شهدت السويداء بين 13 و20 تمّوز/ يوليو 2025 ما يمكن اعتباره أسبوعاً أسود في تاريخها الحديث، مجزرة تتّهم فصائل مسلّحة من العشائر والأمن العامّ بارتكابها ضدّ سكّانها الدروز، راح ضحيّتها حسب تقديرات الأمم المتّحدة نحو 1400 شخص، في حين تشير مصادر محلّية إلى أن العدد يقارب الألفين، بالإضافة إلى نزوح الآلاف والاستيلاء على عشرات القرى وتدميرها، وحرق عشرات المجالس والمزارات الدرزية والكنائس.
تلك “الأحداث” لم تكن مواجهة عسكرية أو تصفية نزاع محلّي، كما روّجت حكومة دمشق (هيئة تحرير الشام سابقاً) تحت عنوان “فضّ النزاع بين الدروز والبدو”، بل كانت فعلاً منظّماً ذا طبيعة إبادية، سبقه تحريض ديني وإعلامي طويل الأمد، واصفاً الدروز بأنهم “مرتدّون” و”عملاء”، مبرّراً تحويلهم إلى “عدو داخلي” مشروع للتصفية، إلا من اصطفّ منهم مع السلطة.
التحريض الذي سبق الهجمات، منذ ربيع 2025، خلق بيئة اجتماعية وسياسية مواتية لانفجار العنف، حيث جرى تحميل الدروز مسؤوليّة فشل الإدارة الانتقالية، في احتكار الدولة للسلاح، وتعرّضها للقصف الإسرائيلي، وحتى استمرار العقوبات.
ما جرى في تمّوز هو نموذج يحاكي البوغروم Pogrom، أي عنف جماعي منظّم أو متغاضى عنه من قِبل السلطة، ضدّ جماعة دينية أو إثنية تُقدَّم كخطر وجودي. العنف في البوغروم يشمل القتل، والنهب، وتدمير الممتلكات، وإحراق المعابد والمنازل، واغتصاب النساء. ولفهم هذه البنية بعمق، لا بدّ من العودة إلى الأصل التاريخي والفكري للمصطلح كما تشكّل في أوروبا.
اللغة، القانون وسياقات القتل المُباح
التفكير في ما حدث في السويداء على أنه محاكاة للبوغروم، ضروري، بهدف تجاوز الأفكار “البيضاء” المستقاة من السياق القانوني الغربي، والمحتارة في تفسير العنف بين الإبادة والتطهير العرقي، وبين الجرائم ضدّ الإنسانية.
إعادة النظر في هذه التعريفات والجرائم وما يتبعها من تحميل المسؤوليّة لأفراد، لا للبنية السياسة الحاكمة، التي نادراً ما يتمّ اتّهامها بهكذا جرائم، هو بغرض الوصول إلى فهم سوسيولوجي- سياسي ينقل الحدث إلى سياق التحليل التاريخي المقارن.
الإهانة، الحطّ من إنسانية الضحيّة عبر قصّ الشوارب، التعذيب، خطف النساء، وتعفيش الأملاك وحرقها، والقتل المتنقّل من بيت إلى بيت، على نطاق ممنهج وواسع، ليست مجرّد عنف منفلت لحظي ضدّ طائفة “كافرة” أو “مرتدّة” أو “عميلة”، بل “بوغروم”.
بوغروم، كلمة روسية الأصل، وتعني حرفياً الدمار أو التخريب العنيف، وتُستخدم للدلالة على هجمات جماعية منظّمة تستهدف جماعة دينية أو عرقية محدّدة، وغالباً ما ارتبطت بالهجمات ضدّ اليهود في الإمبراطورية الروسية وأوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
ليلة الكريستال
أحد أهمّ البوغرومات، حدث خلال ليلة 9- 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1938، عندما شنّت قوّات الـSA والـSS النازية، ومواطنون ألمان عاديون، بوغروماً ضدّ اليهود في ألمانيا، والنمسا التي كانت قد ضُمّت حديثاً إلى الرايخ، بينما غضّت الشرطة والأجهزة الرسمية الألمانية النظر عن الأحداث.
سُمّي هذا البوغروم بـ”ليلة الكريستال”، لأن شوارع المدن الألمانية امتلأت في الصباح التالي، بشظايا الزجاج المحطّم من نوافذ المتاجر والمنازل والمعابد اليهودية التي تمّ تدميرها.
بحسب تقديرات مؤرّخة في وثائقي بثّته مؤخّراً قناة Arte، فإن نتائج ليلة الكريستال تضمّنت إحراق وتدمير أكثر من 250 كنيساً ونحو 7000 متجر، وقتل قرابة 100 شخص، واعتقال نح 30 ألف يهودي أُرسلوا إلى أولى معسكرات الاعتقال. ليلة الكريستال تعدّ المرحلة المفصلية التي انتقل فيها اضطهاد اليهود في ألمانيا من أشكال التمييز ضدّهم، إلى العنف المنظّم التي تتبنّاه السلطة الحاكمة، أي الهولوكوست الذي ارتكبه النظام النازي.
من خلال الدراسات التاريخية والسوسيولوجية، يمكن تحديد مجموعة من العناصر المشتركة التي تميّز البوغروم عن غيره من أشكال العنف الجماعي، أوّلها، وجود أقلّية دينية أو إثنية مكروهة أو مُحمّلة بخطاب شيطنة طويل الأمد، كما في حالة اليهود في روسيا القيصرية قبيل الحرب العالمية الأولى، وفي أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية.
ثانيها، تواطؤ أو تقاعس السلطة، إذ قد لا تكون السلطة بالضرورة هي المنفِّذة، لكنّها غالباً ما تغضّ النظر أو تحرّض ضمنياً.
ثالثها، أزمة اقتصادية أو سياسية أو هزيمة عسكرية تولّد حاجة لإسقاط الغضب الجمعي على عدوّ داخلي. في حين أن الشائعة، والتحريض الإعلامي أو الديني، يلعبان أدواراً في تعبئة الجماهير، حيث يُقدَّم القتل والنهب كعمل وطني أو ديني مشروع في تسويغ رمزي أو ديني للعنف، مع ضمان غياب الردع والعقاب بعد الحدث، ما يجعل البوغروم قابلاً للتكرار. أي أن البوغروم هو عنف جماعي موجَّه ومسموح به ضدّ جماعة مهمَّشة، يُقدَّم كتنفيس عن أزمة اجتماعية أو سياسية.
حنّا أرندت والبوغروم: تفكّك السياسة
حنّا أرندت لم تتناول مصطلح البوغروم أو ليلة الكريستال صراحة في كتابها “أصول التوتاليتارية”، لكنّها طوّرت في الجزء الأوّل منه، تحليلاً يمكن تطبيقه على هذا النوع من العنف الجماعي.
شرحت أرندت كيف تحوّلت “معاداة السامية” إلى أداة سياسية في روسيا القيصرية وأوروبا الحديثة، وكيف وجّهت تلك الأنظمة السخط الشعبي نحو الأقلّيات ونزعت الحماية القانونية عنها. هذا الإطار التحليلي يقدّم أساساً لفهم البوغروم بوصفه عنفاً منظّماً تتغاضى عنه الدولة، وتستثمره في إحكام سيطرتها على المجتمع. عنف اكتسب لاحقاً من يخضع له وصفاً وهو “الحياة الصرفة”، حسب جورجيو أغمبين، فمن يخضع لهذه الفئة التي تولّدها السيادة، هو “يستحقّ الموت، وقاتله لم يرتكب جريمة”، أي لا يُحاكم، كون موضوع القتل خارج النظام القانوني للدولة.
في فصل “معاداة السامية”، ترى أرندت أن الكراهية ضدّ اليهود في أوروبا الحديثة لم تعد مجرّد عداء ديني كما كان في العصور الوسطى، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية– سياسية مرتبطة بتشكّل الدولة القومية وصعود البرجوازية. في هذا السياق، جرى تحويل اليهود إلى فئة تُحمَّل مسؤوليّة الأزمات الاقتصادية والسياسية، من دون أن تكون طرفاً فاعلاً في الحياة العامّة، أي أقرب إلى كائن سياسي بلا صفات محدّدة.
من هنا، يصبح البوغروم، في قراءتها، اللحظة التي تنتقل فيها هذه الكراهية البنيوية إلى ممارسة عنيفة علنية، حين تفقد الدولة احتكارها للعنف وتسمح للجماهير بالتحرّك ضدّ الأقلّيات.
تميّز أرندت بين الشعب، بوصفه مجتمعاً سياسياً له مؤسّسات، وبين الجماهير التي تنشأ عن تفكّك البنى الطبقية التقليدية وفقدان الإحساس بالموقع والهويّة. وعندما تُفرغ هذه الجماهير قلقها في “الآخر” الضعيف أو المختلف، يتحوّل العنف إلى تعبئة جماهيرية توجّهها السلطة، فينشأ ما تصفه أرندت بـ”تحالف الغوغاء والنخب”.
النخب التي تصوغ الخطاب والأفكار والمبرّرات، والغوغاء الذين ينفّذون الهجمات. النخب التي تصنع العدوّ الداخلي، تُجرَّده من صفاته السياسية والإنسانية، ليصبح هدفاً مشروعاً للعنف على أيدي الغوغاء.
عنف بلا نظام ولا احتكار
ومع ذلك، يختلف المشهد في السويداء عن النموذج الذي تصفه أرندت في الأنظمة التوتاليتارية المكتملة. النظام الذي تقوده “هيئة تحرير الشام سابقاً”، لا يمتلك بعدُ أدوات الدولة الشمولية، ولا قدرة التنظيم البيروقراطي للعنف كما في التجربة النازية، بل هو نظام ضعيف يسعى لتعويض هشاشته بتصنيع جمهور طيّع، وبالتالي، فهو أقرب إلى نموذج روسيا القيصرية في مراحلها الأخيرة.
هذا الجمهور يُغذَّى بخطاب ديني يُنتج يقيناً عقائدياً يقوم على نزع الإنسانية عن الأقلّيات، وتبرير العنف ضدّها بوصفه فعلاً تطهيرياً مشروعاً. لذلك، العنف ضدّ الدروز لا يعكس سلطة شمولية مستقرّة، بل سلطة هشّة تؤسّس ذاتها من خلال التطبيع مع العنف واستخدامه كآلية تعبئة وهويّة، وتأسيس للسلطة قبل وجود دستور. إنها نسخة بدائية من منطق التوتاليتارية، حيث يتحوّل العجز عن بناء دولة، إلى مشروع دائم لصناعة أعداء وتثبيت شرعية القوّة عبر تكرار تحريك الحشود المسلّحة نحو “العدوّ”.
عند أرندت، وجود قانون مستقلّ، يعني وجود نظام سياسي قادر على ضبط العنف وتقييده ضمن إطار شرعي، بحيث يُستخدم العنف كأداة لحماية المجال العامّ. أي أن القانون هو ما يفصل بين القوّة المشروعة والعنف التعسّفي.
لكن، عندما تتفكّك مؤسّسات الدولة، أو تتحوّل إلى أداة في يد الأيديولوجيا، ينهار هذا الفاصل، فيصبح العنف نفسه مصدر الشرعية، ويُقدَّم بوصفه “عدالة مباشرة” أو “تطهيراً”. عندئذٍ، لا يعود القانون هو ما يرسم حدود المباح والمحرَّم، بل تتحوّل السلطة، أو الجماهير، إلى منبع الحقيقة والمعيار الأخلاقي الوحيد.
في مثل هذا الوضع يصبح البوغروم ممكناً، لأن العنف يُمارَس باسم النظام- الجمهور، ويغدو القانون مجرّد واجهة شكلية تُبرّر القتل باسم النظام العامّ. أما المجال العمومي عند أرندت فهو الحيّز الذي يلتقي فيه الناس بوصفهم فاعلين سياسيين متساوين، يتبادلون الآراء ويمارسون الفعل الحرّ في الشأن العامّ. وعندما يختفي هذا المجال، يغدو الفعل السياسي مستحيلاً، إذ يتحوّل الأفراد إلى جمهور، أو كتلة واحدة تُوجَّه بالخوف والعقيدة، ويُستبدل النقاش بالعنف، والمواطنة بالانتماء العقائدي أو العرقي. عند تلك النقطة، يصبح العنف اللغة الوحيدة للوجود السياسي، لأن لا قانون يحمي ولا فضاء عمومي يضمن الاختلاف والتعدّد.
السويداء: مختبر صناعة الجمهور
في أحداث السويداء، تتكرّر معالم بنية البوغروم: عنف حكومي وجماهيري، يضمن تواطؤ السلطة و”المجتمع”، ضدّ جماعة منزوعة الحقوق السياسية. لم يكن ما جرى انفلاتاً أمنياً أو نزاعاً أهلياً، بل تجسيد لانحلال السياسة نفسها، حيث تتلاشى الحدود بين القانون والعنف، وتتحوّل الجماهير إلى أداة في يد السلطة. بهذا المعنى، يمثّل “الأسبوع الأسود” في السويداء تجربة بوغروم معاصرة، تُظهر كيف يمكن لبُنية اجتماعية- سياسية ناشئة، أن تنتج العنف وتوظّفه لإعادة تشكيل المجتمع وهندسة الفضاء السياسي على أسس طائفية إقصائية، قبل تشكيل دولة ذات مؤسّسات قادرة على احتكار العنف، وتقنين السلاح بناء على متغيّرات ومطالب محلّية.
الأسبوع الأسود ضدّ دروز السويداء في تمّوز/ يوليو الماضي، حمل صيغة تطهيرية: الدروز إثنية مُحمّلة بخطاب شيطنة طويل الأمد، على خلفية دينية تنظر إليهم كـ”مرتدّين”، وفي أحسن الأحوال كـ”كفّار”. سلطة دمشق نفّذت ورعت، عبر وزارتي الدفاع والداخلية، الهجمات ضدّ الدروز، وشاركت معها قوّات العشائر الفازعة طوعاً، بعد أشهر من التحريض.
الأزمات الاقتصادية والسياسية في سوريا، والتي ورثتها “تحرير الشام” عن نظام الأسد، والتي تسبّبت هي نفسها بها لاحقاً، ليس ممكناً حلّها بأدوات السلفية الجهادية المحدودة. إذ إن أزمات المُهجّرين، وإعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية، وتوحيد البلاد، وخلق هويّة وطنية، هي مفردات من خارج قاموس “تحرير الشام” الذي تظهر ضمنه مصطلحات كـ”خطف، تأمين مدن، تبادل مخطوفين…إلخ”.
العنف الممنهج القائم على الطائفة، يضمن خلق جمهور متعطّش للدماء، يُصفق للقضاء على “عدوّ داخلي” متخيّل. جمهور بادر إلى المساعدة في ارتكاب الفظائع وفرض الحصار المالي، وحملة النهب والتعفيش لممتلكات الدروز، تحت اسم الفزعات، والدعوات إلى الجهاد، أو تجهيز المجاهدين.
في ليلة الكريستال جرى اختبار الجمهور بعد سنوات من العمل على تصنيعه. جمهور من المواطنين الألمان شارك بفاعلية في نهب ممتلكات اليهود وإحراقها، وإذلال الموقوفين قبل ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال.
في الأسبوع الأسود في السويداء، طاول النهب البشر أيضاً، إذ خُطِفَ دروز، وبينهم أطفال ونساء، مارس “الجمهور” استباحة كاملة للمكان وأهله، وسط حماسة مؤثّرين في الفضاء الإلكتروني يبرّرون العنف ويباركون المَقتلة.
ليس مهمّاً هنا سبب تلك البوغرومات، إن كانت انتقاماً سياسياً أو دينياً أو طائفياً. إذ إن هدفها الرئيسي هو توحيد الجمهور عبر المزاوجة بين خطاب النخب ومسالك الغوغاء. تخليق الجمهور عبر البوغرومات المتكرّرة هو عمليّة اصطفاء نوعي تحوّله إلى أداة لمحاربة أعداء الداخل. البوغروم بهذا المعنى هو المختبر الحقيقي لتصنيع “الجمهور” وتشجيعه على عبور الحدود بين القانون والعنف، حيث لا طريق للعودة.
إقرأوا أيضاً:












