ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ما وراء دعوات الاحتجاج في إيران: تحليل حملة رقمية عابرة للحدود

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يرسم هذا التحليل صورة معقّدة للاحتجاجات التي شهدتها إيران أواخر العام 2025، بوصفها حدثاً مزدوج الطبقات: حراك اجتماعي وسياسي حقيقي في الشارع، وصراع رقمي موازٍ على منصّات التواصل، حاولت فيه أطراف متعدّدة داخلية وخارجية السيطرة على رواية ما يجري، وتوجيه تفسيره عالمياً. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ابراهيم هلال

فالاحتجاجات اندلعت أساساً في سياق أزمة اقتصادية سياسية خانقة مع تضخّم مرتفع، وتراجع حادّ في قيمة العملة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والطاقة، إضافة إلى أزمات الخدمات والبنى التحتية. هذه العوامل دفعت قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى الشارع، خصوصاً في المدن التجارية، حيث عبّر المحتجّون عن غضب اجتماعي سرعان ما اكتسب بعداً سياسياً مع تصاعد الشعارات، التي تنتقد سياسات النظام.

لكن بالتوازي مع هذا الحراك، كانت تتشكّل في الفضاء الرقمي موجة دعائية واسعة سبقت الاحتجاجات واستمرّت خلالها. بدأت هذه الموجة بالترويج لرضا بهلوي نجل شاه إيران السابق بوصفه بديلاً سياسياً محتملاً، قبل أن تتطوّر تدريجياً إلى خطاب يدعو إلى “تحرير إيران” عبر تدخّل خارجي. 

وقد انطلقت الشرارة الرقمية من وسوم انتشرت أوّلاً على إنستغرام، ثم انتقلت إلى منصّات أخرى، ولاحظ التحليل أن انتشارها كان سريعاً وغير متناسب مع عدد المنشورات، وهو نمط يرتبط عادة بحملات منسّقة لا بتفاعل عفوي. 

كما أظهرت البيانات أن جزءاً كبيراً من النشاط كان صادراً من خارج إيران، وأن اللغة الإنجليزية هي الغالبة على المحتوى، ما يشير إلى أن الجمهور المستهدف لم يكن الإيرانيين وحدهم، بل الرأي العامّ الدولي أيضاً.

تبيّن كذلك أن عدداً من الحسابات الأكثر نشاطاً اتّسم بخصائص تقنية تثير الشكوك حول طبيعته: حسابات حديثة الإنشاء، أو حسابات غيّرت أسماءها وهويّاتها مرّات عدّة، أو حسابات تنشر بكثافة رغم امتلاكها عدداً ضئيلاً من المتابعين. 

بعض هذه الحسابات كان يكرّر مجموعات ثابتة من الوسوم، أو ينشر بوتيرة لا تتوافق مع النشاط البشري الطبيعي، كما رُصد حضور واضح لحسابات مؤيّدة لإسرائيل، أو مرتبطة بخطاب سياسي داعم لها، شاركت في تضخيم الدعوات إلى الاحتجاج وربطت بين إسقاط النظام الإيراني وإعادة صياغة علاقاته الإقليمية، بما في ذلك الدعوة إلى عودة نظام ملكي يُقدَّم بوصفه أكثر توافقاً مع الغرب.

غير أن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى الطرف المقابل، فالنظام الإيراني نفسه أطلق حملة رقمية مضادّة هدفت إلى نزع الشرعية عن الاحتجاجات، عبر تصوير المشاركين فيها كعملاء لقوى خارجية. 

استخدمت هذه الحملة وسوماً تتّهم المتظاهرين بالارتباط بأجهزة استخبارات أجنبية، وانتشرت أساساً عبر شبكة حسابات مؤيّدة للنظام، كثير منها مجهول الهويّة أو يُدار من خارج البلاد، ورغم أن عدد المنشورات المرتبطة بهذه الوسوم لم يكن كبيراً، فإن حجم الوصول الذي حقّقته كان مرتفعاً بشكل لافت، وهو مؤشّر آخر على تضخيم رقمي منظّم. 

الخطاب المستخدم في هذه الحملة اتّسم بحدّة عالية وبنبرة غاضبة، ما يعكس طبيعة دعائية تستهدف تعبئة المؤيّدين وتبرير القمع، أكثر مما تعكس نقاشاً عامّاً حقيقياً.

في هذا السياق، يصبح الفضاء الرقمي امتداداً مباشراً للصراع السياسي، لا مجرّد منصّة تعبير، فالحملتان، المعارضة العابرة للحدود، والرسمية المرتبطة بأجهزة الدولة، استخدمتا أدوات المنصّات نفسها، من الوسوم إلى خوارزميات الانتشار، لمحاولة احتكار تفسير الأحداث، وبين هاتين الروايتين المتصارعتين، تراجعت مساحة الأصوات المدنية المستقلّة، وتقلّص حضور الخطاب الاحتجاجي غير المؤدلج، وهو ما يعكس اختلالاً في ميزان القدرة على الوصول والتأثير، لا في عدد المتظاهرين أو مطالبهم.

تكشف هذه المعطيات أيضاً حدود قراءة الاحتجاجات من خلال المؤشّرات الرقمية وحدها، فالأرقام المرتفعة للتفاعل أو الوصول لا تعني بالضرورة تأييداً شعبياً واسعاً، إذ يمكن هندستها أو تضخيمها عبر شبكات من الحسابات المنسّقة، لذلك يحذّر التقرير من التعامل مع بيانات المنصّات بوصفها انعكاساً مباشراً للرأي العامّ، ويؤكّد ضرورة تحليل مصادرها وأنماطها قبل استخلاص أيّ استنتاجات سياسية أو إعلامية.

الأهمّ، أن هذا المشهد الرقمي يعكس واقعاً أعمق داخل إيران: فضاء داخلي مقيّد بآلة رقابة وقمع قويّة تحدّ من قدرة المواطنين على التعبير الحرّ عن مواقفهم. فإجراءات مثل قطع الإنترنت أو مراقبة المنصّات تدفع النقاش العامّ إلى الخارج، حيث يصبح عرضة لإعادة التشكيل من قِبل جهات مختلفة، بعضها معارض وبعضها رسمي وبعضها عابر للحدود. 

وهكذا، بدلاً من أن تعكس الشبكات الاجتماعية صوت الداخل، تتحوّل في أحيان كثيرة إلى ساحة تتنافس فيها روايات متصارعة حول الداخل.

في المحصّلة، لا يمكن فهم احتجاجات إيران الأخيرة بوصفها مجرّد موجة غضب اجتماعي أو حملة دعائية رقمية، بل باعتبارها تداخلاً بين الاثنتين، هناك أزمة حقيقية تدفع الناس إلى الشارع، لكن هناك أيضاً معركة سرديات عالمية تحاول تفسير هذه الأزمة وتوجيه معناها، وما يكشفه التحليل أن التحدّي لم يعد في معرفة ما يحدث على الأرض فقط، بل في التمييز بين ما يحدث فعلاً وما يُصنع رقمياً ليبدو كأنه الواقع ذاته.

في ما يلي ملخّص للتيّارات التي غلبت على الوسوم:

خلفية الاحتجاجات والشرارة الرقمية

اندلعت الاحتجاجات أساساً نتيجة عوامل اقتصادية ومعيشية حادّة: تضخّم بين 42 و52%، وانهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، ونقص المياه والكهرباء، ما دفع قطاعات واسعة؛ خصوصاً أصحاب المشاريع الصغيرة، إلى حافّة الإفلاس. 

ومع توسّع الاحتجاجات، ظهرت شعارات سياسية مباشرة مثل “لا غزّة لا لبنان، روحي فداء إيران”، وهو تحوّل يشير إلى انتقال الحراك من مطلب معيشي إلى تحدٍّ سياسي للنظام.

ردّ النظام بدأ حذراً، ثم اتّجه نحو العنف المباشر، وهو ما تزامن مع تصاعد نشاط رقمي مكثّف خارج البلاد، يدعو إلى إسقاط النظام.

تشير البيانات إلى أن بداية الحملة الرقمية تعود إلى 20 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025 ،مع إطلاق وسم #KingRezaPahlavi الذي روّج لنجل الشاه بوصفه بديلاً سياسياً، وانطلق الوسم من حسابات معارضة خارج إيران، بعضها مقيم في الولايات المتّحدة.

المثير أن بعض الحسابات الأولى التي نشرت الوسم، ربطته مباشرة بدعوات تدخّل عسكري أميركي أو إسرائيلي، ما يكشف أن الخطاب لم يكن إصلاحياً داخلياً، بل اتّجه سريعاً نحو طرح سيناريو “تحرير خارجي”.

 تضخّم رقمي غير طبيعي

أحد أهم استنتاجات التقرير أن حجم التفاعل لم يكن متناسباً مع عدد المنشورات، ففي 21 كانون الأوّل/ ديسمبر كان هناك 32 منشوراً فقط، لكنّ العدد ارتفع إلى نحو 4900 منشور بحلول 10 كانون الثاني/ يناير، محقّقاً وصولاً يقارب 1.5 مليون مشاهدة، رغم أن السلطات الإيرانية كانت قد قطعت الإنترنت داخل البلاد قبل ذلك بأيّام.

التحليل الجغرافي بيّن أن مركز النشاط لم يكن إيران بل الخارج:

الولايات المتّحدة – الأعلى تفاعلاً

ألمانيا

إيران

كندا وبريطانيا والهند

كما تبيّن أن أكثر من 56% من المحتوى كان باللغة الإنجليزية، مقابل أقلّ من ربع المنشورات بالفارسية، وهو مؤشّر قوي على أن الجمهور المستهدف لم يكن الإيرانيين وحدهم، بل الرأي العامّ الدولي.

توقيت النشر أيضاً تزامن غالباً مع ساعات الذروة في أميركا الشمالية، ما يعزّز فرضية إدارة الحملة من خارج إيران.

حضور مباشر لشبكات مؤيّدة لإسرائيل

أحد أبرز معطيات التقرير، هو الدور اللافت لحسابات إسرائيلية أو مؤيّدة لإسرائيل في تضخيم الحملة، بعض هذه الحسابات دعا صراحة إلى الاحتجاج داخل إيران، وربط ذلك بعودة النظام الملكي باعتباره “متصالحاً مع إسرائيل”.

كما كشفت بيانات الشفافية أن عدداً من الحسابات يعلن موقعاً جغرافياً، لكنّه يُدار فعلياً من دولة أخرى، مثل حساب يحدّد موقعه في القدس، بينما تتمّ إدارته من الكونغو، ما يعكس بنية تشغيل شبكية عابرة للحدود.

 الحملة المضادّة: رواية النظام

في المقابل، أطلق النظام الإيراني حملة رقمية مضادّة عبر وسم #تروریست‌های_موساد (إرهابيو الموساد) لتصوير المحتجّين كعملاء لأجهزة استخبارات أجنبية.

بدأ الوسم من حساب وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري، ثم تضخّم عبر شبكة حسابات مؤيّدة للنظام، ورغم أن عدد التغريدات لم يتجاوز 296، فقد حقّقت وصولاً يقدَّر بنحو 19 مليون مرّة، وهو رقم مرتفع يدلّ أيضاً على تضخيم منسّق.

بين هاتين السرديتين، تراجعت أصوات المحتجّين الفعلية غير المؤدلجة، وغاب الخطاب المدني لصالح خطاب تعبوي موجّه.

وبالتالي، فإن فهم الاحتجاجات المعاصرة، خصوصاً في بيئات سياسية مغلقة مثل إيران، لم يعد ممكناً عبر قراءة الشارع فقط، بل يتطلّب أيضاً تفكيك البنية الرقمية التي تشكّل صورتها عالمياً، فبينما استخدمت شبكات معارضة أدوات التضخيم الرقمي لدفع خطاب تغيير جذري مدعوم خارجياً، استخدم النظام الأدوات نفسها لتشويه المحتجّين وتبرير القمع، والنتيجة: فضاء رقمي مشوَّش، تتصارع فيه روايات منظّمة، أكثر مما يتجلّى فيه صوت الشارع الحقيقي.

يمكن الاطّلاع على التحليل الرقمي كاملاً على موقع “مجتمع التحقّق العربي”

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
16.02.2026
زمن القراءة: 6 minutes

يرسم هذا التحليل صورة معقّدة للاحتجاجات التي شهدتها إيران أواخر العام 2025، بوصفها حدثاً مزدوج الطبقات: حراك اجتماعي وسياسي حقيقي في الشارع، وصراع رقمي موازٍ على منصّات التواصل، حاولت فيه أطراف متعدّدة داخلية وخارجية السيطرة على رواية ما يجري، وتوجيه تفسيره عالمياً. 

ابراهيم هلال

فالاحتجاجات اندلعت أساساً في سياق أزمة اقتصادية سياسية خانقة مع تضخّم مرتفع، وتراجع حادّ في قيمة العملة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والطاقة، إضافة إلى أزمات الخدمات والبنى التحتية. هذه العوامل دفعت قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى الشارع، خصوصاً في المدن التجارية، حيث عبّر المحتجّون عن غضب اجتماعي سرعان ما اكتسب بعداً سياسياً مع تصاعد الشعارات، التي تنتقد سياسات النظام.

لكن بالتوازي مع هذا الحراك، كانت تتشكّل في الفضاء الرقمي موجة دعائية واسعة سبقت الاحتجاجات واستمرّت خلالها. بدأت هذه الموجة بالترويج لرضا بهلوي نجل شاه إيران السابق بوصفه بديلاً سياسياً محتملاً، قبل أن تتطوّر تدريجياً إلى خطاب يدعو إلى “تحرير إيران” عبر تدخّل خارجي. 

وقد انطلقت الشرارة الرقمية من وسوم انتشرت أوّلاً على إنستغرام، ثم انتقلت إلى منصّات أخرى، ولاحظ التحليل أن انتشارها كان سريعاً وغير متناسب مع عدد المنشورات، وهو نمط يرتبط عادة بحملات منسّقة لا بتفاعل عفوي. 

كما أظهرت البيانات أن جزءاً كبيراً من النشاط كان صادراً من خارج إيران، وأن اللغة الإنجليزية هي الغالبة على المحتوى، ما يشير إلى أن الجمهور المستهدف لم يكن الإيرانيين وحدهم، بل الرأي العامّ الدولي أيضاً.

تبيّن كذلك أن عدداً من الحسابات الأكثر نشاطاً اتّسم بخصائص تقنية تثير الشكوك حول طبيعته: حسابات حديثة الإنشاء، أو حسابات غيّرت أسماءها وهويّاتها مرّات عدّة، أو حسابات تنشر بكثافة رغم امتلاكها عدداً ضئيلاً من المتابعين. 

بعض هذه الحسابات كان يكرّر مجموعات ثابتة من الوسوم، أو ينشر بوتيرة لا تتوافق مع النشاط البشري الطبيعي، كما رُصد حضور واضح لحسابات مؤيّدة لإسرائيل، أو مرتبطة بخطاب سياسي داعم لها، شاركت في تضخيم الدعوات إلى الاحتجاج وربطت بين إسقاط النظام الإيراني وإعادة صياغة علاقاته الإقليمية، بما في ذلك الدعوة إلى عودة نظام ملكي يُقدَّم بوصفه أكثر توافقاً مع الغرب.

غير أن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى الطرف المقابل، فالنظام الإيراني نفسه أطلق حملة رقمية مضادّة هدفت إلى نزع الشرعية عن الاحتجاجات، عبر تصوير المشاركين فيها كعملاء لقوى خارجية. 

استخدمت هذه الحملة وسوماً تتّهم المتظاهرين بالارتباط بأجهزة استخبارات أجنبية، وانتشرت أساساً عبر شبكة حسابات مؤيّدة للنظام، كثير منها مجهول الهويّة أو يُدار من خارج البلاد، ورغم أن عدد المنشورات المرتبطة بهذه الوسوم لم يكن كبيراً، فإن حجم الوصول الذي حقّقته كان مرتفعاً بشكل لافت، وهو مؤشّر آخر على تضخيم رقمي منظّم. 

الخطاب المستخدم في هذه الحملة اتّسم بحدّة عالية وبنبرة غاضبة، ما يعكس طبيعة دعائية تستهدف تعبئة المؤيّدين وتبرير القمع، أكثر مما تعكس نقاشاً عامّاً حقيقياً.

في هذا السياق، يصبح الفضاء الرقمي امتداداً مباشراً للصراع السياسي، لا مجرّد منصّة تعبير، فالحملتان، المعارضة العابرة للحدود، والرسمية المرتبطة بأجهزة الدولة، استخدمتا أدوات المنصّات نفسها، من الوسوم إلى خوارزميات الانتشار، لمحاولة احتكار تفسير الأحداث، وبين هاتين الروايتين المتصارعتين، تراجعت مساحة الأصوات المدنية المستقلّة، وتقلّص حضور الخطاب الاحتجاجي غير المؤدلج، وهو ما يعكس اختلالاً في ميزان القدرة على الوصول والتأثير، لا في عدد المتظاهرين أو مطالبهم.

تكشف هذه المعطيات أيضاً حدود قراءة الاحتجاجات من خلال المؤشّرات الرقمية وحدها، فالأرقام المرتفعة للتفاعل أو الوصول لا تعني بالضرورة تأييداً شعبياً واسعاً، إذ يمكن هندستها أو تضخيمها عبر شبكات من الحسابات المنسّقة، لذلك يحذّر التقرير من التعامل مع بيانات المنصّات بوصفها انعكاساً مباشراً للرأي العامّ، ويؤكّد ضرورة تحليل مصادرها وأنماطها قبل استخلاص أيّ استنتاجات سياسية أو إعلامية.

الأهمّ، أن هذا المشهد الرقمي يعكس واقعاً أعمق داخل إيران: فضاء داخلي مقيّد بآلة رقابة وقمع قويّة تحدّ من قدرة المواطنين على التعبير الحرّ عن مواقفهم. فإجراءات مثل قطع الإنترنت أو مراقبة المنصّات تدفع النقاش العامّ إلى الخارج، حيث يصبح عرضة لإعادة التشكيل من قِبل جهات مختلفة، بعضها معارض وبعضها رسمي وبعضها عابر للحدود. 

وهكذا، بدلاً من أن تعكس الشبكات الاجتماعية صوت الداخل، تتحوّل في أحيان كثيرة إلى ساحة تتنافس فيها روايات متصارعة حول الداخل.

في المحصّلة، لا يمكن فهم احتجاجات إيران الأخيرة بوصفها مجرّد موجة غضب اجتماعي أو حملة دعائية رقمية، بل باعتبارها تداخلاً بين الاثنتين، هناك أزمة حقيقية تدفع الناس إلى الشارع، لكن هناك أيضاً معركة سرديات عالمية تحاول تفسير هذه الأزمة وتوجيه معناها، وما يكشفه التحليل أن التحدّي لم يعد في معرفة ما يحدث على الأرض فقط، بل في التمييز بين ما يحدث فعلاً وما يُصنع رقمياً ليبدو كأنه الواقع ذاته.

في ما يلي ملخّص للتيّارات التي غلبت على الوسوم:

خلفية الاحتجاجات والشرارة الرقمية

اندلعت الاحتجاجات أساساً نتيجة عوامل اقتصادية ومعيشية حادّة: تضخّم بين 42 و52%، وانهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، ونقص المياه والكهرباء، ما دفع قطاعات واسعة؛ خصوصاً أصحاب المشاريع الصغيرة، إلى حافّة الإفلاس. 

ومع توسّع الاحتجاجات، ظهرت شعارات سياسية مباشرة مثل “لا غزّة لا لبنان، روحي فداء إيران”، وهو تحوّل يشير إلى انتقال الحراك من مطلب معيشي إلى تحدٍّ سياسي للنظام.

ردّ النظام بدأ حذراً، ثم اتّجه نحو العنف المباشر، وهو ما تزامن مع تصاعد نشاط رقمي مكثّف خارج البلاد، يدعو إلى إسقاط النظام.

تشير البيانات إلى أن بداية الحملة الرقمية تعود إلى 20 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025 ،مع إطلاق وسم #KingRezaPahlavi الذي روّج لنجل الشاه بوصفه بديلاً سياسياً، وانطلق الوسم من حسابات معارضة خارج إيران، بعضها مقيم في الولايات المتّحدة.

المثير أن بعض الحسابات الأولى التي نشرت الوسم، ربطته مباشرة بدعوات تدخّل عسكري أميركي أو إسرائيلي، ما يكشف أن الخطاب لم يكن إصلاحياً داخلياً، بل اتّجه سريعاً نحو طرح سيناريو “تحرير خارجي”.

 تضخّم رقمي غير طبيعي

أحد أهم استنتاجات التقرير أن حجم التفاعل لم يكن متناسباً مع عدد المنشورات، ففي 21 كانون الأوّل/ ديسمبر كان هناك 32 منشوراً فقط، لكنّ العدد ارتفع إلى نحو 4900 منشور بحلول 10 كانون الثاني/ يناير، محقّقاً وصولاً يقارب 1.5 مليون مشاهدة، رغم أن السلطات الإيرانية كانت قد قطعت الإنترنت داخل البلاد قبل ذلك بأيّام.

التحليل الجغرافي بيّن أن مركز النشاط لم يكن إيران بل الخارج:

الولايات المتّحدة – الأعلى تفاعلاً

ألمانيا

إيران

كندا وبريطانيا والهند

كما تبيّن أن أكثر من 56% من المحتوى كان باللغة الإنجليزية، مقابل أقلّ من ربع المنشورات بالفارسية، وهو مؤشّر قوي على أن الجمهور المستهدف لم يكن الإيرانيين وحدهم، بل الرأي العامّ الدولي.

توقيت النشر أيضاً تزامن غالباً مع ساعات الذروة في أميركا الشمالية، ما يعزّز فرضية إدارة الحملة من خارج إيران.

حضور مباشر لشبكات مؤيّدة لإسرائيل

أحد أبرز معطيات التقرير، هو الدور اللافت لحسابات إسرائيلية أو مؤيّدة لإسرائيل في تضخيم الحملة، بعض هذه الحسابات دعا صراحة إلى الاحتجاج داخل إيران، وربط ذلك بعودة النظام الملكي باعتباره “متصالحاً مع إسرائيل”.

كما كشفت بيانات الشفافية أن عدداً من الحسابات يعلن موقعاً جغرافياً، لكنّه يُدار فعلياً من دولة أخرى، مثل حساب يحدّد موقعه في القدس، بينما تتمّ إدارته من الكونغو، ما يعكس بنية تشغيل شبكية عابرة للحدود.

 الحملة المضادّة: رواية النظام

في المقابل، أطلق النظام الإيراني حملة رقمية مضادّة عبر وسم #تروریست‌های_موساد (إرهابيو الموساد) لتصوير المحتجّين كعملاء لأجهزة استخبارات أجنبية.

بدأ الوسم من حساب وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري، ثم تضخّم عبر شبكة حسابات مؤيّدة للنظام، ورغم أن عدد التغريدات لم يتجاوز 296، فقد حقّقت وصولاً يقدَّر بنحو 19 مليون مرّة، وهو رقم مرتفع يدلّ أيضاً على تضخيم منسّق.

بين هاتين السرديتين، تراجعت أصوات المحتجّين الفعلية غير المؤدلجة، وغاب الخطاب المدني لصالح خطاب تعبوي موجّه.

وبالتالي، فإن فهم الاحتجاجات المعاصرة، خصوصاً في بيئات سياسية مغلقة مثل إيران، لم يعد ممكناً عبر قراءة الشارع فقط، بل يتطلّب أيضاً تفكيك البنية الرقمية التي تشكّل صورتها عالمياً، فبينما استخدمت شبكات معارضة أدوات التضخيم الرقمي لدفع خطاب تغيير جذري مدعوم خارجياً، استخدم النظام الأدوات نفسها لتشويه المحتجّين وتبرير القمع، والنتيجة: فضاء رقمي مشوَّش، تتصارع فيه روايات منظّمة، أكثر مما يتجلّى فيه صوت الشارع الحقيقي.

يمكن الاطّلاع على التحليل الرقمي كاملاً على موقع “مجتمع التحقّق العربي”