عام 2022 قال يحيى السنوار في لقاء جماهيري عقب عملية “سيف القدس”، إن “خطة المقاومة أساسها عزل إسرائيل عن العالم وإجبارها على تفكيك المستوطنات والاعتراف بدولة فلسطين خلال فترة لن تزيد عن العام”.
في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بدأت عملية طوفان الأقصى، وبدأ يتكرر في الإعلام الحديث عن أن خطة السنوار السابقة بدأت تتحقق، خصوصاً أن أهداف العمليّة تتمثل بـ”تبييض السجون وتحرير الأسرى كافة ووقف الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى ووضع خارطة طريق بضمانات حقيقية لإقامة دولة فلسطينية”، خطة وأهداف تبيّن “سوء تقدير” و”حسابات خاطئة” في تنفيذهما بعد أيام فقط، إذ شنت إسرائيل حرب إبادة قتلت فيها أكثر من 42 ألف غزي وشردت الآلاف وخلّفت عشرات آلاف المفقودين والمصابين.
قُتل السنوار بعد عام من “طوفان الأقصى”، وبقي الرهان على “تحقيق الأهداف” قائماً إثر موجة تعاطف شعبي حول العالم وإجراءات غير مسبوقة اتخذتها جهات دولية ضد حكومة إسرائيل خلال العام الأول من الحرب، التي ارتقت إلى إبادة جماعيّة، نتجت منها عقوبات على مستوطنين، والتهديد بعقوبات على وزيري الأمن القومي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش، والتهديد بإصدار مذكرات اعتقال دوليّة بحق رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وليس آخراً، إدراج منظمة الأمم المتحدة إسرائيل على القائمة السوداء لارتكابها انتهاكات ضد حقوق الأطفال خلال النزاعات.
في المقابل، وجدَ نتانياهو في عملية طوفان الأقصى طوق نجاة لمسيرته السياسية، فرئيس الحكومة الملاحق بتهم فساد وتحالف حكومي هشّ، راهن على أن هذه العملية ستسمح له بخوض حرب طويلة تكسبه الوقت، ويخرج منها بطلاً قومياً قضى على حماس في غزة وحيّد خطر حزب الله ولجمَ إيران، وحقّق لليمين والصهيونية الدينية طموحات تهجير الفلسطينيين نحو غزة والأردن والتوسع شمالاً نحو الليطاني.
لا هدنة ولا عودة للرهائن !
حسابات كثيرة بدأت على أساسها عملية “طوفان الأقصى” والرد الإسرائيلي عليها، وباتت محلّ تساؤل حقيقي عن مدى إصابتها التوقعات؛ فلا إسرائيل عزلت وعوقبت وأجبرت على التفاوض، ولا “المقاومة” هزمت ورفعت الراية البيضاء، ولا الفلسطيني ترك أرضه وفرّ نحو مصر أو الأردن، ولا جبهة الإسناد حسّنت من موقف الفلسطينيين في المعركة، ولا إيران كانت رادعاً، ولا أميركا تحولت الى وسيط حقيقي يسعى الى عقد اتفاق هدنة يعيد الأمور الى ما قبل 6 تشرين الأول/ أكتوبر على الأقل، إن لم يكن اتفاق سلام.
إقرأوا أيضاً:
“اللاخطة” التي يتبناها نتانياهو
حدد نتانياهو أهدافه العلنية بالقضاء على حماس واستعادة الرهائن، بينما قدم وعوداً لتحالفه الحكومي باستعادة غزة والضفة وتهجير الفلسطينيين والقضاء على التهديد الإيراني. لكنه سرعان ما أضاف إلى أهدافه إعادة سكان الشمال الذي نزحوا بسبب صواريخ حزب الله، ثم وعد بالقضاء على حزب الله وإعادته إلى ما وراء نهر الليطاني، والآن يهدد بقصف منشآت إيران النووية أو مواقع عسكريّة، إذ لم يحسم بعد شكل الردّ الإسرائيلي على الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل.
كلما حدد نتانياهو هدفاً جديداً زاد رصيد الأهداف غير المحققة، فلا حماس انتهت ولا الفلسطيني زحف الى دول الجوار هرباً ولا صواريخ حزب الله توقفت، ولا سكان الشمال عادوا ولا إيران رُدعت، بل حقق نتانياهو خلال هذه الفترة ما هو أسوأ ما مرّ على إسرائيل من خسائر اقتصادية وبالأرواح، بمقتل نحو 1200 إسرائيلي، وسقوط حوالى عشرة آلاف جريح، ناهيك بنحو ثمانين مليار دولار من الخسائر الاقتصادية وانقسامات كبيرة في المجتمع الإسرائيلي تدور كلها في فلك “نسب الحرب الأهلية”.
يظهر استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أن 53 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون إنهاء الحرب في غزة مقابل 47 في المئة يؤيدون استمرارها، كما أن أكثر من نصف الإسرائيليين لا يثقون بنتانياهو رغم ارتفاع شعبيته مقارنة بالعام الماضي، وهي كلها نسب تشير إلى انقسام حاد وكبير لم تشهده إسرائيل سابقاً.
في غزة، ورغم أن إسرائيل وجهت ضربات كبيرة لحماس، إلا أن ذلك جاء بتكلفة باهظة من الصعب على الشارع الإسرائيلي ابتلاعها، خصوصاً أن 101 رهينة ما زالوا محتجزين (يقدّر أن نصفهم قتلوا في غارات إسرائيلية). وفي لبنان، يعترف الجنرالات الإسرائيليون بأنه على الرغم من اغتيالهم قادة حزب الله، بمن في ذلك حسن نصرالله، وتدميرهم ما لا يقل عن نصف ترسانة الصواريخ التابعة له، بحسب زعمهم، فإن حزب الله سيظل قوة قائمة في لبنان.
عجز العالم المزدوج!
ربما نجحت إسرائيل في توجيه ضربات كبيرة جداً للفلسطينيين ومحور المقاومة، لكنها لم تنجح في إنهاء حروبها، بل سعت الى اندلاعها وتوسيعها، ولا تدري بالضبط كيفية إدارة الحروب المتعددة التي تخوضها وإنهائها، لا سيما كيفية الرد على الهجوم الصاروخي الأخير من إيران من دون التعرض لهجوم أكبر في ظل عدم رغبة الولايات المتحدة في الانخراط في حروب جديدة في المنطقة؛ كل هذا ولا تزال تل أبيب تعيش في حالة صدمة وغير قادرة على استيعاب مأساتها بشكل كامل، كما وصفتها الكاتبة ليلاك فولاش بأنها متلازمة “السابع من أكتوبر المستمر”.
على المستوى الدولي، قال رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية، كريستوفر واري، أنه يواجه “تهديدات أمنية لم يشهدها من قبل في حياته”، لأن ما حصل في 7 أكتوبر “سيلهم المزيد من الوحشية”، ترافق ذلك مع تقارير إسرائيلية عن تشبيه حماس بالنازيين، الحركة التي تستهدف الغزيين والإسرائيليين لـ”استخفافها بالحياة الإنسانيّة”. وفي مقال نشره رافاييل جيروسلايمي، ضابط الاستخبارات الإسرائيليّ السابق، يؤكد حثّ المجتمع الدولي على التعامل مع “متلازمة حماس” على “المستوى الدوليّ للحد من انتشارها في العالم”!.
بعيداً عن وضع كل الحسابات السابقة تحت التقييم، يظهر مفهوم “المجتمع الدوليّ” كمحرك للضغط، سواء على إسرائيل من حماس، أو من إسرائيل لـ”السماح” لها بالإبادة تحت حجة “الدفاع عن النفس”. وفي كلَي الحالتين، يتم الاستعانة بالنازيين، كمثال للمقارنة، لكن يبدو أن المجتمع الدولي منقسم إلى “عالم غربي” عاجز عن إيقاف الإبادة ويدينها فقط، و “عالم خارج قيم الغرب” ما زال مصمماً على مواقفه من إسرائيل بوصفها “الشر الأكبر”، ونتيجة الرهان المزدوج على هذين “العالمين” يقف عاجزاً تماماً عن إيقاف الإبادة، ممن يدينها وممن يراها تضحية!
دور الأيديولوجيا ورأس المال
إن كان نتانياهو أغفل في حساباته أن جنون العظمة لم يقد أحداً في يوم لتحقيق أهدافه قبل أن يقضي عليه، فإن فصائل المقاومة أغفلت في حساباتها أيضاً عوامل أكثر أهمية من الوضع الإنساني بالنسبة الى المجتمع الدولي، كالتي يلفت إليها الدكتور وليد عبد الحي، أستاذ الدراسات الاستشرافية، وتتجلى في وجود نزعة أميركية-أوروبية-شرق أوسطية لاجتثاث الإسلام السياسي بالقوة، تشاطرها في ذلك دول مؤثرة كالهند وأذربيجان وبعض دول آسيا الوسطى.
ناهيك برغبة أنظمة سياسية عربية في اجتثاث هذا التيار (الإخوان المسلمون مصنفون كجماعة إرهابية في الإمارات ومصر)، ومعها شركات أمنية خاصة يرتبط الكثير منها بإسرائيل وبقوى سياسية غربية، إضافة إلى الدعم الكبير من أقوى التيارات الدينية في أميركا (الأنغليكان) لمشروع نتانياهو، لإيمان هذا التيار المسيحي الصهيوني بأن تجميع يهود العالم في “أرض الميعاد” هو البشارة بعودة المسيح، ولهذا التيار وزنه المهم في الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، ولعل وجود ممثلين أقوياء له في دوائر صنع القرار الأميركي يعزز نزعة التصعيد.
كما لا يمكن غض الطرف عن دور شركات التصنيع العسكري في الغرب، والتي تعد الحروب مصدر ربحها الوحيد، واشتعال الحرب في الشرق الاوسط هو فرصة ذهبية لهذا المجمّع الصناعي الذي له نفوذه وجماعات ضغطه في كل دوائر صناعة القرار الأميركي، خصوصاً أمام الحذر من مد أوكرانيا بالسلاح، فبينما حصلت إسرائيل على نظام “ثاد ” المضاد للصواريخ الباليستيّة، لم تحصل أوكرانيا عليه، علماً أن الأخيرة تقتل جيش دولة نظاميّة وجهاً لوجه.
تكشف الأيديولوجيا ورأس مال السلاح أنهما ذات سطوة أشدّ من سطوة المجتمع الدولي ومؤسساته، إلى حد أن إسرائيل تطلق النار بشكل مباشر على قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، من دون رد حقيقي على هذا الاعتداء المباشر على المؤسسة الدولية الأعلى والأشد قدرة، متمثلة بمجلس الأمن، الأداة التنفيذية للأمم المتحدة، بصورة ما التكلفة الإنسانيّة خارج حسابات الطرفين المتصارعين، لكن أن تكون خارج حسابات المجتمع الدوليّ والأمم المتحدة، التي تأسست بعد حرب قضى فيها الملايين، يعني ضرورة إعادة النظر في الدور الحقيقي لهذه المؤسسات، أو على الأقل آلية تنفيذها قراراتها، خصوصاً أن الوقت يعني المزيد من القتلى المدنيين، والمزيد من بيع السلاح!.











