في كانون الأوّل/ ديسمبر 2020، تقدّم أكثر من 1200 مواطن أميركي من بينهم جرحى، إضافةً إلى عائلات مواطنين أميركيين قُتلوا أو أُصيبوا في هجمات في العراق بين العامين 2004 و2011، بدعوى مدنية ضدّ 13 مصرفًا لبنانياً في مقدّمهم SGBL، أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك – المحكمة الجزئية للولايات المتّحدة للمنطقة الشرقية من نيويورك – باعتبار أن الهجمات نُفِّذت وخُطِّط لها وأُجيزت من “حزب الله”، المصنَّف كـ”منظمة إرهابية أجنبية” بموجب القانون الأميركي، بالتنسيق مع تنظيم الحرس الثوري الإيراني، المصنَّف أيضاً كـ”منظّمة إرهابية أجنبية”، وذراعه الخارجية “فيلق القدس”.
الدعوى، التي تجاوزت صفحاتها الـ 800، وبغضّ النظر عن المدّعين فيها، أعادت تسليط الضوء على الدور المالي للنظام المصرفي اللبناني في شبكة دعم “حزب الله”، وعلى الصلات المعقّدة بين المصارف الكبرى ومصرف لبنان والدولة اللبنانية، وتحديداً مصرف SGBL الذي يرأس مجلس إدارته المصرفي البارز أنطون صحناوي.
تذكر الدعوى أن بنك SGBL “قدّم المساعدة والدعم وتآمر مع حزب الله”، سواء قبل أو بعد استحواذه على أصول والتزامات البنك اللبناني الكندي LCB في عام 2011″، إذ إنه “حافظ على حسابات لأكثر من 20 شخصاً وكياناً من الأفراد والهيئات التي حدّدها المدقّقون على قوائمهم باعتبارهم تابعين لحزب الله”.
أخّيراً في آب/ أغسطس 2025، رفضت المحكمة الأميركية طلب جمّال ترست بنك – أحد البنوك المدّعى عليها في الدعوى – لردّ الدعوى على أساس تمتّعه بالحصانة السيادية الأجنبية. وقبلها في عام 2023، قرّرت المحكمة قبول طلب إلزام قدّمه المدّعون، يسعون من خلاله إلى إصدار أمر يُلزم بتقديم مستندات، ويتجاوز اعتراضات المدّعى عليهم المتعلّقة بسرّية المصارف الأجنبية، ورفضت المحكمة طلب المدّعى عليهم؛ أي المصارف، لاستصدار أمر وقائي، وبالتالي تُظهر سجلات المحكمة أن القضيّة لا تزال قائمة ومستمرّة.
في هذا السياق، يقول مؤسّس “سكاي للأبحاث والاستشارات” ومديرها محمّد المغبّط، في إطار عمله في مجال مكافحة تبييض الأموال، لموقع “درج”: “تقدِّم الدعوى المقامة ضدّ المصارف اللبنانية في أحد أجزائها الخاصّة بمصرف SGBL، نظرية قانونية جدّية للمساءلة بموجب قانون مكافحة الإرهاب الأميركي، وذلك استناداً إلى سلوك منسوب مباشرة إلى مصرف SGBL، كما جاء في نصّ الدعوى دائماً، وليس فقط نتيجة استحواذه على أصول المصرف اللبناني الكندي والتزاماته”.
تدّعي الشكوى أن مصرف SGBL قام عن علم بالاحتفاظ أو بنقل أو بالاستمرار في إدارة حسابات تعود إلى أفراد وكيانات مرتبطين بـ”حزب الله”، بصورة مستقلّة عن التزامات المصرف اللبناني الكندي، وهذه النقطة جوهرية قانونياً لأنها تضع المصرف في موقع الفاعل المباشر، لا مجرّد الوريث القانوني للمصرف اللبناني الكندي. إذا ثبتت هذه الوقائع، فقد تفي بشرط أن يكون المصرف على دراية عامّة بطبيعة الجهات التي كان يخدمها، وهو عنصر أساسي في معايير المسؤولية عن “المساعدة والتحريض” وفق القانون الأميركي. لم يردّ مصرف SGBL على أسئلة “درج” حتى لحظة النشر.
في سياق منفصل، كان “درج” قد نشر سابقاً في 12 آب/ أغسطس 2025، أن محكمة الاستئناف الفيدرالية الثانية في نيويورك قرّرت “إعادة إحياء دعوى ضدّ مصرف SGBL رفعها أهالٍ أميركيون أُصيبوا بهجمات صاروخية نفّذها “حزب الله” ضدّ مواقع إسرائيلية في عام 2006. القرار صدر عن واحدة من أكثر المحاكم الأميركية نفوذاً، واتُّخذ في آب/ أغسطس 2025، سبقه قرار لمحكمة الاستئناف العليا في نيويورك في عام 2024 لإعطاء الضوء الأخضر للسماح بالمحاكمة”.
تستند الدعوى إلى “مبدأ تحميل المصرف الذي يملك غالبية أسهمه ويرأس مجلس إدارته المصرفي أنطون صحناوي، المسؤوليّة القانونية عن أية دعاوى أو تبعات قانونية تعود إلى المصرف اللبناني الكندي، وذلك بموجب صفقة الاستحواذ التي حصلت في العام 2011 بإشراف من المصرف المركزي، وقُدّرت قيمتها في حينه بـ 600 مليون دولار. عمليّة الشراء تمّت بعد دعاوى رُفعت على البنك اللبناني الكندي بتبييض أموال لصالح حزب الله”.
المفارقة أن صحناوي الذي يُتّهم مصرفه بالدعوى “بالمساعدة والدعم والتآمر مع حزب الله بصفته المستقلّة، قبل شرائه أصول والتزامات البنك اللبناني الكندي LCB وبعده”، هو نفسه الذي يجاهر ويتفاخر بدعمه لشراكة أوبرا أميركية – إسرائيلية في مركز كينيدي. ففي عام 2025، ذكرت صحيفة Washington Jewish Week أن صحناوي هو الداعم المالي الرئيسي لمبادرة “الأوبرا الأميركية – الإسرائيلية”، وهي شراكة تجمع بين الأوبرا الوطنية في واشنطن (Washington National Opera) في مركز كينيدي، والأوبرا الإسرائيلية في تل أبيب، بدعم من الكنيس العبري في واشنطن (Washington Hebrew Congregation). ووفقاً للصحيفة نفسها، وصفت مستشارته هاجر شمالي (Hagar Chemali)، وهي لبنانية -أميركية ومستشارة إعلامية سابقة في البيت الأبيض، صحناوي بأنه مصرفي لبناني ثري ومنتج أفلام، ورئيس مجلس إدارة مجموعة SGBL، ومسيحي لبناني وصهيوني متشدّد يرى أن الصهيونية ووجود إسرائيل ضروريان لتحقيق السلام والاستقرار في لبنان وعموم المشرق، فضلاً عن كونهما رداً على معاداة السامية في العالم.
وأشار دانيال غليزر، مؤسّس مبادرة “الأوبرا الأميركية – الإسرائيلية”، إلى أن “هذه المبادرة ما كانت لتكون ممكنة لولا المساهمة السخيّة من أنطون صحناوي”، بحسب موقع Jewish Times. لا بدّ من التذكير أن غليزر كان سابقاً مستشاراً للمصرفي أنطون صحناوي في بنك SGBL اللبناني، وهو المدير العالمي للخدمات القضائية ورئيس مكتب واشنطن في شركة K2 Integrity التي تعاقد معها مصرف لبنان في منتصف هذا العام، وفق ما كشف تحقيق سابق لـ”درج”.
إقرأوا أيضاً:
وهنا يرى المغبّط أنه “في ظلّ الحراك السياسي الذي يقوم به رئيس مجلس إدارة مصرف SGBL اللبناني في واشنطن لناحية الانحياز المطلق إلى جانب “إسرائيل” ضدّ “حزب الله”، لا بدّ من الإضاءة على محتوى الدعوى التي قدِّمت ضدّ عدد من المصارف اللبنانية، ومن ضمنها مصرف SGBL نفسه، في نيويورك في العام 2020، لتبيان مدى العلاقة المُدَّعى بها بين المصرف و”حزب الله”، وهو ما قد يبيّن أن هذا الانحياز ليس إلا انحيازاً مرحلياً أو مصلحياً إذا ما نظرنا إلى الأمر من زاوية إصلاح القطاع المصرفي في لبنان والالتزامات الواجبة على المصارف كافة، كون رئيس مجلس إدارة مصرف SGBL – كما يتبيّن من خلال التغطية الإعلامية لحراكه – يسعى الى الدفع باتجاه تركيز المجتمع الدولي فقط على مسألة السلاح من دون إصلاح القطاع المصرفي”.
SGBL في قلب التهم: “النظام” الذي لم يتغيّر
تعتبر الوثائق المرفقة بالدعوى أن بنك Société Générale de Banque au Liban (SGBL) لم يكن مجرّد خليفة قانونية للبنك اللبناني الكندي (LCB) الذي اتّهم سابقاً بعمليّات تبييض أموال لصالح “حزب الله”، بل كان أيضاً شريكاً فاعلاً في المنظومة المالية التي يسّرت للحزب الوصول إلى النظام المالي الأميركي والدولي.
بحسب نصّ الدعوى، “قدّم بنك SGBL المساعدة والدعم وتآمر مع حزب الله”، سواء قبل أو بعد استحواذه على أصول والتزامات LCB في عام 2011، وعلى رغم التحقيقات الداخلية والتدقيق الذي أجرته الحكومة اللبنانية في تلك الفترة “اختار بنك SGBL الحفاظ على حسابات لأكثر من 20 شخصاً وكياناً من الأفراد والهيئات التي حدّدها المدقّقون على قوائمهم باعتبارهم تابعين لـ”حزب الله”، بمن فيهم على سبيل المثال لا الحصر: محمّد حسين درويش، وعلي حسين درويش، ومحمّد عصام أبو درويش، ومصطفى فيصل أحمد، وآخرين”، بحسب الدعوى.
إذاً، لا تقف التهم عند حدّ نقل أصول مصرف لبناني منهار إلى آخر، بل تتحدّث عن استمرارية في السلوك والارتباط البنيوي الذي مكّن الحزب من العمل داخل القطاع المالي اللبناني.
وتشير الدعوى إلى أن SGBL استمرّ في خدمة كيانات تشكّل ركائز مالية لنشاط الحزب الإقليمي، مثل Halawi Exchange وHassan Ayash Exchange وFantasy World، التي وُصفت بأنها واجهات لأنشطة تجارية ومالية تحت مظلّة “مركز الأنشطة التجارية لحزب الله – BAC”.
كما تذكر الدعوى “أن الكثير من حسابات حزب الله والهيئات الحكومية الإيرانية لدى المدّعى عليه بنك LCB، لم تُدرج في التقارير اللبنانية التي جردت الحسابات المشبوهة في البنك، ولا يوجد ما يشير إلى أن تلك الحسابات (غير المدرجة) قد أغلقها المدّعى عليه بنك SGBL”.
و”بالإضافة إلى أن المدّعى عليه بنك SGBL استحوذ على التزامات بنك LCB، وأصبح الخلف القانوني له ولأفعاله الجنائية، وساعد “النظام” في إخفاء آثاره واحتواء الأضرار الناجمة عن الإجراءات التنظيمية الأميركية ضدّ بنك LCB، فإن بنك SGBL نفسه قدّم منذ فترة طويلة دعماً مادّياً وساعد وساهم في دعم حزب الله”، بحسب الدعوى التي ذكرت أن “بنك SGBL على علم تامّ بأنه يحتفظ بحسابات ويقدّم خدمات مالية لمؤسّسة الشهيد التابعة لحزب الله، من خلال شركة Atlas Holding SAL، الذراع التجارية لمؤسّسة الشهيد”، وأنه “وبشكل مستقلّ أيضاً عن عمليّة الاستحواذ المذكورة، احتفظ بنك SGBL بحسابات وقدّم خدمات مالية لجمعيّة المبرّات الخيرية التابعة لـحزب الله عن علم مسبق. كما احتفظ البنك بحسابات وقدّم خدمات مالية عن علم مسبق لـشركة الإنماء للهندسة والمقاولات SARL (المصنفة SDGT)، وهي الذراع الرئيسية لحزب الله في مجال البناء والاستثمار، التي يرأسها أدهم طباجة”، واحتفظ بـ”حسابات وقدّم خدمات مالية لمؤسّسة السعد لتجارة البيض، وهي شركة مملوكة وتخضع لسيطرة فيلق الحرس الثوري الإيراني (IRGC–QF)، وذلك بصورة مستقلّة عن استحواذه على التزامات بنك LCB”.
وعلى الرغم من أن بنك SGBL جمّد بعض الحسابات، لا سيّما تلك المرتبطة بشبكة تهريب المخدّرات التي يديرها أيمن جمعة، إلا أنه قام بإغلاق – وليس بتجميد – الحسابات التابعة لعدد من كبار العاملين في “BAC” (مركز الأنشطة التجارية لحزب الله) مثل محمّد بزّي، وعلي شرارة، وناظم أحمد، وصالح عاصي، وحسين العيساوي، ويوسف تاج الدين، ومحمّد حسين درويش، وفقاً للدعوى. ومن بين هؤلاء رجلا الأعمال الخاضعان للعقوبات صالح عاصي وناظم أحمد، الذي سبق أن قابلهما “درج” في سياق العمل على تحقيق ضمن مشروع “وثائق باندورا” العابر للحدود، بقيادة الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.
ذكر تحقيق “درج” أن “قصّة اتّهام أحمد بأنه مموّل أساسي لـ”حزب الله” بدأت مع بدء ازدهار أعماله كما يقول، وينسب الحملة ضدّه إلى “تقارير استخباراتية بلجيكية” لشخصيات موالية لإسرائيل، وفق ما قال أحمد لموقع “درج” آنذاك: “حقّقوا معي، وهذه القضيّة تبرأت منها في بلجيكا، اتهموني بأني أموّل حزب الله وأثير النعرات الطائفية… استغرق الأمر سنوات قبل أن يطوى الملفّ”. لكنّ طي ملفّ أحمد في بلجيكا، لم يمنع استمرار التهم، خصوصاً مع تزايد نشاطه في مجال القطع الفنية الثمينة.
أما صالح عاصي فقال لـ “درج” عندها، إن عمله “قانوني” وشفّاف، وإن استهدافه هو إما سياسي وإما من منافسين… وعاصي اسم بارز في تجارة الموادّ الغذائية في الكونغو، حيث تشير تقارير صحافية إلى مشاركته وشركاته في تحديد الأسعار في سوق الخبز، حتى إنه لُقّب بـ”ملك الخبز”، بحسب ما كتب “درج”، لكن “تمّ فرض العقوبات على صالح عاصي لاتّهامه بالعمل لصالح أدهم طباجة، وبالتالي “حزب الله”، ويقول عاصي: “هذه افتراءات. أريد أن أبرهن براءتي من تهمة تمويل حزب الله”.
بالتالي، وبغضّ النظر عن رافعي الدعوى وفريق الادّعاء، يذكر نصّ الدعوى أن بنك SGBL واصل دعم “حزب الله” متحايلاً على العقوبات الأميركية، في المقابل تشير تقارير إعلامية أميركية إلى أن صحناوي دعم مؤسّسات ثقافية أميركية ذات روابط إسرائيلية، مثل Jewish Opera، ويحافظ على علاقات وثيقة مع المبعوثة الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس المعروفة بمواقفها المؤيّدة لإسرائيل.
تجدر الإشارة هنا إلى أن المحكمة قبلت بهذه الادعاءات، وهي الآن في مرحلة فحص الأدلّة، ما يُبيّن جدّية الادّعاءات المقدَّمة في الدعوى بنظر المحكمة.
“هذا القسم من الدعوى ليس حكماً قضائياً، بل هو بوابة للانتقال من التهم إلى الوقائع. للوقوف على حقيقة ما إذا كان مصرف SGBL، أو أيّ مصرف آخر في وضع مماثل، سيتحمّل مسؤوليّة قانونية في النهاية، وهو ما يعتمد على القرارات الداخلية، ووثائق الامتثال، ومستوى المعرفة في حينه، وهي أمور لا يمكن تقييمها إلا بعد اكتمال مرحلة الاكتشاف الموسّعة”، بحسب المغبّط.













