ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

متى يتوقّف خطاب الكراهية في مصر ضد السودانيين؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تواصل السلطات المصرية عمليات الاعتقالات الجماعية والإعادة القسرية للاجئين السودانيين، والتي طاولت أخيراً قيادياً مجتمعياً سودانياً بدعوى تدريسه المنهج السوداني لطلاب مركز تعليمي يُديره.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في مطلع تموز/ يوليو الماضي، ألقت الشرطة المصرية القبض على اللاجئ السوداني عثمان حسين يعقوب، مدير مركز الرؤية الأفريقية للتعليم السوداني، في مدينة 6 أكتوبر، على خلفية تدريسه المنهج السوداني، في استمرار لمسلسل الاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية للاجئين السودانيين في مصر.

احتُجز يعقوب في قسم شرطة ثان 6 أكتوبر ولم يُعرض على النيابة، وأنكر القسم وجوده حتى مساء 7 تموز. تواصل القسم بعدها مع أسرة اللاجئ مؤكداً ضرورة حجز تذكرة السفر إلى السودان لترحيل عثمان، وأن وجوده في مصر غير مرغوب فيه من السلطات المصرية، من دون إبداء أسباب أو تحقيق أو حتى الإحالة الى النيابة العامة، وذلك وفق بيان صادر عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات.

تقول منصة اللاجئين في مصر، وهي منظمة مستقلة تعمل للدفاع عن حقوق الإنسان، ويرتكز عملها على دعم حقوق الأشخاص المتنقّلين ومناصرة حقوقهم/هن، إن السلطات المصرية أخفت عثمان قسرياً لمدة أسبوع، تعرض خلاله للتعذيب لإجباره على التوقيع على وثيقة تفيد بـ”عودته الطوعية” الى السودان.

كذلك، أفادت منظمات حقوقية محلية ودولية – في بيان مشترك أُصدر في تموز الماضي – بأن قوات الأمن استولت على كتب من المناهج الدراسية السودانية (الجغرافيا والتاريخ) وحاسوب يعقوب  الشخصي. ووثقت “منصة اللاجئين في مصر”، نقل عثمان من قسم شرطة ثاني 6 أكتوبر إلى الإدارة العامة للجوازات والهجرة، التي أصدرت خطاباً إلى السفارة السودانية تحثّها فيه على استخراج وثيقة سفر اضطرارية لترحيله. 

وعلى رغم كون يعقوب – الذي لم يتم توجيه أية اتهامات له – مسجلاً لدى مفوضية الأمم المتحدة منذ العام 2013 ويستحق حمايتها، واطلاع الجهات الأمنية على بطاقة اللجوء الخاصة به وسريان الإقامة الخاصة به حتى شهر آب/ أغسطس 2024، إلا أن السفارة السودانية وافقت على استخراج وثيقة سفر له تمهيداً لإعادته قسرياً بناء على الطلب الذي وجّهته إليها السلطات المصرية ممثّلة فى مصلحة الجوازات والهجرة، وفق ما ذكرت أسرته. وقد تم بالفعل نقل عثمان إلى الإدارة العامة للجوازات والهجرة وترحيله من ثم إلى معبر قسطل الحدودي بين مصر والسودان.

ولبيان سبب القبض على يعقوب، قال مصدر حقوقي في المفوضية المصرية للحقوق والحريات، إنه مع انتشار الخطاب السلبي تجاه اللاجئين السودانيين، راجت بين المطالبين بترحيل اللاجئين منشورات فيها نسخ من مناهج دراسية سودانية تحتوي على خريطة تدعي أن منطقة حلايب وشلاتين من ضمن الأراضي السودانية، متّخذين ذلك سبباً للمطالبة بترحيلهم وغلق تلك المدارس.

ويقع مثلث حلايب وشلاتين على الحدود الرسمية بين مصر والسودان، على الطرف الأفريقي للبحر الأحمر، بمساحة إجمالية تُقدر بنحو 20.580 كيلومتر مربع، وتوجد فيه ثلاث بلدات كبرى، هي حلايب وأبو رماد وشلاتين. وظلت حلايب وشلاتين، المتنازع عليهما، منطقة مفتوحة أمام حركة التجارة والأفراد من دون قيود بين البلدين، على رغم تنازع السيادة بينهما.

ظلّ الوضع على هذه الحال حتى عام 1995، حين أرسلت مصر قوات عسكرية لفرض سيطرتها عليها عقب اتهام القاهرة الخرطوم بالضلوع في مخطط لاغتيال الرئيس المصري السابق، محمد حسني مبارك، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أثناء حضوره اجتماعات القمة الأفريقية.

وبالعودة الى الأصوات المطالبة بترحيل اللاجئين السودانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد تزامنت – وفق المصدر الحقوقي – مع حملة القبض والاحتجاز والترحيل التي بدأتها السلطات المصرية ضد اللاجئين؛ إذ استجابت لتلك المطالبات، وكان من ضمن ما أُغلق مركز الرؤية الأفريقية للتعليم السوداني والقبض على مديرها. 

حول المدارس السودانية في مصر، قال نور خليل، المدير التنفيذي لمنصة اللاجئين في مصر، إن جزءاً كبيراً من الأطفال السودانيين محرومون من التعليم لأسباب مختلفة، مادية بالدرجة الأولى، إضافة الى صعوبة المناهج المصرية مقارنة بالسودانية، وعدم اعتياد الأطفال السودانيين على اللهجة المصرية، ناهيك بالعنصرية ضدهم في المدارس المصرية والتنمّر الذي يواجهونه.

وأكد خليل لـ”درج” ترحيل يعقوب في 7 آب، وقد علمت أسرته قبلها بأيام – بموجب معلومة غير الرسمية وصلتها – أنه محتجز في قسم شرطة الجيزة لكنها لم تستطع زيارته، بسبب إنكار القسم وجوده فيه.

وأوضح خليل أن يعقوب مسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين منذ العام 2012، وحصل على صفة اللاجئ في 2023، وبالتالي حتى لو كان متهماً في قضية أو ارتكب جريمة، فإنه بناء على القانون الدولي والمواثيق التي وقعت عليها مصر لا يجوز ترحيله، لافتاً الى أن تواصل السلطات المصرية مع السفارة السودانية لحثها على استخراج وثيقة سفر اضطرارية لترحيله يمثّل مشاركة معلومات لاجئ مسجل مع دولته الأم، وهو ما يعد “جريمة واضحة” في القانون الدولي.

مطالبات بوقف ترحيل اللاجئين

قبل ترحيله، طالبت 29 منظمة حقوقية محلية ودولية السلطات المصرية بالإفراج الفوري عن اللاجئ والقيادي المجتمعي عثمان يعقوب، والوقف الفوري لإجراءات الترحيل القسري، والتوقف عن احتجاز اللاجئين وملتمسي اللجوء، بخاصة السودانيين منهم، وتمكين طالبي اللجوء من الوصول الى عملية التسجيل وتقديم الطلبات. 

وحثّت المنظمات، في بيان مشترك، السلطات المصرية على ضرورة التوقف الفوري عن كل أشكال الترحيل القسري والطرد والإبعاد التي تقوم بها السلطات الأمنية المصرية بشكل متصاعد، ووقف خطاب الكراهية المتصاعد تجاه اللاجئين وملتمسي اللجوء السودانيين في مصر، واتخاذ إجراءات جدية تجاه المسؤولين الذين يقومون بترديد هذا الخطاب، والتوقف عن إغلاق المراكز التعليمية والمنافذ الترفيهية وأماكن الأنشطة لمجتمعات اللجوء والهجرة في مصر. 

وتحظر الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين، التي وقّعت عليها مصر، إعادة اللاجئ إلى بلد يمكن أن يواجه فيه تهديداً خطيراً لحياته أو حريته، إذ تشدد في مادتها رقم (33) على أنه لا يجوز طرد اللاجئ أو رده بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية.

وقال مصدر حقوقي في “المفوضية المصرية”، إن عمليات الاحتجاز والترحيل غير قانونية وفقاً للتشريعات المحلية والقانون الدولي، وإنه لا يجوز للسلطة التحجّج بأن هؤلاء اللاجئين دخلوا البلاد بطرق “غير شرعية”، موضحاً أنه “من الطبيعي أن تتوقف طرق الدخول الطبيعية في حالات الحروب والكوارث، ولا يتوقع ممن فرّ من مذبحة أو سيدة هاربة بأطفالها بعد تفجير بيتها أو قتل زوجها، أن يجهزوا المستندات للحصول على تأشيرة دخول، هذا عدا عن البيروقراطية والبطء الشديد عند منافذ الدخول في ظل ارتفاع الأعداد، فرض رسوم للدخول”.

وشدّد المصدر على أنه لا يجوز للسلطات أيضاً التحجّج بعدم تسجيل هؤلاء في مفوضية الأمم المتحدة، فعدد منهم (من بينهم السيد يعقوب نفسه) هم مسجلون بمفوضية الأمم المتحدة ويخضعون لولايتها ويستظلون بالحماية الدولية، ومن ضمنها عدم جواز الترحيل أو الإبعاد القسري، لافتاً الى أنه حتى عند الحديث عن غير المسجلين، فغالبيتهم في انتظار المواعيد طويلة الأمد التي تحددها مفوضية الأمم المتحدة بالقاهرة للتسجيل من أجل الإقامة، والتي تمتد إلى عام كامل في بعض الحالات، بالتالي لا تجوز معاقبتهم على ذلك واعتبارهم مخالفين طالما أظهروا موعد طلب التسجيل الذي قدموه إلى المفوضية، وفق المصدر.

ورأى المصدر أن دوافع السلطة “ليست مجرد الرغبة في تطبيق صارم للقانون أو لخطر اللاجئين الداهم كما تزعم”، وإنما هناك مبررات أخرى يمكن التكهن بها بسهولة، أهمها “تشتيت الرأي العام إلى معارك جانبية، والإيحاء للجمهور بأن هذه الفئة هي السبب الرئيسي في المعاناة الاقتصادية والسكنية للمواطن، والرغبة الدائمة للسلطة في إبقاء موضوع اللاجئين مثاراً لاستخدامه كورقة ضغط أمام الدول الأوروبية والجهات المانحة للحصول على المعونات والمنح المالية نظير القيام بتلك المهمة وحجب كل هذه الأعداد عن التوجّه الى أوروبا عبر البحر”.

وتابع بأن “هناك رغبة لدى السلطة في البدء بتطبيق قرار رئيس مجلس الوزراء الخاص بتقنين أوضاع اللاجئين واستخراج كارت الخدمات الذكي مقابل سداد ألف دولار لكل فرد ليتمكن من الحصول على الإقامة، وهو ما يؤكد أن الرغبة في جمع إيرادات مالية تحتلّ الأولوية لدى الحكومة”.

وعلى مدى عقود عدة، ظلت مصر موطناً لملايين السودانيين الذين يدرسون أو يعملون أو يستثمرون فيها. وبناء على اتفاقية بين مصر والسودان تعود الى العام 2004، ومعروفة باسم اتفاقية “الحريات الأربعة”، كانت هناك سهولة في حركة التنقل بين البلدين، إذ كان يُعفى من شروط الدخول كل من النساء والفتيات السودانيات والفتيان السودانيون دون 16 عاما والرجال فوق سن الـ49. 

ومنذ اندلاع الصراع المسلّح في السودان في منتصف نيسان/ أبريل 2023، بين الجيش وقوات الدعم السريع، فرّ ملايين من السودانيين من البلاد، من بينهم نصف مليون شخص لجأوا إلى مصر.

ومع توجّه مئات الآلاف من السودانيين لدخول مصر، فرضت السلطات المصرية قواعد جديدة تلزم جميع الأجانب، بمن فيهم السودانيون، بالحصول على تأشيرات للدخول، ما اضطر الفارين من ويلات الصراع إلى عبور الحدود بصورة غير نظامية، وفق منظمة العفو الدولية، التي تقول في تقرير لها إن السلطات المصرية بدأت في أيلول/ سبتمبر 2023، حملة قمعية على اللاجئين السودانيين لمجرد دخولهم البلاد من المعابر الحدودية غير النظامية أو لعدم حيازتهم تصاريح سارية للإقامة.

على خلفية ذلك، واجه عدد كبير من السودانيين قرارات بالإبعاد والترحيل من السلطات المصرية بعدما تم توقيفهم بسبب مخالفات تتعلق بإجراءات الإقامة، على رغم أن عدداً منهم هم لاجئون مقيدون في سجلات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وبرأتهم المحكمة عن طريق إجراءات التقاضي العادية، إلا أن سلطات أمن الدولة قررت ترحيلهم، وفق موقع راديو دبنقا السوداني.

وقالت 27 منظمة حقوقية محلية ودولية – في بيان – إن مصر بدأت حملات الاعتقال والترحيل في أواخر آب 2023، ولا تزال مستمرة حتى الآن في جميع أنحاء البلاد، داخل مدن مثل القاهرة والجيزة وأسوان والبحر الأحمر ومطروح والإسكندرية، وعلى طول الحدود الجنوبية لمصر.

وبحسب هذه المنظمات، اعتقلت السلطات المصرية واحتجزت اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في ظروف غير إنسانية، كما أخضعتهم لمحاكمات غير عادلة، وأعادتهم قسراً إلى السودان، في انتهاك لالتزامات مصر الدولية ومبادئ واتفاقيات حقوق الإنسان والدستور المصري.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
19.08.2024
زمن القراءة: 7 minutes

تواصل السلطات المصرية عمليات الاعتقالات الجماعية والإعادة القسرية للاجئين السودانيين، والتي طاولت أخيراً قيادياً مجتمعياً سودانياً بدعوى تدريسه المنهج السوداني لطلاب مركز تعليمي يُديره.

في مطلع تموز/ يوليو الماضي، ألقت الشرطة المصرية القبض على اللاجئ السوداني عثمان حسين يعقوب، مدير مركز الرؤية الأفريقية للتعليم السوداني، في مدينة 6 أكتوبر، على خلفية تدريسه المنهج السوداني، في استمرار لمسلسل الاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية للاجئين السودانيين في مصر.

احتُجز يعقوب في قسم شرطة ثان 6 أكتوبر ولم يُعرض على النيابة، وأنكر القسم وجوده حتى مساء 7 تموز. تواصل القسم بعدها مع أسرة اللاجئ مؤكداً ضرورة حجز تذكرة السفر إلى السودان لترحيل عثمان، وأن وجوده في مصر غير مرغوب فيه من السلطات المصرية، من دون إبداء أسباب أو تحقيق أو حتى الإحالة الى النيابة العامة، وذلك وفق بيان صادر عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات.

تقول منصة اللاجئين في مصر، وهي منظمة مستقلة تعمل للدفاع عن حقوق الإنسان، ويرتكز عملها على دعم حقوق الأشخاص المتنقّلين ومناصرة حقوقهم/هن، إن السلطات المصرية أخفت عثمان قسرياً لمدة أسبوع، تعرض خلاله للتعذيب لإجباره على التوقيع على وثيقة تفيد بـ”عودته الطوعية” الى السودان.

كذلك، أفادت منظمات حقوقية محلية ودولية – في بيان مشترك أُصدر في تموز الماضي – بأن قوات الأمن استولت على كتب من المناهج الدراسية السودانية (الجغرافيا والتاريخ) وحاسوب يعقوب  الشخصي. ووثقت “منصة اللاجئين في مصر”، نقل عثمان من قسم شرطة ثاني 6 أكتوبر إلى الإدارة العامة للجوازات والهجرة، التي أصدرت خطاباً إلى السفارة السودانية تحثّها فيه على استخراج وثيقة سفر اضطرارية لترحيله. 

وعلى رغم كون يعقوب – الذي لم يتم توجيه أية اتهامات له – مسجلاً لدى مفوضية الأمم المتحدة منذ العام 2013 ويستحق حمايتها، واطلاع الجهات الأمنية على بطاقة اللجوء الخاصة به وسريان الإقامة الخاصة به حتى شهر آب/ أغسطس 2024، إلا أن السفارة السودانية وافقت على استخراج وثيقة سفر له تمهيداً لإعادته قسرياً بناء على الطلب الذي وجّهته إليها السلطات المصرية ممثّلة فى مصلحة الجوازات والهجرة، وفق ما ذكرت أسرته. وقد تم بالفعل نقل عثمان إلى الإدارة العامة للجوازات والهجرة وترحيله من ثم إلى معبر قسطل الحدودي بين مصر والسودان.

ولبيان سبب القبض على يعقوب، قال مصدر حقوقي في المفوضية المصرية للحقوق والحريات، إنه مع انتشار الخطاب السلبي تجاه اللاجئين السودانيين، راجت بين المطالبين بترحيل اللاجئين منشورات فيها نسخ من مناهج دراسية سودانية تحتوي على خريطة تدعي أن منطقة حلايب وشلاتين من ضمن الأراضي السودانية، متّخذين ذلك سبباً للمطالبة بترحيلهم وغلق تلك المدارس.

ويقع مثلث حلايب وشلاتين على الحدود الرسمية بين مصر والسودان، على الطرف الأفريقي للبحر الأحمر، بمساحة إجمالية تُقدر بنحو 20.580 كيلومتر مربع، وتوجد فيه ثلاث بلدات كبرى، هي حلايب وأبو رماد وشلاتين. وظلت حلايب وشلاتين، المتنازع عليهما، منطقة مفتوحة أمام حركة التجارة والأفراد من دون قيود بين البلدين، على رغم تنازع السيادة بينهما.

ظلّ الوضع على هذه الحال حتى عام 1995، حين أرسلت مصر قوات عسكرية لفرض سيطرتها عليها عقب اتهام القاهرة الخرطوم بالضلوع في مخطط لاغتيال الرئيس المصري السابق، محمد حسني مبارك، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أثناء حضوره اجتماعات القمة الأفريقية.

وبالعودة الى الأصوات المطالبة بترحيل اللاجئين السودانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد تزامنت – وفق المصدر الحقوقي – مع حملة القبض والاحتجاز والترحيل التي بدأتها السلطات المصرية ضد اللاجئين؛ إذ استجابت لتلك المطالبات، وكان من ضمن ما أُغلق مركز الرؤية الأفريقية للتعليم السوداني والقبض على مديرها. 

حول المدارس السودانية في مصر، قال نور خليل، المدير التنفيذي لمنصة اللاجئين في مصر، إن جزءاً كبيراً من الأطفال السودانيين محرومون من التعليم لأسباب مختلفة، مادية بالدرجة الأولى، إضافة الى صعوبة المناهج المصرية مقارنة بالسودانية، وعدم اعتياد الأطفال السودانيين على اللهجة المصرية، ناهيك بالعنصرية ضدهم في المدارس المصرية والتنمّر الذي يواجهونه.

وأكد خليل لـ”درج” ترحيل يعقوب في 7 آب، وقد علمت أسرته قبلها بأيام – بموجب معلومة غير الرسمية وصلتها – أنه محتجز في قسم شرطة الجيزة لكنها لم تستطع زيارته، بسبب إنكار القسم وجوده فيه.

وأوضح خليل أن يعقوب مسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين منذ العام 2012، وحصل على صفة اللاجئ في 2023، وبالتالي حتى لو كان متهماً في قضية أو ارتكب جريمة، فإنه بناء على القانون الدولي والمواثيق التي وقعت عليها مصر لا يجوز ترحيله، لافتاً الى أن تواصل السلطات المصرية مع السفارة السودانية لحثها على استخراج وثيقة سفر اضطرارية لترحيله يمثّل مشاركة معلومات لاجئ مسجل مع دولته الأم، وهو ما يعد “جريمة واضحة” في القانون الدولي.

مطالبات بوقف ترحيل اللاجئين

قبل ترحيله، طالبت 29 منظمة حقوقية محلية ودولية السلطات المصرية بالإفراج الفوري عن اللاجئ والقيادي المجتمعي عثمان يعقوب، والوقف الفوري لإجراءات الترحيل القسري، والتوقف عن احتجاز اللاجئين وملتمسي اللجوء، بخاصة السودانيين منهم، وتمكين طالبي اللجوء من الوصول الى عملية التسجيل وتقديم الطلبات. 

وحثّت المنظمات، في بيان مشترك، السلطات المصرية على ضرورة التوقف الفوري عن كل أشكال الترحيل القسري والطرد والإبعاد التي تقوم بها السلطات الأمنية المصرية بشكل متصاعد، ووقف خطاب الكراهية المتصاعد تجاه اللاجئين وملتمسي اللجوء السودانيين في مصر، واتخاذ إجراءات جدية تجاه المسؤولين الذين يقومون بترديد هذا الخطاب، والتوقف عن إغلاق المراكز التعليمية والمنافذ الترفيهية وأماكن الأنشطة لمجتمعات اللجوء والهجرة في مصر. 

وتحظر الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين، التي وقّعت عليها مصر، إعادة اللاجئ إلى بلد يمكن أن يواجه فيه تهديداً خطيراً لحياته أو حريته، إذ تشدد في مادتها رقم (33) على أنه لا يجوز طرد اللاجئ أو رده بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية.

وقال مصدر حقوقي في “المفوضية المصرية”، إن عمليات الاحتجاز والترحيل غير قانونية وفقاً للتشريعات المحلية والقانون الدولي، وإنه لا يجوز للسلطة التحجّج بأن هؤلاء اللاجئين دخلوا البلاد بطرق “غير شرعية”، موضحاً أنه “من الطبيعي أن تتوقف طرق الدخول الطبيعية في حالات الحروب والكوارث، ولا يتوقع ممن فرّ من مذبحة أو سيدة هاربة بأطفالها بعد تفجير بيتها أو قتل زوجها، أن يجهزوا المستندات للحصول على تأشيرة دخول، هذا عدا عن البيروقراطية والبطء الشديد عند منافذ الدخول في ظل ارتفاع الأعداد، فرض رسوم للدخول”.

وشدّد المصدر على أنه لا يجوز للسلطات أيضاً التحجّج بعدم تسجيل هؤلاء في مفوضية الأمم المتحدة، فعدد منهم (من بينهم السيد يعقوب نفسه) هم مسجلون بمفوضية الأمم المتحدة ويخضعون لولايتها ويستظلون بالحماية الدولية، ومن ضمنها عدم جواز الترحيل أو الإبعاد القسري، لافتاً الى أنه حتى عند الحديث عن غير المسجلين، فغالبيتهم في انتظار المواعيد طويلة الأمد التي تحددها مفوضية الأمم المتحدة بالقاهرة للتسجيل من أجل الإقامة، والتي تمتد إلى عام كامل في بعض الحالات، بالتالي لا تجوز معاقبتهم على ذلك واعتبارهم مخالفين طالما أظهروا موعد طلب التسجيل الذي قدموه إلى المفوضية، وفق المصدر.

ورأى المصدر أن دوافع السلطة “ليست مجرد الرغبة في تطبيق صارم للقانون أو لخطر اللاجئين الداهم كما تزعم”، وإنما هناك مبررات أخرى يمكن التكهن بها بسهولة، أهمها “تشتيت الرأي العام إلى معارك جانبية، والإيحاء للجمهور بأن هذه الفئة هي السبب الرئيسي في المعاناة الاقتصادية والسكنية للمواطن، والرغبة الدائمة للسلطة في إبقاء موضوع اللاجئين مثاراً لاستخدامه كورقة ضغط أمام الدول الأوروبية والجهات المانحة للحصول على المعونات والمنح المالية نظير القيام بتلك المهمة وحجب كل هذه الأعداد عن التوجّه الى أوروبا عبر البحر”.

وتابع بأن “هناك رغبة لدى السلطة في البدء بتطبيق قرار رئيس مجلس الوزراء الخاص بتقنين أوضاع اللاجئين واستخراج كارت الخدمات الذكي مقابل سداد ألف دولار لكل فرد ليتمكن من الحصول على الإقامة، وهو ما يؤكد أن الرغبة في جمع إيرادات مالية تحتلّ الأولوية لدى الحكومة”.

وعلى مدى عقود عدة، ظلت مصر موطناً لملايين السودانيين الذين يدرسون أو يعملون أو يستثمرون فيها. وبناء على اتفاقية بين مصر والسودان تعود الى العام 2004، ومعروفة باسم اتفاقية “الحريات الأربعة”، كانت هناك سهولة في حركة التنقل بين البلدين، إذ كان يُعفى من شروط الدخول كل من النساء والفتيات السودانيات والفتيان السودانيون دون 16 عاما والرجال فوق سن الـ49. 

ومنذ اندلاع الصراع المسلّح في السودان في منتصف نيسان/ أبريل 2023، بين الجيش وقوات الدعم السريع، فرّ ملايين من السودانيين من البلاد، من بينهم نصف مليون شخص لجأوا إلى مصر.

ومع توجّه مئات الآلاف من السودانيين لدخول مصر، فرضت السلطات المصرية قواعد جديدة تلزم جميع الأجانب، بمن فيهم السودانيون، بالحصول على تأشيرات للدخول، ما اضطر الفارين من ويلات الصراع إلى عبور الحدود بصورة غير نظامية، وفق منظمة العفو الدولية، التي تقول في تقرير لها إن السلطات المصرية بدأت في أيلول/ سبتمبر 2023، حملة قمعية على اللاجئين السودانيين لمجرد دخولهم البلاد من المعابر الحدودية غير النظامية أو لعدم حيازتهم تصاريح سارية للإقامة.

على خلفية ذلك، واجه عدد كبير من السودانيين قرارات بالإبعاد والترحيل من السلطات المصرية بعدما تم توقيفهم بسبب مخالفات تتعلق بإجراءات الإقامة، على رغم أن عدداً منهم هم لاجئون مقيدون في سجلات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وبرأتهم المحكمة عن طريق إجراءات التقاضي العادية، إلا أن سلطات أمن الدولة قررت ترحيلهم، وفق موقع راديو دبنقا السوداني.

وقالت 27 منظمة حقوقية محلية ودولية – في بيان – إن مصر بدأت حملات الاعتقال والترحيل في أواخر آب 2023، ولا تزال مستمرة حتى الآن في جميع أنحاء البلاد، داخل مدن مثل القاهرة والجيزة وأسوان والبحر الأحمر ومطروح والإسكندرية، وعلى طول الحدود الجنوبية لمصر.

وبحسب هذه المنظمات، اعتقلت السلطات المصرية واحتجزت اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في ظروف غير إنسانية، كما أخضعتهم لمحاكمات غير عادلة، وأعادتهم قسراً إلى السودان، في انتهاك لالتزامات مصر الدولية ومبادئ واتفاقيات حقوق الإنسان والدستور المصري.