أيام قليلة تفصلنا عن ذكرى إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بوساطة أميركية-فرنسية. الاتفاق الذي لم تلتزم به إسرائيل منذ الساعات الأولى، وانتهت صلاحيته في 18 شباط/ فبراير 2025 بعد تمديده لمدة 18 يوماً. نجح الاتفاق، نظرياً، في وقف الغزو الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في توفير الأمن للجنوبيين، وفي وقف العدوان اليومي ومنع إسرائيل من احتلال 5 نقاط حدودية. فبينما التزم الجيش اللبناني بنص الاتفاق حرفياً، ونشر وحداته في مناطق عمليات قوات “اليونيفيل”، وقدم خططاً ملموسة لحصر السلاح في مناطق جنوب الليطاني، لم تلتزم إسرائيل بشيء.
في هذا المناخ، تتصاعد التهديدات الإسرائيلية للبنان، وتتوسع دائرة الاستهدافات اليومية، فيما ينتظر الجميع اندلاع حرب مفتوحة جديدة. لكن السؤال الأهم: هل نحن فعلاً في انتظار الحرب، أم أن الحرب القائمة بالفعل هي حرب استنزافٍ طويلة الأمد يمكن أن تستمر لسنوات إضافية؟ وتطفو على السطح أسئلةٌ أخرى: هل هناك قدرة لدى “حزب الله” على القتال بعد إخلائه مواقعه وتسليمه سلاحه في مناطق جنوب الليطاني؟ ومن يحمي أبناء الجنوب من الاستهدافات اليومية؟ فلا “حزب الله” قادرٌ على الردّ أو يريده، ولا الجيش اللبناني، على رغم كفاءة عناصره، يملك القدرات العسكرية لمواجهة التهديدات الإسرائيلية. فما الحل إذاً؟
المأزق السياسي: ضغوط واشنطن و”حزب الله” تصبّ في الاتجاه ذاته
يبذل كل من رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام جهوداً واضحة للخروج من المأزق الحالي ومنع تدهور الوضع الأمني، على رغم التباعد في مواقفهما أحياناً. يحرص سلام على التأكيد باستمرار أن قرار الحرب والسلم هو بيد الدولة وحدها، فيما يكرّر عون التذكير باستعداده للتفاوض للتوصل إلى حلّ يحفظ الأرواح ويمنع القتل اليومي. ويحاول رئيس مجلس النواب نبيه بري بدوره ملاقاة عون وسلام من دون أن يُحدِثَ شرخاً مع “حزب الله”، فيُظهر بعض الليونة في مسألة التفاوض، مشترطاً أن تكون غير مباشرة عبر “لجنة الميكانيزم”. وفي الحالات الثلاث يُضفى الطابع المؤسساتي على أي تفاوضٍ محتمل.
لكن هذه الإرادة اللبنانية الرسمية تصطدم بجدار إسرائيل. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يطمح إلى فرض شروط قاسية عبر مفاوضات مباشرة. وفي الوقت ذاته، تضاعف الولايات المتحدة من ضغوطها السياسية والأمنية على الدولة اللبنانية، ممعنةً في تقويض شرعيتها وإضعاف موقفها أمام “حزب الله” وقاعدته الشعبية، بدلاً من تمكين الجيش اللبناني وتقديم الدعم اللازم له لتنفيذ خطته لاستكمال انتشاره، وحصر السلاح، وضمان أمن جنوب لبنان.
وفي خضم ذلك، يبرز دور “حزب الله” كعامل إرباكٍ إضافي، بخاصة بعد رسالته إلى الرؤساء الثلاثة، على رغم التزامه بتنفيذ جزء كبير من الشروط التي فُرِضَت عليه وعلى لبنان وبموافقته، مقابل رفضه الالتزام التام بتنفيذ خطة الجيش اللبناني ومقررات مجلس الوزراء. فبدلاً من التعاون مع الدولة، وملاقاة مبادرة الرئيس عون لمنع السيناريو الأسوأ، ومواقف قيادة الجيش اللبناني التي تخاطر بجنودٍ شبه عُزّل للتخفيف من وطأة الظروف الأمنية القاسية وإبعاد شبح الحرب الشاملة، بدلاً من ذلك، ينتهج الحزب مسار التخريب السياسي، متقاطعاً مع الولايات المتحدة في ضغوطها السياسية على الدولة اللبنانية. فجميع خطابات وبيانات الحزب وتحركاته السياسية، لا تعكس واقع التوازنات على الأرض بقدر ما تصب الزيت على نار التصعيد الإسرائيلي، ما يضع لبنان أمام معادلة الانجراف نحو حربٍ مدمرة تقود إلى الاستسلام المذلّ، والقبول بشروطٍ تعجيزية تمنعه من النهوض بدلاً من الخروج بتسوية عادلة أو شبه عادلة.
إسرائيل: تكرار الأكاذيب وإصرارٌ على التصعيد
تتزايد التقارير الأمنية الإسرائيلية، سواء عبر الجهات الرسمية أو في الصحف والإعلام (الخاضعة للرقابة والتوجيه الأمني أساساً)، حول تمكن “حزب الله” من إعادة تسليح نفسه، ودخول كميات من الأسلحة عبر الحدود اللبنانية-السورية ومرفأ بيروت، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الأموال. إلا أن هذه التقارير تتعارض مع واقع الحصار المطبق الذي تمارسه إسرائيل على لبنان، سواء عبر المسيّرات التي تملأ الأجواء اللبنانية، أو عبر التنصّت وجمع المعلومات من خلال اختراق البنية التحتية الرقمية وأنظمة الاتصالات، أو عبر شبكات التجسّس المكونة من مجموعات وأفراد، داخل تنظيم “حزب الله” ومؤسسات الدولة اللبنانية وخارجهما. فكيف تصطاد إسرائيل بشكل شبه يومي عناصر حزبية عادية، ولا نجدها تبادر إلى قصف شحنات مزعومة لنقل الأسلحة أو الأموال؟ هل تبرّر لنفسها اغتيال أفرادٍ لا يقاتلون، بينما تحتاج إلى مبرّرات لاستهداف ما تعتبره ذريعة لإشعال حرب؟
إقرأوا أيضاً:
تقابل الأكاذيب الإسرائيلية ادعاءات يروّج لها “حزب الله”، لأسباب تبدو سياسية داخلية بالدرجة الأولى، حول إعادة تسليح نفسه وبناء قدراته العسكرية، على رغم أن التقارير الإسرائيلية وادعاءات الحزب تقتصران على مناطق شمال الليطاني، ما يؤكّد إتمام الجيش اللبناني الجزء الأكبر من مهمته في جنوب الليطاني، ويؤكّد أيضاً التسييس الداخلي لمسألة سلاح “حزب الله”، بعدما كان قضية إقليمية بامتياز، بخاصة قبل سقوط نظام الأسد في سوريا. فلنفترض إذاً أن توجه الحزب يتمحور حول إعادة بناء قدراته في مناطق شمال الليطاني، في ظل الخروقات الأمنية الإسرائيلية الكبيرة، وفقدان الحزب الجزء الأكبر من قدراته الصاروخية الهجومية، وانقطاع سلاسل الإمداد اللوجستي، وتحوّل الحكومة اللبنانية إلى خصمٍ سياسي وأمني يحاول تثبيت شرعية الدولة اللبنانية ومؤسساتها على الأراضي اللبنانية كافة، والقبض على قرار الحرب والسلم، بعدما كانت تحت سيطرة الحزب لسنوات طويلة، فأين التهديد الذي يشكّله الحزب على إسرائيل، والذي يستحق أن تبادر الأخيرة إلى إعلان حربٍ جديدة بسببه؟ فالحزب لم يعد يشكّل تهديداً اليوم سوى للدولة اللبنانية وحدها، بينما تشكّل إسرائيل تهديداً وجودياً للدولة والحزب والمجتمع اللبناني معاً.
غطاء إقليمي وعربي للبنان: من حاجة إلى ضرورة
يفتح الوضع السياسي الداخلي المتأزم الباب أمام سياسة الابتزاز الإسرائيلية. وبالتوازي مع هذا التشرذم، كلما أظهر لبنان مرونةً في التعامل مع الشروط الإسرائيلية، ازدادت هذه الشروط قسوةً. وتبدو كلمة نتانياهو أمام الكنيست حين قال “نحن عازمون على فرض اتفاقات وقف إطلاق النار حيثما وجدت بيدٍ من حديد، ضد من يسعون إلى تدميرنا، ويمكنكم أن تروا ما يحدث يومياً في لبنان”، وكأنها تأكيدٌ على أننا في مواجهة حرب استنزاف طويلة الأمد، ستتراكم فيها الشروط الإسرائيلية وتزداد صعوبة، وصولاً إلى إحياء مشروع المنطقة الاقتصادية العازلة في جنوب لبنان بعمقٍ يمكن أن يتراوح بين خمسة إلى عشرة كيلومترات، وما يعنيه ذلك من تهجيرٍ دائم لسكان تلك المناطق.
موقف لبنان اليوم ليس أسوأ من موقف غزة سابقاً، والتي تمكّنت من تجنّب مخطط الترحيل القسري الجماعي، على رغم فقدانها جميع عناصر القوة الداخلية تحت وطأة الإبادة الجماعية والتجويع والتدمير المنهجي. لكن هذا المخطط لم يفشل من تلقاء نفسه، بل يقع خلف إفشاله ثقلٌ إقليمي وعربي لا يمكن تجاهله، برز كخط دفاعٍ أخير، لا دفاعاً عن سكان غزة فحسب، بل خوفاً من تمدّد مخططات التهجير إلى الضفة الغربية وجنوب سوريا، وأيضاً جنوب لبنان، وما يعنيه ذلك من بزوغ عصرٍ جديد: العصر الإسرائيلي الذي لا يمكن التنبؤ بمآلاته.
إلا أن الفرق الأساسي والأهم بين غزة ولبنان، هو في اقتناع حركة “حماس” بعبثية الاستمرار في القتال بعدما دخل الاختلال الفادح في ميزان القوى مرحلة لا رجوع فيها. هذا الأمر لا ينطبق على “حزب الله” الذي لا يزال يرفع الرهان، وهنا المصيبة الكبيرة، لأن عملية رفع الرهان التي يمارسها الحزب تقوم على سيكولوجية المقامرة الانتقامية Revenge Gambling، رغبةً في التعويض عن الخسائر السابقة من دون الأخذ في الاعتبار حجم الخسائر الكارثية الجديدة، التي تتراكم أساساً يوماً بعد آخر.
في المقابل، يعلّق عون وسلام جميع آمالهما على “العطف الأميركي”، في حين يكمن الحل في العمل الدبلوماسي الذي يمكن أن يعزز موقف لبنان في محيطه الإقليمي الممتد من دول الخليج العربي إلى مصر وتركيا. إلا أن هذا التوجه يحتاج إلى وحدة في الموقف اللبناني، بدءاً من التفاهم الحقيقي بين الرئاسات الثلاث، وصولاً إلى تسوية داخلية واقعية بين الدولة اللبنانية و”حزب الله”، وتسوية خارجية مماثلة بين الدولة اللبنانية وإيران. أما تجميد تنفيذ خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح، رداً على الاعتداءات الإسرائيلية، فهي انزلاقٌ في اللعبة الإسرائيلية التي يضبط نتانياهو إيقاعها، والهدف منها استدراج “الشرعية اللبنانية” إلى المقتلة الكبرى، ما سيلغي آخر فرص لبنان في تعزيز موقعه الإقليمي وإعادة بناء قواه الذاتية عبر دولته ومؤسساته.
إقرأوا أيضاً:












