ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

محاصرة فتيات مصر: تأديب في البيت و”تهذيب” في الشارع

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في مصر، تتعرّض فتيات كثيرات للضرب «تأديبًا»، وقد يتطوّر إلى تعذيبٍ وتقييدٍ بالسلاسل، وفي حالاتٍ أخرى تُقتَل الضحية أو تُدفَع إلى الانتحار. يحدث ذلك غالبًا في البيت؛ المكان الذي يُفترض أن يكون ملجأً للأمان. ومع ذلك، لا تُعامَل جرائم العنف الأسري بما تستحقّه من عقوبات رادعة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تُخصَّص للفتيات والنساء في بلادنا أنماطٌ من الجرائم لا يتعرّض لها الذكور. لن تسمع عن أخٍ يقتل أخاه بسبب الميراث، أو عن أبٍ يقيّد ابنه بالسلاسل في السرير لأنه أحبّ فتاة، أو عن أمّ وجدّة تضغطان على فتى في الخامسة عشرة لإجباره على تناول السمّ لأنه مارس علاقة جنسية. هذه الجرائم تتكرّر داخل الأسرة بحقّ الفتيات والنساء تحديدًا. وإن نجت إحداهن من الضرب والتعذيب ولم تُقتل في المنزل، خرجت إلى شارعٍ يتربّص بها متحرّش، أو عنفٌ يُمارَس من أجل «المشاهدات»، وربما تتعرّض للبصق بلا سبب، أو حتى للتحرّش الجماعي. هذه كلها نماذج واقعية تتكرّر باستمرار.

يترافق هذا العنف مع خطابٍ تبريريٍّ يُحمِّل الضحية المسؤولية دائمًا، فيما يظلّ القانون الذي يُفترض أن يحمي النساء والفتيات في البيت والشارع حبيس أدراج البرلمان منذ سنوات.

أخيراً، تداولت مواقع إخبارية تفاصيل جريمة قتل فتاةٍ قاصر على يد أسرتها. عُلا (15 عامًا)، من منطقة شعبية في محافظة الجيزة، حملت بطفلٍ نتيجة علاقة خارج إطار الزواج. هربت من بيت أهلها، ولجأت إلى صديقتها حتى وضعت الرضيع، ثم عادت به إلى أسرتها. أُلقي الرضيع في الشارع، وتجمّع أفراد الأسرة حول عُلا، وفي يد أمها وجدتها حبوب «سمّ الغلّة»؛ أجبروها على تناوله. لم يرقّ قلب الأم لابنتها وهي تتوسّل الحياة. كانت عُلا تتوقّع عقابًا لا قتلًا. نُقلت جثتها إلى مدينة أخرى، ودُفنت بتصريح وفاةٍ مزوّر يفيد بأنها ماتت متأثرةً بالإصابة بفيروس كورونا. عاد أفراد الأسرة مطمئنين إلى «صواب» جريمتهم باسم ما يُسمّى «شرف الأسرة».

أمام النيابة وقف تسعة متّهمين بقتل الفتاة. تباهت الأمّ بتخطيطها وتنفيذها، مؤكّدة أنها غير نادمة على التخلّص من حفيدها وابنتها. وفي مثل هذه الحالات قد يرى القاضي ـــ حين ينظر في الدعوى ـــ تخفيفَ الحكم على الأم والجدة والعم بذريعة أن الفتاة «أجرمت» بعلاقة جنسية خارج الزواج، فلا تُرى الجريمة جريمة، بل «انفعالًا» لحماية “الشرف”.

الشهر الماضي أيضًا، عمد شبان إلى مطاردة فتيات على طريقٍ سريع بمدينة 6 أكتوبر غرب الجيزة، حيث تعمّدوا مضايقتهن وإيذاءهن، ما أدى إلى تهشّم سيارة الفتيات وإصابتهن بكسور. والقضية الآن قيد المحاكمة.

تخفيف الأحكام

في مصر، تتعرّض فتيات كثيرات للضرب «تأديبًا»، وقد يتطوّر إلى تعذيبٍ وتقييدٍ بالسلاسل، وفي حالاتٍ أخرى تُقتَل الضحية أو تُدفَع إلى الانتحار. يحدث ذلك غالبًا في البيت؛ المكان الذي يُفترض أن يكون ملجأً للأمان. ومع ذلك، لا تُعامَل جرائم العنف الأسري بما تستحقّه من عقوبات رادعة.

صار تخفيف الأحكام في جرائم العنف الأسري عرفًا متّبعًا في محاكم عدة. تصبح الفتاة ضحيةً مرّتين: أولًا حين تُقتَل على يد أبٍ أو أخٍ تمادى في التعذيب حتى الموت، وثانيًا أمام قاضٍ تميل كفّته إلى الرأفة مراعاةً لـ«الظروف النفسية» للفاعل، أو تعاطفًا مع أسرته، أو لصغر سنّه. وأحيانًا يأتي التخفيف بعد تنازل أهل الضحية عن حقّهم المدني «حفاظًا على مستقبل» الجاني وأسرته.

في نهاية العام الماضي، قتل زوجٌ زوجتَه ضربًا بعصًا غليظة بسبب «خلافاتٍ أسرية»، وزوجٌ آخر قتل زوجته الحامل في شهرها السابع بدافع الغيرة و«الشكّ» في سلوكها. وفي التوقيت نفسه تقريبًا، وقفت أمٌّ أمام محكمة الجنايات بالفيّوم تستعطف القاضي لتبرئة ابنها المتهم بقتل شقيقته: «كانوا بيتناقشوا، ضربها ماتت… أنا متنازلة عن حق بنتي». انفعل القاضي وسألها: حتى لو أخطأت ابنتك، مَن أعطى ابنك حقَّ محاسبتها وقتلها؟ صدر الحكم بالسجن المؤبّد (25 سنة)، ثم خُفِّف في الاستئناف إلى 15 عامًا.

تلجأ بعض الأمهات إلى التنازل عن حقوق بناتهنّ المقتولات لإنقاذ الزوج/الأب أو الأخ/الابن، إمّا تعاطفًا مع الجاني أو وفق منطق «الحيّ أولى». وفي واقعةٍ أخرى، تنازلت أمٌّ عن حقّ ابنتها التي قُتلت حرقًا على يد أخيها بسبب خلافٍ على ميراث، فنجا الأخّ من المؤبّد وتخفّفت عقوبته إلى بضع سنوات. قطعة أرضٍ بائسة، أو منزل ضيّقٌ بالفقر والعفن… وأمٌّ تتجاوز حقَّ ابنتها في العدالة.

وبحسب تقريرٍ لمؤسسة «إدراك» الحقوقية، تتصاعد سنويًّا أنماطُ الجرائم من قتلٍ وشروعٍ في قتل، واغتصابٍ وتحرّش، وضربٍ مبرّح، وابتزازٍ مالي وجنسي، وصولًا إلى ضغوطٍ نفسية تدفع بعض الفتيات إلى الانتحار. يذكر التقرير أن 69 في المئة من الحالات التي رُصدت تعرّضت للعنف من الأسرة أو الزوج. وبلغت الحالات التي أُبلِغ عنها رسميًّا أو رصدتها الشرطة والنيابة 950 حالة في عام 2023. كما يشير جهاز التعبئة العامة والإحصاء إلى أن نحو ثلث النساء اللاتي سبق لهنّ الزواج (15–49 عامًا) تعرّضن لأحد أشكال العنف الزوجي، وأن 25 في المئة من النساء يتعرّضن لعنفٍ جسدي داخل الأسرة، و22 في المئة لعنفٍ نفسي، ونحو 6 في المئة لعنفٍ جنسي.

هذه أرقامٌ صادمة، حين تُترجَم إلى وقائع تعني الإهانة والتحكّم في مصائر الفتيات: تعليمًا وزواجًا وخروجًا من المنزل. على الجانب الآخر، ثمّة بوادر أملٍ بتقليص هذه الأرقام: تزايد الحديث عن التربية الإيجابية، وانتشار محتوى التوعية النفسية للآباء والأمهات في بدايات مشوارهم الوالدي، ولجوء كثيرين إلى متخصصين لحلّ مشكلات الأبناء بدلًا من العنف والعقاب القاسي. وربّما تُساهم التعديلات المنتظَرة على قانون العقوبات – إن أُقرّت – في ترسيخ هذا التحوّل.

قانون العنف الأسري… مجمَّد في البرلمان

لفهم كيفية سنّ العقوبات في قضايا القتل، يوضح الدكتور أسامة عبيد، أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة: «هناك نوعان من جرائم القتل: العمد وغير العمد. في القتل العمد تتراوح العقوبة بين 3 و15 سنة، وقد تصل إلى السجن المؤبّد أو الإعدام. أمّا في بعض قضايا الزنا فتُخفَّف العقوبة إلى 3 سنوات، وقد تنخفض في حالاتٍ محدّدة إلى الحبس البسيط». أما القتل غير العمد الناتج من الإهمال أو الرعونة – مثل حوادث السيارات – فتتدرّج عقوبته بين 3 و15 سنة.

سأله “درج” عن أسباب التخفيف في جرائم الأسرة، فأجاب بأنّ التخفيف سلطةٌ تقديرية للقاضي بموجب المادة 17 من قانون العقوبات، ويُفعَّل عادةً بحسب ظروف الواقعة والمتَّهم: صِغَر سنّه، أو كِبَر عمره، أو كونه المعيل الوحيد لأسرته، أو سجله الجنائي. وماذا لو تنازل أهلُ المجنيّ عليها عن الحقّ المدني؟ يوضح: «يُجيز القانون التصالح في القتل الخطأ بعد تعديل 2006، وتحكم المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح، وهو حكمٌ تُساويه محكمة الاستئناف بالبراءة في آثاره. أما القتل العمد فلا يُجيز القانون فيه التصالح، لكن تنازلَ أهل المجنيّ عليها قد يُؤخذ في الاعتبار عند تقدير العقوبة. وللمناسبة، لا يوجد في القانون ما يُسمّى (جرائم الشرف)، بل يَرِد الحديث عن (الدفاع الشرعي عن العرض) بشروطٍ محدّدة».

يبدو قانون العقوبات الحالي غير منصفٍ لضحايا العنف الأسري، إذ لا يتضمّن تعريفاتٍ محدّدة لصوره أو إجراءاته. بالبحث، نجد مشروع «القانون الموحّد لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات» الذي شاركت في صياغته خمس مؤسسات حقوقية. سبقه عام 2017 تشكيل فريق عملٍ من ست منظمات نسوية لإعداد مقترح قانون موحّد يتضمّن أربعة أبواب: الأحكام العامة والتعاريف، الجرائم الجنسية والرقمية، الإجراءات القضائية والتحقيقات والإثبات، وإجراءات الحماية بما في ذلك إنشاء صندوقٍ لمساعدة الضحايا، بإجمالي 81 مادة.

وصلت المسودة الأولى إلى البرلمان عبر النائبة نادية هنري عام 2018، ثم أعادت النائبة نشوى الديب تقديمها عام 2022… ثم صمتٌ تامّ؛ لا أثرَ لردٍّ من البرلمان أو من لجنته التشريعية، على رغم أنّ دورته الحالية تُشارف على الانتهاء في تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام.

توضح إلهام عيداروس، وكيلة مؤسسي حزب «العيش والحرية» وناشطةٌ حقوقية، لـ«درج» أنّ القانون المصري يجرّم بعض صور العنف الأسري ضمن التجريم العام للضرب والاغتصاب، لكنْ ثمة مشكلتان: الأولى، المادة 17 الخاصة بالرأفة، والمادة 60 التي تمنح للأب والزوج «حقًّا مقرّرًا بمقتضى الشريعة» إذا وقع الفعل في نطاق «التأديب» داخل الأسرة؛ وهما تُستخدمان لتخفيف العقوبات أو إسقاطها أحيانًا. أما المشكلة الثانية فهي أن النصوص المجرِّمة صيغت بعمومٍ لا يراعي خصوصية العنف داخل الأسرة وما يتطلّبه من آلياتٍ مختلفة للتبليغ والحماية وتنسيق الجهات المعنية؛ فالتقدّم ببلاغٍ ضدّ معتدٍ غريب في الشارع ليس كالتقدّم ببلاغٍ ضد أبٍ أو أخ.

طُرحت مشاريع قوانين في 2015 و2018 و2022، مع اختلافاتٍ طفيفة بينها، تتّسم بالجرأة في مطالبة الدولة بتجريم العنف الأسري من دون إعفاءاتٍ أو تخفيفاتٍ خاصة، وبإفراد بندٍ صريح في قانون العقوبات بعنوان «العنف الأسري». ومع ذلك، ما زالت هذه المشاريع مجمّدة في أدراج البرلمان منذ 2022.

الشارع: فيلم رعب ممزوج بإباحيّة رخيصة

ما إنْ تنزل فتاةٌ إلى الشارع حتى تتأهّب؛ لأيّ شيء؟ لمتحرّشٍ يخرج من حيث لا تدري، لطفلٍ «يمزح» بملامسةٍ ويهرب ضاحكًا، لرجلٍ يبصق عليها… يتحوّل الشارع إلى فيلم رعبٍ يجب الخروج منه سريعًا، رعبٍ ممزوج بإباحيةٍ رخيصة.

ومع حملة وزارة الداخلية التي تحثّ المواطنين على تصوير الجرائم، صارت صفحة الوزارة على «فيسبوك» منفذًا للإبلاغ عن وقائع البلطجة والتحرّش والسرقة. وبغضّ النظر عن تحويل المواطنين إلى «مخبرين» يعملون مجانًا، فقد ساهم توثيق هذه الفيديوهات – التي وصلت في بعضها إلى مطارداتٍ بالسيارات – في القبض على الجناة ومحاسبتهم، ما شجّع كثيراتٍ على اتخاذ التوثيق وسيلة حمايةٍ في ظلّ ضعف الرقابة في الشوارع.

انتشر مثلًا فيديو لشابٍّ يسير خلف فتاةٍ في أحد شوارع الإسكندرية ويركلها بعنفٍ في ظهرها فتسقط على وجهها. خلال ساعاتٍ أُلقي القبض عليه وعلى اثنين آخرين.

تصنّف الفتياتُ الشوارعَ بحسب «درجة الأمان»: شوارعُ لا نسير فيها مطلقًا ولو نهارًا، وأخرى نمشي فيها بسرعةٍ وبانضباط، وشوارعُ نرتدي فيها ملابس فضفاضة ونلملم شعرنا بلا زينة، وأخرى نسمح فيها لأنفسنا بضحكةٍ مع الرفيقات. هناك شوارع لا ندخلها إلا نهارًا بملابس مريحة، وأخرى لا نمرّ بها إلا بسيّارة أجرة. وفي المدن الساحلية، يبدأ التصنيف من نزول البحر بالملابس كاملةً إلى شواطئ يمكن ارتداء «شورت» فيها، وأخرى بالمايوه؛ وذلك كله يتغيّر تبعًا لكلفة الدخول أو امتلاك الأسرة منزلًا في منتجعٍ سياحي أو استئجار شقّةٍ على شاطئٍ شعبي.

هذا التصنيف الشفهيّ تسعى الفتيات من خلاله إلى تأمين حركة السير في المدينة. ومن الملاحَظ أنّ وتيرة العنف في الشارع ازدادت في السنوات الأخيرة. كصحافية مصرية متعلّمة عملت طويلًا في الشارع، رصدتُ هذا التطوّر. عقب تخرّجي قبل عشرين عامًا، وكنتُ لا أزال أرتدي الحجاب، ذهبتُ لإنجاز تحقيقٍ صحافيٍّ في وسط المدينة. بعد جمع المعلومات خرجتُ إلى كورنيش النيل، سعيدةً بأوّل تكليفٍ صحافي. أسندتُ ظهري إلى السور أتأمّل النهر، فجاء من خلفي صبيٌّ مراهق ولمسني، ثم ابتعد ينظر إليّ في سعادة.

بعد سنوات، كنتُ مع ابنتي في شارعٍ تجاري مزدحم، ففوجئتُ برجلٍ خمسينيٍّ يرتدي جلبابًا يسبقني بخطوتين، يستدير ويبصق عليّ مبتسمًا. ومرةً أخرى، بينما أنا على سلّم المترو الكهربائي ممسكةٌ بيد ابنتي، عرقلني شخصٌ من الخلف فأوشكتُ على السقوط. لمّا صرختُ في وجهه، أعاد عرقلتي. حين شاهدتُ فيديو ركْلِ الفتاة الإسكندرانية، عادت إليّ كلّ هذه المضايقات، فصرتُ أُقلّل خروجي من المنزل، أو أؤمّن نفسي وابنتي بأن نكون موجودين في أماكن أقلّ ازدحامًا وأكثر أمانًا.

يبقى أن حماية الفتيات والنساء ليست «فضلًا» اجتماعيًّا ولا شأنًا أخلاقيًّا خاصًّا، بل التزامٌ قانونيٌّ وسياسيٌّ عامّ. من دون قانونٍ عصريّ واضحٍ للعنف الأسري، وإرادةٍ قضائية في تطبيقه بلا استثناءاتٍ أو أعذارٍ مخفِّفة، ومن دون سياسةٍ عامّةٍ تُعيد تعريف الأمان في البيت والشارع، ستظلّ الفتيات محاصَراتٍ بين تأديبٍ في الداخل و«تهذيبٍ» قاسٍ في الخارج.

16.09.2025
زمن القراءة: 8 minutes

في مصر، تتعرّض فتيات كثيرات للضرب «تأديبًا»، وقد يتطوّر إلى تعذيبٍ وتقييدٍ بالسلاسل، وفي حالاتٍ أخرى تُقتَل الضحية أو تُدفَع إلى الانتحار. يحدث ذلك غالبًا في البيت؛ المكان الذي يُفترض أن يكون ملجأً للأمان. ومع ذلك، لا تُعامَل جرائم العنف الأسري بما تستحقّه من عقوبات رادعة.

تُخصَّص للفتيات والنساء في بلادنا أنماطٌ من الجرائم لا يتعرّض لها الذكور. لن تسمع عن أخٍ يقتل أخاه بسبب الميراث، أو عن أبٍ يقيّد ابنه بالسلاسل في السرير لأنه أحبّ فتاة، أو عن أمّ وجدّة تضغطان على فتى في الخامسة عشرة لإجباره على تناول السمّ لأنه مارس علاقة جنسية. هذه الجرائم تتكرّر داخل الأسرة بحقّ الفتيات والنساء تحديدًا. وإن نجت إحداهن من الضرب والتعذيب ولم تُقتل في المنزل، خرجت إلى شارعٍ يتربّص بها متحرّش، أو عنفٌ يُمارَس من أجل «المشاهدات»، وربما تتعرّض للبصق بلا سبب، أو حتى للتحرّش الجماعي. هذه كلها نماذج واقعية تتكرّر باستمرار.

يترافق هذا العنف مع خطابٍ تبريريٍّ يُحمِّل الضحية المسؤولية دائمًا، فيما يظلّ القانون الذي يُفترض أن يحمي النساء والفتيات في البيت والشارع حبيس أدراج البرلمان منذ سنوات.

أخيراً، تداولت مواقع إخبارية تفاصيل جريمة قتل فتاةٍ قاصر على يد أسرتها. عُلا (15 عامًا)، من منطقة شعبية في محافظة الجيزة، حملت بطفلٍ نتيجة علاقة خارج إطار الزواج. هربت من بيت أهلها، ولجأت إلى صديقتها حتى وضعت الرضيع، ثم عادت به إلى أسرتها. أُلقي الرضيع في الشارع، وتجمّع أفراد الأسرة حول عُلا، وفي يد أمها وجدتها حبوب «سمّ الغلّة»؛ أجبروها على تناوله. لم يرقّ قلب الأم لابنتها وهي تتوسّل الحياة. كانت عُلا تتوقّع عقابًا لا قتلًا. نُقلت جثتها إلى مدينة أخرى، ودُفنت بتصريح وفاةٍ مزوّر يفيد بأنها ماتت متأثرةً بالإصابة بفيروس كورونا. عاد أفراد الأسرة مطمئنين إلى «صواب» جريمتهم باسم ما يُسمّى «شرف الأسرة».

أمام النيابة وقف تسعة متّهمين بقتل الفتاة. تباهت الأمّ بتخطيطها وتنفيذها، مؤكّدة أنها غير نادمة على التخلّص من حفيدها وابنتها. وفي مثل هذه الحالات قد يرى القاضي ـــ حين ينظر في الدعوى ـــ تخفيفَ الحكم على الأم والجدة والعم بذريعة أن الفتاة «أجرمت» بعلاقة جنسية خارج الزواج، فلا تُرى الجريمة جريمة، بل «انفعالًا» لحماية “الشرف”.

الشهر الماضي أيضًا، عمد شبان إلى مطاردة فتيات على طريقٍ سريع بمدينة 6 أكتوبر غرب الجيزة، حيث تعمّدوا مضايقتهن وإيذاءهن، ما أدى إلى تهشّم سيارة الفتيات وإصابتهن بكسور. والقضية الآن قيد المحاكمة.

تخفيف الأحكام

في مصر، تتعرّض فتيات كثيرات للضرب «تأديبًا»، وقد يتطوّر إلى تعذيبٍ وتقييدٍ بالسلاسل، وفي حالاتٍ أخرى تُقتَل الضحية أو تُدفَع إلى الانتحار. يحدث ذلك غالبًا في البيت؛ المكان الذي يُفترض أن يكون ملجأً للأمان. ومع ذلك، لا تُعامَل جرائم العنف الأسري بما تستحقّه من عقوبات رادعة.

صار تخفيف الأحكام في جرائم العنف الأسري عرفًا متّبعًا في محاكم عدة. تصبح الفتاة ضحيةً مرّتين: أولًا حين تُقتَل على يد أبٍ أو أخٍ تمادى في التعذيب حتى الموت، وثانيًا أمام قاضٍ تميل كفّته إلى الرأفة مراعاةً لـ«الظروف النفسية» للفاعل، أو تعاطفًا مع أسرته، أو لصغر سنّه. وأحيانًا يأتي التخفيف بعد تنازل أهل الضحية عن حقّهم المدني «حفاظًا على مستقبل» الجاني وأسرته.

في نهاية العام الماضي، قتل زوجٌ زوجتَه ضربًا بعصًا غليظة بسبب «خلافاتٍ أسرية»، وزوجٌ آخر قتل زوجته الحامل في شهرها السابع بدافع الغيرة و«الشكّ» في سلوكها. وفي التوقيت نفسه تقريبًا، وقفت أمٌّ أمام محكمة الجنايات بالفيّوم تستعطف القاضي لتبرئة ابنها المتهم بقتل شقيقته: «كانوا بيتناقشوا، ضربها ماتت… أنا متنازلة عن حق بنتي». انفعل القاضي وسألها: حتى لو أخطأت ابنتك، مَن أعطى ابنك حقَّ محاسبتها وقتلها؟ صدر الحكم بالسجن المؤبّد (25 سنة)، ثم خُفِّف في الاستئناف إلى 15 عامًا.

تلجأ بعض الأمهات إلى التنازل عن حقوق بناتهنّ المقتولات لإنقاذ الزوج/الأب أو الأخ/الابن، إمّا تعاطفًا مع الجاني أو وفق منطق «الحيّ أولى». وفي واقعةٍ أخرى، تنازلت أمٌّ عن حقّ ابنتها التي قُتلت حرقًا على يد أخيها بسبب خلافٍ على ميراث، فنجا الأخّ من المؤبّد وتخفّفت عقوبته إلى بضع سنوات. قطعة أرضٍ بائسة، أو منزل ضيّقٌ بالفقر والعفن… وأمٌّ تتجاوز حقَّ ابنتها في العدالة.

وبحسب تقريرٍ لمؤسسة «إدراك» الحقوقية، تتصاعد سنويًّا أنماطُ الجرائم من قتلٍ وشروعٍ في قتل، واغتصابٍ وتحرّش، وضربٍ مبرّح، وابتزازٍ مالي وجنسي، وصولًا إلى ضغوطٍ نفسية تدفع بعض الفتيات إلى الانتحار. يذكر التقرير أن 69 في المئة من الحالات التي رُصدت تعرّضت للعنف من الأسرة أو الزوج. وبلغت الحالات التي أُبلِغ عنها رسميًّا أو رصدتها الشرطة والنيابة 950 حالة في عام 2023. كما يشير جهاز التعبئة العامة والإحصاء إلى أن نحو ثلث النساء اللاتي سبق لهنّ الزواج (15–49 عامًا) تعرّضن لأحد أشكال العنف الزوجي، وأن 25 في المئة من النساء يتعرّضن لعنفٍ جسدي داخل الأسرة، و22 في المئة لعنفٍ نفسي، ونحو 6 في المئة لعنفٍ جنسي.

هذه أرقامٌ صادمة، حين تُترجَم إلى وقائع تعني الإهانة والتحكّم في مصائر الفتيات: تعليمًا وزواجًا وخروجًا من المنزل. على الجانب الآخر، ثمّة بوادر أملٍ بتقليص هذه الأرقام: تزايد الحديث عن التربية الإيجابية، وانتشار محتوى التوعية النفسية للآباء والأمهات في بدايات مشوارهم الوالدي، ولجوء كثيرين إلى متخصصين لحلّ مشكلات الأبناء بدلًا من العنف والعقاب القاسي. وربّما تُساهم التعديلات المنتظَرة على قانون العقوبات – إن أُقرّت – في ترسيخ هذا التحوّل.

قانون العنف الأسري… مجمَّد في البرلمان

لفهم كيفية سنّ العقوبات في قضايا القتل، يوضح الدكتور أسامة عبيد، أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة: «هناك نوعان من جرائم القتل: العمد وغير العمد. في القتل العمد تتراوح العقوبة بين 3 و15 سنة، وقد تصل إلى السجن المؤبّد أو الإعدام. أمّا في بعض قضايا الزنا فتُخفَّف العقوبة إلى 3 سنوات، وقد تنخفض في حالاتٍ محدّدة إلى الحبس البسيط». أما القتل غير العمد الناتج من الإهمال أو الرعونة – مثل حوادث السيارات – فتتدرّج عقوبته بين 3 و15 سنة.

سأله “درج” عن أسباب التخفيف في جرائم الأسرة، فأجاب بأنّ التخفيف سلطةٌ تقديرية للقاضي بموجب المادة 17 من قانون العقوبات، ويُفعَّل عادةً بحسب ظروف الواقعة والمتَّهم: صِغَر سنّه، أو كِبَر عمره، أو كونه المعيل الوحيد لأسرته، أو سجله الجنائي. وماذا لو تنازل أهلُ المجنيّ عليها عن الحقّ المدني؟ يوضح: «يُجيز القانون التصالح في القتل الخطأ بعد تعديل 2006، وتحكم المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح، وهو حكمٌ تُساويه محكمة الاستئناف بالبراءة في آثاره. أما القتل العمد فلا يُجيز القانون فيه التصالح، لكن تنازلَ أهل المجنيّ عليها قد يُؤخذ في الاعتبار عند تقدير العقوبة. وللمناسبة، لا يوجد في القانون ما يُسمّى (جرائم الشرف)، بل يَرِد الحديث عن (الدفاع الشرعي عن العرض) بشروطٍ محدّدة».

يبدو قانون العقوبات الحالي غير منصفٍ لضحايا العنف الأسري، إذ لا يتضمّن تعريفاتٍ محدّدة لصوره أو إجراءاته. بالبحث، نجد مشروع «القانون الموحّد لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات» الذي شاركت في صياغته خمس مؤسسات حقوقية. سبقه عام 2017 تشكيل فريق عملٍ من ست منظمات نسوية لإعداد مقترح قانون موحّد يتضمّن أربعة أبواب: الأحكام العامة والتعاريف، الجرائم الجنسية والرقمية، الإجراءات القضائية والتحقيقات والإثبات، وإجراءات الحماية بما في ذلك إنشاء صندوقٍ لمساعدة الضحايا، بإجمالي 81 مادة.

وصلت المسودة الأولى إلى البرلمان عبر النائبة نادية هنري عام 2018، ثم أعادت النائبة نشوى الديب تقديمها عام 2022… ثم صمتٌ تامّ؛ لا أثرَ لردٍّ من البرلمان أو من لجنته التشريعية، على رغم أنّ دورته الحالية تُشارف على الانتهاء في تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام.

توضح إلهام عيداروس، وكيلة مؤسسي حزب «العيش والحرية» وناشطةٌ حقوقية، لـ«درج» أنّ القانون المصري يجرّم بعض صور العنف الأسري ضمن التجريم العام للضرب والاغتصاب، لكنْ ثمة مشكلتان: الأولى، المادة 17 الخاصة بالرأفة، والمادة 60 التي تمنح للأب والزوج «حقًّا مقرّرًا بمقتضى الشريعة» إذا وقع الفعل في نطاق «التأديب» داخل الأسرة؛ وهما تُستخدمان لتخفيف العقوبات أو إسقاطها أحيانًا. أما المشكلة الثانية فهي أن النصوص المجرِّمة صيغت بعمومٍ لا يراعي خصوصية العنف داخل الأسرة وما يتطلّبه من آلياتٍ مختلفة للتبليغ والحماية وتنسيق الجهات المعنية؛ فالتقدّم ببلاغٍ ضدّ معتدٍ غريب في الشارع ليس كالتقدّم ببلاغٍ ضد أبٍ أو أخ.

طُرحت مشاريع قوانين في 2015 و2018 و2022، مع اختلافاتٍ طفيفة بينها، تتّسم بالجرأة في مطالبة الدولة بتجريم العنف الأسري من دون إعفاءاتٍ أو تخفيفاتٍ خاصة، وبإفراد بندٍ صريح في قانون العقوبات بعنوان «العنف الأسري». ومع ذلك، ما زالت هذه المشاريع مجمّدة في أدراج البرلمان منذ 2022.

الشارع: فيلم رعب ممزوج بإباحيّة رخيصة

ما إنْ تنزل فتاةٌ إلى الشارع حتى تتأهّب؛ لأيّ شيء؟ لمتحرّشٍ يخرج من حيث لا تدري، لطفلٍ «يمزح» بملامسةٍ ويهرب ضاحكًا، لرجلٍ يبصق عليها… يتحوّل الشارع إلى فيلم رعبٍ يجب الخروج منه سريعًا، رعبٍ ممزوج بإباحيةٍ رخيصة.

ومع حملة وزارة الداخلية التي تحثّ المواطنين على تصوير الجرائم، صارت صفحة الوزارة على «فيسبوك» منفذًا للإبلاغ عن وقائع البلطجة والتحرّش والسرقة. وبغضّ النظر عن تحويل المواطنين إلى «مخبرين» يعملون مجانًا، فقد ساهم توثيق هذه الفيديوهات – التي وصلت في بعضها إلى مطارداتٍ بالسيارات – في القبض على الجناة ومحاسبتهم، ما شجّع كثيراتٍ على اتخاذ التوثيق وسيلة حمايةٍ في ظلّ ضعف الرقابة في الشوارع.

انتشر مثلًا فيديو لشابٍّ يسير خلف فتاةٍ في أحد شوارع الإسكندرية ويركلها بعنفٍ في ظهرها فتسقط على وجهها. خلال ساعاتٍ أُلقي القبض عليه وعلى اثنين آخرين.

تصنّف الفتياتُ الشوارعَ بحسب «درجة الأمان»: شوارعُ لا نسير فيها مطلقًا ولو نهارًا، وأخرى نمشي فيها بسرعةٍ وبانضباط، وشوارعُ نرتدي فيها ملابس فضفاضة ونلملم شعرنا بلا زينة، وأخرى نسمح فيها لأنفسنا بضحكةٍ مع الرفيقات. هناك شوارع لا ندخلها إلا نهارًا بملابس مريحة، وأخرى لا نمرّ بها إلا بسيّارة أجرة. وفي المدن الساحلية، يبدأ التصنيف من نزول البحر بالملابس كاملةً إلى شواطئ يمكن ارتداء «شورت» فيها، وأخرى بالمايوه؛ وذلك كله يتغيّر تبعًا لكلفة الدخول أو امتلاك الأسرة منزلًا في منتجعٍ سياحي أو استئجار شقّةٍ على شاطئٍ شعبي.

هذا التصنيف الشفهيّ تسعى الفتيات من خلاله إلى تأمين حركة السير في المدينة. ومن الملاحَظ أنّ وتيرة العنف في الشارع ازدادت في السنوات الأخيرة. كصحافية مصرية متعلّمة عملت طويلًا في الشارع، رصدتُ هذا التطوّر. عقب تخرّجي قبل عشرين عامًا، وكنتُ لا أزال أرتدي الحجاب، ذهبتُ لإنجاز تحقيقٍ صحافيٍّ في وسط المدينة. بعد جمع المعلومات خرجتُ إلى كورنيش النيل، سعيدةً بأوّل تكليفٍ صحافي. أسندتُ ظهري إلى السور أتأمّل النهر، فجاء من خلفي صبيٌّ مراهق ولمسني، ثم ابتعد ينظر إليّ في سعادة.

بعد سنوات، كنتُ مع ابنتي في شارعٍ تجاري مزدحم، ففوجئتُ برجلٍ خمسينيٍّ يرتدي جلبابًا يسبقني بخطوتين، يستدير ويبصق عليّ مبتسمًا. ومرةً أخرى، بينما أنا على سلّم المترو الكهربائي ممسكةٌ بيد ابنتي، عرقلني شخصٌ من الخلف فأوشكتُ على السقوط. لمّا صرختُ في وجهه، أعاد عرقلتي. حين شاهدتُ فيديو ركْلِ الفتاة الإسكندرانية، عادت إليّ كلّ هذه المضايقات، فصرتُ أُقلّل خروجي من المنزل، أو أؤمّن نفسي وابنتي بأن نكون موجودين في أماكن أقلّ ازدحامًا وأكثر أمانًا.

يبقى أن حماية الفتيات والنساء ليست «فضلًا» اجتماعيًّا ولا شأنًا أخلاقيًّا خاصًّا، بل التزامٌ قانونيٌّ وسياسيٌّ عامّ. من دون قانونٍ عصريّ واضحٍ للعنف الأسري، وإرادةٍ قضائية في تطبيقه بلا استثناءاتٍ أو أعذارٍ مخفِّفة، ومن دون سياسةٍ عامّةٍ تُعيد تعريف الأمان في البيت والشارع، ستظلّ الفتيات محاصَراتٍ بين تأديبٍ في الداخل و«تهذيبٍ» قاسٍ في الخارج.

16.09.2025
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية