللائحة الرمادية” الصادرة عن مجموعة العمل المالي (FATF)، حيث ستُقدّم شركة K2 Integrity الدعم الفني والاستشاري اللازمين لاعتماد وتنفيذ الإجراءات التي تساهم في تعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال(AML) ومكافحة تمويل الإرهاب(CFT) في لبنان.
تتمتّع شركة K2 Integrity بخبرة واسعة في تقديم المشورة للمصارف المركزية، والحكومات، والمصارف التجارية والاستثمارية، وشركات الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية (FinTech)، في أكثر من 100 دولة حول العالم. كما يتميّز خبراؤها بفهم معمّق للمعايير الدولية، وأفضل الممارسات العالمية والمتطلبات التنظيمية الخاصة بكل بلد، لا سيّما في مناطق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (EMEA)، بما يشمل 28 دولة تلتزم بالتوجيهات الأوروبية، إلى جانب التزامها بالقوانين الأميركية لمكافحة الجرائم المالية مثل قانون باتريوت (USA PATRIOT Act)، وقانون سرية المصارف (BSA)، وأنظمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC).
وسيعتمد مصرف لبنان على الخبرات المتخصصة والانتشار الدولي لشركة K2 Integrity من أجل وضع وتنفيذ خطة عمل دقيقة تستهدف تحديد الثغرات النظامية، وسدّ الفجوات التنظيمية، والعمل على استعادة الثقة بالنظام المالي اللبناني على الصعيدين المحلي والدولي”.
محمد بعاصيري وعودة محتملة إلى مصرف لبنان
نشرت مواقع إعلامية أخبارًا عن احتمال عودة المصرفي البارز ونائب حاكم مصرف لبنان السابق، محمد بعاصيري، إلى المصرف المركزي. اليوم يطل محمد بعاصيري مجدداً من خلف الكواليس، ويطرح تساؤلات حول دوره في إدارة ملفات حساسة تتعلق بمصير القطاع المصرفي وملف “اللائحة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (FATF). لكن عودة بعاصيري إلى الواجهة تثير علامات استفهام كثيرة حول علاقاته القديمة والجديدة مع كبار المصرفيين، من أبرزهم علاقته بحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، ورئيس جمعية المصارف سليم صفير، والمصرفي البارز أنطون صحناوي.
في هذا السياق، تقول يعقوبيان لـ “درج”: “هناك تسريبات إعلامية تحدثت عن دور لمحمد بعاصيري في هذا الموضوع. التسريبات استخدمتها فقط لكي أطرح السؤال ويكون هناك وضوح وشفافية مع الناس. لماذا نحن بحاجة الى هذه الشركة، وقد نكون بحاجة اليوم لازم مصرف لبنان يوضح في حال فعلا يحتاج لبنان لهذه الشركة. يمكن أن تكون مجرد إطار علاقات عامة، مثلا كشركة قادرة توصل إذا بدك أكثر الصوت وتوضيح الصورة تجاه وزارة الخزانة الأميركية أو غيرها من الـ Stakeholders. السؤال هو أن يكون في شفافية مع الرأي العام. ما عم بتهم مسبقا أي طرف أنه عم يعمل صفقة عم بطرح أسئلة، لأنه هيدا شغلي”.
لم يرد بعاصيري على أسئلة موقع “درج” حول هذا الملف.

من هو محمد بعاصيري؟
محمد بعاصيري هو مصرفي لبناني بارز، يحمل الجنسيّة الأميركيّة. شغل منصب نائب حاكم مصرف لبنان بين 2009 و2019. تكلّف بعمليّة تصفية “جمّال ترست بنك” منذ أيلول/ سبتمبر 2019. كما تكلّف بعدها أن يكون مديراً مؤقتاً لبنك “الاعتماد المصرفي” بعدما تردّدت شبهات اختلاس وتهريب أموال بملايين الدولارات من قبل رئيس مجلس الإدارة السابق طارق خليفة.
شغل بعاصيري أيضاً في المصرف المركزي منصب أمين عام “هيئة التحقيق الخاصّة” لمكافحة تبييض الأموال بين 2001 و2009 وتبوأ مناصب مهمّة عدّة، فهو رئيس مبادرة حوار القطاع الخاص بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا US-MENA Private Sector Dialogue منذ 2006، وكان مستشاراً مقيماً في صندوق النقد الدولي بين 2000 و2001. وتم تداول اسمه لرئاسة الحكومة في فترة سابقة. والأهم أنّ خبرته الممتدة لثلاثة عقود جعلته من أبرز المؤسسين للمرجعية الإقليمية في مكافحة غسل الأموال (MENAFATF)، ومقرباً من دوائر القرار المالي في واشنطن. يقدّم بعاصيري نفسه كإصلاحي، لكنه في كل محطة مفصلية كان جزءاً من منظومة القطاع المالي في لبنان.
ظهر اسم بعاصيري في تحقيق سابق لموقع “درج” في سياق مشروع “وثائق باندورا” مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، بحيث قدّم المصرفي مروان خير الدين للبعاصيري رسالة “مصداقية” ليتسنّى للأخير تأسيس شركة أوف شور
“يسعدنا أن نؤكد أننا عرفنا السيد محمد بعاصيري منذ 25 عاماً وأنه لم يتورط أبداً، على حد علمنا واعتقادنا، في أي تهم إفلاس أو جناية أو إجراءات مماثلة. نحن نعتبره موثوقاً من الناحية المالية ويتمتع بمكانة أخلاقية جيدة … هذه الرسالة موجهة إليكم وحدكم ويمكن الاعتماد عليها فقط لتحديد ما إذا كان سيتم تقديم الخدمات إلى السيد بعاصيري أم لا. إنها سرية تماماً ولا يجوز الكشف عنها لأي طرف ثالث إلا بموجب عملية إلزامية من محكمة أو مسؤول كبير أو وكالة أخرى ذات مجال قضائي مختص”.
بالإضافة إلى رسالة “المصداقيّة” التي قدّمها له خير الدّين من بنك الموارد، هناك رسالتان بإمضاء خير الدّين تفيد إحداهما بأنّ بعاصيري لديه 150 ألف دولار في حسابه المصرفي، واستخدم الأخير هذه الوثائق لطلب تأسيس شركة أوف شور في جزر العذراء البريطانيّة عام 2016. ولم تبيّن التسريبات أكثر من ذلك. في تواصل للاتحاد الدولي للصحافيين مع بعاصيري في ذلك الوقت، نفى الأخير امتلاكه أي شركة في جزر العذراء البريطانية”.
مَن هي شركة K2 Integrity؟
K2 Integrity هي شركة استشارية أميركية متخصصة في مجال إدارة المخاطر المالية، مكافحة غسل الأموال، التحقيقات المالية، والامتثال التنظيمي. تأسست عام 2009 على يد جيريمي وجولز كرول (الأخير هو مؤسس صناعة التحقيقات الشركاتية الحديثة)، وتضم فريقاً من الخبراء السابقين في القطاعين العام والخاص، من بينهم منظمون سابقون ومسؤولون في مجال الأمن الاقتصادي والتدقيق.
تقدم K2 Integrity خدمات متكاملة تشمل التحقيقات المالية، تتبع الأصول، التدقيق الجنائي، إدارة المخاطر السيبرانية، الاستشارات في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتصميم أنظمة الامتثال.
السؤال النيابي الأول عن خطة عمل مجموعة العمل المالي
طرح النواب فراس حمدان، سيمون أبي رميا، بولا يعقوبيان، إبراهيم منيمنة، ياسين ياسين وآلان عون، سؤالًا نيابيًا حول تنفيذ خطة العمل التي وضعتها مجموعة العمل المالي (فاتف) لخروج لبنان عن قائمة الدول الخاضعة للرقابة، التي تُعرف بالقائمة الرمادية.
تشمل الجهات المعنية: وزارة المالية (بما فيها الجمارك والمديرية العامة للواردات)، وزارة الدفاع الوطني (المخابرات العسكرية والمحكمة العسكرية)، وزارة الداخلية والبلديات (قوى الأمن الداخلي، الأمن العام، الشؤون السياسية واللاجئين)، وزارة العدل (النيابة العامة، السجل التجاري، مكتب التعاون الدولي)، الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، اللجنة الوطنية لقمع تمويل الإرهاب، نقابة المحامين في بيروت وطرابلس، ونقابة خبراء المحاسبة المجازين.
تفواتت الردود بين الوزارات والإدارات المعنية على السؤال النيابي، فبينما جاء ردّ وزارة الداخلية مفصّلًا، كان ردّ وزارة المالية محدودًا جدًّا وعامًا، وهنا تقول يعقوبيان، “الردود كان فيها تفاوت عن السؤال الأول. ما بعرف اذا هيدا تقصير إداري بركي في بعض الوزارات بعض الإدارات أنشط بذلك. بس أول شي بدي أنوه أنه من وقت حكومة نواف سلام عم يتم الإجابة على كل سؤال نيابي نطرحه. هيدا الشي ما كان متاح قبل…”.
وتبقى الأسئلة الأساسية في هذا المجال: هل تم التحقق من تضارب مصالح بين أي من العاملين أو المتعاونين مع مصرف لبنان وهذه الشركة الأجنبية؟ وما هي جدوى التعاقد معها؟











