ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

محكمة الميدان العسكرية” زمن حافظ الأسد: أحكام إعدام بتهمة “معاداة الاشتراكية!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد توسيعه صلاحيات “محاكم الميدان” العسكرية سيّئة الصيت، استخدم رئيس سوريا الأسبق حافظ الأسد، هذه المحاكم لإعدام مدنيين في عام 1983، عقب إدانتهم بجرائم جنائية عوضاً عن  محاكمتهم أمام القضاء المدني، بحسب ما تؤكّد وثائق حصلت عليها الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وهو ما يكشف أحد الوجوه المتوحّشة لـ”محاكم الميدان”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أحمد حاج حمدو – مريم بيطار 

صيف العام  1983، أمسك وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس قلمه وأجرى توقيعاً روتينياً على إحدى الوثائق التي ترد إليه العشرات منها يومياً، وتابع مُكمّلاً عمله.

هذه الوثيقة التي وقّع عليها طلاس، الذي يُعرف بوزير حافظ الأسد المحبّب، وكانت مذيّلة بقرار من “محكمة الميدان”، لم تكن سوى ورقة حكم بالإعدام شنقاً أمام العامّة في ساحة المرجة وسط العاصمة السورية دمشق، بحقّ مدنيَّين ارتكبا مخالفاتٍ جنائية قد تحدث في أيّ مكان في العالم.

بعد أكثر من أربعة عقود على هذه الحادثة، وسقوط نظام الأسد الابن الذي ورث الحكم عن أبيه، اطّلع فريق من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وصحيفة “زمان الوصل” على نسخة رقمية من تلك الوثيقة، والتي تبرز جانباً جديداً من الوجه الدموي لـ”محاكم الميدان” العسكرية التي بدأت في زمن صعود حزب “البعث العربي الاشتراكي” إلى السلطة، وبقي سيفها مصلتاً على رقاب السوريين حتّى سقوط نظام الأسد.

حكم الإعدام ذاك ضدَّ مدنيين لمخالفة جنائية تتعلّق بسرقتهما موادّ تموينية وتصريفها، لكنّه كان صادراً عن محكمة الميدان العسكرية التي تشكّلت في غمار الحرب مع إسرائيل، بالتزامن مع صعود حزب “البعث” إلى سدّة الحكم في سوريا بعد انقلاب آذار/ مارس العام 1963، لكن في وقت لاحق وسّع حافظ الأسد صلاحيات هذه المحكمة لتشمل مدنيين ارتكبوا جنايات مدنية.

 وقد كانت محاكم بالاسم فقط، فهي لا تجري محاكمات بالمعنى الدقيق للكلمة ولا تمنح حقّ الدفاع أو أي ضمانات للمحاكمة العادلة، بل كانت أداة إجرامية فعالة في تصفية السوريين الذين تشكّك السلطة في ولائهم لحافظ الأسد، أيّ أنها وسيلة موازية للقضاء العادي للتخلّص من المعارضين السياسيين بغطاء قانوني مزعوم سريع الطابع، ويبثّ الإرهاب في نفوس السوريين، ويؤسّس لمملكة الخوف والرعب، كما يوضّح الباحث والمحامي في “مركز الحوار السوري” نورس العبد الله.

يقول العبد الله: “إن الهدف الرئيس لمحكمة الميدان في لحظة إنشائها كان مواجهة الجرائم الخطيرة زمن الحرب لفرض انضباط عسكري صارم. لكنّها كانت توضح كيفية التفكير العامّ للنظام البعثي في هذه المرحلة، والموجّه لتصفية الخصوم السياسيين قبل  أيّ شيء آخر”.

لم يتوقّف استخدام هذه المحاكم منذ تأسيسها في عهد “البعث”، بل امتدَّ استخدامها من قِبل نظام بشار الأسد على نحو واسع خلال الثورة السورية، حيث وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إعدام النظام 7872 شخصاً، بينهم 114 طفلاً و26 سيّدة، من أصل ما لا يقلّ عن 14843 حكماً بالإعدام سجلّت الشبكة صدورها عن محاكم الميدان العسكرية في الفترة بين آذار/ مارس 2011 وآب/ أغسطس 2023.

تندرج هذه المحاكم تحت ما يُسمّى “القضاء الاستثنائي”، وتعتمد إجراءات تقاضٍ سريعة لا تتجاوز دقائق في بعض الأحيان، إضافة إلى السرّية، وهي لا تلتزم بأصول المحاكمات حتى العسكرية منها، ويغيب عنها حقّ الدفاع، كما أنّ أحكامها لا تقبل الطعن، أيّ أنها  نهائية، كما أن قرارات لا تقوم على أساس البيّنات والأدلّة، بل على أساس التقارير الأمنية وضبوطها التي تُنتزَع تحت التعذيب.

مصطلحات بعثية وأحكام متوحّشة

على الرغم من أن الجرم الذي أُدين الشخصان حينها بارتكابه يحمل فعلاً جنائياً يرتبط بقوانين حماية المستهلك، أو قانون العقوبات، إلّا أن النظام أحالهما إلى محكمة الميدان التي لم تتوانَ عن  إعدامهما شنقاً.

تفاصيل الوثيقة التي وقّع عليها مصطفى طلاس بالموافقة، بدأت بعبارة مكتوبة بخطّ اليد “نفّذ”، وكانت مصنّفة ضمن “سرّي للغاية” وصادرة عن قيادة الجيش، وتحديداً عن “فرع الإدارة العسكرية – قسم الانضباط العسكري”، وحملت قرار محكمة الميدان رقم 59 بتاريخ 19 حزيران/ يونيو 1983.

صورة لوثيقة تُظهر إعدام النظام السوري مدنييَّن اثنين بجرم “مخالفة النظام الإشتراكي بسرقة موادّ تموينية” – سراج. 

تحمل الوثيقة الكثير من المصطلحات المرتبطة بحقبة “البعث” في زمن الأسد الأب، مثل اعتبار  الشخصين المدانين قد قاما بـ”ارتكاب أفعال جنائية مخالفة لتطبيق النظام الإشتراكي في الدولة”، كما أنّهما قاما بـ”سرقة وتصريف الموادّ التموينية للشعب العربي في سوريا”.

فصّلت الوثيقة بمنتهى الدقّة إجراءات تنفيذ حكم الإعدام؛ إذ يكلّف قائد المنطقة الجنوبية بالإشراف على التنفيذ واتّخاذ كافّة الترتيبات المترتّبة على تنفيذ الحكم، كما يكون رئيساً للجنة المكلّفة بالإشراف على التنفيذ، وحدّدت الوثيقة مكان تنفيذ الإعدام في ساحة المرجة وسط دمشق، في تمام الساعة الخامسة من فجر 18 تمّوز/ يوليو 1983.

ولضمان تنفيذ الحكم بدقّة، أمرت الوثيقة باتّخاذ تدابير أمنية، من بينها أن يوعز المشرف على التنفيذ بنصب مشنقة لكل من المحكوم عليهما بالإعدام في “ساحة المرجة” الساعة الرابعة صباحاً، وتشكيل مفرزة شرطة عسكرية بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية لتنفيذ حكم الإعدام.

أمّا عن آليّة التنفيذ، فيُضاف صفّ ضابط واحد لمفرزة الشرطة العسكرية، وتكون مهمّته عصب عيني المحكوم عليهما بالإعدام قبل بدء التنفيذ، ويتمّ انتقاء العناصر المكلّفة بالحراسة من الشرطة العسكرية بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية.

وبحسب الوثيقة، يُنقل المحكوم عليهما إلى ساحة الإعدام وبالعكس، بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية.

ويحضر تنفيذ الحكم النائب العامّ لدى المحكمة الميدانية العسكرية، وأحد أعضاء المحكمة التي أصدرت الحكم، وهو كاتب ضبط المحكمة. ويُتلى قرار الحكم على المحكوم عليهما بصوت جهوري من قِبل المشرف على التنفيذ عند إحضارهما إلى ساحة الإعدام، ثم يُعصب على كل منهما ويبدأ التنفيذ.

بعد الإعدام، تنظّم اللجنة المكلّفة بالإشراف محضراً بالتنفيذ، يوقّع من قِبل الرئيس المشرف على التنفيذ والأعضاء المكلّفين بالإشراف على التنفيذ، وتُحفظ نسخة لدى النيابة العامّة العسكرية وتُرفق الوثيقة الثانية مع الإضبارة.

بعد التنفيذ، تقوم “إدارة الخدمات الطبّية” في الجيش السوري بإجراءات دفن الجثمانين. وهي الجهة ذاتها التي تورّطت إبان الثورة السورية بدفن آلاف المعتقلين في المقابر الجماعية. في حين تتّخذ إدارة القضاء العسكري التدابير الخاصّة بإجراء المراسم الدينية للمحكوم عليهما قبل التنفيذ وبعده.

ويرفع المشرف على التنفيذ برقيّة فور تنفيذ حكم الإعدام إلى القيادة العامّة للجيش والقوّات المسلّحة – شعبة التنظيم والإدارة/ قسم الانضباط العسكري، ثم تتبع بتقرير خطّي قبل انقضاء ستّ ساعات على التنفيذ، مرفقاً بنسخة الضبط الموقّع من قبل الأعضاء المشرفين على التنفيذ ليرفق مع الإضبارة.

وأمرت الوثيقة أن يجرى تنفيذ حكم الإعدام بمنتهى السرّية، كما على مسؤولية السلطات المحلّية بهذا القرار.

في نهاية الوثيقة، يظهر توقيع شخص يُدعى جميل ونسخة مرسلة إلى محكمة الميدان/ قيادة القوى الجوّية، وإلى وزارتي الصحّة والداخلية، وإلى فرع الشرطة العسكرية للتنسيق مع وزارة الداخلية وإلى قائد المنطقة.

وتنتهي الوثيقة بتوقيع وزير الدفاع مصطفى طلاس، وختماً دائرياً يحمل اسم “القيادة العامّة للجيش والقوّات المسلّحة – شعبة التنظيم والإدارة”.

محاكمة من سبع دقائق

كان المعتقل السابق سمير توركو من بين المدنيين القلائل الذين نجوا بعد أن مرّوا على محكمة الميدان، فور توسيع صلاحياتها من قِبل نظام الأسد الأب. 


في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1981، اعتُقل توركو، الذي ما يزال على قيد الحياة، من قِبل فرع أمن الدولة في العاصمة دمشق، لأن خاله كان منتمياً إلى “حركة الإخوان المسلمين” في الأردن.

فور اعتقاله تمّ نقله لوقت قصير إلى الفرع الداخلي، ثم إلى فرع أمن الدولة للتحقيق معه. بعدها تنقّل بين عدد كبير من الفروع الأمنية في العاصمة دمشق وفي درعا. عقب ثلاث سنوات من الاعتقال والتحقيق، تمّ عرضه على محكمة الميدان كما يقول لمعدّي التحقيق، وتمّ إجراء محاكمة شكلية لا تشبه أيّ شيء من المحاكم.

يضيف  توركو: “كنّا 22 شخصاً مربوطين بجنزير واحد، وكانت المحاكمة شكلية، استمرّت لسبع دقائق فقط أمام القاضي سليمان الخطيب”.

قال له القاضي: “هل أنت سمير توركو؟ فأجتبه: نعم أنا، فقال لي القاضي بعض الكلمات المزعجة في سياق التهم المجهّزة لي، مثل: أنت إخونجي وعميل لأميركا، فما كان منّي إلّا قلت له: أنا إنسان وطني وأحبّ وطني”. يبدو أن ردّ توركو قد أغضب القاضي الخطيب الذي أشار لعناصر الأمن لينهالوا عليه بالضرب المبرّح داخل قاعة المحكمة، حتى بدأ ينزف من وجهه.

بعد ذلك سأله القاضي الخطيب عن علاقته بخاله، وهو يطلق تهديدات بأنّه سوف يعتقل جميع أفراد عائلته، وختم تهديده بجملة: “والله لأعدمك”.

اللافت أن المحكمة ليس فيها أيّ تفاصيل تشير إلى أنّها محكمة، فليس فيها حضور أو محامٍ ولا استجواب أو طرح أسئلة، حتّى إن القاضي لا يخبر المتّهم بقراره ولا يعرف الماثل أمام هذه المحكمة ما الحكم الذي صدر بحقّه، إلّا ما يتداوله المعتقلون بين بعضهم بعضاً. فالقاضي سليمان الخطيب كان يكسر القلم بعد الانتهاء من الحديث مع المتّهم، وهي إشارة إلى أنّه قرّر تنفيذ حكم الإعدام، في حين أن قاضياً آخر كان يشير بيده اليسرى لإخراج المتّهم، ما يعني أنّه قرّر إعدامه، أمّا إذا أشار بيده اليمنى فيعني أن المتّهم نجا من الإعدام، لكن ربما يكون حكمه مؤبّداً.

يتابع توركو: “ما هو عالق بذاكرتي عن هذه الدقائق أمام محكمة الميدان هو أنّهم كانوا يريدون إعدام أكبر عدد ممكن من الناس، ويريدون التخلّص من كل من هو معارض، حيث كانوا يجبرون الناس ليس فقط على الاعتراف بما يُراد منهم أن يعترفوا به، بل يجب عليهم الاعتراف عن أفراد عائلتهم وأصدقائهم وكل معارفهم”.

بعد الحكم على توركو بالمؤبّد، حُوِّل إلى سجن تدمر الصحراوي ومنه إلى سجن صيدنايا، حيث أُفرج عنه في عام 2010، وقد كان شاهداً على استعصاء صيدنايا.

واجه توركو أنواعاً من العنف والتعذيب، كان أشدّها بعد وصوله إلى سجن تدمر العسكري حيث تعرّض لضرب على قدميه بالدولاب، ما أدّى إلى تعفّن إحدى قدميه وخروج الديدان منها، وكان الحلّ الذي اقترحه السجّانون لعلاجه هو أنهم سمحوا له بكيّها بالنار، وحتّى اليوم مازال يعاني من وضع صحّي سيّئ وفقدان لبطانة القدم جرّاء هذه الحادثة.

كان منطق محاكم الميدان العسكرية يقوم على أساس السرعة والقمع والحسم لحماية نظام الأسد وتوجّهاته، التي تصل إلى حدّ حسم الملفّات بدقائق، بحسب شهادات ناجين في حقب مختلفة، كذلك توثيق منظمات حقوقية سورية ودولية وفقاً للمحامي نورس العبدالله.

ويقول توركو: “حافظ الأسد حرص على توسيع اختصاصات المحاكم الميدانية العسكرية منذ استشعاره خطر المواجهة مع الإسلاميين وقوى سياسية أخرى منذ نهاية السبعينيات، حيث جاء المرسوم 32 للعام 1980 ليمدّ اختصاصاتها الى الاضطرابات الداخلية، وهذا يعني عملياً التوسّع منذ ذلك الحين في استخدامها كأداة لقمع المدنيين والعسكريين معاً”.

مراحل نمو أنياب الذئب!

أُنشئت “محكمة الميدان العسكرية” في 17 آب/ أغسطس 1968 استناداً إلى توصية من القيادة القطرية المؤقّتة لحزب “البعث العربي الاشتراكي” الرقم 2 بتاريخ 25 شباط/ فبراير 1966، التي كانت تملك سلطة التشريع آنذاك بالمرسوم التشريعي رقم /3/109. 

وبقيت المحكمة قائمة تمارس ولايتها منذ ذلك الوقت لغاية 3 أيلول/ سبتمبر 2023، حين أصدر بشّار الأسد مرسوما تشريعياً بإلغائها.

خلال إحداث هذه المحكمة، كان اختصاصها الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية التي يقرّر وزير الدفاع إحالتها إليها، على أن تحكم بأثر رجعي من تاريخ النكسة، أيّ حرب حزيران/ يونيو 1967، ذلك أن هدف هذه المحكمة كان محاسبة العناصر الذين تسبّبوا في هذه الخسائر، والأعمال التي يقوم بها الجيش أو بعض وحداته في الحرب، أو عند وقوع مواجهة مسلّحة مع العدوّ.

لكنّ دور المحكمة لم يتوقّف هنا. ففي شباط/ فبراير 1970 وبينما كان حافظ الأسد يصعد إلى سدّة الحكم، صدر المرسوم التشريعي رقم /6/61 أضاف إليها اختصاص النظر في الجرائم المرتكبة “أمام العدوّ”، التي يحيلها إليها وزير الدفاع، فضلاً عن اختصاصها الأصلي بالجرائم المرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليّات الحربية.

وفي 1 تمّوز/ يوليو 1980، أصدر حافظ الأسد المرسوم التشريعي رقم /7/32 القاضي بتوسيع اختصاصها ليشمل الجرائم المرتكبة “عند وقوع اضطرابات داخلية”، وهذا التعديل منحها الولاية لمحاكمة الأفراد المنتمين إلى جماعة “الإخوان المسلمين” في أثناء أحداث الثمانينيات، التي بلغت ذروتها بارتكاب النظام السوري مجزرة حماة في عام 1982، وأيضاً محاكمة الأشخاص المشاركين بالثورة السورية التي انطلقت في آذار/ مارس 2011.

بموجب هذا التعديل، أُضيفت موادّ فضفاضة سمحت بتدخّل محاكم الميدان لمحاكمة المدنيين، إذ أصبحت تختصّ بالنظر في كافّة الجرائم التي تدخل أصلاً في اختصاص القضاء العسكري والمرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليّات الحربية والاضطرابات الداخلية، التي يقرّر وزير الدفاع بسلطته التقديرية إحالتها إليها.

غير أن هذه التعديلات، لم يكن غرضها تشديد العقوبات البسيطة وتحويلها إلى حكم الإعدام وحسب، بل كانت سبيلاً للاسترزاق، فقد أُحيل الى محكمة الجنايات شخص بجرم القتل والاغتصاب واستطاع أهله الوصول إلى مصطفى طلاس، الذي أصدر قراراً بإحالة القضيّة إلى محكمة الميدان حيث حكم بالمدّة التي توقّف بها فقط. والكثير من القضايا الجنائية التي حوّلت إليها كانت نتيجة فساد ووساطة منها قضايا خطيرة بقصد التهرّب من العقوبة وأخرى بسيطة بهدف تشديد العقوبة، وذلك بحسب ما قال المحامي في نقابة محامي دمشق فوّاز الخوجة.

وأضاف الخوجة، أن “أهمّ صفة من صفات محكمة الميدان أنها لا تتقيّد بعقوبة، فقد تحكم بالإعدام على جرم عقوبته عاماً، وقد تحكم بمدد بسيطة على جريمة عقوبتها الإعدام”.

سرّ الرقم 22 في جنزير محاكم الميدان

لا يُعرف حتّى الآن سبب أن الرقم 22 هو المرادف لـ”جنزير” المعتقلين، حيث كانت أجهزة الأمن تصرّ على تقييد 22 شخصاً بجنزير واحد قبل نقلهم إلى محكمة الميدان منذ عهد حفاظ الأسد، واستمرّ الأمر في عهد ابنه بشّار، حتّى إن المعتقل السابق فؤاد نعّال الذي يدير “رابطة أحرار صيدنايا معتقلات الأسد” كان مع مجموعة تضمّ 21 شخصاً، وأُجِّل نقلهم إلى محكمة الميدان ريثما تمكّنوا من إحضار محال آخرى إلى المحكمة حتى يصير عددهم 22 شخصاً.

اعتُقل نعّال، كما يروي لمعدّي التحقيق، في 13 نيسان/ أبريل 2004، على خلفية الغزو الأميركي للعراق، وتنقّل بين الفرع 227 (فرع المنطقة) وسجن صيدنايا ثم سجن عدرا الذي خرج منه ليلة سقوط الأسد.

حين بدأ الغزو الأميركي، أفتى مفتي الجمهورية أحمد كفتارو، بتوجيه من نظام الأسد، بوجوب الجهاد في العراق ضدّ الأميركيين، وبدأ حينها السوريون يتوجّهون إلى العراق عبر حافلات بإشراف من المخابرات السورية. 

حينها لاحظ نعّال أن الحافلات كانت تُستهدف على الحدود العراقية، فيُقتل كل من بداخلها بتنسيق من المخابرات السورية، إذ كان ذلك عمليّة تصفية بحقّ كل من يحمل فكرة “الجهاد”.

إثر ذلك، أصدر  نعّال فتوى مخالفة لفتوى كفتارو، ونزل إلى “معرض دمشق الدولي” حيث كانت الحافلات التي تنقل من ينوون الجهاد في العراق تتجمّع هناك، وصار يقنعهم بالعدول عن قرارهم بالجهاد “عن طريق المخابرات السورية”.

يقول: “كانت فكرتي لهم: إذا أردتم الجهاد فلا تجاهدوا عن طريق النظام السوري فهو مخطّط إفناء لكم. حاولنا بكل الطرق مع الشبّان وساهمنا في إرجاع عدد منهم قبل أن يذهبوا”.

إثر ذلك بدأت ملاحقته من قِبل النظام السوري، فتخفّى داخل سوريا إلى أن تمّ اعتقاله مع زوجته وابنته الرضيعة التي كان عمرها أربعة أشهر في عام 2004، في كراجات البولمان في حرستا في عمليّة مشتركة بين أربعة فروع أمنية هي: فرع أمن المنطقة وفرع فلسطين وفرع المداهمة وشعبة المخابرات العسكرية، وظلّ سجيناً في سجن صيدنايا العسكري منذ ذلك اليوم حتّى سقوط الأسد فجر الثامن من كانون الأوّل/ ديسمبر 2024.

بعد الاعتقال، تمّ فصل ابنته الرضيعة بعمر أربعة أشهر عن أمّها ووضعوها في زنزانة انفرادية، ووضعوا الأمّ في زنزانة منفردة أخرى، وحتّى يقوموا بإخراج ابنته طلب منه سعيد سمّور الذي أصبح وزيراً للداخلية لاحقاً، أن يوافق على الاعتراف بجميع التهم التي وُجّهت ضدّه.

خلال التحقيق معه في فرع فلسطين، أُخبِرَ بأنّه يواجه 33 تهمة، لم تكن منها تهمة تتعلّق بالفتوى التي أصدرها أو التحريض على الدولة، بل كانت كلها مغايرة تماماً.

يقول نعّال: “حقّق معي سعيد سمّور الذي كان رئيس فرع المنطقة وقتها، وآصف شوكت صهر الأسد، ومنهل السويد، وفي أحد الجلسات حضرَ حسن خلوف رئيس فرع فلسطين”، أمّا التهم فكانت: التخطيط لاغتيال شخصيّات مهمّة من بينها بشّار الأسد، والتخطيط لتفجير مبنى السفارة الأميركية في دمشق.

بعد ذلك، عرض آصف شوكت على نعّال إخلاء سبيل زوجته مقابل الاعتراف بتهمة جديدة، حيث وُضعت أمامه قائمة اغتيالات فيها عدّة أسماء، ويجب عليه الاعتراف بأنّه كان يخطّط لاغتيالهم جميعاً، ومن بينهم آصف شوكت نفسه.

بعد موافقته على الاعترافات خوفاً على ابنته، خضع نعّال للمحاكمة في محكمة الميدان في عام 2005 أمام القاضي اللواء محمّد كنج الذي حكم عليه بالمؤبّد الميداني، أيّ السجن مدى الحياة حتّى الموت في السجن، بينما حكمته محكمة أمن الدولة بعد ذلك بـمؤبّدين وإعدامين.

نُقل المعتقلون إلى المحكمة بطريقة عنيفة، إذ رُبطوا بجنزير معاً ووُضعوا في شاحنة (برّاد لحمة) وعندما وصلوا إلى المحكمة فُتح الباب وتمّ سحبهم بعنف حتى تدحرجوا فوق بعضهم بعضاً، فدخلوا إلى المحكمة وآثار التعذيب لانتزاع الاعترافات بادية عليهم.

خلال نصف ساعة في نهاية الدوام من يوم الأحد حُكِمَ على الجميع، ولم يكن لدى المحكمة أدلّة أو إثباتات أو تهم حقيقية، وكان القاضي محمّد كنج يجلس وأمامه ضابط برتبة لواء وشخص يرتدي سترة جلد ونظارات شمسية داخل المحكمة، فيما بعد عرف نعّال أنّه كان عنصراً أمنياً من مكتب الأمن القومي آنذاك.

سأله كنج فقط عن اسمه، ثم سأله إذا كان يقرُّ بالكلام الذي قاله، فأجابه نعم. ثم أشار بيده اليمين بعد أن أمره بالخروج. وكان نعّال يعرف حينها أن الإشارة باليد اليسرى تعني الإعدام في المحكمة ذاتها بالرصاص مباشرةً، فإصدار حكم الإعدام لم يتطلّب أكثر من إيماءة أو إشارة من القاضي. 

يذكر نعّال أن محاكم الميدان أعدمت آلاف الأشخاص باسم العدالة، ولكنّها في الحقيقة كانت عبارة عن عمليّات تصفية عرقية طائفية كاملة.

اطّلعت “سراج” على نسخ رقمية من وثائق تُظهر إحالة آلاف الأشخاص إلى محاكم الميدان العسكرية في العامين 1982 و1983 معظمهم إمّا بتهمة الانتماء إلى “حركة الإخوان المسلمين” وإمّا الانتماء إلى “تنظيم يمين المشبوه” (في إشارة إلى حركة قادها ضبّاط أحرار ردّاً على إقصاء حافظ الأسد قيادات سورية كانت مدعومة من العراق) وهؤلاء كان معظمهم ينحدرون من محافظة السويداء، في حين أن أكثر الفئات الأخرى التي تمّت إحالتها إلى هذه المحكمة، كانت تضمّ أشخاصاً متّهمين بالانتماء إلى “حزب الكتائب اللبنانية”.

لا تُظهر الوثائق ما حصل لهؤلاء بالضبط، لكن من المرجّح أن يكون معظمهم أُعدم في فترات مختلفة، كم أنّه لم يُعرف تماماً عدد من أٌعدموا في محاكم الميدان، سواء في زمن حافظ الأسد أو في فترة حكم بشّار الأسد حتّى العام 2011.

لم يكن توقيع طلاس على وثائق الإعدام بحقّ مدنيين أمراً غريباً، إذ كان جزءاً من منظومة الإعدام في محاكم الميدان.

وكانت العلاقة بين مصطفى طلاس وحافظ الأسد من أقوى العلاقات البنيوية داخل السلطة في سوريا. إذ تعرّف الأسد على طلاس في الكليّة العسكرية في حمص في خمسينيات القرن الماضي، وعملا معاً في حزب “البعث”، ثم ساعد طلاس الأسد بالصعود إلى الحكم، وكنوع من المكافأة عيّنه حافظ الأسد وزيراً للدفاع منذ 1972، حيث بقي في المنصب حتى 2004، أي استمرَّ في منصبه لأربع سنوات بعهد بشّار الأسد الذي ورث الحكم عن أبيه.

في عام 2005، أجرى طلاس حواراً مع مجلة “دير شبيغل” الألمانية قال فيه إنه لم يعد يعرف عدد أحكام الإعدام التي وقّعها شخصياً، وقال إنه في بعض الأحيان خلال ثمانينيات القرن الماضي، كان يُنفّذ 150 حكم إعدام شنقاً أسبوعياً في دمشق وحدها. 

وأضاف مبتسماً: “استخدمنا السلاح للوصول إلى السلطة، وأردنا التمسّك بها. أيّ شخص يريد السلطة سيضطرّ إلى انتزاعها منّا بالسلاح”.

التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عوّاد

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
01.06.2026
زمن القراءة: 13 minutes

بعد توسيعه صلاحيات “محاكم الميدان” العسكرية سيّئة الصيت، استخدم رئيس سوريا الأسبق حافظ الأسد، هذه المحاكم لإعدام مدنيين في عام 1983، عقب إدانتهم بجرائم جنائية عوضاً عن  محاكمتهم أمام القضاء المدني، بحسب ما تؤكّد وثائق حصلت عليها الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وهو ما يكشف أحد الوجوه المتوحّشة لـ”محاكم الميدان”.

أحمد حاج حمدو – مريم بيطار 

صيف العام  1983، أمسك وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس قلمه وأجرى توقيعاً روتينياً على إحدى الوثائق التي ترد إليه العشرات منها يومياً، وتابع مُكمّلاً عمله.

هذه الوثيقة التي وقّع عليها طلاس، الذي يُعرف بوزير حافظ الأسد المحبّب، وكانت مذيّلة بقرار من “محكمة الميدان”، لم تكن سوى ورقة حكم بالإعدام شنقاً أمام العامّة في ساحة المرجة وسط العاصمة السورية دمشق، بحقّ مدنيَّين ارتكبا مخالفاتٍ جنائية قد تحدث في أيّ مكان في العالم.

بعد أكثر من أربعة عقود على هذه الحادثة، وسقوط نظام الأسد الابن الذي ورث الحكم عن أبيه، اطّلع فريق من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وصحيفة “زمان الوصل” على نسخة رقمية من تلك الوثيقة، والتي تبرز جانباً جديداً من الوجه الدموي لـ”محاكم الميدان” العسكرية التي بدأت في زمن صعود حزب “البعث العربي الاشتراكي” إلى السلطة، وبقي سيفها مصلتاً على رقاب السوريين حتّى سقوط نظام الأسد.

حكم الإعدام ذاك ضدَّ مدنيين لمخالفة جنائية تتعلّق بسرقتهما موادّ تموينية وتصريفها، لكنّه كان صادراً عن محكمة الميدان العسكرية التي تشكّلت في غمار الحرب مع إسرائيل، بالتزامن مع صعود حزب “البعث” إلى سدّة الحكم في سوريا بعد انقلاب آذار/ مارس العام 1963، لكن في وقت لاحق وسّع حافظ الأسد صلاحيات هذه المحكمة لتشمل مدنيين ارتكبوا جنايات مدنية.

 وقد كانت محاكم بالاسم فقط، فهي لا تجري محاكمات بالمعنى الدقيق للكلمة ولا تمنح حقّ الدفاع أو أي ضمانات للمحاكمة العادلة، بل كانت أداة إجرامية فعالة في تصفية السوريين الذين تشكّك السلطة في ولائهم لحافظ الأسد، أيّ أنها وسيلة موازية للقضاء العادي للتخلّص من المعارضين السياسيين بغطاء قانوني مزعوم سريع الطابع، ويبثّ الإرهاب في نفوس السوريين، ويؤسّس لمملكة الخوف والرعب، كما يوضّح الباحث والمحامي في “مركز الحوار السوري” نورس العبد الله.

يقول العبد الله: “إن الهدف الرئيس لمحكمة الميدان في لحظة إنشائها كان مواجهة الجرائم الخطيرة زمن الحرب لفرض انضباط عسكري صارم. لكنّها كانت توضح كيفية التفكير العامّ للنظام البعثي في هذه المرحلة، والموجّه لتصفية الخصوم السياسيين قبل  أيّ شيء آخر”.

لم يتوقّف استخدام هذه المحاكم منذ تأسيسها في عهد “البعث”، بل امتدَّ استخدامها من قِبل نظام بشار الأسد على نحو واسع خلال الثورة السورية، حيث وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إعدام النظام 7872 شخصاً، بينهم 114 طفلاً و26 سيّدة، من أصل ما لا يقلّ عن 14843 حكماً بالإعدام سجلّت الشبكة صدورها عن محاكم الميدان العسكرية في الفترة بين آذار/ مارس 2011 وآب/ أغسطس 2023.

تندرج هذه المحاكم تحت ما يُسمّى “القضاء الاستثنائي”، وتعتمد إجراءات تقاضٍ سريعة لا تتجاوز دقائق في بعض الأحيان، إضافة إلى السرّية، وهي لا تلتزم بأصول المحاكمات حتى العسكرية منها، ويغيب عنها حقّ الدفاع، كما أنّ أحكامها لا تقبل الطعن، أيّ أنها  نهائية، كما أن قرارات لا تقوم على أساس البيّنات والأدلّة، بل على أساس التقارير الأمنية وضبوطها التي تُنتزَع تحت التعذيب.

مصطلحات بعثية وأحكام متوحّشة

على الرغم من أن الجرم الذي أُدين الشخصان حينها بارتكابه يحمل فعلاً جنائياً يرتبط بقوانين حماية المستهلك، أو قانون العقوبات، إلّا أن النظام أحالهما إلى محكمة الميدان التي لم تتوانَ عن  إعدامهما شنقاً.

تفاصيل الوثيقة التي وقّع عليها مصطفى طلاس بالموافقة، بدأت بعبارة مكتوبة بخطّ اليد “نفّذ”، وكانت مصنّفة ضمن “سرّي للغاية” وصادرة عن قيادة الجيش، وتحديداً عن “فرع الإدارة العسكرية – قسم الانضباط العسكري”، وحملت قرار محكمة الميدان رقم 59 بتاريخ 19 حزيران/ يونيو 1983.

صورة لوثيقة تُظهر إعدام النظام السوري مدنييَّن اثنين بجرم “مخالفة النظام الإشتراكي بسرقة موادّ تموينية” – سراج. 

تحمل الوثيقة الكثير من المصطلحات المرتبطة بحقبة “البعث” في زمن الأسد الأب، مثل اعتبار  الشخصين المدانين قد قاما بـ”ارتكاب أفعال جنائية مخالفة لتطبيق النظام الإشتراكي في الدولة”، كما أنّهما قاما بـ”سرقة وتصريف الموادّ التموينية للشعب العربي في سوريا”.

فصّلت الوثيقة بمنتهى الدقّة إجراءات تنفيذ حكم الإعدام؛ إذ يكلّف قائد المنطقة الجنوبية بالإشراف على التنفيذ واتّخاذ كافّة الترتيبات المترتّبة على تنفيذ الحكم، كما يكون رئيساً للجنة المكلّفة بالإشراف على التنفيذ، وحدّدت الوثيقة مكان تنفيذ الإعدام في ساحة المرجة وسط دمشق، في تمام الساعة الخامسة من فجر 18 تمّوز/ يوليو 1983.

ولضمان تنفيذ الحكم بدقّة، أمرت الوثيقة باتّخاذ تدابير أمنية، من بينها أن يوعز المشرف على التنفيذ بنصب مشنقة لكل من المحكوم عليهما بالإعدام في “ساحة المرجة” الساعة الرابعة صباحاً، وتشكيل مفرزة شرطة عسكرية بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية لتنفيذ حكم الإعدام.

أمّا عن آليّة التنفيذ، فيُضاف صفّ ضابط واحد لمفرزة الشرطة العسكرية، وتكون مهمّته عصب عيني المحكوم عليهما بالإعدام قبل بدء التنفيذ، ويتمّ انتقاء العناصر المكلّفة بالحراسة من الشرطة العسكرية بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية.

وبحسب الوثيقة، يُنقل المحكوم عليهما إلى ساحة الإعدام وبالعكس، بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية.

ويحضر تنفيذ الحكم النائب العامّ لدى المحكمة الميدانية العسكرية، وأحد أعضاء المحكمة التي أصدرت الحكم، وهو كاتب ضبط المحكمة. ويُتلى قرار الحكم على المحكوم عليهما بصوت جهوري من قِبل المشرف على التنفيذ عند إحضارهما إلى ساحة الإعدام، ثم يُعصب على كل منهما ويبدأ التنفيذ.

بعد الإعدام، تنظّم اللجنة المكلّفة بالإشراف محضراً بالتنفيذ، يوقّع من قِبل الرئيس المشرف على التنفيذ والأعضاء المكلّفين بالإشراف على التنفيذ، وتُحفظ نسخة لدى النيابة العامّة العسكرية وتُرفق الوثيقة الثانية مع الإضبارة.

بعد التنفيذ، تقوم “إدارة الخدمات الطبّية” في الجيش السوري بإجراءات دفن الجثمانين. وهي الجهة ذاتها التي تورّطت إبان الثورة السورية بدفن آلاف المعتقلين في المقابر الجماعية. في حين تتّخذ إدارة القضاء العسكري التدابير الخاصّة بإجراء المراسم الدينية للمحكوم عليهما قبل التنفيذ وبعده.

ويرفع المشرف على التنفيذ برقيّة فور تنفيذ حكم الإعدام إلى القيادة العامّة للجيش والقوّات المسلّحة – شعبة التنظيم والإدارة/ قسم الانضباط العسكري، ثم تتبع بتقرير خطّي قبل انقضاء ستّ ساعات على التنفيذ، مرفقاً بنسخة الضبط الموقّع من قبل الأعضاء المشرفين على التنفيذ ليرفق مع الإضبارة.

وأمرت الوثيقة أن يجرى تنفيذ حكم الإعدام بمنتهى السرّية، كما على مسؤولية السلطات المحلّية بهذا القرار.

في نهاية الوثيقة، يظهر توقيع شخص يُدعى جميل ونسخة مرسلة إلى محكمة الميدان/ قيادة القوى الجوّية، وإلى وزارتي الصحّة والداخلية، وإلى فرع الشرطة العسكرية للتنسيق مع وزارة الداخلية وإلى قائد المنطقة.

وتنتهي الوثيقة بتوقيع وزير الدفاع مصطفى طلاس، وختماً دائرياً يحمل اسم “القيادة العامّة للجيش والقوّات المسلّحة – شعبة التنظيم والإدارة”.

محاكمة من سبع دقائق

كان المعتقل السابق سمير توركو من بين المدنيين القلائل الذين نجوا بعد أن مرّوا على محكمة الميدان، فور توسيع صلاحياتها من قِبل نظام الأسد الأب. 


في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1981، اعتُقل توركو، الذي ما يزال على قيد الحياة، من قِبل فرع أمن الدولة في العاصمة دمشق، لأن خاله كان منتمياً إلى “حركة الإخوان المسلمين” في الأردن.

فور اعتقاله تمّ نقله لوقت قصير إلى الفرع الداخلي، ثم إلى فرع أمن الدولة للتحقيق معه. بعدها تنقّل بين عدد كبير من الفروع الأمنية في العاصمة دمشق وفي درعا. عقب ثلاث سنوات من الاعتقال والتحقيق، تمّ عرضه على محكمة الميدان كما يقول لمعدّي التحقيق، وتمّ إجراء محاكمة شكلية لا تشبه أيّ شيء من المحاكم.

يضيف  توركو: “كنّا 22 شخصاً مربوطين بجنزير واحد، وكانت المحاكمة شكلية، استمرّت لسبع دقائق فقط أمام القاضي سليمان الخطيب”.

قال له القاضي: “هل أنت سمير توركو؟ فأجتبه: نعم أنا، فقال لي القاضي بعض الكلمات المزعجة في سياق التهم المجهّزة لي، مثل: أنت إخونجي وعميل لأميركا، فما كان منّي إلّا قلت له: أنا إنسان وطني وأحبّ وطني”. يبدو أن ردّ توركو قد أغضب القاضي الخطيب الذي أشار لعناصر الأمن لينهالوا عليه بالضرب المبرّح داخل قاعة المحكمة، حتى بدأ ينزف من وجهه.

بعد ذلك سأله القاضي الخطيب عن علاقته بخاله، وهو يطلق تهديدات بأنّه سوف يعتقل جميع أفراد عائلته، وختم تهديده بجملة: “والله لأعدمك”.

اللافت أن المحكمة ليس فيها أيّ تفاصيل تشير إلى أنّها محكمة، فليس فيها حضور أو محامٍ ولا استجواب أو طرح أسئلة، حتّى إن القاضي لا يخبر المتّهم بقراره ولا يعرف الماثل أمام هذه المحكمة ما الحكم الذي صدر بحقّه، إلّا ما يتداوله المعتقلون بين بعضهم بعضاً. فالقاضي سليمان الخطيب كان يكسر القلم بعد الانتهاء من الحديث مع المتّهم، وهي إشارة إلى أنّه قرّر تنفيذ حكم الإعدام، في حين أن قاضياً آخر كان يشير بيده اليسرى لإخراج المتّهم، ما يعني أنّه قرّر إعدامه، أمّا إذا أشار بيده اليمنى فيعني أن المتّهم نجا من الإعدام، لكن ربما يكون حكمه مؤبّداً.

يتابع توركو: “ما هو عالق بذاكرتي عن هذه الدقائق أمام محكمة الميدان هو أنّهم كانوا يريدون إعدام أكبر عدد ممكن من الناس، ويريدون التخلّص من كل من هو معارض، حيث كانوا يجبرون الناس ليس فقط على الاعتراف بما يُراد منهم أن يعترفوا به، بل يجب عليهم الاعتراف عن أفراد عائلتهم وأصدقائهم وكل معارفهم”.

بعد الحكم على توركو بالمؤبّد، حُوِّل إلى سجن تدمر الصحراوي ومنه إلى سجن صيدنايا، حيث أُفرج عنه في عام 2010، وقد كان شاهداً على استعصاء صيدنايا.

واجه توركو أنواعاً من العنف والتعذيب، كان أشدّها بعد وصوله إلى سجن تدمر العسكري حيث تعرّض لضرب على قدميه بالدولاب، ما أدّى إلى تعفّن إحدى قدميه وخروج الديدان منها، وكان الحلّ الذي اقترحه السجّانون لعلاجه هو أنهم سمحوا له بكيّها بالنار، وحتّى اليوم مازال يعاني من وضع صحّي سيّئ وفقدان لبطانة القدم جرّاء هذه الحادثة.

كان منطق محاكم الميدان العسكرية يقوم على أساس السرعة والقمع والحسم لحماية نظام الأسد وتوجّهاته، التي تصل إلى حدّ حسم الملفّات بدقائق، بحسب شهادات ناجين في حقب مختلفة، كذلك توثيق منظمات حقوقية سورية ودولية وفقاً للمحامي نورس العبدالله.

ويقول توركو: “حافظ الأسد حرص على توسيع اختصاصات المحاكم الميدانية العسكرية منذ استشعاره خطر المواجهة مع الإسلاميين وقوى سياسية أخرى منذ نهاية السبعينيات، حيث جاء المرسوم 32 للعام 1980 ليمدّ اختصاصاتها الى الاضطرابات الداخلية، وهذا يعني عملياً التوسّع منذ ذلك الحين في استخدامها كأداة لقمع المدنيين والعسكريين معاً”.

مراحل نمو أنياب الذئب!

أُنشئت “محكمة الميدان العسكرية” في 17 آب/ أغسطس 1968 استناداً إلى توصية من القيادة القطرية المؤقّتة لحزب “البعث العربي الاشتراكي” الرقم 2 بتاريخ 25 شباط/ فبراير 1966، التي كانت تملك سلطة التشريع آنذاك بالمرسوم التشريعي رقم /3/109. 

وبقيت المحكمة قائمة تمارس ولايتها منذ ذلك الوقت لغاية 3 أيلول/ سبتمبر 2023، حين أصدر بشّار الأسد مرسوما تشريعياً بإلغائها.

خلال إحداث هذه المحكمة، كان اختصاصها الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية التي يقرّر وزير الدفاع إحالتها إليها، على أن تحكم بأثر رجعي من تاريخ النكسة، أيّ حرب حزيران/ يونيو 1967، ذلك أن هدف هذه المحكمة كان محاسبة العناصر الذين تسبّبوا في هذه الخسائر، والأعمال التي يقوم بها الجيش أو بعض وحداته في الحرب، أو عند وقوع مواجهة مسلّحة مع العدوّ.

لكنّ دور المحكمة لم يتوقّف هنا. ففي شباط/ فبراير 1970 وبينما كان حافظ الأسد يصعد إلى سدّة الحكم، صدر المرسوم التشريعي رقم /6/61 أضاف إليها اختصاص النظر في الجرائم المرتكبة “أمام العدوّ”، التي يحيلها إليها وزير الدفاع، فضلاً عن اختصاصها الأصلي بالجرائم المرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليّات الحربية.

وفي 1 تمّوز/ يوليو 1980، أصدر حافظ الأسد المرسوم التشريعي رقم /7/32 القاضي بتوسيع اختصاصها ليشمل الجرائم المرتكبة “عند وقوع اضطرابات داخلية”، وهذا التعديل منحها الولاية لمحاكمة الأفراد المنتمين إلى جماعة “الإخوان المسلمين” في أثناء أحداث الثمانينيات، التي بلغت ذروتها بارتكاب النظام السوري مجزرة حماة في عام 1982، وأيضاً محاكمة الأشخاص المشاركين بالثورة السورية التي انطلقت في آذار/ مارس 2011.

بموجب هذا التعديل، أُضيفت موادّ فضفاضة سمحت بتدخّل محاكم الميدان لمحاكمة المدنيين، إذ أصبحت تختصّ بالنظر في كافّة الجرائم التي تدخل أصلاً في اختصاص القضاء العسكري والمرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليّات الحربية والاضطرابات الداخلية، التي يقرّر وزير الدفاع بسلطته التقديرية إحالتها إليها.

غير أن هذه التعديلات، لم يكن غرضها تشديد العقوبات البسيطة وتحويلها إلى حكم الإعدام وحسب، بل كانت سبيلاً للاسترزاق، فقد أُحيل الى محكمة الجنايات شخص بجرم القتل والاغتصاب واستطاع أهله الوصول إلى مصطفى طلاس، الذي أصدر قراراً بإحالة القضيّة إلى محكمة الميدان حيث حكم بالمدّة التي توقّف بها فقط. والكثير من القضايا الجنائية التي حوّلت إليها كانت نتيجة فساد ووساطة منها قضايا خطيرة بقصد التهرّب من العقوبة وأخرى بسيطة بهدف تشديد العقوبة، وذلك بحسب ما قال المحامي في نقابة محامي دمشق فوّاز الخوجة.

وأضاف الخوجة، أن “أهمّ صفة من صفات محكمة الميدان أنها لا تتقيّد بعقوبة، فقد تحكم بالإعدام على جرم عقوبته عاماً، وقد تحكم بمدد بسيطة على جريمة عقوبتها الإعدام”.

سرّ الرقم 22 في جنزير محاكم الميدان

لا يُعرف حتّى الآن سبب أن الرقم 22 هو المرادف لـ”جنزير” المعتقلين، حيث كانت أجهزة الأمن تصرّ على تقييد 22 شخصاً بجنزير واحد قبل نقلهم إلى محكمة الميدان منذ عهد حفاظ الأسد، واستمرّ الأمر في عهد ابنه بشّار، حتّى إن المعتقل السابق فؤاد نعّال الذي يدير “رابطة أحرار صيدنايا معتقلات الأسد” كان مع مجموعة تضمّ 21 شخصاً، وأُجِّل نقلهم إلى محكمة الميدان ريثما تمكّنوا من إحضار محال آخرى إلى المحكمة حتى يصير عددهم 22 شخصاً.

اعتُقل نعّال، كما يروي لمعدّي التحقيق، في 13 نيسان/ أبريل 2004، على خلفية الغزو الأميركي للعراق، وتنقّل بين الفرع 227 (فرع المنطقة) وسجن صيدنايا ثم سجن عدرا الذي خرج منه ليلة سقوط الأسد.

حين بدأ الغزو الأميركي، أفتى مفتي الجمهورية أحمد كفتارو، بتوجيه من نظام الأسد، بوجوب الجهاد في العراق ضدّ الأميركيين، وبدأ حينها السوريون يتوجّهون إلى العراق عبر حافلات بإشراف من المخابرات السورية. 

حينها لاحظ نعّال أن الحافلات كانت تُستهدف على الحدود العراقية، فيُقتل كل من بداخلها بتنسيق من المخابرات السورية، إذ كان ذلك عمليّة تصفية بحقّ كل من يحمل فكرة “الجهاد”.

إثر ذلك، أصدر  نعّال فتوى مخالفة لفتوى كفتارو، ونزل إلى “معرض دمشق الدولي” حيث كانت الحافلات التي تنقل من ينوون الجهاد في العراق تتجمّع هناك، وصار يقنعهم بالعدول عن قرارهم بالجهاد “عن طريق المخابرات السورية”.

يقول: “كانت فكرتي لهم: إذا أردتم الجهاد فلا تجاهدوا عن طريق النظام السوري فهو مخطّط إفناء لكم. حاولنا بكل الطرق مع الشبّان وساهمنا في إرجاع عدد منهم قبل أن يذهبوا”.

إثر ذلك بدأت ملاحقته من قِبل النظام السوري، فتخفّى داخل سوريا إلى أن تمّ اعتقاله مع زوجته وابنته الرضيعة التي كان عمرها أربعة أشهر في عام 2004، في كراجات البولمان في حرستا في عمليّة مشتركة بين أربعة فروع أمنية هي: فرع أمن المنطقة وفرع فلسطين وفرع المداهمة وشعبة المخابرات العسكرية، وظلّ سجيناً في سجن صيدنايا العسكري منذ ذلك اليوم حتّى سقوط الأسد فجر الثامن من كانون الأوّل/ ديسمبر 2024.

بعد الاعتقال، تمّ فصل ابنته الرضيعة بعمر أربعة أشهر عن أمّها ووضعوها في زنزانة انفرادية، ووضعوا الأمّ في زنزانة منفردة أخرى، وحتّى يقوموا بإخراج ابنته طلب منه سعيد سمّور الذي أصبح وزيراً للداخلية لاحقاً، أن يوافق على الاعتراف بجميع التهم التي وُجّهت ضدّه.

خلال التحقيق معه في فرع فلسطين، أُخبِرَ بأنّه يواجه 33 تهمة، لم تكن منها تهمة تتعلّق بالفتوى التي أصدرها أو التحريض على الدولة، بل كانت كلها مغايرة تماماً.

يقول نعّال: “حقّق معي سعيد سمّور الذي كان رئيس فرع المنطقة وقتها، وآصف شوكت صهر الأسد، ومنهل السويد، وفي أحد الجلسات حضرَ حسن خلوف رئيس فرع فلسطين”، أمّا التهم فكانت: التخطيط لاغتيال شخصيّات مهمّة من بينها بشّار الأسد، والتخطيط لتفجير مبنى السفارة الأميركية في دمشق.

بعد ذلك، عرض آصف شوكت على نعّال إخلاء سبيل زوجته مقابل الاعتراف بتهمة جديدة، حيث وُضعت أمامه قائمة اغتيالات فيها عدّة أسماء، ويجب عليه الاعتراف بأنّه كان يخطّط لاغتيالهم جميعاً، ومن بينهم آصف شوكت نفسه.

بعد موافقته على الاعترافات خوفاً على ابنته، خضع نعّال للمحاكمة في محكمة الميدان في عام 2005 أمام القاضي اللواء محمّد كنج الذي حكم عليه بالمؤبّد الميداني، أيّ السجن مدى الحياة حتّى الموت في السجن، بينما حكمته محكمة أمن الدولة بعد ذلك بـمؤبّدين وإعدامين.

نُقل المعتقلون إلى المحكمة بطريقة عنيفة، إذ رُبطوا بجنزير معاً ووُضعوا في شاحنة (برّاد لحمة) وعندما وصلوا إلى المحكمة فُتح الباب وتمّ سحبهم بعنف حتى تدحرجوا فوق بعضهم بعضاً، فدخلوا إلى المحكمة وآثار التعذيب لانتزاع الاعترافات بادية عليهم.

خلال نصف ساعة في نهاية الدوام من يوم الأحد حُكِمَ على الجميع، ولم يكن لدى المحكمة أدلّة أو إثباتات أو تهم حقيقية، وكان القاضي محمّد كنج يجلس وأمامه ضابط برتبة لواء وشخص يرتدي سترة جلد ونظارات شمسية داخل المحكمة، فيما بعد عرف نعّال أنّه كان عنصراً أمنياً من مكتب الأمن القومي آنذاك.

سأله كنج فقط عن اسمه، ثم سأله إذا كان يقرُّ بالكلام الذي قاله، فأجابه نعم. ثم أشار بيده اليمين بعد أن أمره بالخروج. وكان نعّال يعرف حينها أن الإشارة باليد اليسرى تعني الإعدام في المحكمة ذاتها بالرصاص مباشرةً، فإصدار حكم الإعدام لم يتطلّب أكثر من إيماءة أو إشارة من القاضي. 

يذكر نعّال أن محاكم الميدان أعدمت آلاف الأشخاص باسم العدالة، ولكنّها في الحقيقة كانت عبارة عن عمليّات تصفية عرقية طائفية كاملة.

اطّلعت “سراج” على نسخ رقمية من وثائق تُظهر إحالة آلاف الأشخاص إلى محاكم الميدان العسكرية في العامين 1982 و1983 معظمهم إمّا بتهمة الانتماء إلى “حركة الإخوان المسلمين” وإمّا الانتماء إلى “تنظيم يمين المشبوه” (في إشارة إلى حركة قادها ضبّاط أحرار ردّاً على إقصاء حافظ الأسد قيادات سورية كانت مدعومة من العراق) وهؤلاء كان معظمهم ينحدرون من محافظة السويداء، في حين أن أكثر الفئات الأخرى التي تمّت إحالتها إلى هذه المحكمة، كانت تضمّ أشخاصاً متّهمين بالانتماء إلى “حزب الكتائب اللبنانية”.

لا تُظهر الوثائق ما حصل لهؤلاء بالضبط، لكن من المرجّح أن يكون معظمهم أُعدم في فترات مختلفة، كم أنّه لم يُعرف تماماً عدد من أٌعدموا في محاكم الميدان، سواء في زمن حافظ الأسد أو في فترة حكم بشّار الأسد حتّى العام 2011.

لم يكن توقيع طلاس على وثائق الإعدام بحقّ مدنيين أمراً غريباً، إذ كان جزءاً من منظومة الإعدام في محاكم الميدان.

وكانت العلاقة بين مصطفى طلاس وحافظ الأسد من أقوى العلاقات البنيوية داخل السلطة في سوريا. إذ تعرّف الأسد على طلاس في الكليّة العسكرية في حمص في خمسينيات القرن الماضي، وعملا معاً في حزب “البعث”، ثم ساعد طلاس الأسد بالصعود إلى الحكم، وكنوع من المكافأة عيّنه حافظ الأسد وزيراً للدفاع منذ 1972، حيث بقي في المنصب حتى 2004، أي استمرَّ في منصبه لأربع سنوات بعهد بشّار الأسد الذي ورث الحكم عن أبيه.

في عام 2005، أجرى طلاس حواراً مع مجلة “دير شبيغل” الألمانية قال فيه إنه لم يعد يعرف عدد أحكام الإعدام التي وقّعها شخصياً، وقال إنه في بعض الأحيان خلال ثمانينيات القرن الماضي، كان يُنفّذ 150 حكم إعدام شنقاً أسبوعياً في دمشق وحدها. 

وأضاف مبتسماً: “استخدمنا السلاح للوصول إلى السلطة، وأردنا التمسّك بها. أيّ شخص يريد السلطة سيضطرّ إلى انتزاعها منّا بالسلاح”.

التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عوّاد