fbpx

محمد حافظ رحل في المنفى… موت في الموت

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

توفي المدافع عن حقوق الإنسان محمد حافظ، مريضاً في ملجئه بهولندا، مثله كمثل آلاف الشباب المصريين، الذين لجأوا إلى دول أوروبا وأميركا وغيرها، هرباً وخوفاً من القمع الذي يمارسه النظام المصري بحق كل من يعارضه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ليس المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان محمد حافظ، والذي توفي مريضاً في ملجئه بهولندا، يوم 22 آذار/ مارس الماضي، حسب ما كتب بعض أصدقائه، هو الوحيد، بل سبقته الناشطة المصرية سارة حجازي التي انتحرت، في حزيران/ يونيو 2020، بمدينة تورنتو في كندا. 

حافظ وحجازي مثلهما كمثل آلاف الشباب المصريين، الذين لجأوا إلى دول أوروبا وأميركا وغيرها، هرباً وخوفاً من القمع الذي يمارسه النظام المصري بحق كل من يعارضه، أو حتى كل من يمارس عملاً سياسياً وحقوقياً مستقلاً بعيداً من سرديته. 

نعى حافظ الكثير من أصدقائه داخل مصر وخارجها، ممن حالهم مثل حاله، يعانون من الاغتراب والانعزال والاشتياق إلى الوطن، كما الخوف من الموت بعيداً من الأهل والرفاق. وهذا هو الواقع الحالي، قمع ومنفى وخوف أنتجته الممارسات السُلطوية الحالية في مصر، كما ساعد في تغذيته عدم تكاتف هؤلاء المعرّضين للقمع لمواجهة تلك الممارسات، كما للتخفيف من الصعوبات التي يواجهونها في منفاهم، من تحديات معيشية مالية، كما تحديات نفسية وقانونية. 

لم يكتفِ النظام المصري بممارسة شتى أنواع القمع داخل مصر بحق المعارضين، من قتل وسجن وإخفاء وتهديد وتخويف، بل حتى عندما لا يجد هؤلاء المعارضون سوى السفر للهروب من هذا القمع، يجدون أنفسهم معرّضين لقمع آخر بطريقتين مختلفتين ينتهجهما هذا النظام بحق المعارضين الذين فرّوا من مصر. 

الأولى تتمثّل في التهديد بقمع أهلهم بدلاً من قمعهم، بما أنّهم هربوا من القمع المباشر على أجسادهم، وهذا تجلى في اعتقال أصدقائهم أو أقاربهم، مثلما حدث مع الناشط المصري وائل غنيم، حين اعتقلت قوات الأمن المصرية شقيقه، في أيلول/ سبتمبر من عام 2019، كرد فعل على بثّ وائل فيديوات معارضة للنظام المصري. تكرر الحادث أيضاً مع والد الصحافي أحمد جمال زيادة، في آب/ أغسطس من عام 2023، إذ اعتقلته الأجهزة الأمنية بسبب عمل ابنه الصحافي، وكان زيادة يكتب دائماً أن ليس لوالده أو أي أحد من أقاربه في مصر ذنب لاعتقاله، بسبب عمله الصحافي والمهني. 

وربما أبرز هذه التمثلات، والتي اتسمت ببُعد سلطوي مباشر يهدد بقاءها، كانت مع السياسي والمعارض المصري أحمد الطنطاوي، حين أعلن عودته من لبنان إلى مصر في أيار/ مايو من عام 2023، وتقديم نفسه كبديل مدني ديمقراطي، وخوضه سباق الانتخابات الرئاسية ضد الرئيس السيسي، فاعتقلت السلطة بعضاً من أقاربه وأصدقائه المقربين للضغط عليه لعدم ممارسة السياسة أو الدخول في سباق الانتخابات حينها. 

أما الطريقة الثانية التي تنتهجها السلطة في مصر، هي وقف كل المعاملات القانونية التي تخص المصريين المعارضين في الخارج مع سفارة بلدهم، وأبرز هذه المعاملات هي إشكالية تجديد جواز السفر المصري. فالمئات، وربما الآلاف من المصريين المعارضين المنفيين خارج مصر، يواجهون مشكلة حين يذهبون لتجديد جواز سفرهم، إذ تتعنّت السفارة معهم، ومع مرور الوقت، يقولون إن المنع سببه أمني، وربما يقدمون لهم وثيقة سفر للعودة إلى مصر، ومن هناك، يتم تجديد جواز السفر، وهذا غير منطقي تماماً، إذ هم هربوا من مصر، فكيف يعودون إليها، أو بمعنى أدق يعودون إلى السجن بإرادتهم؟! 

هذه الممارسات القمعية التي لا تكل السُلطة عن فعلها بحق المنفيين، تتطلب تكاتفاً من المنفيين أنفسهم، سواء كانوا أفراداً أو جماعات، لمواجهتها والتغلب عليها. لكن في بعض الأحيان، يكون الأمر عكس ذلك، إذ يكون الأفراد أو حتى المنظمات عبئاً آخر يصعّب الأمر ويزيد من التحديات المادية والنفسية أمام البعض منهم. 

وكانت من ضمن أسباب الضغوط النفسية التي تعرض لها حافظ، حسب شهادة بعض أصدقائه، قبل وفاته في المنفى، هو الضغط النفسي الذي تعرض له من المؤسسة الذي كان يعمل بها، كما وحدته واغترابه، وعدم مساعدته بشكل كافٍ لتحقيق استقراره المعيشي والقانوني والنفسي. 

هذا الأمر ألمسه أنا جيداً بشكل شخصي، بما أني خارج مصر، منفياً، لعامين ونصف العام، وما زلت أبحث، كغيري حاملاً آلامي المعيشية والنفسية، عن فرص أكثر استقراراً وأماناً، وأجد في بحثي، أن بعضاً من المنفيين، كما ذكرنا أفراداً وجماعات، لا تحكمهم أخلاقيات المساعدة الحقيقية لمن هم في حاجة إليها، بشكل جاد وعاجل، بل تحكمهم معايير الشلليّة والتحزب، وتقسم فرص السفر ومنح الحماية وغير ذلك من إمكانات داخل برامج الدعم التي توفرها المؤسسات، حسب المعارف والوساطات والمحسوبيات، فلا يقدّم الدعم وفق حاجة الشخص إليه، بل وفق من هو الشخص نفسه، ومن هم معارفه، إلى آخره من كواليس أعرفها جيداً. 

هذه الشلليّة المتمركزة داخل بعض مجتمعات المنفى، تزيد المنفي المُتضرر منها آلاماً معيشية ونفسية شديدة السوء، فيجد نفسه مغترباً وسط مجتمع لا يعرفه، وفي بلاد ليس مواطناً فيها، وربما تمارَس عليه العنصرية فيها، فيعيش خائفاً من قمع السُلطة لأهله وأقاربه، أو حتى له من خلال نزعها عنه مواطنته، بمنعه من تجديد جواز سفره، ويائساً (متوفياً أو منتحراً)، وسط مجموعات لا تقدره ولا تعترف به، فيكون عندها الموت (مهما اختلفت أسبابه) مخلصاً له من همِّ التحديات التي يواجهها في المنفى، وأحياناً يكون المنفى هو موت آخر، فيموت في الموت. 

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
30.03.2024
زمن القراءة: 4 minutes

توفي المدافع عن حقوق الإنسان محمد حافظ، مريضاً في ملجئه بهولندا، مثله كمثل آلاف الشباب المصريين، الذين لجأوا إلى دول أوروبا وأميركا وغيرها، هرباً وخوفاً من القمع الذي يمارسه النظام المصري بحق كل من يعارضه.

ليس المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان محمد حافظ، والذي توفي مريضاً في ملجئه بهولندا، يوم 22 آذار/ مارس الماضي، حسب ما كتب بعض أصدقائه، هو الوحيد، بل سبقته الناشطة المصرية سارة حجازي التي انتحرت، في حزيران/ يونيو 2020، بمدينة تورنتو في كندا. 

حافظ وحجازي مثلهما كمثل آلاف الشباب المصريين، الذين لجأوا إلى دول أوروبا وأميركا وغيرها، هرباً وخوفاً من القمع الذي يمارسه النظام المصري بحق كل من يعارضه، أو حتى كل من يمارس عملاً سياسياً وحقوقياً مستقلاً بعيداً من سرديته. 

نعى حافظ الكثير من أصدقائه داخل مصر وخارجها، ممن حالهم مثل حاله، يعانون من الاغتراب والانعزال والاشتياق إلى الوطن، كما الخوف من الموت بعيداً من الأهل والرفاق. وهذا هو الواقع الحالي، قمع ومنفى وخوف أنتجته الممارسات السُلطوية الحالية في مصر، كما ساعد في تغذيته عدم تكاتف هؤلاء المعرّضين للقمع لمواجهة تلك الممارسات، كما للتخفيف من الصعوبات التي يواجهونها في منفاهم، من تحديات معيشية مالية، كما تحديات نفسية وقانونية. 

لم يكتفِ النظام المصري بممارسة شتى أنواع القمع داخل مصر بحق المعارضين، من قتل وسجن وإخفاء وتهديد وتخويف، بل حتى عندما لا يجد هؤلاء المعارضون سوى السفر للهروب من هذا القمع، يجدون أنفسهم معرّضين لقمع آخر بطريقتين مختلفتين ينتهجهما هذا النظام بحق المعارضين الذين فرّوا من مصر. 

الأولى تتمثّل في التهديد بقمع أهلهم بدلاً من قمعهم، بما أنّهم هربوا من القمع المباشر على أجسادهم، وهذا تجلى في اعتقال أصدقائهم أو أقاربهم، مثلما حدث مع الناشط المصري وائل غنيم، حين اعتقلت قوات الأمن المصرية شقيقه، في أيلول/ سبتمبر من عام 2019، كرد فعل على بثّ وائل فيديوات معارضة للنظام المصري. تكرر الحادث أيضاً مع والد الصحافي أحمد جمال زيادة، في آب/ أغسطس من عام 2023، إذ اعتقلته الأجهزة الأمنية بسبب عمل ابنه الصحافي، وكان زيادة يكتب دائماً أن ليس لوالده أو أي أحد من أقاربه في مصر ذنب لاعتقاله، بسبب عمله الصحافي والمهني. 

وربما أبرز هذه التمثلات، والتي اتسمت ببُعد سلطوي مباشر يهدد بقاءها، كانت مع السياسي والمعارض المصري أحمد الطنطاوي، حين أعلن عودته من لبنان إلى مصر في أيار/ مايو من عام 2023، وتقديم نفسه كبديل مدني ديمقراطي، وخوضه سباق الانتخابات الرئاسية ضد الرئيس السيسي، فاعتقلت السلطة بعضاً من أقاربه وأصدقائه المقربين للضغط عليه لعدم ممارسة السياسة أو الدخول في سباق الانتخابات حينها. 

أما الطريقة الثانية التي تنتهجها السلطة في مصر، هي وقف كل المعاملات القانونية التي تخص المصريين المعارضين في الخارج مع سفارة بلدهم، وأبرز هذه المعاملات هي إشكالية تجديد جواز السفر المصري. فالمئات، وربما الآلاف من المصريين المعارضين المنفيين خارج مصر، يواجهون مشكلة حين يذهبون لتجديد جواز سفرهم، إذ تتعنّت السفارة معهم، ومع مرور الوقت، يقولون إن المنع سببه أمني، وربما يقدمون لهم وثيقة سفر للعودة إلى مصر، ومن هناك، يتم تجديد جواز السفر، وهذا غير منطقي تماماً، إذ هم هربوا من مصر، فكيف يعودون إليها، أو بمعنى أدق يعودون إلى السجن بإرادتهم؟! 

هذه الممارسات القمعية التي لا تكل السُلطة عن فعلها بحق المنفيين، تتطلب تكاتفاً من المنفيين أنفسهم، سواء كانوا أفراداً أو جماعات، لمواجهتها والتغلب عليها. لكن في بعض الأحيان، يكون الأمر عكس ذلك، إذ يكون الأفراد أو حتى المنظمات عبئاً آخر يصعّب الأمر ويزيد من التحديات المادية والنفسية أمام البعض منهم. 

وكانت من ضمن أسباب الضغوط النفسية التي تعرض لها حافظ، حسب شهادة بعض أصدقائه، قبل وفاته في المنفى، هو الضغط النفسي الذي تعرض له من المؤسسة الذي كان يعمل بها، كما وحدته واغترابه، وعدم مساعدته بشكل كافٍ لتحقيق استقراره المعيشي والقانوني والنفسي. 

هذا الأمر ألمسه أنا جيداً بشكل شخصي، بما أني خارج مصر، منفياً، لعامين ونصف العام، وما زلت أبحث، كغيري حاملاً آلامي المعيشية والنفسية، عن فرص أكثر استقراراً وأماناً، وأجد في بحثي، أن بعضاً من المنفيين، كما ذكرنا أفراداً وجماعات، لا تحكمهم أخلاقيات المساعدة الحقيقية لمن هم في حاجة إليها، بشكل جاد وعاجل، بل تحكمهم معايير الشلليّة والتحزب، وتقسم فرص السفر ومنح الحماية وغير ذلك من إمكانات داخل برامج الدعم التي توفرها المؤسسات، حسب المعارف والوساطات والمحسوبيات، فلا يقدّم الدعم وفق حاجة الشخص إليه، بل وفق من هو الشخص نفسه، ومن هم معارفه، إلى آخره من كواليس أعرفها جيداً. 

هذه الشلليّة المتمركزة داخل بعض مجتمعات المنفى، تزيد المنفي المُتضرر منها آلاماً معيشية ونفسية شديدة السوء، فيجد نفسه مغترباً وسط مجتمع لا يعرفه، وفي بلاد ليس مواطناً فيها، وربما تمارَس عليه العنصرية فيها، فيعيش خائفاً من قمع السُلطة لأهله وأقاربه، أو حتى له من خلال نزعها عنه مواطنته، بمنعه من تجديد جواز سفره، ويائساً (متوفياً أو منتحراً)، وسط مجموعات لا تقدره ولا تعترف به، فيكون عندها الموت (مهما اختلفت أسبابه) مخلصاً له من همِّ التحديات التي يواجهها في المنفى، وأحياناً يكون المنفى هو موت آخر، فيموت في الموت. 

30.03.2024
زمن القراءة: 4 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية