ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“محرقة لبنان”: خفّة الطرح في مواجهة تحديات بيئيّة وصحيّة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

طرحت وزيرة البيئة تمارا الزين إدراج “البحث العلمي” في البيان الوزاري للحكومة الجديدة، لكنها عادت وأثارت الجدل في تصريح بأن “لبنان يحتاج لمحرقة واحدة فقط”، وهو ما قوبل بانتقادات حادة من الباحثين والخبراء والناشطين البيئيين.  

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

طرح فكرة المحرقة “الواحدة” لمعالجة النفايات يعيد لبنان إلى نهج مركزي فاشل و”خطط طوارئ” اتبعتها الحكومات المتعاقبة، بدءاً من مطمر الناعمة وصولاً إلى مطمري الكوستا برافا وبرج حمود، اللذين أديا إلى كوارث بيئية وانتهاكات واضحة للقوانين المحلية والدولية. في هذا السياق، اعتبر ائتلاف إدارة النفايات “أن إعادة طرح المحارق كحل لأزمة النفايات في لبنان، متجاهلةً نتائج التقييم البيئي، يدل على محاولة لنسف العمل المؤسسي والعودة إلى السياسات العشوائية التي لطالما أغرقت لبنان في أزمات متتالية”. موقع “درج” حاول التواصل مع وزيرة البيئة تمارا الزين للاستفسار عن الطرح وخطة الوزارة لمعالجة الملف، لكنه لم يتلقّ رداً حتى تاريخ النشر. 

في مقابلة مع “درج” أعاد المهندس البيئي زياد أبي شاكر تأكيد أن “فكرة إنشاء محرقة واحدة لمعالجة نفايات لبنان غير عملية، نظراً إلى أن كمية النفايات اليومية المنتجة في لبنان تصل إلى 6000 طن، وهو حجم يفوق قدرة أي محرقة موجودة عالميًا، إذ تصل سعة المحارق الكلاسيكية إلى 800-900 طن”. 

تنفيذ هذا الاقتراح يواجه عقبات لوجستية، أبرزها موقع المحرقة، إذ إن تجميع ونقل نفايات لبنان إلى نقطة واحدة سيؤدي إلى تكاليف تشغيل باهظة، وكارثة بيئية، وأزمة في حركة النقل بسبب عدد الشاحنات المطلوبة لنقل النفايات. يشرح أبي شاكر أن “مدينة بيروت وحدها كانت تنتج 500 طن من النفايات يومياً، وإذا قررنا نقل هذه الكمية إلى محرقة خارج بيروت، فنحن نحتاج إلى 42 شاحنة يومياً باعتبار أن سعة الشاحنة الكبيرة هي 12 طناً”. ويتساءل أبي شاكر: “من يتحمل هذه التكاليف؟ وإذا كنا نتحدث عن اللامركزية الإدارية، فهذا يعني أن المسؤولية تقع على عاتق البلديات، لكن هل لديها الموارد والقدرة الفعلية لتنفيذ ذلك؟”

ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها المحارق كحلّ لأزمة النفايات في لبنان. في عام 1996 كشفت تجربة محرقة العمروسية عن عدم ملاءمة تقنية المحارق لطبيعة النفايات في لبنان، إذ واجهت فشلاً تقنياً وبيئياً أدى إلى احتجاجات شعبية انتهت بإحراقها من السكان. وبحسب دراسة تقييم أثرها البيئي، كان أداء المحرقة كارثياً بسبب الاحتراق غير المكتمل للنفايات، نتيجة ارتفاع كمية المواد العضوية التي تحتوي على نسبة عالية من الرطوبة، ما أدى إلى انبعاث مستويات عالية من أحادي وثاني أوكسيد الكربون، وهي غازات سامة تؤثر سلباً على الصحة العامة والبيئة. وهو ما لم يتم أخذه بالاعتبار عند إعادة طرح المحارق تحت مسميات جديدة مثل “التفكك الحراري” و”استرداد الطاقة” كحل في السنوات اللاحقة.

في عام 2010، تبنّت حكومة سعد الحريري الأولى التفكك الحراري حصرياً لبيروت وجبل لبنان بموجب قرارها رقم 55/2010، بينما اختارت المطامر الصحية لبقية المناطق، إلا أن هذا القرار لم يُنفَّذ حينها. لاحقاً، وافقت حكومة الحريري الثانية، خلال جلستها في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، على دفتر الشروط الخاص باعتماد تقنية المحارق. كما صادق المجلس البلدي للعاصمة بيروت على اعتماد المحارق في 25 تشرين الأول 2016 بموجب القرار رقم 595.

وثائقي “محرقة بيروت” يكشف حقيقة رماد المحارق

حسم الجدل في عام 2017 حول جدوى تقنية المحارق وإمكانية اعتمادها في لبنان، بخاصة في ظل التحديات الناجمة عن الرماد المتطاير ورماد القاع. واعتبرت منظمة غرينبيس أن “خطة الحكومة اللبنانية لمعالجة ازمة النفايات خطيرة وغير مسؤولة وغير صالحة، إذ قد تخلف آثاراً بيئية وصحية كبيرة على المستوى الوطني وعلى مستوى منطقة البحر الأبيض المتوسط”. كما حذّرت المنظمة من أن “30 في المئة من النفايات التي يتم حرقها تتحول إلى رماد سام يستلزم معالجة خاصة”.

وسط هذه التحذيرات، زار المهندس البيئي زياد أبي شاكر “محرقة أودين” في الدنمارك لإنتاج وثائقي “محرقة لبيروت” الذي يسلط الضوء على المخاطر البيئية والصحية والتحديات في إدارة المحارق في ظل عدم توافر البنية التحتية في لبنان.

يركز الوثائقي، الذي أعيد عرضه في 10 آذار/ مارس الماضي في “سينما متروبوليس” في العاصمة بيروت، على تحوّل النفايات إلى رماد سام “يشبه المواد السامة التي دخلت لبنان إبان الحرب الأهلية”، وفقاً لما قاله الدكتور جوزيف زعيتر، الخبير في الهندسة الكيميائية وتحويل النفايات إلى طاقة، في حلقة نقاش نُظِّمت بعد العرض.  

على الرغم من المساحات الشاسعة في الدنمارك، اتفق القيمون على محرقة “أودن” مع شركة نرويجية، لترحيل الرماد السام إلى جزيرة نرويجية غير مأهولة  بالقرب من القطب الشمالي. تمتلك هذه الجزيرة خاصية جيولوجية تمنع تسرب المواد السامة والخطرة إلى البحر. قبل سبع سنوات، أجرى أبي شاكر بالتعاون مع خبيرة السموم البيئية كارول سخن، تحليلاً على عينة رماد حصل عليها من “محرقة أودين”. وعلى الرغم من أن المحرقة لا تُستخدم لحرق المواد القابلة لإعادة التدوير والتصنيع، مثل البلاستيك، إلا أن العينة التي خضعت للتحليل كشفت عن وجود معادن ثقيلة خطيرة، أبرزها الرصاص والكادميوم.

وخلال جلسة النقاش حول المحارق، أوضحت سخن أن “المعادن الثقيلة الموجودة في النفايات تشكل خطراً بيئياً كبيراً”، مشددةً على أنها “إذا لم يتم احتواؤها في أماكن آمنة، فإنها ستتسرّب إلى المياه الجوفية، ما يفاقم التلوث ويهدد الصحة العامة”. وأشارت سخن إلى المخاطر الصحية الناجمة عن الرصاص والكادميوم، موضحةً أنه “لهما تأثيرات خطيرة على الصحة الإنجابية ونمو الأطفال ووظائف أجسادهم وعلى عمل الكلى ومستويات الكالسيوم في الجسم”. أما بالنسبة الى الديوكسين والفوران، فقد اعتبرتهما سخن من “المواد الكيميائية الدائمة (Forever Chemicals)” التي يصعب تفكيكها، إذ تتراكم في الجسم مع مرور الوقت، ما يؤدي إلى حالات تسمم خطيرة. 

وقالت عضوة إئتلاف إدارة النفايات سمر خليل إن “الديوكسين والفوران يعدان من المواد المسرطنة بموجب اتفاقية ستوكهولم”. وتابعت أن “رصد مستويات الديوكسين في الهواء يتطلب معدات متخصصة يتم استيرادها من الخارج”، مشيرةً إلى أن “تكلفة تحليل العينة الواحدة كانت تبلغ 10,000 دولار قبل الأزمة الاقتصادية”، ما يجعل عملية المراقبة والتحكم في هذه المواد السامة أمراً مكلفاً وصعب التنفيذ في لبنان، بخاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة. في هذا السياق، أكدت سخن الحاجة الملحة إلى “تجهيز مختبر متخصص قادر على فحص مستويات الديوكسين والفوران. وأشارت إلى أن “تكلفة تجهيز هذا المختبر تُقدّر بنحو 10 ملايين دولار، وهو استثمار ضروري قبل التفكير بطرح تقنية المحارق”.

قضية التخلص من الرماد المتطاير في حال اعتماد المحارق في لبنان تعيد إلى الأذهان سيناريو أزمة مادة الأسبستوس المسرطنة. فقد كان هناك توجه عند طرح فكرة محرقة بيروت عام 2017 لخلط الرماد المتطاير، الذي يحتوي على مواد مسرطنة، مع الطوب الإسمنتي وبيعه للناس لاستخدامه في بناء المنازل. “هذا يعني أن السكان كانوا سيعيشون داخل بيوت مبنية من مواد تحتوي على عناصر مسرطنة، ما يشكل خطراً جسيماً على صحتهم”، يقول أبي شاكر لـ “درج”. وتشرح سمر خليل في مقابلة مع “درج” أن ” التخلص الآمن من النفايات السامة يشكل تحدياً كبيراً في لبنان، بخاصة في ظل القيود التي تفرضها اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، ما يحدّ من إمكانية تصدير الرماد المتطاير إلى الخارج”.

توليد الطاقة من النفايات 

طرحت الوزيرة الزين فكرة إنشاء محرقة للنفايات كحل لتوليد الطاقة الكهربائية، مستشهدةً بمحرقة مدينة دبي، التي اعتبرت أنها يمكن أن تكون “نموذجاً يُحتذى به”. وقالت إن لبنان “ينتج نحو 250,000 طن من النفايات سنوياً، ما يمكن أن يُولّد 250 ميغاوات من الكهرباء، أي ما يكفي “تزويد 140,000 منزل بالطاقة الكهربائية”.

لكن في ما يتعلق بإنتاج الكهرباء، هناك مغالطات كبيرة في تقدير الطاقة الناتجة من المحارق. يوضح أبي شاكر أن “النفايات اللبنانية لا تمتلك قيمة حرارية كافية لحرقها ذاتياً، ما يعني أننا سنضطر إلى استهلاك الوقود لإشعالها بدلاً من أن تكون مصدراً فعلياً لتوليد الطاقة”. أي أن المحرقة لن تكون حلاً فعالاً لأزمة الكهرباء، بل ستتحول إلى عبء إضافي يزيد من استهلاك الوقود . 

“المحرقة التي تستوعب 900 طن من النفايات لا تنتج أكثر من 36 ميغاوات، ما يعني أن سبع محارق مجتمعة لن تولد سوى 250 ميغاواط تقريباً”، يوضح أبي شاكر. في هذا السياق، شدّد زعيتر على أن “المشكلة الحقيقية في لبنان تكمن في أزمة الكهرباء، فالمحرقة لن تكون كافية لإنارة سوى شارعين في بيروت”، لافتًا إلى أن “محرقة ‘أودين’ في الدنمارك، التي تُستخدم لحرق النفايات الصناعية، لا تنتج سوى 18 ميغاوات”. وهنا تبرز المفارقة، لن يتطلب إنشاء محطة كهرباء حديثة قادرة على إنتاج 250 ميغاوات إستثماراً بقيمة 7 مليار دولار، وهي التكلفة التي تتطلبها إنشاء المحارق”، يضيف أبي شاكر.

في عام 2017، استعان مجلس الإنماء والإعمار باستشاري دنماركي لدراسة إمكانية اعتماد المحارق في لبنان، فاقترح الأخير إضافة المواد القابلة لإعادة التدوير مثل البلاستيك والورق إلى النفايات المحروقة لرفع قيمتها الحرارية وزيادة كفاءة إنتاج الطاقة، وفقاً لـ أبي شاكر. لكن هذا الاقتراح يتناقض تمامًا مع الممارسات البيئية العالمية، إذ إن  “محرقة أودين” تفرض غرامات على من يرسل إليها نفايات تحتوي على مواد يمكن إعادة تدويرها.

السياسات البيئيّة الفعالة 

يكمن العائق الأكبر في إدارة النفايات في منع البلديات من تحصيل الرسوم، ما يعيق قدرتها على إدارة القطاع بفعالية. تفاقمت هذه المشكلة مع الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى تراجع قيمة الأموال المحولة إلى البلديات من عائدات الصندوق البلدي المستقل، بالإضافة إلى التأخير في تحويل هذه الأموال حتى قبل اندلاع الأزمة عام 2019. 

في هذا السياق أشارت سمر خليل لـ “درج”  إلى أنه “يجب تعديل القانون لكي تتمكن البلديات من فرض رسوم تمكنها من الإدارة السليمة لهذا القطاع بشكل مستدام وتخفيف آثاره السلبية على الصحة العامة والبيئة والاقتصاد”. ويعتبر أبي شاكر أنها “النقطة الأساسية لحل الأزمة”، مضيفاً أنه “إذا سمح القانون للبلديات بجباية الرسوم من المنازل، فسيكون المبلغ المطلوب بين 7 و 8 دولارات شهرياً لكل منزل، وهو رقم معقول يسمح بجمع النفايات ونقلها ومعالجتها”. 

ويؤكد ائتلاف إدارة النفايات أن الحل الأمثل لإدارة النفايات يكمن في “إنشاء نظام متكامل يشمل جميع أنواع النفايات (المنزلية، الخطرة، وغيرها)، على أن يكون قائماً على الوقاية أولاً، ومستنداً إلى دراسات علمية حول الحلول والمواقع، ودراسات جدوى اقتصادية، مع ضمان مشاركة عامة فعالة”. وشدد الائتلاف على “ضرورة اعتماد مبدأ الاقتصاد الدائري من خلال تعزيز الفرز من المصدر، وإعادة الاستخدام، والإصلاح، وإعادة التدوير، والتسميد، باعتبارها بدائل بيئية واقتصادية مستدامة تساهم في تقليل النفايات وتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد”.

توضح سمر خليل لـ “درج” أن “لبنان يملك معامل قادرة على معالجة 6400 طن من النفايات يومياً، إلا أن ما يعمل منها يعالج فقط 400 طن”. وتشير إلى أن “الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات، التي أُقرت في كانون الثاني/يناير، تعتمد على الاقتصاد الدائري، واسترداد الموارد، وتثمينها، واللامركزية التي كرسها القانون 80/2018 للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”.  ويؤكد أبي شاكر أن جمع كل النفايات في مواقع مثل الجديدة أو كوستا برافا يفاقم المشكلة بينما يؤدي اعتماد نهج اللامركزية والتزام كل منطقة بمعالجة نفاياتها إلى تقليص حجم الأزمة والوصول إلى صفر نفايات”.

وتشير خليل إلى أن “ارتفاع عدد البلديات يشكل عائقاً إضافياً، إذ يؤدي إلى تشتت التمويل ويحدّ من إمكانية تحقيق اقتصاد الحجم (Economy of Scale)، أي انخفاض الكلفة بارتفاع الإنتاج”. وهذا يبرز أهمية إقرار قانون اللامركزية الإدارية، الذي من شأنه أن يمهد لتنظيم القطاع وإدارته بشكل مستدام. 

تشكل النفايات العضوية نحو 88 في المئة من إجمالي إنتاج النفايات في لبنان، ما يجعلها مورداً قيّماً يمكن استثماره. وتُعتبر تقنية تسبيخ النفايات العضوية خياراً اقتصادياً مربحاً مقارنة بالبدائل المكلفة مثل المحارق والمطامر. “من كل 100 كيلوغرام من النفايات، يمكن إنتاج 35 كيلوغراماً من السماد العضوي، فيما يصل سعر الطن الواحد إلى 150 دولاراً”، يقول أبي شاكر. ومع ذلك، لا تزال النفايات العضوية تُطمَر في مطامر غير صحية، ما يؤدي إلى تلوث بيئي وانبعاثات غازية خطيرة، أبرزها غاز الميثان، أحد الغازات الدفيئة الرئيسية المسببة للتغير المناخي، كما ورد في تقرير سابق نشره موقع “درج”. 

إذا تم اعتماد إعادة التدوير كخطة رئيسية لمعالجة النفايات، فستكون الاستثمارات المطلوبة في البنية التحتية أقل من نصف تلك اللازمة لإنشاء المحارق. وتشير الدراسات إلى أن تكلفة إنشاء المحرقة وتشغيلها قد تتجاوز الـ 160 دولاراً للطن الواحد، وهي أضعاف تكلفة الفرز، والتدوير، والتسبيخ، وفقاً لائتلاف إدارة النفايات. من جانبه، يوضح أبي شاكر أن “تكلفة إنشاء خط فرز مع خط تسبيح لكل طن من النفايات تتراوح بين 40 و50 دولاراً”، ما يعزز جدوى الحلول المستدامة مقارنة بالمحارق المكلفة بيئياً واقتصادياً. 

عاد التسويق لفكرة المحارق تحت ذريعة أن أزمة النفايات “ستنفجر مجدداً مع اقتراب مطمري الكوستا برافا وبرج حمود من بلوغ طاقتهما الاستيعابية القصوى”. لكن في الواقع، يبقى الفرز العائق الأساسي أمام التقدم نحو حلول فعالة ومستدامة. فقد توقف معمل فرز الكرنتينا عن العمل منذ انفجار مرفأ بيروت في آب عام 2020، وفي اجتماع مجلس الوزراء في كانون الثاني/ يناير 2024، تمت الإشارة إلى إعادة تأهيل وتشغيل معمل الفرز في العمروسية، ما يعني أن النفايات تُطمر حالياً من دون فرز، في مخالفة واضحة للعقود المبرمة.  

وتؤكد سمر خليل أن “جوهر المشكلة يكمن في الحوكمة”، إذ إن “الدولة نفسها أول من يخالف القوانين”، مشيرةً إلى أن “مطمرَي كوستا برافا والجديدة ينتهكان كل التشريعات الوطنية والدولية” التي التزم بها لبنان. يبقى السؤال المطروح اليوم: هل تم إجراء دراسة تقييم أثر بيئي لـ “محرقة لبنان”؟ وفقًا للمرسوم 8633/ 2012، يُعد اعتراض المجتمع المدني عنصراً أساسياً في هذه الدراسة، ما يعني أن رفض المواطنين قد يؤدي إلى إفشال المقترح بالرغم من عدم جدواه التقنية واللوجستية. 

خلال زيارتها إلى مدينة بعلبك، صرّحت الوزيرة الزين قائلةً: “فضلتُ ألا أذكر في البيان الوزاري كلمة “النفايات” تحديداً، لأن مشكلة النفايات يتمنى الجميع حلّها، لكن العوائق التي تحيط بها تتجاوز قدرة أي حكومة، خلال فترة سنة وأربعة أشهر، على معالجتها”. قد يعكس هذا التصريح غياب جدية الطرح و التعامل مع الملف، خصوصاً أن أزمة النفايات ما زالت تراوح مكانها رغم الوعود والخطط والمقترحات المتكررة منذ أكثر من عقدين.

07.04.2025
زمن القراءة: 10 minutes

طرحت وزيرة البيئة تمارا الزين إدراج “البحث العلمي” في البيان الوزاري للحكومة الجديدة، لكنها عادت وأثارت الجدل في تصريح بأن “لبنان يحتاج لمحرقة واحدة فقط”، وهو ما قوبل بانتقادات حادة من الباحثين والخبراء والناشطين البيئيين.  

طرح فكرة المحرقة “الواحدة” لمعالجة النفايات يعيد لبنان إلى نهج مركزي فاشل و”خطط طوارئ” اتبعتها الحكومات المتعاقبة، بدءاً من مطمر الناعمة وصولاً إلى مطمري الكوستا برافا وبرج حمود، اللذين أديا إلى كوارث بيئية وانتهاكات واضحة للقوانين المحلية والدولية. في هذا السياق، اعتبر ائتلاف إدارة النفايات “أن إعادة طرح المحارق كحل لأزمة النفايات في لبنان، متجاهلةً نتائج التقييم البيئي، يدل على محاولة لنسف العمل المؤسسي والعودة إلى السياسات العشوائية التي لطالما أغرقت لبنان في أزمات متتالية”. موقع “درج” حاول التواصل مع وزيرة البيئة تمارا الزين للاستفسار عن الطرح وخطة الوزارة لمعالجة الملف، لكنه لم يتلقّ رداً حتى تاريخ النشر. 

في مقابلة مع “درج” أعاد المهندس البيئي زياد أبي شاكر تأكيد أن “فكرة إنشاء محرقة واحدة لمعالجة نفايات لبنان غير عملية، نظراً إلى أن كمية النفايات اليومية المنتجة في لبنان تصل إلى 6000 طن، وهو حجم يفوق قدرة أي محرقة موجودة عالميًا، إذ تصل سعة المحارق الكلاسيكية إلى 800-900 طن”. 

تنفيذ هذا الاقتراح يواجه عقبات لوجستية، أبرزها موقع المحرقة، إذ إن تجميع ونقل نفايات لبنان إلى نقطة واحدة سيؤدي إلى تكاليف تشغيل باهظة، وكارثة بيئية، وأزمة في حركة النقل بسبب عدد الشاحنات المطلوبة لنقل النفايات. يشرح أبي شاكر أن “مدينة بيروت وحدها كانت تنتج 500 طن من النفايات يومياً، وإذا قررنا نقل هذه الكمية إلى محرقة خارج بيروت، فنحن نحتاج إلى 42 شاحنة يومياً باعتبار أن سعة الشاحنة الكبيرة هي 12 طناً”. ويتساءل أبي شاكر: “من يتحمل هذه التكاليف؟ وإذا كنا نتحدث عن اللامركزية الإدارية، فهذا يعني أن المسؤولية تقع على عاتق البلديات، لكن هل لديها الموارد والقدرة الفعلية لتنفيذ ذلك؟”

ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها المحارق كحلّ لأزمة النفايات في لبنان. في عام 1996 كشفت تجربة محرقة العمروسية عن عدم ملاءمة تقنية المحارق لطبيعة النفايات في لبنان، إذ واجهت فشلاً تقنياً وبيئياً أدى إلى احتجاجات شعبية انتهت بإحراقها من السكان. وبحسب دراسة تقييم أثرها البيئي، كان أداء المحرقة كارثياً بسبب الاحتراق غير المكتمل للنفايات، نتيجة ارتفاع كمية المواد العضوية التي تحتوي على نسبة عالية من الرطوبة، ما أدى إلى انبعاث مستويات عالية من أحادي وثاني أوكسيد الكربون، وهي غازات سامة تؤثر سلباً على الصحة العامة والبيئة. وهو ما لم يتم أخذه بالاعتبار عند إعادة طرح المحارق تحت مسميات جديدة مثل “التفكك الحراري” و”استرداد الطاقة” كحل في السنوات اللاحقة.

في عام 2010، تبنّت حكومة سعد الحريري الأولى التفكك الحراري حصرياً لبيروت وجبل لبنان بموجب قرارها رقم 55/2010، بينما اختارت المطامر الصحية لبقية المناطق، إلا أن هذا القرار لم يُنفَّذ حينها. لاحقاً، وافقت حكومة الحريري الثانية، خلال جلستها في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، على دفتر الشروط الخاص باعتماد تقنية المحارق. كما صادق المجلس البلدي للعاصمة بيروت على اعتماد المحارق في 25 تشرين الأول 2016 بموجب القرار رقم 595.

وثائقي “محرقة بيروت” يكشف حقيقة رماد المحارق

حسم الجدل في عام 2017 حول جدوى تقنية المحارق وإمكانية اعتمادها في لبنان، بخاصة في ظل التحديات الناجمة عن الرماد المتطاير ورماد القاع. واعتبرت منظمة غرينبيس أن “خطة الحكومة اللبنانية لمعالجة ازمة النفايات خطيرة وغير مسؤولة وغير صالحة، إذ قد تخلف آثاراً بيئية وصحية كبيرة على المستوى الوطني وعلى مستوى منطقة البحر الأبيض المتوسط”. كما حذّرت المنظمة من أن “30 في المئة من النفايات التي يتم حرقها تتحول إلى رماد سام يستلزم معالجة خاصة”.

وسط هذه التحذيرات، زار المهندس البيئي زياد أبي شاكر “محرقة أودين” في الدنمارك لإنتاج وثائقي “محرقة لبيروت” الذي يسلط الضوء على المخاطر البيئية والصحية والتحديات في إدارة المحارق في ظل عدم توافر البنية التحتية في لبنان.

يركز الوثائقي، الذي أعيد عرضه في 10 آذار/ مارس الماضي في “سينما متروبوليس” في العاصمة بيروت، على تحوّل النفايات إلى رماد سام “يشبه المواد السامة التي دخلت لبنان إبان الحرب الأهلية”، وفقاً لما قاله الدكتور جوزيف زعيتر، الخبير في الهندسة الكيميائية وتحويل النفايات إلى طاقة، في حلقة نقاش نُظِّمت بعد العرض.  

على الرغم من المساحات الشاسعة في الدنمارك، اتفق القيمون على محرقة “أودن” مع شركة نرويجية، لترحيل الرماد السام إلى جزيرة نرويجية غير مأهولة  بالقرب من القطب الشمالي. تمتلك هذه الجزيرة خاصية جيولوجية تمنع تسرب المواد السامة والخطرة إلى البحر. قبل سبع سنوات، أجرى أبي شاكر بالتعاون مع خبيرة السموم البيئية كارول سخن، تحليلاً على عينة رماد حصل عليها من “محرقة أودين”. وعلى الرغم من أن المحرقة لا تُستخدم لحرق المواد القابلة لإعادة التدوير والتصنيع، مثل البلاستيك، إلا أن العينة التي خضعت للتحليل كشفت عن وجود معادن ثقيلة خطيرة، أبرزها الرصاص والكادميوم.

وخلال جلسة النقاش حول المحارق، أوضحت سخن أن “المعادن الثقيلة الموجودة في النفايات تشكل خطراً بيئياً كبيراً”، مشددةً على أنها “إذا لم يتم احتواؤها في أماكن آمنة، فإنها ستتسرّب إلى المياه الجوفية، ما يفاقم التلوث ويهدد الصحة العامة”. وأشارت سخن إلى المخاطر الصحية الناجمة عن الرصاص والكادميوم، موضحةً أنه “لهما تأثيرات خطيرة على الصحة الإنجابية ونمو الأطفال ووظائف أجسادهم وعلى عمل الكلى ومستويات الكالسيوم في الجسم”. أما بالنسبة الى الديوكسين والفوران، فقد اعتبرتهما سخن من “المواد الكيميائية الدائمة (Forever Chemicals)” التي يصعب تفكيكها، إذ تتراكم في الجسم مع مرور الوقت، ما يؤدي إلى حالات تسمم خطيرة. 

وقالت عضوة إئتلاف إدارة النفايات سمر خليل إن “الديوكسين والفوران يعدان من المواد المسرطنة بموجب اتفاقية ستوكهولم”. وتابعت أن “رصد مستويات الديوكسين في الهواء يتطلب معدات متخصصة يتم استيرادها من الخارج”، مشيرةً إلى أن “تكلفة تحليل العينة الواحدة كانت تبلغ 10,000 دولار قبل الأزمة الاقتصادية”، ما يجعل عملية المراقبة والتحكم في هذه المواد السامة أمراً مكلفاً وصعب التنفيذ في لبنان، بخاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة. في هذا السياق، أكدت سخن الحاجة الملحة إلى “تجهيز مختبر متخصص قادر على فحص مستويات الديوكسين والفوران. وأشارت إلى أن “تكلفة تجهيز هذا المختبر تُقدّر بنحو 10 ملايين دولار، وهو استثمار ضروري قبل التفكير بطرح تقنية المحارق”.

قضية التخلص من الرماد المتطاير في حال اعتماد المحارق في لبنان تعيد إلى الأذهان سيناريو أزمة مادة الأسبستوس المسرطنة. فقد كان هناك توجه عند طرح فكرة محرقة بيروت عام 2017 لخلط الرماد المتطاير، الذي يحتوي على مواد مسرطنة، مع الطوب الإسمنتي وبيعه للناس لاستخدامه في بناء المنازل. “هذا يعني أن السكان كانوا سيعيشون داخل بيوت مبنية من مواد تحتوي على عناصر مسرطنة، ما يشكل خطراً جسيماً على صحتهم”، يقول أبي شاكر لـ “درج”. وتشرح سمر خليل في مقابلة مع “درج” أن ” التخلص الآمن من النفايات السامة يشكل تحدياً كبيراً في لبنان، بخاصة في ظل القيود التي تفرضها اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، ما يحدّ من إمكانية تصدير الرماد المتطاير إلى الخارج”.

توليد الطاقة من النفايات 

طرحت الوزيرة الزين فكرة إنشاء محرقة للنفايات كحل لتوليد الطاقة الكهربائية، مستشهدةً بمحرقة مدينة دبي، التي اعتبرت أنها يمكن أن تكون “نموذجاً يُحتذى به”. وقالت إن لبنان “ينتج نحو 250,000 طن من النفايات سنوياً، ما يمكن أن يُولّد 250 ميغاوات من الكهرباء، أي ما يكفي “تزويد 140,000 منزل بالطاقة الكهربائية”.

لكن في ما يتعلق بإنتاج الكهرباء، هناك مغالطات كبيرة في تقدير الطاقة الناتجة من المحارق. يوضح أبي شاكر أن “النفايات اللبنانية لا تمتلك قيمة حرارية كافية لحرقها ذاتياً، ما يعني أننا سنضطر إلى استهلاك الوقود لإشعالها بدلاً من أن تكون مصدراً فعلياً لتوليد الطاقة”. أي أن المحرقة لن تكون حلاً فعالاً لأزمة الكهرباء، بل ستتحول إلى عبء إضافي يزيد من استهلاك الوقود . 

“المحرقة التي تستوعب 900 طن من النفايات لا تنتج أكثر من 36 ميغاوات، ما يعني أن سبع محارق مجتمعة لن تولد سوى 250 ميغاواط تقريباً”، يوضح أبي شاكر. في هذا السياق، شدّد زعيتر على أن “المشكلة الحقيقية في لبنان تكمن في أزمة الكهرباء، فالمحرقة لن تكون كافية لإنارة سوى شارعين في بيروت”، لافتًا إلى أن “محرقة ‘أودين’ في الدنمارك، التي تُستخدم لحرق النفايات الصناعية، لا تنتج سوى 18 ميغاوات”. وهنا تبرز المفارقة، لن يتطلب إنشاء محطة كهرباء حديثة قادرة على إنتاج 250 ميغاوات إستثماراً بقيمة 7 مليار دولار، وهي التكلفة التي تتطلبها إنشاء المحارق”، يضيف أبي شاكر.

في عام 2017، استعان مجلس الإنماء والإعمار باستشاري دنماركي لدراسة إمكانية اعتماد المحارق في لبنان، فاقترح الأخير إضافة المواد القابلة لإعادة التدوير مثل البلاستيك والورق إلى النفايات المحروقة لرفع قيمتها الحرارية وزيادة كفاءة إنتاج الطاقة، وفقاً لـ أبي شاكر. لكن هذا الاقتراح يتناقض تمامًا مع الممارسات البيئية العالمية، إذ إن  “محرقة أودين” تفرض غرامات على من يرسل إليها نفايات تحتوي على مواد يمكن إعادة تدويرها.

السياسات البيئيّة الفعالة 

يكمن العائق الأكبر في إدارة النفايات في منع البلديات من تحصيل الرسوم، ما يعيق قدرتها على إدارة القطاع بفعالية. تفاقمت هذه المشكلة مع الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى تراجع قيمة الأموال المحولة إلى البلديات من عائدات الصندوق البلدي المستقل، بالإضافة إلى التأخير في تحويل هذه الأموال حتى قبل اندلاع الأزمة عام 2019. 

في هذا السياق أشارت سمر خليل لـ “درج”  إلى أنه “يجب تعديل القانون لكي تتمكن البلديات من فرض رسوم تمكنها من الإدارة السليمة لهذا القطاع بشكل مستدام وتخفيف آثاره السلبية على الصحة العامة والبيئة والاقتصاد”. ويعتبر أبي شاكر أنها “النقطة الأساسية لحل الأزمة”، مضيفاً أنه “إذا سمح القانون للبلديات بجباية الرسوم من المنازل، فسيكون المبلغ المطلوب بين 7 و 8 دولارات شهرياً لكل منزل، وهو رقم معقول يسمح بجمع النفايات ونقلها ومعالجتها”. 

ويؤكد ائتلاف إدارة النفايات أن الحل الأمثل لإدارة النفايات يكمن في “إنشاء نظام متكامل يشمل جميع أنواع النفايات (المنزلية، الخطرة، وغيرها)، على أن يكون قائماً على الوقاية أولاً، ومستنداً إلى دراسات علمية حول الحلول والمواقع، ودراسات جدوى اقتصادية، مع ضمان مشاركة عامة فعالة”. وشدد الائتلاف على “ضرورة اعتماد مبدأ الاقتصاد الدائري من خلال تعزيز الفرز من المصدر، وإعادة الاستخدام، والإصلاح، وإعادة التدوير، والتسميد، باعتبارها بدائل بيئية واقتصادية مستدامة تساهم في تقليل النفايات وتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد”.

توضح سمر خليل لـ “درج” أن “لبنان يملك معامل قادرة على معالجة 6400 طن من النفايات يومياً، إلا أن ما يعمل منها يعالج فقط 400 طن”. وتشير إلى أن “الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات، التي أُقرت في كانون الثاني/يناير، تعتمد على الاقتصاد الدائري، واسترداد الموارد، وتثمينها، واللامركزية التي كرسها القانون 80/2018 للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة”.  ويؤكد أبي شاكر أن جمع كل النفايات في مواقع مثل الجديدة أو كوستا برافا يفاقم المشكلة بينما يؤدي اعتماد نهج اللامركزية والتزام كل منطقة بمعالجة نفاياتها إلى تقليص حجم الأزمة والوصول إلى صفر نفايات”.

وتشير خليل إلى أن “ارتفاع عدد البلديات يشكل عائقاً إضافياً، إذ يؤدي إلى تشتت التمويل ويحدّ من إمكانية تحقيق اقتصاد الحجم (Economy of Scale)، أي انخفاض الكلفة بارتفاع الإنتاج”. وهذا يبرز أهمية إقرار قانون اللامركزية الإدارية، الذي من شأنه أن يمهد لتنظيم القطاع وإدارته بشكل مستدام. 

تشكل النفايات العضوية نحو 88 في المئة من إجمالي إنتاج النفايات في لبنان، ما يجعلها مورداً قيّماً يمكن استثماره. وتُعتبر تقنية تسبيخ النفايات العضوية خياراً اقتصادياً مربحاً مقارنة بالبدائل المكلفة مثل المحارق والمطامر. “من كل 100 كيلوغرام من النفايات، يمكن إنتاج 35 كيلوغراماً من السماد العضوي، فيما يصل سعر الطن الواحد إلى 150 دولاراً”، يقول أبي شاكر. ومع ذلك، لا تزال النفايات العضوية تُطمَر في مطامر غير صحية، ما يؤدي إلى تلوث بيئي وانبعاثات غازية خطيرة، أبرزها غاز الميثان، أحد الغازات الدفيئة الرئيسية المسببة للتغير المناخي، كما ورد في تقرير سابق نشره موقع “درج”. 

إذا تم اعتماد إعادة التدوير كخطة رئيسية لمعالجة النفايات، فستكون الاستثمارات المطلوبة في البنية التحتية أقل من نصف تلك اللازمة لإنشاء المحارق. وتشير الدراسات إلى أن تكلفة إنشاء المحرقة وتشغيلها قد تتجاوز الـ 160 دولاراً للطن الواحد، وهي أضعاف تكلفة الفرز، والتدوير، والتسبيخ، وفقاً لائتلاف إدارة النفايات. من جانبه، يوضح أبي شاكر أن “تكلفة إنشاء خط فرز مع خط تسبيح لكل طن من النفايات تتراوح بين 40 و50 دولاراً”، ما يعزز جدوى الحلول المستدامة مقارنة بالمحارق المكلفة بيئياً واقتصادياً. 

عاد التسويق لفكرة المحارق تحت ذريعة أن أزمة النفايات “ستنفجر مجدداً مع اقتراب مطمري الكوستا برافا وبرج حمود من بلوغ طاقتهما الاستيعابية القصوى”. لكن في الواقع، يبقى الفرز العائق الأساسي أمام التقدم نحو حلول فعالة ومستدامة. فقد توقف معمل فرز الكرنتينا عن العمل منذ انفجار مرفأ بيروت في آب عام 2020، وفي اجتماع مجلس الوزراء في كانون الثاني/ يناير 2024، تمت الإشارة إلى إعادة تأهيل وتشغيل معمل الفرز في العمروسية، ما يعني أن النفايات تُطمر حالياً من دون فرز، في مخالفة واضحة للعقود المبرمة.  

وتؤكد سمر خليل أن “جوهر المشكلة يكمن في الحوكمة”، إذ إن “الدولة نفسها أول من يخالف القوانين”، مشيرةً إلى أن “مطمرَي كوستا برافا والجديدة ينتهكان كل التشريعات الوطنية والدولية” التي التزم بها لبنان. يبقى السؤال المطروح اليوم: هل تم إجراء دراسة تقييم أثر بيئي لـ “محرقة لبنان”؟ وفقًا للمرسوم 8633/ 2012، يُعد اعتراض المجتمع المدني عنصراً أساسياً في هذه الدراسة، ما يعني أن رفض المواطنين قد يؤدي إلى إفشال المقترح بالرغم من عدم جدواه التقنية واللوجستية. 

خلال زيارتها إلى مدينة بعلبك، صرّحت الوزيرة الزين قائلةً: “فضلتُ ألا أذكر في البيان الوزاري كلمة “النفايات” تحديداً، لأن مشكلة النفايات يتمنى الجميع حلّها، لكن العوائق التي تحيط بها تتجاوز قدرة أي حكومة، خلال فترة سنة وأربعة أشهر، على معالجتها”. قد يعكس هذا التصريح غياب جدية الطرح و التعامل مع الملف، خصوصاً أن أزمة النفايات ما زالت تراوح مكانها رغم الوعود والخطط والمقترحات المتكررة منذ أكثر من عقدين.