حين وُلدتُ في منطقة قبة النصر، أطلقت جارتنا أم طلال زغرودةً من بنايتنا المطلة على المدينة القديمة، حيث تربض تحتها أبنية متهالكة في حي ضهر المغر وباب الحديد. كانت هذه الزغرودة، بالنسبة إليّ، قد طارت، ويحلو لي أن أتخيلها وصلت إلى البحر الذي يطل على الهضبة الأجمل في طرابلس. فالقبة، وهي تلة عالية تاريخياً، عُرفت بمناخها المعتدل نظراً إلى بساتينها الوافرة من الزيتون، وقربها من النهر، وإحاطتها ببساتين الليمون وصولاً إلى مجدليا، وحافظت على حضورها في الذاكرة المحلية كمنطقة ذات موقع استراتيجي. وكانت في مراحلها الأولى مقصداً للاصطياف قبل أن تتحول تدريجياً إلى حي سكني مكتظ ومتوسع، مثل وحش كبير يقضم البساتين العامرة بالزيتون والليمون والآكادينيا التي اشتهرت بها، إلى يومٍ ليس ببعيد، الحدائق المسيّجة الصغيرة لبنايات القبة القديمة، والتي يبدو أن معظمها مهدد بالانقراض والهدم والانهيار.
تتصل هذه المنطقة بتاريخ طرابلس العريق، التي شهدت صراعاً طويلاً بين الصليبيين والمسلمين، حتى تحررت المدينة عام 1289 على يد المماليك.
مع مرور الزمن، تحولت القبة من مكان للاسترخاء إلى أحد أكبر الأحياء السكنية في طرابلس، وبدأت تتشكل فيها حياة مدنية حديثة، إذ شهدت توسعاً عمرانياً منذ منتصف القرن العشرين. وازدهر البناء في المنطقة بشكل واضح مع زيادة الطلب على السكن والخدمات، فانتشرت الأبنية السكنية والتجارية، وارتبطت المنطقة بنشاطات اقتصادية حيوية. وتأتي الثكنة العسكرية كرمز للأهمية الاستراتيجية للقبة، إذ يُعد وجودها علامة على الدور الأمني والوطني الذي تؤديه المنطقة ضمن النسيج الطرابلسي. كما لعبت مؤسسة الريجي الخاصة بالتبغ دوراً بارزاً في دعم الحركة الاقتصادية في القبة، إذ أصبحت من أبرز المؤسسات التي وفّرت فرص عمل، وأدخلت نشاطاً صناعياً وتجارياً إلى محيطها، ما ساهم في جذب المزيد من السكان وتوسيع العمران. وفي الوقت نفسه، بدأت القبة تتّجه نحو دور معرفي جديد مع تأسيس فروع للجامعة اللبنانية فيها، وهو ما جعلها ليست فقط منطقة سكنية، بل أيضاً مركزاً تعليمياً يخدم طلاب المدينة والشمال، ويعزز موقعها كحي متطور يجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.
أخذت القبة لقبها بعد النصر الذي حققه المعز قلاوون على الصليبيين، بعدما بقي فيها مع جنوده بين بساتينها، وحاصروا القلعة التي تطل على التلة الأخرى في المدينة، أبو سمرا، حيث التكية المولوية والمكان الذي كان يخرج منه الحجاج المسيحيون قبل مغادرتهم إلى القدس والناصرة.
كان حي القبة في طرابلس مرتع طفولتي، وحتى اليوم، حين يراودني حنين جارف، أفتح «غوغل مابس» وأتجول في الحي الذي كبرت فيه. أنظر إلى بنايتنا، بناية المصري، التي كنت أتخيل صغيراً أنها ستقع من مكانها لهشاشتها، وكنا في الطابق السادس نعيش تحت رحمة المطر الذي ينزّ من شقوق شقتنا. فكنا نوزع الطشوت البلاستيكية لتحتوي الماء النازل من السماء إلينا عبر الشقوق التي صارت لي شقوقاً غير مرئية أبحث فيها عن كائنات لا أراها، لكنها تزيد من مخيلتي الطفولية. كانت تغريني فكرة أننا قد نغرق أو نسقط ونموت، على الرغم من الخوف الدفين، خصوصاً حين تبدأ الرياح الآتية من البحر بتحريك نوافذنا وباب شرفتنا وتهزه، كما يهز وحش عملاق حياتنا وأغراضها. كنت لا أعرف النوم إلا قليلاً، وأشبه بذلك بطل روايتي حسن الأطرش، الذي ألهمتني بناية المصري هذه، بشخوصها، والتي أخاف أن يصبح مصيرها ـ وهذا ما لا أتمناه ـ شبيهاً بمصير بنايات كثيرة، وهو الانهيار.
تسقط مباني طرابلس بعد سنوات طويلة من الإهمال المتراكم. فمنذ بدايات تأسيس دولة لبنان الكبير، وُضعت المدينة خارج أولويات الدولة الناشئة، لا بوصفها مركزاً اقتصادياً وتاريخياً، بل كمدينة طرفية يُكتفى بإدارتها لا تطويرها. هذا الإهمال لم يكن ظرفياً، بل تحول مع الوقت إلى نهج ثابت، انعكس غياباً في التخطيط، وضعفاً في الاستثمار العام، وتركاً متعمداً للبنى التحتية والعمرانية من دون صيانة أو تحديث.
وبعد اتفاق الطائف، الذي رُفع فيه شعار الإنماء المتوازن وإعادة بناء الدولة، لم يطرأ تغيير فعلي على موقع طرابلس في السياسات العامة. توقفت المشاريع الإنتاجية، وأُهملت المرافئ والمنشآت الحيوية، وتراجعت فرص العمل، فيما لم تُخصص للمدينة برامج جدية لمعالجة أوضاعها العمرانية أو الاجتماعية. منذ التسعينات، بقيت طرابلس خارج مسار الإعمار الفعلي، وتُركت أحياؤها القديمة تواجه الزمن من دون تدخل منظم أو خطط صيانة مستدامة. بهذا المعنى، فإن انهيار المباني في طرابلس ليس حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل من غياب السياسات العامة الفاعلة، وتأجيل المعالجة، والاكتفاء بإجراءات جزئية لا تعالج جذور المشكلة. هو انعكاس مباشر لطريقة إدارة المدينة ضمن الدولة، حيث يتقدم الإهمال على التخطيط، وتغيب المسؤولية لمصلحة الانتظار الدائم حتى الوصول إلى نقطة الموت.
لا يمكن فصل هذا الواقع عن أبعاد اقتصادية واجتماعية أوسع. فأكثر من 60 في المئة من سكان طرابلس يعيشون تحت خط الفقر، والمدينة، التي تُعد ثاني أكبر مدن لبنان، لا تحصل عملياً على نصيب معقول من الإنفاق العام، إذ لا تتجاوز حصة طرابلس من المشاريع الإنمائية المركزية خلال العقدين الأخيرين أقل من 5 في المئة، على رغم أن الحاجة فيها أعلى بكثير. وهذا ليس مجرد تراجع في الإنماء، بل مؤشر إلى سياسة إهمال ممنهجة، تترجم إلى تدهور في البنى التحتية، وغياب خطط صيانة مستمرة، وعدم وجود رقابة صارمة على تراخيص البناء، وتخلٍّ شبه كامل عن إعادة تأهيل الأحياء القديمة.
النتيجة ليست أزمة مبانٍ فحسب، بل أزمة نظام. انهيار مبنى واحد لا يبقى حادثاً منفصلاً، بل يؤدي إلى نزوح عائلات، وضغوط إضافية على الخدمات، وارتفاع في الإيجارات، وتوسع في الفقر، وتفاقم في مستويات التوتر الاجتماعي. وهنا يتبين أن المشكلة ليست فنية أو ظرفية، بل مرتبطة بغياب رؤية واضحة، وبضعف التنفيذ، وبانعدام المتابعة، وبمنطق الإعلان بدل العمل. في طرابلس، لا توجد خطة متكاملة تشمل تقييماً هندسياً، وترميماً عاجلاً، وإيواءً مؤقتاً وتعويضات، ومتابعة دائمة. هناك إجراءات ردّ فعل فقط، لا تلحقها أي خطط إنقاذ. الواقع في طرابلس ليس مجرد مبانٍ مهددة، بل نظام إداري وسياسي لا يملك القدرة أو الرغبة في معالجة أزمة واضحة منذ سنوات. الأرقام لا تكذب. خطر الانهيار قائم. الأزمة تتسع يوماً بعد يوم، لكن منطق الدولة لا يزال يعتمد على التأجيل والتسويف والوعود، بينما الناس يعيشون فوق ركام محتمل، وتحت سكين الموت القادم.
إقرأوا أيضاً:
لو اجتمع ساسة طرابلس في جلسة واحدة، جلسة حقيقية لا تُلتقط فيها الصور ولا تُلقى فيها الخطب، وأقرّوا مساعدات طارئة لبلدية طرابلس، على أن تشرف هيئات جمعياتهم ـ وأكثرهم يملك جمعيات أهلية ذات خبرة وإدارات مهنية ـ وبدأوا فوراً بورشة ترميم منهجية، لكان بالإمكان احتواء الأزمة وإيقاف خطر الموت، وربما إنقاذ المدينة من كارثة تُكتب فصولها كل يوم. ليس الأمر بحاجة إلى معجزة، بل إلى قرار. لكنهم لا يجتمعون إلا على تقاسم النفوذ، ولا يتفقون إلا على تأجيل الموت، كما لو أن تأجيل الحادث يجعل من المدينة أقل خطراً.
المفارقة الفاضحة أن الإمكانات موجودة، والإطار جاهز، لكن الإرادة مفقودة. مؤسسات ميقاتي، والصفدي، وسمير الجسر، وأشرف ريفي، وفيصل كرامي، وجمعية المشاريع الخيرية، والجماعة الإسلامية، والقطاع السلفي بكل أطيافه، ومؤسسة موريس فاضل، وقطاعات الجمعية الأرثوذكسية التي تملك تاريخاً في الخدمات، جميعها قادرة، خلال أسابيع لا أشهر، على تأمين مئات أماكن الإيواء المؤقتة، وتقديم مساعدات عينية مباشرة، وبدء ترميم عاجل للأبنية الأخطر. ليس لأنها مؤسسات تتبرع أو تتراحم، بل لأنها تمتلك البنية الإدارية والمالية التي تجعلها قادرة على التنفيذ السريع. وهي ليست ناقصة بالمعلومات، بل إن معظمها يملك بيانات أدق عن الأبنية المهددة من تلك التي تملكها بلدية طرابلس نفسها، لأن عملها الميداني يقترب أكثر من واقع الناس اليومي.
ومع ذلك، لا شيء يحدث. ليس لأن القدرة غير موجودة، بل لأن السياسة هنا تُدار بمنطق المنافع والامتيازات، لا بمنطق المسؤولية. في طرابلس، تُستخدم الأزمة كفرصة للمزايدة، والخطر كسلعة يُتداول بها بين الأطراف، بينما تبقى المدينة وحدها أمام خطر يتزايد كل يوم. تتكرر الحلقة نفسها: يُعلن عن الأزمة، ثم تُعقد اجتماعات وتصدر بيانات، ثم يعود الجميع إلى مواقعهم، وتبقى طرابلس تنتظر أن يقرر من يملك القدرة أن يتحرك، لا من يملك الكلام أن يردد.
والأمر الأكثر وضوحاً أن المشكلة ليست في غياب المال فقط، بل في غياب القرار. حيتان المال في طرابلس، الذين تتحرك أموالهم في الاقتصاد المحلي كأنها شريان حياة، لديهم القدرة على المساعدة، لكنهم لا يتخذون قراراً بذلك. هم من يمتلكون قنوات التمويل، ومن يملكون القدرة على إحداث تغيير سريع في الأسواق، ومن يستطيعون الضغط على الجهات الرسمية لتحقيق شيء واحد: أن تبدأ أعمال الترميم الفعلية، وأن تُوفَّر حلول الإيواء المؤقت، وأن تُدفع خطة إنقاذ للمدينة. لكنهم لا يفعلون ذلك، ليس لأنهم غير قادرين، بل لأن مسألة الإنقاذ لا تدرّ عليهم ربحاً سياسياً أو اقتصادياً مباشراً، أو لأنها لا تدخل ضمن حسابات المحاصصة التي تحكم المشهد العام.
في طرابلس، ليست المشكلة في نقص الموارد، بل في طريقة إدارة المدينة التي تحولت إلى ساحة تُتقاسم فيها المنافع والامتيازات.
البلدية، التي هي الجهة الأولى المفترضة في مواجهة الأزمة، تغرق في عجز إداري ومالي مزمن، وتكتفي بإصدار بيانات تحذيرية لا تتجاوز حدود التنبيه. هذه البيانات ليست مجرد كلمات، بل هي رسالة ضمنية تقول: اخرجوا من المبنى، وعلينا أن نتحمل مسؤولية ما يحدث. وكأن البلدية ترفع يدها عن مسؤولية حياة الناس، وتعتبر نفسها مجرد جهة إعلامية لا جهة تنفيذية. هذا العجز ليس جديداً، بل هو نتيجة تراكم سنوات من ضعف الإدارة، وغياب خطط الصيانة، وتراجع القدرة على تنفيذ مشاريع بسيطة قبل أن تصبح أزمة كبرى.
أما الحكومة اللبنانية، فهي لا تختلف كثيراً في تعاملها مع طرابلس. فهي، كعادتها، تنظر إلى المدينة كعبء أمني أو صندوق فقر، لا كمدينة لها حق الحياة والتطوير. حكومة أنفقت مليارات الدولارات على محاصصات الكهرباء والاتصالات، وتعجز عن رصد بضعة ملايين من الدولارات لمنع انهيار أحياء كاملة فوق ساكنيها. إنها دولة تتعامل مع طرابلس كأنها قضية ثانوية، لا كجزء من الدولة، ولا كمدينة تملك تاريخاً اقتصادياً واجتماعياً يجعلها تستحق الحد الأدنى من الاهتمام.
الاعتماد على الدولة في لبنان خرافة ثقيلة الظل. دولة تتجاهل طرابلس منذ نهاية الحرب، لا يمكن أن تُقنع أهلها بأنها استيقظت فجأة على خطر المباني. هذه المرة، المدينة أولوية عند أهلها فقط. يصرخون، يكتبون، يحذرون، لكن لا أحد يسمع، لأن الصمم هنا ليس مرضاً، بل خيار سياسي. من هنا، لا بد من خطة طارئة واضحة تُسلّم إلى هيئة ناظمة مستقلة، يشرف عليها أشخاص مشهود لهم بالنزاهة، للعمل بسرعة والتنسيق بين مكاتب السياسيين، والمجتمع المدني، والبلدية، وقطاعات الشباب القادرة على التطوع والعمل الميداني. طرابلس لا تنقصها الكفاءات، ولا التجربة، ولا الإرادة الشعبية. ما ينقصها هو قرار شجاع، ونية صادقة، وكسر حلقة النفاق العام.
كانت طرابلس، في زمن ما، تُنقذ بتجارها. وهؤلاء التجار هم اليوم أهالي رجال السياسة الكبار فيها. لكن التجارة تحولت إلى متاجرة، والسياسة إلى سمسرة، والمدينة إلى رهينة. لا سياسة في البلد ولا رحمة، بل استثمار في الخراب، وانتظار لانهيار جديد يُستثمر إعلامياً ثم يُنسى.
طرابلس لا تطلب المستحيل.
تطلب فقط ألا تموت بصمت.














