يمكن النظر إلى مَوات السياسة في بلداننا العربية بوصفه نتاجًا مباشرًا لمسار طويل من الانسداد والعنف؛ من دول أُغلِق فيها المجال العام بالكامل، مثل مصر ومعظم دول الخليج، إلى حالات الانهيار والتفكك السياسي كما في لبنان، وتونس، وصولًا إلى مشاهد الحروب الأهلية والاقتتال على أسس طائفية وقبلية في اليمن وليبيا والسودان وسوريا. في كل هذه السياقات، لم يؤدِّ العنف والاضطراب إلى تعطيل السياسة فحسب، بل إلى موتها فعليًا بوصفها فعلًا جماعيًا قائمًا على الاختيار والمساءلة. ويكمن جزء جوهري من هذا الموات، ومن دوامات الاقتتال نفسها، في شكل السلطة الحديثة التي أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن: سلطة امتلكت المواطن وحوّلته موضوعاً للحكم والسيطرة، لا فاعلًا سياسيًا يملك دولته كما يفترض العقد السياسي.
من وحي هذا الواقع السياسي المشوّه، يمكن استدعاء الفيلم المصري “عايز حقي” (2003) بوصفه عملاً كوميديًا أو احتجاجًا فرديًا معزولًا، بل أيضاً كتجربة فكرية سينمائية تحاول نزع الجمود عن النص الدستوري، وتحويله من وثيقة صمّاء إلى ممارسة حية. إذ يطرح بطل الفيلم، صابر الطيب، سؤالًا يبدو في بساطته ساذجًا: “أريد حقي؟”، أي أنه يريد نصيبه من المال العام للوطن! ولا يريد شيئاً آخر من الدولة. لكن، السؤال في عمقه، يفتح فجوة فلسفية واسعة حول سؤال السيادة نفسه: من يملك من؟ هل المواطن هو المصدر الفعلي لسلطة الدولة ومالكها الرمزي والمادي، أم أن الدولة، بوصفها جهازًا إداريًا وبيروقراطيًا، قد استولت على المواطن وحقوقه، بل وعلى جسده ذاته، عبر الإقصاء أو القتل أو المحو الرمزي، لتحوّله من طرف في العقد الاجتماعي إلى رعية خاضعة لمنظومة إدارية لا تعرف الرحمة؟
بهذا المعنى، لا تُقرأ حكاية صابر الطيب باعتبارها قصة فرد يطالب بنصيبه، بل كمرآة كاشفة لواقع سياسي أوسع، تُستدعى فيه أسئلة السيادة والمواطنة في السياق الحديث. وهي أسئلة سنحاول مقاربتها، بإيجاز، عبر ثلاث عدسات مترابطة: فلسفة العقد الاجتماعي، تمدد البيروقراطية وتحولها إلى سلطة قائمة بذاتها، ثم الصراع بين قدسية الأرض ومَنطق السلعنة.
بداية، إن سؤال “من يمتلك من؟” ليس طارئًا، بل هو ضارب بجذوره في صميم نظريات العقد الاجتماعي التي أسست لفكرة الدولة الحديثة، فقد انطلقت هذه النظريات من افتراض أن الدولة هي نتاج اتفاق إرادي بين أفراد قرروا مغادرة “حالة الطبيعة” والدخول في “الحالة المدنية”. غير أن الخلاف الجوهري بين الفلاسفة تمحور حول مقدار السيادة التي يحتفظ بها المواطن بعد هذا الانتقال. ففي تصور توماس هوبز، تتجسد الدولة في صورة “الليفياثان” المطلق؛ كيان يحتكر العنف والقرار، ويتنازل الأفراد في ظله عن حقوقهم مقابل الأمن. هنا، وعلى هذا الأساس، لا تعود الدولة ملكًا لمواطنيها، بل يصبح المواطن مِلكًا لها، موضوعًا لإرادتها، لا يملك من حق المساءلة سوى ما يضمن له البقاء على قيد الحياة، لا سيما في تأسيس الدول الحديثة التي انفكت عن الاستعمار.
على الضفة المقابلة، يقدم جون لوك تصورًا مغايرًا، يرى فيه الدولة بوصفها “وكيلًا” أو خادمًا مكلّفًا بحماية حق الملكية، الذي يشمل الحياة والحرية والممتلكات. في هذا الإطار، تظل السيادة الأصلية بيد المواطن، وتغدو الدولة مجرد مدير مؤقت لها، يفقد شرعيته متى فشل في أداء وظيفته. يتصرف “صابر الطيب”، في قصة الفيلم، وفق هذا المنطق اللوكي؛ فهو لا يرى نفسه متسولًا أو متمردًا، بل شريكًا يطالب الدولة بتنفيذ التزاماتها التعاقدية تجاه ملكية مشاعة هي في جوهرها أحد مُلاكها.
أما جان جاك روسو، فقد صاغ مفهوم “الإرادة العامة” التي تتجسد فيها سيادة الشعب كوحدة لا تتجزأ، حيث يصبح المواطن جزءًا من الكلّ السيادي، غير أن مأساة صابر تنبع من أن هذه الإرادة، في الواقع المعاصر، أي بفعل تفشي الدولة العربية الاستبدادية، قد تآكلت وتحوّلت إلى شعار فارغ، بعدما استحوذ عليها الجهاز الإداري، ما خلق هوّة سحيقة بين النظرية التي تتغنى بسيادة الشعب، والواقع السلطوي الذي يجرّم مطالب المواطن، ويصنفها باعتبارها خروجًا عن الإجماع أو إرهابًا فكريًا. الصراع في الفيلم، إذاً، هو محاولة للانتقال من وضع الرعية الخاضعة إلى موقع الشريك المالك، انتقال تصطدم فيه إرادة الفرد بجبروت الكيان.
إقرأوا أيضاً:
يعكس الفيلم صدمة ما يمكن تسميته بـ”المواطنة المادية”، حين يصطدم المواطن بحائط بيروقراطي صلب يتعامل مع الملكية العامة بوصفها ملكية خاصة للجهاز، ورأسه، وحاشية هذا الرأس، لا حقًا مشتركًا لطبقات الشعب كافة. فالاستناد إلى المواد الدستورية التي تمنح المواطنين نصيبًا في الناتج القومي والأصول العامة يظل، في الممارسة اليومية، مجرد “نص ميت”. وحين حاول صابر تحويل هذا النص إلى “حق عيني” قابل للإحياء والتجسيد، ووجه بترسانة قانونية تعيد تعريف “الواجبات” – مثل حماية القطاع العام – باعتبارها أداة لإلغاء الحقوق، وهنا قد تحولت الدولة من إطار ضامن للمواطنة إلى “وصي” يستخدم القانون لا لتمكين الأفراد، بل لتحصين ذاته الإدارية ضد أي مساءلة مادية.
أيضاً، تقاطع هذا التحول مع سياق اقتصادي أعمق، يتمثل في سياسات الخصخصة. فبينما تحرم الدولة المواطن من التصرف في “حصته” باسم السيادة، نراها تتصرف في هذه الأصول ذاتها عبر البيع لمستثمرين تحت شعارات التنمية والإصلاح. في هذه اللحظة، يبرز تصور المواطن “كمساهم” في شركة كبرى؛ فإذا كانت الدولة تبيع أصولًا مشاعة بدون الرجوع إلى الملاك الحقيقيين، فبأي شرعية تفعل ذلك؟ هنا تنقلب الدولة من “حارس للمال العام” إلى “سمسار” يتصرف في ملكية غيره لمعالجة عجز ناتج، في الأساس، من إخفاقات الجهاز نفسه.
ينتج من ذلك، بالإضافة إلى كل ممارسات الطبقية والاستبداد، شعور عميق بالاغتراب: المواطن يمتلك الدولة نظريًا في ديباجة الدستور، بينما تمتلكها البيروقراطية، ومن يرأسها، إجرائيًا في تفاصيل الحياة اليومية. هذا الانفصام يحول المواطنة من علاقة مشاركة سياسية فاعلة إلى وضعية انتظار في طوابير الخدمات، أو إلى علاقة استهلاكية بحتة، بعد تآكل الأمل في التأثير.
هذا إلى أن بلغت الإشكالية ذروتها الفلسفية في مشهد المزاد العلني، حيث تُعرض “الأرض” لا الدولة للبيع، فتتراجع الدولة كجهاز إداري، لتنكشف قيمة “الوطن” كمعنى وجودي. ومن هنا، كان لزاماً أن استدعى الفيلم أسطورة “عواد باع أرضه” بوصفها معيارًا أخلاقيًا وثقافيًا لإدانة التفريط في الأصول. غير أن تفكيك هذه الرمزية يكشف مفارقة حادة؛ إذ غالبًا ما تُستخدم مثل هذه الأساطير لتجريم المطالب المشروعة بالحقوق المادية، ووسمها بالخيانة. لكن صابر يدرك، في لحظة وعي متأخرة، حقيقة فلسفية حاسمة: إن بيع حق الملكية هو، في جوهره، بيع لحق الوجود ذاته. فبدون الأرض والأصول، يتحول المواطن إلى غريب، أو مستأجر مؤقت، خاضع لسيادة رأس المال العابر للحدود.
في الفيلم، لم يكن مشهد الاندفاع الجماعي لمنح التوكيلات فعل خيانة، بل تعبيرًا عن “يأس تعاقدي”؛ فعندما فشلت الدولة في أداء دورها كخادم عادل وموزع للثروة، لا يبقى أمام الأفراد سوى البحث عن ثمن أوراق ملكيتهم والانسحاب. غير أن التراجع في اللحظة الأخيرة يؤكد أن السيادة هي القيمة الوحيدة التي لا يمكن تسييلها أو تحويلها إلى رقم. فالحل لا يكمن في بيع الوطن، كما تخيل صابر، ولا في تأميم المواطن كما تمارس السلطة، بل في بناء دولة مواطنة حقيقية، تُمكّن الفرد من الرقابة والمساءلة على ملكيته العامة، وتحوّلها من ثروة محتكرة للجهاز إلى رفاهية جماعية، فالسيادة الحقة هي تلك التي تضمن للمواطن ألا يكون رعية، بل شريكًا فاعلًا، يمتلك إرادته وقراره فوق أرضه، لا على هامشها.
نهاية، يبقى سؤال “من يمتلك من؟” مفتوحًا بوصفه صراعًا يوميًا داخل بنية الدولة الحديثة، لا إشكالًا نظريًا مجردًا. ففي سياقات الاستبداد، تمتلك الدولة المواطن عبر القوانين وأجهزة الضبط واحتكار العنف، ولا تكتفي بذلك، بل تسعى إلى السيطرة على وعيه وخياله السياسي، وتحويل الحقوق إلى امتيازات مشروطة بالطاعة. في المقابل، لا يمتلك المواطن دولته إلا بقدر ما يحافظ على وعيه النقدي وتمسكه بفكرة السيادة الشعبية بوصفها حقًا أصيلًا لا يسقط بالتقادم. من هذا المنظور، لا يظهر فيلم “عايز حقي” ككوميديا ساخرة عن بيروقراطية عاجزة، بل كتشخيص مبكر لمفارقة الدولة السلطوية التي تتحدث باسم الشعب، لكنها تخشى أن يتصرف هذا الشعب كمالك فعلي لها.
وفي واقعنا الراهن، حيث يتّسع الاستبداد وتُدار الثروة والقرار بعيدًا عن المواطنين، يكتسب سؤال الفيلم راهنيته القصوى: ماذا يتبقى من العقد الاجتماعي حين تُختزل المواطنة في واجبات بلا حقوق، وتتحول السيادة إلى شعار يُستدعى لقمع المطالب لا لحمايتها؟ الوطن الذي لا يشعر المواطن بملكيته له، ماديًا ورمزيًا، يصبح وطنًا هشًا قابلًا للبيع أو التفكيك في أي لحظة. واستعادة الدولة لا تبدأ بإصلاحات شكلية، بل بإعادة تعريف جذرية للعلاقة بين السلطة والملكية، حيث تتحول الحقوق من منح مؤقتة إلى استحقاقات ثابتة، ويغدو المواطن شريكًا فاعلًا لا رعية صامتة، قادرًا على مساءلة من يديرون وطنه قبل أن يُطلب منه الدفاع عنه.














